مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة المطففين جزء2 لفضيل

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 49 من 376 · 37 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مراجعة جزاء الفريقين ومطلع القسم القرآني بالشفق
  2. دلالة القسم الإلهي بالشفق الأحمر ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ والقمر
  3. جواب القسم لتركبن طبقا عن طبق وتقلبات أطوار الإنسان
  4. استنكار الإعراض عن السجود وتأصيل أحكام سجود التلاوة
  5. تكذيب الكفار والبشارة التهكمية وإحاطة علم الله وحياء عثمان
  6. الأجر غير الممنون لأهل الإيمان وانفراد الله بالأمر يوم القيامة
التفريغ النصي الكامل للدرس

مراجعة جزاء الفريقين ومطلع القسم القرآني بالشفق

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»

«كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة المطففين. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله سبحانه. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ فَسَوْفَ يَدْعُوا۟ ثُبُورًا﴾2 (الانشقاق: 7-11)

﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا إِنَّهُۥ كَانَ فِىٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا﴾3 (الانشقاق: 12-15)

﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ۩ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۭ﴾ (الانشقاق: 16-25)

بعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى ما يصير إليه أمر الناس من انقسامهم إلى أشقياء وسعداء إلى أناس يأخذون كتبهم من وراء ظهورهم وإلى آخرين موفقين يأخذون كتبهم بأيمانهم

وَبَيَّنَ فَرْحَةَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْرُورٌ مُسْتَبْشِرًا بِفَضْلِ اللَّهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ وَبِتِلْكَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي قَدْ وَجَدَهَا فِي صَحَائِفِ عَمَلِهِ وَيَرْجِعُ الْآخَرُ دَاعِ

ظن أن لن يموت ويبعث ظن أن لن يبعث وإنَّما ظن أن الدنيا يعيش فيها ما يعيش. ثم يموت ولا تكون ثَمَّ دار آخرة فأجاب الله ﴿بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا﴾ هو بصير به سبحانه بصير بعمله بصير بفعله وكذلك بصير بحاله

فهو يعلم جل وعلا بصير بكل شيء وهو مطلع على خلقه وكذلك يعلم أنهم سيبعثون إليه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يخلقهم عز وجل ﴿بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا﴾. ثم قال الله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾

بعد أن ذكر الله عز وجل حال الفريقين كما تقدم في الدرس الماضي جاء هنا قسم. فقال الله سبحانه ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. وقد تقدم، يا أيها الإخوة الكرام، في قوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أن قوله فلا أقسم للعلماء فيها أقوال وأن المرجح لدى الأكثرين منهم أن لا أقسم قسم وأن لا هنا للتأكيد فقوله: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ أي: فأقسم بالشفق

فهو قسم بالشفق ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ولا هنا للتأكيد كما في قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾4 (النساء: 65) أي: فوربك ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾

دلالة القسم الإلهي بالشفق الأحمر ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ والقمر

أي: أقسم بالشفق والشفق هو تلك الحمرة التي تكون عند غروب الشمس فإذا ذهبت الحمرة جاء وقت العشاء. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما «ووقت المغرب ما لم يغب الشفق»

ووقت المغرب ما لم يغب الشفق فعند غروب الشمس تكون. هناك حمرة في الأفق

ثم بعد ذلك يأتي بياض إذا ذهبت الحمرة جاء وقت العشاء عند جمهور أهل العلم ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل المراد بالشفق ذهاب البياض لكن الأول أصح وعليه الجمهور فقوله: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ أي: بهذه الحمرة التي تكون عند غروب الشمس

وبعدها يجيء وقت العشاء فكأن المراد بذلك قسم بانتهاء النهار وبداية الليل انتهاء يوم وبداية ليلة قال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. فهذا فيه إقسام بالنهار وقت إدباره وبالليل وقت إقباله. وقد تقدم قريب من ذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ ﴿وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ وإن كان المقام هنا مختلفًا لكن فيه شيء من ذلك على كل. فالمراد بقوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ أي: بوقت ذهاب النهار

ومن العلماء من قال بل الشفق النهار كله لكن الأول أصح ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ وقوله: ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: والليل وما جمع والليل وما جمع

والليل يجمع كثيرًا فالليل يجمع النجوم وكذلك في الليل تخرج بعض الحشرات والدواب مما لا تكون ظاهرة فيه أو ظاهرة في غير وقت الليل فقوله: ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: والليل وما جمع من دواب وحشرات وغيرها وكذلك النجوم

أو الليل وما جمع بما يسكن فيه فالناس في الليل يسكنون في الليل فقوله: هو الليل وما وسق. يعني: والتي جمعت ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ فيكون هناك قسم بالشفق وقسم بالليل وقسم بما وسق الليل ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾

وقال بعضهم: ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: ما ساقه الليل بظلامه فيكون. هناك إقسام بالضياء وبالظلام

قسم بالضياء وبالظلام ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ أي: إذا استنار وصار كالبدر بل صار بدرًا والقمر. إذا اتسق أي: اجتمع وتكامل واستنار فصار بدراً

الله يقسم بالشفق بذهاب النهار ويقسم بالليل وما يجمعه ويقسم بالقمر في حالة اكتماله واستنارته ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ والقمر. إذا اتسق وكما تقدم فهذه أمور عظيمة وآيات جليلة تدل على عظيم قدرته

وعلو شأنه سبحانه جل وعلا فالذي خلق هذه المخلوقات كلها قادر على أن يعيد الإنسان كما بدأه أول مرة ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ والقمر. إذا اتسق ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾

﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ قال بعض العلماء: هذا هو جواب القسم قال عدد من أهل العلم بل هذا قولهم أو قول الكثيرين منهم إن هذا هو جواب القسم أي: أقسم بالشفق ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ والقمر. إذا اتسق ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ هذا هو جواب القسم وقالوا طبقًا عن طبق أي: «حالاً بعد حال»

حالاً بعد حال. وهذا تفسير النبي ﷺ في قوله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ قال حالًا بعد حال فعلى ذلك ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ أي: حالًا بعد حال وعن تأتي بمعان ومن معان عن بعده تأتي بمعنى المجاوزة بمعنى بعده فهنا لتركبن حالًا بعد حال

المعنى لا تظنوا أنكم إذا متم انتهى الأمر وإنَّما لتركبن حالًا بعد حال

الحال الأول ما كنتم قبل الولادة وكنتم أمواتًا والحالة الثانية فأحياكم والحال الثالثة. ثم يمَيِّتكم والحال الرابعة ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ تحتوي على معنى لتبعثن

جواب القسم لتركبن طبقا عن طبق وتقلبات أطوار الإنسان

لتبعث أي: لا تظن أنكم ستمكثون على طبق الموت أو على حال الموت. فإنَّ الموت أو القبر زيارة بعده بعث وحشر ونشر في القبر نعيم أو عذاب لكن القبر ليس نهاية المطاف

لذلك قال الله ﴿أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾5 (التكاثر: 1-2) سمع أعرابي هذه الآية. فقال: والله ما الزائر بمقيم. يعني: الذي يزور المقابر هذا معنى أنه لن يقيم فيها. إذن هو يمكث فيها ما يمكث ثم بعد ذلك سيترك هذه الدار إلى دار أخرى إلى ما يكون بعد البعث

فيكون الخطاب لمن؟ لعموم الناس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ أي: لتبعثن ولتكونن على حال. ثم حال ثم حال أحوال متعددة وهناك قراءة أخرى وهي متواترة أيضًا ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾

لتركبن هكذا لتركبن بضم الباء مع تشديدها. وأما القراءة الثانية ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ والقراءة الأخرى ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ طيب لتركبن لمن الخطاب إذن

قال بعضهم: للرسول ﷺ والمعنى لتبعثن يا رسول الله وهو وإن كان للرسول ﷺ فالمقصود به العموم

كما يأتي الخطاب موجهًا إلى النبي ﷺ في بعض المواضع ويقصد منه عموم أمته قال عز وجل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾6 (الطلاق: 1)

ما قال: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي إذا طلقت قال إذا طلقت مع أنَّه قال في البداية يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي يبقى قد يخاطب النبي ﷺ ويراد بالخطاب أمته. وقد قال بعض العلماء: إن الخطاب للرسول ﷺ على ثلاثة أوجه قد يكون الخطاب له. والمراد به الرسول والأمة

المراد به الرسول والأمة. يعني: الرسول مأمور بذلك وكذلك أمته ﷺ وهذا هو الأصل أن الرسول إذا خوطب فالخطاب له ولأمته وإنَّما خوطب الرسول ﷺ لأنه القدوة والأسوة ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ حسنة والنوع الثاني أن يخاطب الرسول «صلى الله عليه وسلم»

ويراد أمته ولا يكون هو المقصود من الخطاب. يعني: هو يخاطب لكن المقصود الأمة ليس الرسول عليه الصلاة والسلام

كما في قوله ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾7 (الإسراء: 23-24)

لم يكن هو المقصود بذلك لأنَّ الرسول ﷺ لم يكن وقت الخطاب ذا أبوين حيين ليبرهما. يعني: ربنا يقول ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ﴾ هو الرسول ﷺ عنده أبوان في هذا الوقت حتى يبرهما ﴿أَنَّمَا﴾ المقصود بذلك من الأمة فأمر الرسول ببر الوالدين مع أنَّ أبواه غير موجودين. وقد يكون الخطاب للرسول. والمقصود هو وحده. وهذا ما يُسمَّى بالخصائص النبوية شيء خاص بالنبي ﷺ وتكون هناك قرينة تدل على ذلك كما في قوله ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ﴾8 (الأحزاب: 50)

فهنا القراءة الثانية ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ لتركبن الأمر واضح

لتركبن للجميع. وأما ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ قالوا خوطب بها الرسول. والمراد به الأمة جميعًا وعلى ذلك. فالمراد لتبعثن. أيضًا ولتكونن على أحوال حال الدنيا وحال القبر وحال البعث وما إلى ذلك

وقال بعضهم: بل قوله لتركبن. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السامع لتركبن. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السامع للقرآن يبقى لتركبن. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السامع أو. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ التالي للقرآن. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناظر فيه. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ القارئ له. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ وبعض العلماء الذين. قالوا: إن الخطاب للرسول ﷺ فسر الآية بتفسير آخر

فقالوا المراد بالطبق هنا طبق السماء فقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ المعنى لتصعدن يا رسول الله سماء فوق سماء فقالوا هذه الآية فيها إشارة إلى معراج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا قول قال به بعض العلماء فقالوا ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾

المراد به طبق ماذا طبق السماء كذا قال بعض العلماء: وإن كان القول الأشهر عند أكثر العلماء أن المراد به طبقًا عن طبق الذي هو طبق الدنيا. ثم طبق القبر ثم طبق الآخرة ومنهم من قال ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ وأيضًا في ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ أحوال الإنسان

تكون نطفة. ثم علقة ثم مضغة ثم بعد ذلك يكسى العظام لحمًا ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ﴾9 (المؤمنون: 14) بعد ذلك يشب الإنسان. وبعد ذلك يكبر الإنسان. وبعد ذلك يهرم

وهو ما جاء في قوله ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ10 بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (الروم: 54) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ﴾ والمعنى ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ أي: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان أنت حالك متغيِّر تنشأ ضعيفًا ثم تقوى ثم ترجع ضعيفًا ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾

قال الله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ والقمر. إذا اتسق ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾. وهذا فيه. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان، يا أيها الإخوة الكرام أنَّ الإنسان ليس على حال واحدة وإنَّما الإنسان على أحوال متعددة. وقد قالوا دوام الحال من المحال

دوام الحال من المحال فالإنسان في الدنيا لا يدوم حاله. ولذلك التحولات هذه موجودة فمن ذلك ما يتعلق بالزمان. ومن ذلك ما يتعلق بالمكان. ومن ذلك ما يتعلق بالأبدان. ومن ذلك ما يتعلق بالقلوب فالأطباق تتعلق بأمور أربعة بالزمان والمكان والبدن والقلب

هناك ما يتعلق بالزمان زمان كما تقدم تنشأ ضعيفا. ثم قويًّا ثم تهرم وأيضًا أيامك تختلف يوم تكون سعيدًا يوم تكون فيه ذا سعادة وفي يوم تكون على غير ذلك يوم علينا ويوم لنا ويوم نسره هكذا الحياة

يوم يكون الإنسان متقدمًا ويوم يكون الإنسان فيه على تأخر وهكذا الأزمنة ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾

وكذلك أطباق أماكن الإنسان يكون في مكان ويتحول من مكان إلى مكان وكذلك ينشأ في الدنيا. ثم يكون في القبر ثم يكون بعد ذلك في الحشر ثم يكون في جنة أو في نار، أماكن تتعدد

وكذلك الأبدان لا يكون على قوة واحدة بل البدن كما تقدم الله الذي خلقه من ضعف. ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً الآية القلب. كذلك طبقًا عن طبق أطباق القلب

القلب اليوم على حال وربما كان على حال آخر بعد ذلك. ولذلك سمي القلب قلبا كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام فيما صححه الألباني «﴿أَنَّمَا﴾ سُمِّيَ القلبُ من تقلُّبه، ﴿أَنَّمَا﴾ مثلُ القلبِ كمثلِ ريشةٍ في أصلِ شجرةٍ يقلِّبُها الريحُ ظهرًا لبطنٍ»

هذا القلب سُمي قلبًا لأنه يتقلب. كذلك القلوب يوم يكون الإنسان في قوة من الإيمان وفي يوم يقلُّ وينقص إيمانه. ولذلك فالإيمان يزداد وينقص كما لا يخفى علينا ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ۝ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا أسلوب إنكار وتوبيخ ما لهؤلاء لا يؤمنون؟ لا يؤمنون بالله لا يقرون بوحدانيته لا يقرون بالبعث والنشور لا يقرون برسالة نبيه محمد ﷺ ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

أوليس الله هو الذي خلق الليل والنهار بلى فهو قادر على كل شيء أرسل إليهم رسولًا يخبرهم أن. هناك دارًا آخرة ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾

﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يخضعون فالسجود بمعنى الخضوع لا يسجدون أي: لا يخضعون لأوامر الله ولا ينقادون لآيات الله

أهل الإيمان سمتهم ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾11 (مريم: 58) هؤلاء هم الأنبياء وكذلك يسير على دربهم أهل الصلاح ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا12 ۩﴾ (الإسراء: 107-109)

بل كان بعض السلف إذا قرأ آية ولم يبكِ فإنَّه يتأثر لذلك كان يسجد. ويقول ربنا قال خروا سجدا وبكيا هذا السجود فأين البكاء فقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ لا يخضعون لآيات القرآن الكريم. ومن ذلك أن يقوموا بالسجود حقيقة وهو السجود سجود التلاوة وبعض العلماء أخذ من هذه الآية ونحوها من الآيات أن سجود التلاوة واجب. قالوا لماذا قالوا: لأنَّ الله توعد تاركيه

فقال: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ۩﴾. وهذا ذنبٌ شديد. إذن يدل ذلك على وجوب سجود التلاوة. وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمة الله أو هذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رحمة الله واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لكن الراجح. والله أعلم

ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن سجود التلاوة ليس بواجب ولو أنَّنا حملنا الآية على ظاهرها وقلنا إن المقصود بذلك السجود الحقيقي في كل موضع. إذن علينا أن نسجد كلما قرئ علينا القرآن سواء أكانت فيه آية سجدة أم لم تكن

استنكار الإعراض عن السجود وتأصيل أحكام سجود التلاوة

هو هل الآية قال وإذا قرئت عليهم آيات السجدات لا يسجدون ولا قال ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ﴾. إذًا أي: آية في القرآن معناه سجد لو كان هذا هو المقصود ﴿أَنَّمَا﴾ هذا ذمٌّ للكافرين

المؤمن الذي من دأبه أن يسجد وهو يصلي لله ومر عليه وهو يقرأ آية فيها سجدة سجد فيها النبي «صلى الله عليه وسلم»

فإنَّه يستحب له أن يسجد وإن ترك السجود في بعض الأحيان فلا إشكال عنده ولا مانع من ذلك. فقد ثبت «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه صعد المنبر يومًا فخطب فيهم وقرأ سورة النحل على المنبر فبلغ آية السجدة ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾13 (النحل: 49)

فنزل وسجد سجد عمر رضي الله عنه. ثم جاء من الخطبة القادمة فقرأ الآيات من سورة النحل ولم يسجد فيها. وهذا بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم

وثبت أن النبي ﷺ قرأ والنجم فلم يسجد فيه ثبت أنه سجد فيها وثبت أنه لم يسجد فيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا يدل على أن سجود التلاوة من المستحبات وليس من الواجبات. وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام

في صحيح مسلم أنه ﷺ قال «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار» كذا يقول إبليس. فهذا فيه أن الساجد يغيظ بسجوده الكافرين فعلى ذلك من قرأ آية

أو سمع آية فيها سجدة فسجوده أفضل وان تركه في بعض الأحيان فلا حرج في ذلك إن شاء الله. وهنا مسألة سجود التلاوة على الظاهر والمرجح ليست بصلاة سجود التلاوة ليست صلاة فلا يشترط لها ما يشترط للصلاة

سجود التلاوة سجدة مستقلة ليست صلاة. ولذلك فلا يشترط لها ما يشترط للصلاة وعلى ذلك لو أنَّ شخصًا سمع آية فيها سجدة وهو على غير وضوء له أن يسجد

له أن يسجد ولا يضره ذلك ولا يشترط لها الطهارة بل وعلى الصحيح. والله أعلم أو على الظاهر أنه لا يشترط لها تكبير ولا تسليم لا يشترط لها تكبير ولا تسليم من سجد سجدة التلاوة وهو في الصلاة فإنَّه يكبر لماذا لأنه في داخل الصلاة

والأصل أن النبي ﷺ كان يكبر عند كل خفض ورفع أما. إذا سجد في خارج الصلاة فإنَّه لا يحتاج إلى تكبير ولا يحتاج إلى تسليم وإن كانت المسألة خلافية بين أهل العلم.، والله تعالى أعلم. قال ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ﴾. ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾

﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ﴾. يعني: هؤلاء لماذا لا يأمنون وهؤلاء لماذا لا يسجدون ولا يخضعون وكما تقدم في السجود. أيضًا. يعني: الخضوع لأمر الله والانقياد لدين الله سبحانه وتعالى

قال الله ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ﴾ إن الذي حملهم على عدم الإيمان إن الذي دفعهم إلى عدم الانقياد والاستجابة كونهم دائمًا على التكذيب

يكذبون ويستمرون على التكذيب فهم لا يصدقون رسول الله ﷺ ولا يصدقون بآيات الله جل وعلا ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ﴾ أي: هم دائمون يستمرون يتجدد منهم التكذيب

كلما تلا عليهم آية يقابلون هذه التلاوة بالتكذيب لا بالتصديق ولا بالخضوع ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ﴾. ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي: والله أعلم بما تحويه صدورهم

الله أعلم بما تضمره نفوسهم، ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ﴾ ضمائرهم، ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، بما يجمعون أيضًا من أقوال أو من أفعال، بما يجمعون من إيذاء ويقصدون من طعن في الرسول ﷺ وأصل مادة الوعي أو الوعاء تدل على الجمع، ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾،

ربنا يعلم ما الذي يجمعونه يعلم ما الذي يجمعون عليه يعلم ما الذي يكون في صدوره ربنا يعلم ذلك سبحانه. ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ نعوذ بالله من العذاب الأليم فبشرهم أصل البشارة الإخبار بالخبر السار

﴿وَقِيلَ﴾ لها بشارة لأنَّ أثرها يظهر على صفحات الوجه فالإنسان حينما يأتيه خبر سار يظهر ذلك في ملامح وجهه فقيل لها بشارة. ولكن أحيانًا يُستعمل البشارة في الخبر السيء الذي يسوء صاحبه قال بعضهم: لأنَّ البشارة يُستعمل في هذا وذاك وقال بعضهم: بل البشارة لا تكون في الأصل إلا في الخير

وإنما إذا ذُكرت فيما يسوء الإنسان. فهذا من باب التهكم ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ كما يقال لا بشره بكذا والمراد أمر يسوء. فهذا من باب التهكم كما يقال لأهل النار يوم القيامة

تكذيب الكفار والبشارة التهكمية وإحاطة علم الله وحياء عثمان

يقال لهذا في الجحيم يقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾14 (الدخان: 49) وهو ليس بعزيز ولا بكريم وإنَّما ذق أنت الذليل المهان لكن هذا على أسلوب التقريع والتهكم. فقال: هنا ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ كما قال ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مؤلم

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ وقوله: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ إلا هنا بمعنى لكن فهنا الاستثناء استثناء منقطع

والاستثناء كما تقدم مرارًا قد يكون متصلاً. وقد يكون منقطعًا فيكون منقطعًا إذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه. يعني: ربنا قال ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ وبعد ذلك قال ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ﴾. إذن الكلام عمن

عن الكفار هنا قال ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلا الذين آمنوا هم الذين آمنوا أصلًا دخلوا في الكفر؟ ما دخلوا. إذن هذا استثناء منقطع. يعني: لكن لكن للذين ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ ذكر العمل الصالح مع أنَّ العمل من الإيمان

فمعتقدنا أن الإيمان قول وعمل، أن الإيمان قول وعمل، وبعض الناس يستدل بالآية. ويقول إن العمل ليس من الإيمان، لماذا لأنَّ الله قال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾، إذن عملوا شيء غير الإيمان، نقول هذا ليس بصحيح، وإنَّما هذا من قبيل عطف الخاص على العام، وقد يعطف الخاص على العام تنويهًا بشرفه كما قال ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾15 (الرحمن: 68)

﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ والرمان من الفاكهة لكن هذا من باب التنويه به وبين مكانته ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا﴾ والروح على قول الجمهور جبريل عليه السلام وهو من الملائكة مكان ﴿عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 98) وجبريل وميكال من الملائكة. فهذا من عطف الخاص على العام تنويهًا بمكانته أي: يا عبد ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أردت أن تحقق الإيمان فلا بد من العمل. والمراد بالعمل العمل الصالح ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات. والمراد بالصالحات التي أخلص فيها العبد والتي وافق فيها الشريعة أن يكون العبد مخلصًا لله وأن يكون عمله موافقًا لشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسل

الأجر غير الممنون لأهل الإيمان وانفراد الله بالأمر يوم القيامة

م ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۭ﴾ أي: أجر غير منقطع

أجرٌ دائم معاً ولم لا وهم ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ وإذا دخلوا الجنة فإنَّهم يخلدون فيها كما قال الله ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾

فالعبد. يا عباد الله إذًا أطاع الله ودخل الجنان فإنَّه بفضل الله سبحانه وتعالى يخلد في الجنان من دخل الجنة خلد فيها. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى

العبد مهما عمل ومهما عاش في الدنيا كم سيعيش يعيش ستين سبعين أكثر أقل لكن. إذا دخل الجنة يخلد فيها أبدًا هذا من فضل الله سبحانه وتعالى فضلًا عن أن نعيم الآخرة لا يعدله نعيم لكن حتى من. حيث المدة لذلك قال لهم أجر غير ممنون غير منقطع

غير منقطع ومن المعروف أنَّ الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا تفنيان ولا تبيدان بإبقاء الله سبحانه وتعالى لهما فالجنة باقية وإذا دخل أهل الجنة الجنة فإنَّهم لا يخرجون منها بفضل الله سبحانه ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۭ﴾ جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. فالله عز وجل في الآيات السابقة ذكر انقسام الناس إلى مَن يأخذ كتابه باليمين وإلى من يأخذ كتابه وراء ظهره ثم بين ان البعث حق. ثم بين عز وجل ان الناس على قسمين: منهم قسم كافر مكذب

ومنهم القسم المؤمن الذي يعمل الصالحات فمن أراد الجنان وأراد أن يأخذ كتابه باليمين وأراد أن يكون له الأجر المستمر فعليه بالإيمان والعمل الصالح جعلنا الله منهم بمنه وكرمه بهذا، يا أيها الإخوة الكرام، نكون قد انتهينا بفضل الله سبحانه وتعالى وإنعامه من تفسير سورة المطففين وننتقل إن شاء الله إلى تفسير سورة البروج

وسورة البروج

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ۝ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ۝ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا ۝ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ ۝ فَسَوْفَ يَدْعُوا۟ ثُبُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: الانشقاق 7-11 ↩
  3. آية: ﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ۝ إِنَّهُۥ كَانَ فِىٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا ۝ إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ۝ بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الانشقاق 12-15 ↩
  4. آية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 65 ↩
  5. آية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ — كما ورد في الدرس: التكاثر 1-2 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 1 ↩
  7. آية: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 23-24 ↩
  8. آية: ﴿وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 50 ↩
  9. آية: ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 14 ↩
  10. آية: ﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الروم 54 ↩
  11. آية: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 58 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 107-109 ↩
  13. آية: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 49 ↩
  14. آية: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 49 ↩
  15. آية: ﴿فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 68 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 98

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة