مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة البروج جزء1 لفضيلة

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 51 من 376 · 20 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. افتتاح الدرس ومقاصد سورة البروج
  2. القسم بالسماء ذات البروج
  3. تفسير اليوم الموعود والشاهد والمشهود
  4. جواب القسم في قصة أصحاب الأخدود
  5. نقمة الطغاة على إيمان المؤمنين بالله العزيز
  6. دلالة اسم الله الحميد والتمهيد لقصة الغلام
التفريغ النصي الكامل للدرس

افتتاح الدرس ومقاصد سورة البروج

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

مكية وفيها كذلك حديث عن يوم القيامة، كما أن فيها حديثًا عن الكفار وما يجري منهم من تعذيب لأهل الإيمان مما يدل على قسوة قلوبهم وأنهم عن الإيمان بمنأى بعيد

وذكر الله عز وجل فيها أن للمؤمنين الأجر الكبير منه سبحانه وأن الله سبحانه وتعالى وإن أَمْهَلَ / أَمْلَى للظالمين فإنَّه عز وجل قادر على أخذهم وأخذه شديد ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾2 (البروج: 12) إنه ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾3 (البروج: 13) ومع ذلك. فالله يفتح باب التوبة

والعبد إذا تاب إليه أحبه الله سبحانه وهو ﴿ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾4 (البروج: 14-16) ثم بيّن الله سبحانه وتعالى أن في قصص السابقين عبرة للمعتبرين وعظة للمتعظين

﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى تَكْذِيبٍ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطٌۢ﴾5 (البروج: 17-20) ثم بين الله عز وجل أن القرآن حق وأن القرآن مجيد كريم وأنه محفوظ بحفظ الله له ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍۭ﴾6 (البروج: 21-22)

قال الله سبحانه ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾7 (البروج: 1-9)

﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾8 (البروج: 9-11)

قال سبحانه ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾. ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الواو هنا وأو القسم الواو هنا وأو القسم وكما تكرر يا أيها الإخوة الكرام ففي كثير من السور المكية نرى هذا الأسلوب في أوائل السور قسم ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾9 (الشمس: 1-2) وكذلك ﴿وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾10 (الضحى: 1-2) وكذلك

القسم بالسماء ذات البروج

آيات كثيرة في بث هذا المعنى. ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾11 (النجم: 1) و﴿وَٱلطُّورِ وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ﴾12 (الطور: 1-2) إلى غير ذلك قال الله ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ وأصل مادة البروج تدل على الظهور أصل المادة ومنه البرج فالبروج جمع برج والبرج يدل على الشيء الظاهر

ومنه إطلاق البرج على القصر قيل للقصر والبناء الكبير برج

كما قال الله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾13 (النساء: 78) ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ ومنه سمي التبرج تبرجا للظهور. ولذلك يقال امرأة متبرجة لما متبرجة لأنَّها تُظْهِرُ مَفَاتِنَهَا فلذلك سُمِّيَت بذلك ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ قال بعضهم: البروج هي النجوم

البروج هي النجوم أي: والسماء ذات النجوم. وذلك لأنَّ النجوم من أجل المخلوقات التي زين بها أو تزينت بها السماوات أو السماء ولقد زيننا السماء الدنيا بمصابيح فالسماء مزينة بهذه النجوم. ثم إن النجوم ظاهرة

نراها، فقوله ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ ذات النجوم التي ترونها. وقد جاء القسم بالنجوم في أكثر من موضع فقال: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) وقال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ وقال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾14 (التكوير: 15-16) كما تقدم. فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ وقال بعضهم: بل المراد بالبروج هنا منازل النجوم

منازل النجوم المنزل الذي يكون لكل نجم وقال بعضهم: المراد بالبروج القصور وقال بعضهم: القصور هي قصور النجوم وهي منازل النجوم

وقال بعض العلماء: الأصل في القسم أن يكون بالمعروف للناس والذي يراه الناس ليس المنزل وإنَّما الذي يراه الناس النجم نفسه. إذن ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ أي: ذات النجوم الظاهرة البادية. وقد قال الله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾15 (الواقعة: 75-76) ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾. ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ أما اليوم الموعود فهو يوم القيامة فهو يوم القيامة. وقد نقل عدد من أهل العلم إجماع المفسرين على ذلك فقالوا اليوم الموعود هو يوم القيامة قال الله ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾16 (هود: 103) يوم القيامة. واليوم الموعود الذي وعد الله عباده به وعدهم الله به فهو يوم موعود وعد الله عباده به يومٌ آتٍ لا محالة

﴿ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ فهو يوم موعود. ولذلك نقول فيما جاء عنه عليه الصلاة والسلام حينما كان يستفتح قيام الليل. وكان مما يقول والساعة حق والجنة حق أو والساعة حق «وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ» والنبيون حق فالساعة حق نشهد بذلك. ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾

تفسير اليوم الموعود والشاهد والمشهود

وشاهد ومشهود اختلف أهل العلم في المراد بالشاهد. والمراد بالمشهود على أقوال كثيرة ربما بلغت أكثر من عشرة أقوال. وقد اختار بعض العلماء كالطبري العموم فنقول أقسم الله بكل شاهد وبكل مشهود أقسم الله بكل شاهد وبكل وبكل مشهود قالوا ومن الشاهد الرسل

وشاهد أي: الرسل فالرسل يشهدون وشاهد ومشهود يشهد. فقال بعضهم: الشاهد رسول الله ﷺ قال سبحانه ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾17 (النساء: 41)

ومشهود قال بعضهم: الأمة أي: ومشهود عليه وهم الأمة. إذن الشاهد الأنبياء والمشهود الأمة هذا قول ومنهم من قال الشاهد يوم الجمعة

فيوم الجمعة يوم الجمعة يوم عظيم يشهد لمن يعطيه حقًا ولمن يتقي الله فيه يوم عظيم وقال المشهود يوم عرفة كذا قال بعض العلماء: وقال بعض العلماء: بل المشهود يوم القيامة بدليل الآية السابق ذكرها ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾. وذلك يوم مشهود

واختار الطبري كما قلت: وعدد من أهل التفسير العموم أقسم الله بكل شاهد وبكل مشهود عليه. إذن هناك من يشهد وهناك من يشهد عليه قال الله ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾. ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ إمَّا أن تكون شاهدًا وإمَّا أن تكون ممن يشهد عليه من الشهود أيضًا

الملائكة فالملائكة تشهد قالوا ذلك. أيضًا. ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ قال عدد من أهل العلم هذا جواب القسم ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾. ﴿وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾. إذن يقسم الله على ماذا ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ قال بعضهم: قتل بمعنى لعن لعن أصحاب الأخدود أو قتل ليقتلوا

هذا جواب القسم كما تقدم أن القسم له أركان فالقسم يكون. هناك مقسم ومقسم به ويكون هناك مقسم عليه وهناك أداة القسم فالمقسم هو الله

المقسم به السماء. واليوم الموعود. والشاهد والمشهود وأداة القسم الواو ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾. واليوم الموعود والمقسم عليه ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾

جواب القسم في قصة أصحاب الأخدود

﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ لعنوا أو أهلكوا أو قتلهم الله. يعني: يقضي عليهم أهلكهم الله ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾18 قتل أصحاب الاخدود

والأخدود معروف وجمعه أَخَادِيدُ وهي تلك الشقوق التي تشق في الأرض فيقال: أخدود، خدَّ أخدودًا شق شقا كبيرًا في الأرض ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ أي ذات اللَّهَبِ المُشْتَعِلِ

فهي أو. فهذا أخدود مُشْتَعِلٌ بالنيران ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ المشتملة على النار المتوقدة المتأججة ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ﴾ ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾19 من هم أصحاب الأخدود هم عليها قعود

ما المراد عليها قعود قالوا أي: هم متمكنون يقعدون بجوارها يرون تعذيب المعذبين فيها وهم ضاحكون متنعمون بمعنى خدوا الأخاديد وشقوا الشقوق واشعلوا النيران واججوها وجلسوا بجوار الأخاديد جلسوا على سُرُرِهِمْ

وهم في غاية الفرح والسرور ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (البروج: 4-6) على جوانبها قعود على جوانب الأخدود قعود قعود ماذا يصنعون ينظرون إلى المعذب. وهذا أشدّ. يعني: إذًا أمر شخص آخر بتعذيب فلان تقول أنا في قلب الآمر رحمة فربما يقول قائل لو رآه لَرَحِمَهُ

لو رآه لرحم أما أن يعذب وأن يرى التعذيب أمام عينه وهو جالس على سريره وهو ضاحك مستبشر. فإنَّ هذا أمر خطير يدل على قَسْوَةِ القلب وعلى كثرة الذنب. نسأل الله السلامة قال ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ (البروج: 5-6)، [توقف للأذان: تفضل]

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فقال الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ﴾ ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ أي: هم متمكنون في جلوسهم بجوانب هذه الأَخَادِيدِ

يعذبون الناس وهم ينظرون إليهم. وهذا في منتهى القسوة قال ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ أي: على هذا الذي يفعلونه بالمؤمنين شهود يشهدونه حاضرون غير غائبين ويشهدون على أنفسهم بذلك

لا يَسْتَخْفُونَ بِذَلِكَ (لا يَسْتَتِرُونَ) بهذا بل يعذبونهم ولا يستخفون بذلك ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ ما نقموا منهم شيئًا يكرهونه عليهم أو منهم أو يبغضونه ﴿مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ وهل الذي يؤمن بالله العزيز الحميد ينقم منه

المفترض أن يشكر لا أن يكفر وأن يحسن إليه لا أن يساء إليه ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ﴾. يعني: كأنهم فعلوا جريمة لذلك هذا أسلوب بليغ يسميه أهل العلم بتأكيد الذم بما يشبه المدح ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟﴾ هذا زيادة في الذم. يعني: هو الآن كون ينقم بسبب إيمانه هذا أشدّ في الجرم نقم منه بسبب إيمانه هذه جريمة. وهذا كما قال الله. أيضًا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ (المائدة: 59) ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا أهل ﴿ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ وكما قال. أيضًا

﴿أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾20 (النمل: 56) للوط عليه السلام كما قال قوم لوط للوط عليه السلام ولمن آمن معه ﴿أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فهل الذي يريد الطهارة هذا يؤذى. وهذا يطرد وما نقم مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

وفي ذكر العزيز أي: القادر عليهم قادر على أن يأخذهم لكنه وإن أمهلهم فإنه سبحانه وتعالى سيؤاخذهم وهو قادر عليهم جل وعلا ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ﴾ الغالب القاهر القوي منيع الجانب الحميد الذي يستحق الحمد على كل حال

وفي كل وقت ومكان سبحانه جل وعلا فالحميد بمعنى المحمود فعيل بمعنى مفعول هو الله المحمود

نقمة الطغاة على إيمان المؤمنين بالله العزيز

يحمد في كل الأحوال في السراء يحمد وفي الضراء يحمد قال ﷺ «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير» وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن «إن أصابته سراء شكر». فكان خيرًا له «وإن أصابته ضراء صبر». فكان خيرًا له. وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما عند ابن ماجه وصححه بعض أهل العلم أن الرسول ﷺ كان. إذا بلغه خبر يسره قال «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» وإذا أخبر بخلاف ذلك قال «الحمد لله على كل حال»

والمقولة المشهورة عند الناس حينما يصابون بِأَذًى يقول أحدهم «الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه» لا تقل هذه العبارة

بقضاء الله وقدره على قول كثير من المحققين كما رجحه ابن القيم مستحب وليس بواجب وإنَّما الواجب هو الصبر لكن لماذا يعبر بهذا مصرحًا بذلك هب أنَّك كَرِهْتَ المصيبة لماذا تصرح بذلك ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ «الحمد لله على كل حال» وكذا بين هذا عدد من أهل العلم كالشيخ ابن عثيمين رحمة الله تعالى وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟

بالله العزيز الحميد فالحميد هو المحمود وكذلك هو الحامد جل وعلا ففعيل تأتي بمعنى مفعول وبمعنى فاعل هو الحامد سبحانه أي: الذي يثني على من يستحق ذلك يثني على عباده، يحمد عباده يحمد صنيعهم يثني عليهم فثناؤه على بعض مخلوقاته، على بعض خلقه هذا من حمده لهم جل وعلا. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليه فيرضى عليه ويثيبه على ذلك ويعطيه على ذلك ويحمده على ذلك والرضى صفة من صفاته جل وعلا وما نقم منهم

نكمل إن شاء الله تعالى تفسير الآيات في الدرس المقبل على أن هذه الآيات في شأن أصحاب الأخدود قد اختلف فيها أهل العلم

فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن هؤلاء كانوا باليمن ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنهم كانوا بالشام وكثير من أهل التفسير يذكرون عند تفسير هذه الآيات قصة أصحاب الأخدود المعروفة وهي قِصَّةُ الغُلَامِ والرَّاهِبِ والسَّاحِرِ

دلالة اسم الله الحميد والتمهيد لقصة الغلام

وكيف أن الغلام بفضل الله سبحانه وتعالى استطاع أن يتغلب على أمر الساحر وأن الناس قد أسلموا بسبب هذا الغلام آمنا برب الغلام لكن ليس في الحديث أن هذه الآيات

هي ما جاء في نفس القصة. ولكن القصة تدخل تحت عموم الآية فالآية عامة والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب على أن هذا ليس بسبب. يعني: النبي ﷺ لما ذكر القصة لم يقرأ الآيات إِنَّمَا هُمْ أصحابُ الأُخْدُودِ أصحاب الأخدود لكن هؤلاء ممن صنعوا ذلك لكن كما قلت: فعمد كثير من أهل العلم إلى ذكر قصة أصحاب الأخدود في تفسير هذه الآيات فماذا ترون يعني: إذًا شئتم أن نذكر قصة أصحاب الأخدود بالحديث الذي رواه الإمام مسلم - رحمة الله - القصة المطولة ونأخذ منها تباعًا بعض الفوائد والدروس كان ذلك أو أن نمر على الآيات ونقول أن هذه القصة ذكرت في الآيات لكن ليست هي سبب الآيات ونكمل التفسير كما نَعْمَلُ / نَفْعَلُ فماذا ترون

نعم نذكر القصة خلاص نعم ما مش. اليوم لا تقلق ليس اليوم خلاص إن شاء الله تعالى علنًا نذكرها إن شاء الله مع ذكر بعض الفوائد. وبعد ذلك نكمل التفسير. نسأل الله ان يعلمنا ما ينفعنا وان ينفعنا بما علمنا نعم

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 12 ↩
  3. آية: ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 13 ↩
  4. آية: ﴿ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ ۝ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ۝ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 14-16 ↩
  5. آية: ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ ۝ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ۝ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى تَكْذِيبٍ ۝ وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطٌۢ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 17-20 ↩
  6. آية: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ ۝ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍۭ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 21-22 ↩
  7. آية: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ ۝ وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ ۝ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ۝ قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ۝ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ۝ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ۝ وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ۝ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 1-9 ↩
  8. آية: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ ۝ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 9-11 ↩
  9. آية: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا ۝ وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 1-2 ↩
  10. آية: ﴿وَٱلضُّحَىٰ ۝ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 1-2 ↩
  11. آية: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 1 ↩
  12. آية: ﴿وَٱلطُّورِ ۝ وَكِتَـٰبٍ مَّسْطُورٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 1-2 ↩
  13. آية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 78 ↩
  14. آية: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ۝ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ — كما ورد في الدرس: التكوير 15-16 ↩
  15. آية: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 75-76 ↩
  16. آية: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 103 ↩
  17. آية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 41 ↩
  18. آية: ﴿قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ ۝ ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 4-6 ↩
  19. آية: ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 5-6 ↩
  20. آية: ﴿أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 56 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 59

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة