مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الانفطار لفضيلة الش

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 50 من 376 · 44 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. تلاوة سورة الانفطار ومشاهد القيامة
  2. انفطار السماء وانتثار الكواكب وتفجير البحار وبعثرة القبور
  3. حقيقة ما قدمت وأخرت من السنن والآثار الصالحة والسيئة
  4. عتاب العبد المغرور ما غرك بربك الكريم وبيان نعم الله في خلقه
  5. التحذير من الأمن من مكر الله بحديث النطفة وخوف سفيان الثوري
  6. نعيم الأبرار وجحيم الفجار في الدارين وتفنيد تخليد عصاة الموحدين
  7. كتابة الحفظة الكرام الكاتبين لظواهر الأعمال وخواطر القلوب وحياء العبد منهم
  8. تفخيم هول يوم الدين وعجز الشفعاء إلا بإذن الله
التفريغ النصي الكامل للدرس

تلاوة سورة الانفطار ومشاهد القيامة

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم

وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فننتقل الليلة، يا أيها الإخوة الكرام، إلى تفسير سورة الانفطار قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾

﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (الانفطار: 4-11)

انفطار السماء وانتثار الكواكب وتفجير البحار وبعثرة القبور

قال الله عز وجل. ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ تقدم، يا أيها الإخوة الكرام، ما يقارب هذا المعنى فالانفطار بمعنى الانشقاق ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾، أي: إذا السماء تشققت

ومن أسباب تشقق السماء نزول الملائكة كما قال عز من قائل ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا﴾2 (الفرقان: 25). ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ أي: إذًا تشققت السماء. وهذا يكون يوم القيامة. وهذا من أحوال يوم القيامة أن السماء تتفطر حينئذ أو أن يكون ذلك قبيل يوم القيامة ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ وانفطر بهذا الفعل الذي يقال له: فعل المطاوعة ففطرها فانفطر،

فقصد بذلك الاهتمام بالفعل. أي: أن هذه السماء يحدث لها تفطر يحدث لها تشقق. وقد جاء في القرآن الكريم آيات تتحدث عما يجري للسماء ومنها أن السماء تتشقق وتتصدع وتتفطر ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾ أي: وإذا الكواكب تساقطت

فالآنتثار بمعنى التساقط. وقد مضى معنى ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾ وإذا الكواكب انتثرت، أي: تساقطت. وهذا أيضًا يجري لها ويكون من هذه المشاهد في ذلك الوقت ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾

﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فُجَّرَتْ قال بعضهم: أي: مُلِئَتْ وقال بعضهم: فُرِّغَتْ فهي تفجَّر ابتداءً بأن يمتلئ بعضها مع بعض

فإذا بها تصير بحرًا واحدًا. ثم بعد ذلك تفرغ مما فيها. إذن ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فجر بعضها ببعض أو على بعض فاختلط بعضها ببعض وصارت بحرًا واحدًا ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾

﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: أخرج ما فيها خرج ما في القبور خرج ما في القبور من أجساد ومن تراب وما إلى ذلك كما قال الله سبحانه. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾3 (الزلزلة: 1)

﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾4 (الزلزلة: 2-5) إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ

وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ وَهَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ هذا يكون يوم القيامة بعثرة القبور وإخراج ما فيها ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾5 (المعارج: 43) قال. ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾

وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ماذا يكون ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾؟ ماذا يحدث إذًا شرطية تحتاج إلى جواب. إذًا انفطرت السماء إذا حدث للكواكب الآنتثار وللجبال ما يحدث وللقبور ما يحدث ماذا يكون جاء الجواب في قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ﴾

حقيقة ما قدمت وأخرت من السنن والآثار الصالحة والسيئة

إذن؛ فإذا حدثت هذه الأمور يوم القيامة ماذا يحدث الجواب ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ونفس هنا وإن كانت نكرة لكنَّها في معنى: العموم فمعنى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) أي: علمت ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ قدمت وأخرت

يوم القيامة تعلم ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ قدمت وأخرت يعلم المؤمن ما قدم وأخر ويعلم الكافر ما قدم وأخر ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) ومضى معنا في سورة التكوير ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾. وهنا قال الله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) قال بعض العلماء: ما قدمت من حسنات وما أخرت من معاصي فعلمت نفس ما قدمت وما أخرت فقالوا ما قدمت هو الحسنات

وقال بعض العلماء: ليس كذلك؛ لأنَّ العاصي قد قدم معصية، والمطيع قد قدم طاعة، والمطيع قد قدم طاعة فقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) سواء أكان الطاعة أم معصية لأنَّ الذي عصى الله قد قدم معصية

والذي أطاع الله قد قدم طاعة ففي كل الأحوال قد قدموا شيئًا منهم من قدم طاعة. ومنهم من قدم المعصية فقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) يشمل كل ما قدمه الإنسان سواء أكان الذي قدمه الإنسان مما يرضي الله، وهذا من الأقوال القوية في الآية، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) من أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) من الحسنات والسيئات من الخير والشر من الحسن والقبيح وقال بعضهم: هذا كله مما قدم ليس مما أخر. إذن ما أخر هذا شيء آخر فقالوا كلما عمله الإنسان فهو مما قدمه

وما لم يعمله الإنسان مما ينتفع به بعد موته فهو مما أخَّره فيدخل في ذلك ما إذا دعا الإنسان غيره إلى الخير وقام الناس باتباعه فسن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ إذن الإنسان يجد ما عمله هو بنفسه وما كان سببًا فيه أو ما عمله غيره مما ينفعه بعد وفاته كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يدعو له» كما في صحيح مسلم رحمه الله. إذن ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5)

من أهل العلم من يعمم. فيقول: علمت نفس ما قدمت من الخير ومن الشرع من الحسنات والسيئات واعتُرِض على هذا فقالوا: إن الحسنات والسيئات قد قدمها الإنسان فليست مما أخَّر. إذن ما الذي أخَّره قالوا الذي أخَّره ما كان سببًا فيه أو ما حدث بعد وفاته واستفاد منه. ومن ذلك. كذلك الذي يسن في الناس سنةً سيئةً فإنَّ عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. ولذلك «لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ منها» كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين فكل نفسٍ تقتل ظلمًا على ابن آدم الأول الذي قتل أخاه عليه نصيبٌ من ذلك. وذلك لأنه سنَّ تلك السنة السيئة. إذن الإنسان إذا مات قد تأتي أعمال أخرى تلحقه إما لأنه كان سببًا فيها أو لأنه انتفع بتلك الأعمال بعد الوفاة بفضل الله سبحانه وتعالى كاستغفار الولد لوالده

وتصدقه عنه وما إلى ذلك مما جاءت الأخبار بتصحيحه وقبوله. والله أعلم ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) ما قدمت وأخرت ولا يمنع أن يدخل فيها القول الأول فهو جزء منها، وهذا أعم، أي: القول الثاني، فعلى ذلك فعلى ذلك كلما قدمه الإنسان من الخيرات من الشرور من الحسنات

كل ذلك يجده الإنسان يوم القيامة والأمر كما قال الله ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾. ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾

قال ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) وليس المراد بذلك العلم فحسب وإنَّما العلم الذي ينتج عنه ثواب أو عقاب. يعني: هل المقصود أنك ستعلم يوم القيامة فحسب

بَلِ الْعِلْمِ الَّذِي يَصْحَبُهُ إِمَّا الثَّوَابُ وَإِمَّا الْعِقَابُ إِمَّا الْجَنَّةُ وَإِمَّا الْنَّارُ. إذن هو ليس مجرد علم بأن تطلع على حسناتك أو سيئاتك أو أن تطلع على كتابك فحسب وإنَّما يعقب ذلك. أيضًا من دخول الجنان أو دخول النيران. نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار

﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ما المراد بالإنسان في الآية قال بعضهم: المراد بالإنسان هنا الإنسان الكافر فهو الذي يغتر وهو الذي يترك طاعة الله

عتاب العبد المغرور ما غرك بربك الكريم وبيان نعم الله في خلقه

وهو الذي يكذب بالدين كما جاء بعد في قوله ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ فقالوا: إن المراد بالإنسان هنا الإنسان الكافر وقال بعض العلماء: بل المراد بالإنسان جنس الإنسان لأنَّ الإنسان من حيث هو جهول كفار

أي: شيء غرك بربك الكريم فـ«ما» هنا استفهامية، ما الذي غرك بربك الكريم ما الذي جعلك تغتر وتقبل على المعاصي والسيئات وتعرض عن الحسنات والطاعات ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ما غرك بربك ذي الفضل

. فالله كريم جواد يحسن إلى عباده سبحانه جواد يحب الجود وهو كذلك محسن يحب الإحسان سبحانه عز وجل فالكريم من معانيه الجواد ومنه قول الناس فلان كريم يجود على الناس ولا يبخل عليهم. ولذلك يقابل الكريم البخيل ومن معاني الكرم الصفح

فهو الكريم أي: الصفوح الذي يعفو عن عباده ويصفح عنهم سبحانه جل وعلا وهو كذلك الكريم الذي فاق كل شيء وله صفات الجلال ونعوت الجمال سبحانه وبحمده ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِى﴾ أحسن إليك والذي يصفح عنك لا يعاجل لك العقوبة بل سبحانه يصبر ويحلم على عباده

فما غرك بربك الكريم ألأنه كريم تغتر كان يجدر بك أن تقابل كرمه بالاعتراف له بالفضل فإذا بك تنكسر إليه وتخضع إليه وتقر له وتعترف ما غرك بربك الكريم ما غرك بربك الكريم أي: شيء غرك جعلك تغتر فتجترئ على معاصيه وتقترف ما حرم عليك

ما غرك بربك الكريم ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبه الذي خلقك لماذا تغتر ولماذا تقترف المعاصي ولا تقدر الله حق تقديره وتعظمه حق تعظيمه وهو الله الذي خلقك كما قال

الرجل الصالح لصاحبه وهو صاحب الجنتين ﴿أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ6 ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًا﴾ (الكهف: 37) سواك رجلًا لكنه ﴿ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًا﴾ الذي خلقك

فسواك فعدلك فسواك جعلك مستوي الخلق بفضل الله سبحانه وتعالى فأنت في حالة استواء في حالة اكتمال خلقك فسواك، كمَّلك على أحسن صورة

فسواك جعلك على صورة حسنة على صورة مكتملة مستوية ليس فيك نقص مما يتعلق بالبشر ﴿أَنَّمَا﴾ أعطاك الله ما به تفوق غيرك

وكما قال ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ الإنسان لا شك فيه نقص

ليس كالحيوان الإنسان يمشي على رجليه ويداه مرفوعتان بفضل الله سبحانه وتعالى يتناول بها الأشياء ورأسه فوق. وأما الحيوان فاليدان والرجلان يمشي على رجليه ويمشي على يديه. كذلك وإذا أراد أن يطعم فإنَّه يضع رأسه ليطعم وليلةث أو ليأكل أو ليشرب. وأما أنت بفضل الله فأنت مستوي الخلق عالي الهامة مرتفع الرأس رجلاك إلى الأسفل ورأسك إلى فوق فأنت مرتفع المكانة. فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى إذ لم يجعلك كالبهائم تمشي على اليدين وتمشي على الرجلين وإنَّما جعلك مستوي الخلق معتدل القامة. فهذا معنا من معاني فعدلك. وأما قوله فعدلك. يعني: صرفك إلى أي: صورةٍ شاءها سبحانه وتعالى صرفك فصرت شبهًا بأبيك أو شبهًا بأمك شبهًا بأقاربك أو لست شبيهًا بهم طويلًا أو قصيرًا صرفك فصرت أبيض أو أسود طويلًا أو قصيرًا كل ذلك بقدره سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾

﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك قال عدد من أهل العلم إن قوله ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة متعلق بقوله ركبك وليس متعلقًا بقوله فعدلك لا سيما على قراءة التخفيف

لأن عدل يقال عدل إلى كذا ولا يقال عدل في كذا كذا قال بعضهم: فقالوا على كل ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة متعلقة بركبك أي: ما شاء ركبك ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة الذي يشاءه الله

ما شاء ركبك يركبك الله سبحانه وتعالى على الصورة التي يشاءها جل وعلا فهو المصور. وهذا من أسمائه الخالق البارئ المصور ﴿لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان

ما غرك بربك الكريم ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك بصق النبي ﷺ على أصبعه ذات يوم ووضعها في التراب ثم قال: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه»

حتى إذا سويتك وعدلتك وحتى إذًا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتتصدق! وأنّى أوانُ الصدق، فانظر رحمك الله إلى هذا العبد الذي لا يكون لديه شيء فيسأل الله أن يعطيه؛ فإذا أعطاه الله

ويمن الله عز وجل عليه. إذًا به يضن بالمال أن ينفقه ويضن بالطاعة أن يبذلها فإذا به يقيم على معصية الله ويترك طاعة الله. نسأل الله السلامة والعافية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك

أما علمت -﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان- أن الله سبحانه… أن الله سبحانه وإن أمهلك فإنَّ الله سبحانه يملي للظالمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم. وكان أخذه أخذًا شديدًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إن الله ليملي للظالمين

حتى إذا أخذه لم يفلت ثم قرأ قول الله ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك، يا أيها الإخوة الكرام، إن هذه الآيات

ونحوها كقوله سبحانه وتعالى ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾7 (الأعراف: 99) نأخذ منها درسا عظيمًا وهو عدم الاغترار وعدم الأمن مكر الله سبحانه وتعالى مَن يأمن مكر الله؟

لا يأمن واحد منا من مكر الله لا تدري لعلك مستدرج وأنت لا تشعر ظن الناس بك الخير ولست كذلك، وظننت نفسك على الصلاح ولست كذلك، ﴿إِلَّا﴾ تدري أخي الكريم؟ ﴿إِلَّا﴾ تدري أخي الكريم

لذلك كان الأئمة الأعلام ومن قبلهم الصحابة رضوان الله عليهم وكذا التابعون ومن تبعهم بإحسان يخافون ولا يأمنون مكر الله سبحانه وتعالى سفيان الثوري رحمه الله وهو أمير المؤمنين في الحديث في عصره كان يبول الدم

وكانوا يقولون له ما هذا البكاء الشديد وما هذا الهلع وما هذا الخوف أذلك لكثرة ذنوبك فأمسك رحمة الله بحفنة من تراب وقال. والله الذي لا إله غيره إن ذنوبي أهون عليَّ من هذا التراب ولكني أخاف أن يسلب إيماني أخاف أن يسلب مني الإيمان لا أدري أثبت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ أم لا فلا يأمن أحدنا مكر الله

لا يظن أنه على الصلاح سيبقى على الصلاح قد يتغير به الأمر فيخاف من مكر الله به يخاف ولا يعمل يخاف من الله سبحانه ويخاف من سوء الخاتمة يخاف من العاقبة. نسأل الله السلامة والعافية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك

إن الله سبحانه لطيف بعباده كما قال الله: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ﴾ ربنا سبحانه يحلم بنا ويغفر لعباده ويتجاوز عنهم فجدير بالعباد أن يبادروا بالرجوع إلى الله

والأوبة إليه سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك كما تتذكر أن الله رحيم وأن الله غفور فتذكر ﴿أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾ قادر عزيز ذو انتقام قال الله نبئ ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾… نعم، ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك نعم، يا أيها الإخوة الكرام، إن الدين العظيم يعلمنا هذا فالواحد منَّا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ إذًا أكره على أن يقول كلمة الكفر رخَّص له أن يقول كلمة الكفر

. إذا كان قلبه منعقدًا على التوحيد ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ والعبد الذي يقول باختياره كلمة القذف ويقذف من يقذف من الرجال أو النساء ممن تحققت فيهم الشروط المعروفة لدى أهل العلم فلأنه تكلم بهذه الكلمة يُجلد ثمانين جلدة والذي يسرق ربع دينار فصعدًا تُقطع يده

وآدم عليه السلام. لما أكل من الشجرة أخرج من الجنة وإبليس لما امتنع عن السجود طرد من الرحمة فالله سبحانه وتعالى رحيم وهو شديد العقاب لا تستخف بمعصية الله سبحانه وتعالى شتان شتان بين عبد يعصي يراجع نفسه فيتوب إلى الله ويعلن الافتقار إلى الله

والذي يستهين ولا ينظر إلى أمر الله. ولذلك شتان شتان بين معصية آدم ومعصية إبليس فآدم عليه السلام أمره كما قال الله ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا﴾. وأما ﴿إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ورد الأمر على الآمر سبحانه وتعالى وتكبر على الله فاستحق اللعنة والمقت من الله

قال الله سبحانه ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾ كلا هنا يصح أن تكون بمعنى حقًا حقًا بل تكذبون بالدين أو أنها كلمة ردع وزجر لهذا الإنسان الذي اغتر بفضل الله سبحانه وتعالى فترك طاعته لهذا الإنسان المغرور. فالله يقول له كلا لا تغتر بل تكذبون بالدين حقيقة أمركم حقيقة أمر هؤلاء

التحذير من الأمن من مكر الله بحديث النطفة وخوف سفيان الثوري

أنهم يكذبون بالدين ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَامًا كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾ ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾. والمراد بالدين هنا الجزاء

المراد بالدين هنا الجزاء أي: كلا بل تكذبون بالجزاء تكذبون بالدار الآخرة تكذبون بالبعث تكذبون بوجود جنة ونار ووجه تفسير الدين بذلك ما جاء بعد في السورة نفسها في قوله عز وجل في آخر السورة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ﴾

﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ فيوم الدين هو ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ﴾ شيئًا والأمر يومئذ لله. وهذا اليوم الذي ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ﴾ فيه شيئًا ﴿أَنَّمَا﴾ هو يومه يوم القيامة. إذن بل تكذبون بالدين أي: تكذبون بالجزاء

المراد بذلك هؤلاء المكذبون من الكفار الجاحدين المكذبين. نسأل الله السلامة وقال بعض العلماء: لا مانع. أيضًا من أن يقال بل تكذبون بالدين بالدين نفسه تكذبون بدين الإسلام

تكذبون بالدين الذي بعث به رسل الله عز وجل ولا مانع من حمل الآية على المعنيين فيكون الدين بمعنى الدين المعروف والشرع الذي جاءوا به الرسل ويكون الدين المراد به ويكون الدين معنياً به الجزاء هذا وذاك لا مانع منهما وهما متلازمان كما لا يخفى

﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ كراما كاتبين أتظنون أنكم لا تحاسبون وأنكم لن تجازوا على ما تصنعون كلا بل. هناك دار آخرة وفي الدنيا كتبة يكتبون عليكم ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ نعم، حفظة كرامًا كاتبين فهؤلاء يحفظون ما تصنعون ويدركونه ويعرفونه ويدونونه

فأعمالكم مسجلة عليكم

ومن هذه الآية أخذ بعض العلماء أن الكافر كالمؤمن في هذا الأمر. بمعنى أنه تكتب أعماله لأنَّ بعض العلماء قال لا فائدة من كتابة عمل الكافر لأنَّ أعماله كلها ذاهبة لكن ظاهر الآية في قوله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾. وهذا يعود بالأصالة على بل تكذبون بالدين كراما كاتبين. إذن هناك ملائكة تكتب حتى للكفار حتى ليه

للكفار قالوا وماذا تكتب إذا كان ملك الحسنات لا يكتب لهم شيئًا فماذا يصنع. إذا قالوا يكون شاهدًا عليه على هذا العبد فملك السيئات يكتب وملك الحسنات يشهد على ما كتب ملك السيئات كذا قال بعض العلماء

﴿وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ أي: ملائكة حافظين فحافظين صفة لموصوف مقدر وهم الملائكة ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ كراما كاتبين

موصوفون بالكرم كما مضى كرام بررة فهم كرماء بفضل الله سبحانه وتعالى ومن كرمهم أنهم يدعون للمؤمنين ومن كرمهم استغفارهم لأهل الإيمان وإحسانهم إليه وتقديمهم الخير لهم وعدم معصيتهم لربهم عز وجل كراما كاتبين ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٢)

محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فقال الله تعالى ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ كراما كاتبين ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٢) أي: وإن عليكم لملائكة حافظين كراما كاتبين ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٢)

﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٢) قال بعض العلماء: والأفعال هنا عامة فتشمل أفعال الجوارح وأفعال القلوب فأفعال القلوب تعلَّمها الملائكة بل. قالوا: إن الملائكة تدرك حتى ما ينويه الإنسان من الخير أو الشر. وذلك لأنَّه جاء في الحديث «من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة»

وفي الحديث ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة، فقال: ارقبوه فقالوا: إن الملائكة يُعلِمها الله بما يفعل الإنسان ويهم به وقال بعض العلماء: ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الإنسان أن يفعل خيرًا

شمت الملائكة منه رائحة طيبة وإذا أراد أن يعمل سيئة شموا منه رائحة منتنة. وهذا لا أعلم فيه حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ هذا أمر غيبي فالله أعلم به لكن المذكور في كتاب الله يعلمون ما

من أن يعصي الله عز وجل وهذان الملكان يجاورانه وهؤلاء الحفظة قريبون منه يكتبون عليه عمله أما يستحي من الملائكة والواحد فينا، يا أيها الإخوة، إذا مشى مع رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ استحي منه فلم يفعل السيئة ولم يقل السيئة فأجدر به أن يستحي من الملائكة وحينما تتذكر هذا المعنى مع ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها

في حق أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيه «﴿إِلَّا﴾ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» فماذا تقول

هنا أناس لا يستحيون من الملائكة وعثمان لا أقول إنه يستحي من الملائكة بل قال الرسول فيه إن الملائكة تستحي منه ﴿إِلَّا﴾ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة فكيف كان صنيعه وكيف كان فعله رضي الله عنه ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٢) ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾

نعيم الأبرار وجحيم الفجار في الدارين وتفنيد تخليد عصاة الموحدين

الأبرار جمع بر. والمراد به المطيع الذي يفعل الخير فالبر هو الذي يفعل الخير وهو الذي يفعل الخيرات ويؤديها إن الأبرار أي: المطيعون لله الذين قاموا بفعل الخيرات لفي نعيم. وهذا أسلوب مؤكد جملة اسمية أكدت بأنه وبدخول اللام وبالتعبير بقوله لفي نعيم هم منغمسون في النعيم يتلذذون به ما قيل إن الأبرار منعمون ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ أي: النعيم يحيط بهم من كل جانب

أوليس الذي يغمس في الجنة غمسة ينسى بؤس الدنيا وينسى شقاء الدنيا ولو كان أفقر الناس ولو كان أفقر الناس كما دل عليه حديث أنس رضي الله عنه في مسلم يؤتى بأنعم أهل الدنيا كما تعرفون والحديث معروف

كتابة الحفظة الكرام الكاتبين لظواهر الأعمال وخواطر القلوب وحياء العبد منهم

والآية هنا وإن كانت في السياق الحديث عن الآخرة لا سيما مع القول بأن المراد بالدين الجزاء إلا أن بعض العلماء اختار التعميم وهو قول حسن فقالوا: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ في الدنيا والآخرة نعم فالمطيع في نعيم في الدنيا وفي الآخرة نعم في نعيم القلب

قلبه منعم فهو وإن كان لا يجد طعامًا ولا شرابًا لكنه يحيا بقلبه فتراه في لذة وتراه في سعادة ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾8 (الرعد: 28) وقال عز من قائل ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾9 (النحل: 97) فالمؤمن يعيش حياة طيبة فهو في نعيم في الدنيا وحياة

وفي الآخرة ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ وإن الفجار الفجار جمع فاجر وهو الذي يعصي الله سبحانه وتعالى ولا يطيع الله عز وجل يفجر فيتمرد على طاعة الله سبحانه ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ لفي نار ينغمسون في الضلال وينغمسون في النار فهو في الدنيا في شقاء وفي الآخرة في شقاء وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضنكة

ونحشره يوم القيامة أعمى. نسأل الله السلامة ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: يحترقون بها يصلونها يدخلونها مقاسين حرها

يصلونها يدخلونها مقاسين حرها أو يصلونها يقتحمونها فيخلدون فيها وهؤلاء هم الكفر. فالمراد بالفجور في الآية الكفر. وأما العصاة فإنَّهم لا يخلدون في النار وإنَّما إذا دخلوا النار فإنَّهم يأخذون منها ما يأخذون من نصيبهم بسبب أعمالهم السيئة لكنهم لا يخلدون في النار إذ لا يخلد في النار إلا مشرك

﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ لا يغيبون عن النار. إذن هذا في من في أهل الكفر. وأما أهل الإيمان وإن كانوا عصاة فإنَّهم لا يخلدون في النار فلا يستدلن مستدل بالآية وهي قوله ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ على تخليد أهل الكبائر. فهذا ليس بصحيح والنصوص المتواترة والمتضافرة

تدل على خلاف ما اعتقد هذا الشخص وأن عقيدته ليست على الصحيحة أو ليست العقيدة الصحيحة وإنَّما الاعتقاد الحق أن الذين يخلدون في النار هم الكفار ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ﴾

تفخيم هول يوم الدين وعجز الشفعاء إلا بإذن الله

ما أعلمك ما يوم الدين وكما تقدم فأسلوب وما أدراك يدل على تفخيم هذا الشيء وتعظيمه ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ﴾. ﴿ثُمَّ مَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ﴾ هذا يوم عظيم يوم فيه أهوال كثيرة وفيه أمور عظام وأهوال ضخام

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أَجَابَنَا اللَّهُ مُبَيِّنًا قَائِلًا ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ يوم لا تملك لا نافية لا تملك نفس أي: أي: نفس لنفس أي: لأي نفس شيئًا أي: أي: شيء فهذه نكرات في سياق النفي تفيد العموم يوم لا تملك كل نفس لكل نفس أي: شيء

لا يملك أحد لأحد شيئًا نعم. وأما الشفاعة فإنَّها بإذن الله سبحانه وتعالى فالذي يشفع يشفع بإذن من بإذن الله. ولذلك قال الله ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا﴾

﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا﴾ فهؤلاء الذين يشفعون ﴿أَنَّمَا﴾ يشفعون بإذن الله؛ وإلا فلا يملك أحد لنفسه نفعُه ولا ضرا فضلًا عن أن يملك ذلك لغيره كيف والملائكة والرسل دعاؤهم يومئذ اللهم سلم اللهم سلم ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾

الأمر يومئذ لله ﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ فالأمر مسألة الخواتيم من يكون في الجنة من يكون في النار من يعاقب من يؤجر من يثاب كل ذلك وغيره لله سبحانه والأمر يومئذ لله. وقد يقول قائل أليس الأمر في كل وقت لله الجواب بلى وإنَّما خص يوم القيامة هنا بالذكر والذكر

لأن هذا اليوم لا يظهر فيه منازع ولا مناوئ، ففي الدنيا قد كان يزعم الملوك قد كان يزعم بعض الناس أن الأمر أمره وأن الكلمة كلمته وأنه يصنع ما يشاء أما يوم القيامة

فلا منازع ولا مناوئ الكل سكوت والكل لا يستطيع أن يتكلم ﴿وَلَآ أَن﴾ يقضي شيئًا لا في نفسه ولا في غيره فلا تسمع إلا همسة ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾10 (طه: 108) ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ﴾

وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، نرى أن سورة الانفطار ككثير من السور المكية. وقد مضى بعضها معنا تقرر عقيدة البعث والنشور وتبين انقسام الناس في هذا اليوم إلى أشقياء وسعداء

إلى أبرار وفجار إلى أناس في الجنة وأناس في النار. نسأل الله أن نكون من أهل الجنة ونعوذ بالله أن نكون من أهل النار ونسأله سبحانه أن يصلح أحوالنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يرزقنا الإخلاص والقبول وأن يحسن خاتمتنا وأن يرضى عنا كما أسأله سبحانه أن يحفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ

هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 25 ↩
  3. آية: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 1 ↩
  4. آية: ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ۝ وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا ۝ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ۝ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 2-5 ↩
  5. آية: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 43 ↩
  6. آية: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 37 ↩
  7. آية: ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 99 ↩
  8. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 28 ↩
  9. آية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 97 ↩
  10. آية: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ — كما ورد في الدرس: طه 108 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ۝ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ۝ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ۝ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ۝ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الانفطار 4-11

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة