مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

ومن يفعل ذلك يلق أثاما

سلسلة صفات عباد الرحمن · الدرس 24 من 24 · 39 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الوعيد الشديد في يلق أثاماً لمرتكبي الشرك والقتل والزنا
  2. بواعث الوقوع في كبائر الذنوب بين الاستهانة بحق الله
  3. تفسير مضاعفة العذاب والخلود المهين وأسلوب التهكم بالمستكبرين
  4. اتساع باب التوبة للمشرك والقاتل والزاني كخبر قاتل المائة
  5. لطائف فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا وملازمة التوبة لأهل
  6. حقيقة التوبة في الرجوع للرب وانقسام الخلق بين تائب
  7. بشارة تبديل السيئات حسنات في حديث أبي ذر وفرح الرب بتوبة عبده
التفريغ النصي الكامل للدرس

الوعيد الشديد في يلق أثاماً لمرتكبي الشرك والقتل والزنا

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾2 (الفرقان: 63) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾3 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، لا يزال حديثنا موصولًا بفضل الله ومنَّته بهذه السلسلة حول صفات عباد الرحمن كما جاء في خواتيم سورة الفرقان قال عز من قائل: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾.

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا﴾ ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا۟ عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾، توقفنا.

يا أيها الإخوة الكرام، عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ تعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، على أن من صفات عباد الرحمن ترك الشرك وترك قتل ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وترك الزنا فعباد الرحمن لا يشركون بالله شيئًا وعباد الرحمن لا ﴿يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾.

بواعث الوقوع في كبائر الذنوب بين الاستهانة بحق الله

وعباد الرحمن كذلك لا يزنون فهم سالمون من ذلك بفضل الله سبحانه قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ من يفعل ذلك المذكور من الشرك وقتل ﴿ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ والزنا يلقَ أثامًا يلقى جزاء إثمه، فيلقى عقوبة شديدة بسبب شركه أو قتله أو زناه أو الجمع بين هذه الأمور الثلاثة المنكرة وإن ذكر هذه الثلاثة دون غيرها لممَّا يلفت النظر لكنه واضح جلي أن هذه تمثل أكبر الكبائر وأنها تدعو إلى غيرها فالشرك بالله يجر إلى غيره من المنكرات وكذا قتل ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ، وكذلك الزنا وارتكاب الفواحش.

نسأل الله السلامة والعافية. وقد قالوا: إن نزوع الإنسان إلى المعصية قد ينتج عن استهانته بحق الله جل وعلا وعدم اعتنائه بحق الله الذي أوجبه عليه وإن أشدَّ ما يتعلق بذلك وقوع العبد في الشرك. نسأل الله السلامة منه والشرك ينافي الفطرة السليمة وينافي العقل وينافي الشرع، وفيه انحراف وشرك وظلم، وأيُّ ظلم!.

﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾6 (لقمان: 13) وقد ينزع الإنسان إلى المعصية نتيجةً للشهوة شهوته تجره إلى المعصية تجره إلى ما حرم الله إما شهوة مطعم، أو شهوة مشرب، أو منكح، أو منظر، أو مسمع أو ما إلى ذلك وأشدها وأخطرها شهوة الزنا فلذلك نص الله عز وجل عليها في الآية الكريمة. وقد تكلَّمنا بفضل الله على كل واحدة من هذه الثلاثة في لقاء مستقل.

تفسير مضاعفة العذاب والخلود المهين وأسلوب التهكم بالمستكبرين

قال الله بعدها: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾. وهنا قد يسأل سائل: ما معنى ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾؟ والله قد علمنا ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾7 (الشورى: 40) وعلَّمنا الله سبحانه وتعالى أن السيئة ﴿أَنَّمَا﴾ يُعاقَب عليها العبد بمثلها ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾8 (الأنعام: 160)

لكن الله قال هنا: ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ﴾، فكيف يُضاعَف له العذاب؟ قال بعض المفسِّرين: يُضاعَف بمعنى يُشدَّد فالتضعيف قد يكون بزيادة في العدد والكمية، وقد يكون بزيادة في الوصف والكيفية لأنه يجرُّ إلى غيره، فالمشرك ينجرُّ بشركه إلى معصية أخرى فيتضاعف عليه العذاب، والقتل كذلك، والزنا كذلك أو أن هؤلاء يُتوقَّع منهم أن يجرُّوا غيرهم إلى المعصية فيكونون بذلك فاسدين مفسدين ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا﴾ يخلد في نار جهنم مُهانًا.

وهذا الخلود ﴿أَنَّمَا﴾ يكون بسبب الشرك بالله عز وجل. فإنَّ قتل ﴿ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ والزنا كبيرتان من الكبائر يستحق العبد بهما دخول النار، لكنه لا يخلد فيها خلودًا أبديًّا ما دام على التوحيد، وإنما الخلود الأبدي للكافر الذي يموت على كفره. فقوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِۦ﴾، أي: بسبب الشرك، أو بسبب إتيانه الأمور الثلاثة، الشرك والقتل والزنا معًا، إذا مات على الشرك فالشرك أصل في الخلود في النار. وأما سواه.

فإنَّ العبد أمره مُفوَّض إلى الله. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾9 (النساء: 48) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لِمَن يَشَآءُ قال: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا﴾، ذليلًا حقيرًا هو في الدنيا قد كان يعتز بنفسه. وقد كان يغتر بقوته أو بشهوته أو بما لديه فها هو يصير إلى نار جهنم في ذلٍّ ومهانة وهوان. نسأل الله السلامة وحينما يقال: له ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾10 (الدخان: 49)، فليس بعزيز، ولا بكريم ﴿أَنَّمَا﴾ هذا من باب التهكم به كما يُقال للشخص عند إرادة تعنيفه وإذلاله خذ وذق فأنت الكبير والجليل وأنت تقصد بذلك إهانته فهو أسلوب تهكمي ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ (الدخان: 49) أي: إنك أنت الذليل المهان لأنك لم تعتز بطاعة الله فلا عزة لك ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾11 (فاطر: 10) ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا﴾، ولكن هل الباب مغلق في الدنيا؟

اتساع باب التوبة للمشرك والقاتل والزاني كخبر قاتل المائة

من أشرك، من قتل، من زنى، هل الباب أُغلق عليه؟ وكذلك من ارتكب غير ذلك من المعاصي والمنكرات، هل الباب مغلق عليه؟ كلا، قال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا﴾ ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ استثنى الله عز وجل بعد أن ذكر العقاب وذكر الوعيد وتشديده فتح باب التوبة، كما هي طريقة القرآن في مواضع كثيرة وكما يبين ربنا لنا دومًا في كتابه العزيز أن باب التوبة مفتوح ما دام العبد على قيد الحياة يقدر على أن يتوب إلى الله عز وجل.

فقال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾، حتى ولو كان مشركًا نعم حتى ولو كان قاتلًا، نعم، حتى ولو كان زانيًا، نعم فكيف لو كان دون ذلك، أو ارتكب ما لا يصل إلى ذلك من المنكرات والمعاصي؟. فإنَّ الله يفتح له باب التوبة. فقال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ﴾. أما المشرك فيدخل في الإيمان. وأما العاصي فيزداد إيمانًا؛ لأنه بارتكابه المعصية قد نقص إيمانه «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» نقص إيمانه، فيحتاج إلى زيادة الإيمان إلا من تاب وآمن توبة صادقة، ليست كلمة تُردَّد وإنما توبة تُترجَم إلى عمل، وتوبة تُحوِّل صاحبها ليكون فردًا صالحًا بعد أن كان فاسدا ومصلحًا بعد أن كان مفسدًا ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾، والعمل علامة توبة صادقة، أن تجرَّ التوبة إلى عمل قال وعمل عملًا صالحًا، وفي هذا الموضع جاء التأكيد على العمل فلم يقل وعمل صالحًا كما جاء في بعض المواضع ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ صَٰلِحًا يعمل الصالحات هذا دليل على صدقه في توبته قال ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وقد جاء في سبب نزول هذه الآيات، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا.

فقالوا: يا محمد، إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تُخبرنا أنَّ لما عملنا كفارةً مجموعة من أهل الشرك سمعوا عن الإسلام أحبوه ورغبوا فيه قالوا. لكن وقع منا قتل كثير وزنا كثير فهل لما عملنا قبل الإسلام كفارة؟ فأنزل الله الآية الكريمة ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وإننا نقول: إذا كان هذا في حق من كان مشركًا ثم أسلم فكيف بمن كان على الإسلام أصلًا فهو أكرم على الله عز وجل وإذا كان الحديث الصحيح المتفق عليه قد جاء في قصة قاتل المائة نفس، وأن الله قد قبل توبته.

وهذا قبل أمة محمد ﷺ فأمة محمد ﷺ، وهي الأمة الميمونة المرحومة، حقيق بها أن ترجو هذا الفضل والإكرام من ذي الجلال والإكرام سبحانه عز وجل ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ عَمَلًا صَٰلِحًا ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أعود إلى قوله: ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ﴾، وأذكر بعض ما يتعلق بالتوبة، يأتي قول الله، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ بعد الآية التي قبلها؛ للإشارة إلى أن التوبة للجميع للمشرك وغير المشرك، وللمسلم العاصي.

بل لجميع المؤمنين، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾.

لطائف فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا وملازمة التوبة لأهل

وقد يسأل سائل فيقول: ما الفائدة في هذا التعبير: من تاب فإنه يتوب؟، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ﴾ هل تقول: من أكل فهو يأكل، ومن شرب فهو يشرب؟ الله يقول: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ هذا له سر، وفيه لطائف، منها والله أعلم أن

المعنى أن من ﴿تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ﴾ يستمر على التوبة، ويُوفَّق للدوام عليها لذا جاء التعبير بالفعل المضارع: ﴿فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ﴾، يعني أنك إذا ارتكبت معصية فوُفِّقت للتوبة وعملت الصالحات ستستمر على التوبة لماذا. يا عباد الله لأنَّ هناك طاعات نؤمر بها في البداية وطاعات نؤمر بها في أثناء العمل وعبادات نؤمر بها بعد العمل.

أما التوبة فهي في أول الطريق ووسطه ونهايته فأنت منذ البداية تحتاج إلى توبة، وفي وسط العبادة تحتاج إلى توبة، وبعد الفراغ من العبادة تحتاج إلى توبة لذا لما ذكر الله جل وعلا في سورة التوبة سورة براءة لما قال: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن12 لهم الجنة يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ، ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ﴾ ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.

وذلك هو الفوز العظيم(التوبة: 111) ما صفات أولئك النفر الذين يدخلون الجنان، والذين هم من الفائزين؟. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه أول صفة، قال: ﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ﴾، ولما ذكر الله نساء النبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَـٰتٍ مُّؤْمِنَـٰتٍ قَـٰنِتَـٰتٍ تَـٰٓئِبَـٰتٍ عَـٰبِدَٰتٍ﴾ استوقفني هذا.

المعنى أن التوبة تأتي قرينةً للعبادة لا يمكن أن تكون عابدًا حقًّا حتى تكون تائبًا صدقًا لأنه لا غنى عن التوبة، فلا غنى لأحد عنها مهما علا قدره وارتفعت منزلته لذا فإنَّ رسولنا محمدًا ﷺ، كما في حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، كان يقول «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ» «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» الله أكبر! في المجلس الواحد الذي يجلس فيه الرسول ﷺ كانوا يعدُّون له مائة مرة قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» فما أحوجنا إلى التوبة لذلك فقوله: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾، من معانيه أن يستمر على التوبة ويوفق للدوام عليها حتى يُختم له بها ﴿إِلَّا﴾ تعلمون إخوتي الكرام أن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل لما فتح للنبي ﷺ مكة المكرمة ووقع له ما وقع من النصر والتمكين ماذا قال الله عز وجل له مخبرًا ومعلِّمًا ومبشرًا ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾

وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفر إنه كان توابا فهم ابن عباس رضي الله عنهما أن أجل رسول الله ﷺ قد اقترب الرسول ﷺ سيموت قريبًا؛ لأن الله نصَره وفتح له القلوب والبلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فمهمته قد أوشكت على الانتهاء لذلك لما نزلت سورة النصر كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يكثر في ركوعه وسجوده، أن يقول «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» في ركوعه، وفي سجوده لماذا حتى يختم له بالتوبة الله أكبر التوبة في البداية التوبة في أثناء العمل التوبة في نهاية العمل التوبة في ختام الأعمار التوبة قبل الممات.

نسأل الله أن يجعلنا من التائبين وهناك معنى ثان في قوله، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾

حقيقة التوبة في الرجوع للرب وانقسام الخلق بين تائب

أن المقصود أن من يتوب فإنما يتوب إلى الله فالمعنى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: أنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ التائب، حينما تتوب، فالتوبة معناها الرجوع، ترجع إلى مَن؟ أترجع إلى عبد؟ لا، أنت ترجع إلى الرب فالله يقول لك: أنت حينما تتوب فأنت تتوب إلى الله فما أجمل فعلك وما أعظم صنيعك لذلك إذا قلت: لِمَ أتوب؟ أقول: تتوب لأن التوبة طاعة إذا قلت: لِمَ أتوب؟ أقول لك: تتوب لأن الله يحب التوابين قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من منَّا يا أيها الإخوة الكرام يقبل أن يكون ثوبه متسخًا؟ وأن يعلو الوسخ ثوبه، وأن يملأ جسده؟.

كما أنَّك لا تتحمل ذلك ولا ترضى به فأجلُّ وأعظم من ذلك أن تحرص على طهارة قلبك بالتوبة لذا قدَّم الله التوبة على الطهارة الحسية. إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ لِمَ تتوب؟ لأن التائب مفلح قال الله: ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لِمَ تتوب؟ لأن الناس قسمان: تائب وظالم قال الله، ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾13 (الحجرات: 11) فالناس قسمان لا ثالث لهما: إما تائب وإما ظالم كلنا بحاجة إلى التوبة، والرسول ﷺ تاب إلى الله والله قال لك: ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾، وهذا فضل عظيم ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾14 (التوبة: 117) ﴿مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ المؤمنون يتوبون إلى الله، يعني أن التوبة ليست للعصاة فحسب، بل التوبة للجميع الرسول يتوب المؤمنون يتوبون ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ الجميع عليه أن يتوب إلى الله عز وجل وربنا دعا الناس جميعًا إلى التوبة حتى من اتخذ له ندًّا حتى من أشرك به جل وعلا.

بل حتى من نسب إليه الولد لذا لما ذكر الله ما يصنع أولئك من اتخاذ الأنداد لله، وقولهم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ﴾ قال بعد ذلك ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾15 (المائدة: 74) ولما ذكر الله أولئك الذين أحرقوا المؤمنين وعذَّبوهم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾16 (البروج: 10)، يعني: عذبوهم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد. أما بعدُ:

فيا عباد الله، التوبة الرجوع عن كل ما يُسخط الله ويُغضبه إلى كل ما يُرضيه ويحبُّه عز وجل إذا اتقيت ما حرَّم الله عليك، وأتيت ما أمرك الله به، فأنت تائب إلى الله عز وجل التوبة الرجوع. انظر، قال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ﴾.

وهذا عجيب، أن يُبدِّل الله سيئات أولئك التائبين حسنات وهنا يظهر بجلاء حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ عليه وآله وسلم قال «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا» «رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا» اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها فيعرض عليه صغار ذنوبه تُعرَض عليه الذنوب الصغيرة، وتُطوى عنه كبائر الذنوب فيقال له: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا فيقول: نعم وهو مشفق أن تُعرَض عليه كبار ذنوبه كأنه يقول في نفسه إذا كانت الذنوب الصغيرة قد عُرضت عليه، فماذا لو عُرضت عليَّ الكبيرة؟ يقول نعم فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا وهو مشفق أن تُعرَض عليه كبار ذنوبه فيُقال له: «فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً» فيقول: «رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا» طمعًا في رحمة الله، هذه السيئات قد كتب في موضعها حسنات فتمنى أن تظهر الذنوب الكبيرة لتتحول إلى حسنات أيضًا فضحك الرسول ﷺ حتى بدت نواجذه هذا من كرم الله وفضل الله على العبد أن يُبدِّل الله السيئات حسنات السيئة سيئة؛ لا يمكن أن يكون الشرك طاعة، أو أن يكون الزنا طاعة أو أن يكون القتل طاعة أعني قتل ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ﴿أَنَّمَا﴾.

بشارة تبديل السيئات حسنات في حديث أبي ذر وفرح الرب بتوبة عبده

المعنى أن التائب مطيع أنت إذا ارتكبت ذنوبًا ولو كثيرة ثم تُبت إلى الله، فالتوبة طاعة أنت أطلقت بصرك إلى الحرام، فهذا ذنب أنت أكلت رشوة، فهذا ذنب؛ واغتبت، فهذا ذنب؛ ووقعت في النميمة، فهذا ذنب؛ ووقعت في الكذب، فهذا ذنب فتُبت توبةً عامة، تُبت توبةً نصوحًا كاملةً شاملةً فكل توبة من ذنب طاعة، فهي حسنة، والتوبة نفسها حسنة. فهذا معنى قوله فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ فالله يبدل السيئات إلى طاعات بالتوبة وتلك التوبة تجر لصاحبها حسنات بفضل الله سبحانه وتعالى، يا أيها الإخوة الكرام التوبة النصوح هي التوبة التي اجتمعت فيها شروطها وشروطها الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات وسلف، والعزم على عدم العودة إلى تلك المعصية وأول شروطها الإقلاع؛ فلا تقل: أستغفر الله وأتوب إليه بلسانك دون أن تُحقِّق ذلك بالأفعال أنت أدرى بنفسك، و«مَا حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِكَ، فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيعَ أَمْرِكَ» لديك ذنوب؟ تُبْ إلى الله التوبة أن تُقلع عن المعصية، والموضوع ليس مجرد كلام باللسان [تُراجع نهاية العبارة في التسجيل].

يا أيها الإخوة الكرام، هذا يحتاج إلى وقفة صادقة: إننا عباد لله أنت عبد لله، لست حرًّا في أن تفعل ما تشتهي وما تهوى وأنت إن لم ترضَ بالعبودية لله عبدت الهوى وعبدت الشيطان فاعبد الله مختارًا بدلًا من أن تعبد غير الله. نسأل الله السلامة وما دمت عبدًا لله، فالله يأمر وينهى وأنت تسمع وتطيع الله يقول لك: افعل، فتقول: سمعًا وطاعةً؛ ولا تفعل، فتقول: سمعًا وطاعةً اجترأت على معصية الله؟ تُبْ إلى الله والله يفرح بك ويقبل عليك ويحبك وتحفظون حديث الرسول عليه الصلاة والسلام في فرح الله بتوبة عبده، وأنه أشد فرحًا بها من الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح ماذا قال حين أخطأ؟ قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» هذا الرجل وصل إلى مرحلة الذهول من شدة الفرح فالله أشد فرحًا بتوبة العبد من فرح هذا الرجل براحلته التي وجدها بعد فقدانها.

إذن أنت عبد والله يأمر وينهى فاسمع وأطع وتب إلى الله جل وعلا الإقلاع عن المعصية والندم على ما أسرفت وقدَّمت في حياتك ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾17 (الزمر: 53) ﴿لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾18 (الزمر: 53) إن لم تندم الآن فمتى تندم؟ وإن لم تتب في رمضان فمتى تتوب؟ والمنادي ينادي: «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ» وإياك ثم إياك ثم إياك أن تقول: أنا لست مذنبًا ولست مقصِّرًا وأنا أفضل من غيري.

فإنَّ أعظم الجناية الاستهانة بمحارم الله جل وعلا وأن تظن أنك سالم من الوقوع في المعاصي لذلك جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كأنس «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ»، أي: الكبائر نعمل أعمالًا نعدُّها أدقَّ من الشعر، وكان الصحابة يعدُّونها من الموبقات.

وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا لا تستهِن بالمعصية، ولا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت واعلم أنه بقدر ما يصغر الذنب في عين العبد يعظم خطره، وبقدر ما يستعظمه ويخاف منه يكون أقرب إلى التوبة منه، ثم العزم.

وهذا العزم يستدعي عملًا، ويستدعي صدقًا في التوبة. ﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾19 (هود: 114) «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ عَمَلًا صَٰلِحًا صُمْ صيام التطوع، وصلِّ النوافل، وأقبِل على الله «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» يا أيها الإخوة الكرام لا أحب أن أطيل عليكم سيأتي إن شاء الله تعالى مزيد تفصيل للتوبة وحقيقتها، وما يتعلق بقوله: ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم اهد قلوبنا اللهم اهد قلوبنا، اللهم سدد ألسنتنا، اللهم تب علينا وارحمنا، واغفر لنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أعنا على صيام رمضان وقيامه، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام وسائر بلاد المسلمين اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 13 ↩
  7. آية: ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 40 ↩
  8. آية: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 160 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 48 ↩
  10. آية: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 49 ↩
  11. آية: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 10 ↩
  12. آية: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به. وذلك هو الفوز العظيم﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 111 ↩
  13. آية: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 11 ↩
  14. آية: ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 117 ↩
  15. آية: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 74 ↩
  16. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 10 ↩
  17. آية: ﴿۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 53 ↩
  18. آية: ﴿لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 53 ↩
  19. آية: ﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 114 ↩

من سلسلة: سلسلة صفات عباد الرحمن (24 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة