مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء الإساءة

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 13 من 96 · 34 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. داء الإساءة ومراتب الإحسان والإتقان في الشريعة
  2. شمول الإحسان ونفي استواء المحسن والمسيء
  3. حرمة التحريق بالنار وبراءة الإسلام من أفعال الغلاة
  4. مظاهر الرحمة النبوية بالحيوان وفضل الإحسان إليه
  5. هدي الصحابة في الرفق بالحيوان ووصاياهم بأهل الذمة
  6. براءة الإسلام من الإرهاب والدفاع عن أئمة الهدى
التفريغ النصي الكامل للدرس

داء الإساءة ومراتب الإحسان والإتقان في الشريعة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾3. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله تبارك وتعالى وعونه ومدده بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء أذكر فيها الداء ثم أتبعه بالدواء مستمدًا من كتاب الله، ومن سنة الصادق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واليوم موعدنا بإذن الله جل وعلا مع داء خطير كذلك قد استشرى بين الناس وظهر أثره السيء.

نسأل الله السلامة والعافية. وهو داء الإساءة داء الإساءة، أن يكون العبد مسيئا إلى الله، أن يكون العبد مسيئا إلى نفسه، أن يكون العبد مسيئا إلى غيره، أن يكون مسيئا إلى الحيوان، أن يكون مسيئا لعموم الناس، كل هذه أنواع من أنواع الإساءة سنتعرض لها بإذن الله جل وعلا. تقاربوا يرحمكم الله تقدموا إلى الأمام يرحمكم الله.

يا أيها الإخوة الكرام، الإساءة داء خطير قد استشرى بين كثير من الناس فلا تراه في أغلب أمره إلا مسيئا مع أنَّ هذا الدين العظيم قد علمنا الإحسان في جميع الصور والمجالات فديننا دين الإحسان، ومن مراتب الدين مرتبة الإحسان. بل هي أعلى مراتب الدين والإحسان كما فسره النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».

هذا هو الإحسان «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». أن تعبد الله عز وجل بإخلاص ومراقبة فالذين ضعفت مراقبتهم لله عز وجل مسيئون، وكذلك الذين يراؤون الناس، ولا يخلصون لله رب العالمين مسيئون. نسأل الله الكريم، أن يرزقنا الإحسان كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، الإحسان يأتي بمعنى الإتقان يقال أحسن فلان في عمله إذا أتقنه والله يحب «إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».

كما حسنه الألباني من حديث النبي ﷺ عليه وآله وسلم فمن الإساءة ترك الإتقان في العمل، ومن الإساءة الكسل في العمل الذي على الإنسان، أن يقوم به على وجهه كذلك فمن الإحسان، أن تحسن إلى الناس وأن تقدم لهم أنواع الخير والمعروف قولًا كان ذلك الشيء أم كان فعلًا أم غير ذلك فالمسلم محسن بمقاله، ومحسن بأفعاله، محسن إلى الأقربين وغيرهم، محسن إلى والديه، محسن إلى أقاربه، محسن إلى جيرانه، محسن إلى اليتامى، محسن إلى المساكين، محسن إلى ابن السبيل.

شمول الإحسان ونفي استواء المحسن والمسيء

بل ومحسن للمعاهدين من اليهود والنصارى، وكذلك محسن للذميين. بل ومحسن للحيوانات. وقد صدق النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال كما في صحيح الإمام مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلم «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبيحة». «وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». هكذا علمنا نبينا ﷺ نريد أن نعلم البشرية جمعاء أن دين محمد ﷺ هو دين الإحسان ودين الخير والمعروف بفضل الله عز وجل نعرف كيف نتعامل مع الناس كيف نتجنب إساءتهم وكيف نقدم المعروف لهم وهل عرفت البشرية طعما لسلم وسلام وأمن وأمان واستقرار وفضل وإحسان إلا في ظل الإسلام عباد الله.

إن الإساءة في صورها جميعها محرمة لا تجوز. فإنَّ الإسلام يأمرنا بالإحسان وينهانا عن الإساءة. وقد قال الرب الكريم سبحانه في آية فذة جامعة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾5. يأمرنا الله بالعدل ويأمرنا الله جل وعلا بالإحسان وبين لنا ربنا أنه لا يستوي المحسن والمسيء لا يستويان وإن سوى بعض الناس بينهما. فإنَّ هذا معيار باطل ومقياس فاسد؛ وإلا فالرب قد قال سبحانه ﴿وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ﴾6.

والذين عملوا الصالحات، ولا المسيء. وقال سبحانه ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾7. سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (الجاثية: 21) لا يستوي المحسن، ولا المسيء لا يستوي هذا وذاك ديننا دين الإحسان ليس دين الإساءة إننا نريد أن نعلم الأمة وأن نعلم أمة الإسلام وأن نعلم سائر الأمم حقيقة هذا الإسلام إننا نفخر به ونعتز به نقول لهم هذا ديننا هذا إحساننا هذه مبادئنا هذه أسسنا عباد الله، إذا كانت ثمة جمعيات قد نشأت من أجل الرفق بالحيوان، ومن أجل الرفق بالإنسان، فنقول قد سبقكم إلى ذلك مسك الختام للنبيين محمد عليه الصلاة والسلام، ها هو صلى الله عليه وآله وسلم، ها هو صلى الله عليه وآله وسلم يرى رجلًا.

حرمة التحريق بالنار وبراءة الإسلام من أفعال الغلاة

وقد أضجع شاته ووضع رجله على صفاحها يريد أن يذبحها وأخذ الشفرة فجعل يحدُّها وهي تنظر إليه. فقال ﷺ كما صححه البخاري وغيره قال أفلا قبل هذا؟ أتريد أن تميتها موتتين؟ هل قبل هذا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تذبحها هل أضجعتها ابتداء هل أحددت شفرتك ابتداء فلا ينبغي أن تحد السكين ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تضجع فلا يحل لك أن تحد السكين متأخرًا عن إضجاع الشاة وإنَّما أحد شفرتك أولًا فإذا ما جاءت الشاة وجئت لتذبحها ذبحتها وأنت مريح لها دون أن تميتها موتتين كذا علمنا النبي ﷺ بل وثبت عنه عليه الصلاة والسلام، فأخذ بعض الصحابة رضي الله عنهم، الفرخين اللذين نتجا عن هذه الحمرة فجاءت هذه الحمرة تفرش تبحث عن فرخيها فجاء النبي ﷺ عليه وآله وسلم.

فقال ﷺ من حرق هذه النملة أو هذه النمل من حرق هذه القرية من النمل. فقال رجل أنا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم «لا يعذب بالنار إلا رب النار». لذلك اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز لأحد أن يقوم بتحريق أحد هذا هو الحكم العام وما خرج عنه فهو خروج عن الأصل هذا في شأن الحيوان لا يجوز أن يحرق عبد حيوانًا بالنار فضلًا عن، أن يحرق إنسانًا لذلك نقول بملء أفواهنا ﴿أَنَّمَا﴾ يشاع وما يذاع مما جرى من أولئك الجماعة الباطلة الظالمة الآثمة المعتدية من النوم حرقوا أقوامًا سواء أكانوا مسلمين أم نصارى.

فإنَّ الإسلام بريء من ذلك وبريء من سلوكهم ومما صاروا عليه، ولا يجوز أبدًا لأحد أن يقوم بهذا الفعل فإنَّه لا يحرق بالنار إلا رب النار وهو الله سبحانه وتعالى، لذلك أنكر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما حرق أقوامًا زعموا أنه الله علي رضي الله عنه غلا فيه أقوام من الشيعة.

فقال بعضهم. إن عليا أولى بالرسالة من محمد وغلا بعضهم. فقال. بل علي إله فما كان من علي رضي الله عنه غضبا منه لله عز وجل إلا أن قام بتحريق هؤلاء فأنكر عليه ابن عباس لأنَّ علي رضي الله عنه لعله لم يبلغه حديث رسول الله ﷺ فقال ابن عباس لو كنت مكانه ما حرقتهم ولكن قتلتهم لأنَّ الرسول قد قال: «لا تعذبوا بعذاب الله».

عز وجل هذا ولا، يعني: هذا أن هذه الأخطاء التي وقعت أو تقع من هذه الفئة المعتدية تنحصر في ذلك. بل لهم أخطاء كثيرة، ومناهجهم منحرفة وإن زعموا أنَّهم دولة الإسلام فليسوا من الإسلام بمبادئهم في شيء. وأما الحكم عليهم على وجه التعيين هذا حكمة أو هذا حكمه. فهذا ينظر فيه إلى إقامة الحجة كما يقرر أهل العلم المبصرون بدين الله عز وجل عباد الله، ومن رفق النبي محمد ﷺ بالحيوان أنه ﷺ كما عند أبي داود وغيره وأصل الحديث عند مسلم أنه ﷺ دخل حائطًا لرجل من الأنصار من أجل أن يقضي حاجته ﷺ فوجد جملا قد بكى ودمعت عيناه يئن الجمل لرسول الله ﷺ فوضع الرسول ﷺ يده على سراته، يعني: على سنام الجمل، وعلى ذفراه وهو المكان الذي يلي الأذن مما يبلغه العرق أو يصل إليه العرق بكثرة فسكن الجمل.

مظاهر الرحمة النبوية بالحيوان وفضل الإحسان إليه

فقال النبي ﷺ من رب هذه البهيمة لمن هذه البهيمة من صاحب هذا الجمل فجاء شاب من الأنصار. فقال أنا يا رسول الله. فقال ﷺ: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة». فإنَّه قد شكاك إليه وزعم أنك تجيعه وتدئبه أي: تشق عليه في العمل هكذا يشك الجمل إلى رسولنا محمد ﷺ والله عز وجل قد أثنى على رسوله.

فقال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾8. وقال ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ9 فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ بل إن الإسلام بلغ مبلغًا عظيمًا فربما غُفر لعبد مع ظلمه ومع معصيته بسبب رفقه وبسبب إحسانه، ولا يخفى عليكم حديث ﷺ الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: بينما رجل يمشي في الطريق إذ وجد بئرًا فنزل فشرب منه.

وقد اشتد به العطش فلما صعد أو رقي رأى كلبا يلهث قد اشتد به العطش. فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغني فنزل وملأ خفيه ووضع طرفه في فمه يحمله ثم أعطاه إلى الكلب. وقد رقي فسقاه منه «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ» فغفر له. فقالوا: يا رسول الله أَوَلَنا في البهائم أجر؟ قال ﷺ: «في كل كبد رطبة أجر». أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في كل كبد رطبة أي: في كل حي في كل حي لا أقول في كل إنسان حي.

بل في كل حي «ما من مسلم يغرس غرسًا». فيأكل منه طير أو إنسان أو حيوان إلا كان له به صدقة. وقال ﷺ: «غفر لامرأة ببغي». امرأة زانية مرت على كلب فوجدته يلهث فأخذت خفها فسقته بهذا الموقفي بعض الروايات وعلقت طرف خمارها به حتى سقته فغفر لها بذلك يغفر الله لتلك المرأة لأنَّها أحسنت إلى هذا الكلب. وقال ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن عمر عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ هي حبستها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض كذا جاء عن نبيكم محمد ﷺ

بل ومن تعليماته، ومن تأديبه لأصحابه وأمته ﷺ أن قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم أن تتخذوا دوابكم منابر». فإنَّ الله ﴿أَنَّمَا﴾ سخرها لكم لتبلغكم ﴿إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟﴾ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم معنى الحديث أن الرجل إذا كان يركب دابة من حمار أو نحوه أعزكم الله وأوقفه رجل وهو راكب وظل يتكلمان ويتسامران ويتحدثان أنت بذلك تؤذي الحيوان الذي تركبه فالرسول يمنعنا من أن نجعل هذه الدواب منابر أو أن نجعلها كراسي كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام.

هدي الصحابة في الرفق بالحيوان ووصاياهم بأهل الذمة

فإنْ قال قائل هذا محمد فحسب. أما من وراءه لم يكونوا كذلك أقول كلا كذبت. فإنَّ أصحاب النبي محمد ﷺ ورضي الله عنهم، واتبعنا لهم بإحسان، ومن سلك دربهم وسار على منوالهم كانوا، ولا يزالون كذلك. نسأل الله أن يجعلنا من المتبعين لهم بإحسان عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعروف بالشجاعة والمعروف بالحزم والمعروف بالقوة هل كان رضي الله عنه يرضى بظلم لحيوان فضلًا عن إنسان كلا

والله فإنَّه رأى رجلًا يأخذ دابته أو شاته يريد ذبحها يجرها بشدة فعلاه عمر بالدرة يضربه رضي الله عنه ويقول له «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، أحسن لها حتى تموت». هكذا يعلِّمه عمر رضي الله عنه. بل وأبو الدرداء رضي الله عنه. وهذا عجيب كانت له دابة فلما جاءه الموت نظر أبو الدرداء رضي الله عنه إلى تلك الدابة. وقال يا دمون ألأرجو من الله ﴿إِلَّا﴾ ألقاه.

وقد ظلمتك فإنني لم أحملك فوق طاقتك يكلم دابة فأتاه مرة بدرهم ونصف. فقال له: ما السبب قال نفقت السوق، السوق ازداد فيها الأجر فربحنا أكثر قال لا ولكنك أتعبتها وحملتها فوق طاقتها أرحها ثلاثة أيام مقابل التعب الزائد الذي ألحقته بها عمر بن الخطاب أمير المؤمنين الخليفة الراشد رضي الله عنه وهو على فراش الموت وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي ونصح الناس حينما أفاق ببعض النصائح المباركة، وكان منها أن قال أوصي بذمة الله وذمة رسوله ﷺ خيرًا.

والمقصود بذمة الله وذمة رسوله اليهود والنصارى الذين لهم عهد وذمة عمر بن الخطاب دون أن يحتاج إلى جمعيات أو إلى مؤتمرات أو إلى كذا أو كذا يقول أوصيكم بذمة الله وذمة رسول الله خيرًا لا تكلفوهم فوق طاقتهم. بل قال: «أوفوا لهم بعهدهم». ويقاتلون من ورائهم.

براءة الإسلام من الإرهاب والدفاع عن أئمة الهدى

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، هذا ديننا. وهذا إسلامنا. وهذا نبينا وهؤلاء أصحاب نبينا رضي الله عنهم، وصلى الله وسلم على من علَّمهم فنعتز بهذا الدين مهما طلبنا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله عز وجل نقول الحق لا نخاف في الله لومة لائم لا نغير حقًا ولا نبدله هذا ديننا. وهذا شرعنا فلا نرضى بالدنية من ديننا

لماذا تتوجه التهم دومًا إلى الإسلام الإسلام بريء من ذلك، ليس فيه ذلك، إن ادعى أناس أنهم حملة للإسلام، وهم ما حملوه حقًا ولا صدقًا، فالخطأ فيهم والخلل فيهم ويحكم عليهم بحسب ما يعتقدون وبحسب ما يقولون ويفعلون. أما الإسلام فبريء من ذلك فإذا تكلم أحد عن الإسلام فليتقي الله في دينه لا يهرب من ثوابته، ولا يهرب من دينه وإنني أعجب والله من بعض الناس حينما يسمعون مثل ذلك أو مثل هذه الأمور المنكرة ربما نظر إلى المتمسكين بسنة محمد ﷺ نظرة غير مقبولة فنظر مثلًا إلى الملتحي إلى أنه مشارك في الإرهاب من قال ذلك

إننا إذ نتمسك بسنة الرسول فلسنا من الإرهاب في شيء ﴿أَنَّمَا﴾ نقتدي به نحبه ونُجِلُّه ونتبع شريعته ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾10 أو جزاء من تمسك بالسنة، أن يؤذى ﴿إِلَّا﴾ تعلمون قول الله رمي بها الحديث الأمة رمي بها الأئمة الأعلام الأفذاذ الذين جعل لهم الله القبول في الأرض جعل لهم ربنا القبول في الأرض أتعجب حينما يخرج بعض من يخرج فيسيء إلى الأئمة يسيء إلى مالك إلى الشافعي إلى أحمد إلى غيرهم هؤلاء الذين علموا الأمة يساء إليهم ويتهمون بالنوم شجعوا على الإرهاب ارجع إلى كلامهم تعلم منهم إنهم علموا الأمة الأمن والأمان والسلم والسلام رحم الله أئمتنا الذين كانوا يعرفون قدر الدين وعظمة العقيدة نصروا دين الله فنصرهم.

إن الإمام أحمد رحمه الله، ظل بعد وفاة الإمام الشافعي رحمه الله، ما يقارب أربعين سنة لا تمر عليه صلاة إلا ويدعو الله عز وجل وهو ساجد للإمام الشافعي إما قبل وفاته أو بعده المهم أنه مكث أربعين سنة أو يزيد كما ذكر عبد الله ولد الإمام أحمد في كل ركعة يدعو للإمام الشافعي إمام مع إمام يعرف بعضهم أقدار بعض.

فقال له عبد الله ابنه يا أبا عبد الله يقول لوالده من هذا الشافعي الذي أراك لا تترك الدعاء له فأجاب الإمام أحمد. وقال «يا بني إن الشافعي كان كالشمس للدنيا والعافية للبدن فهل ترى لهما من عوض» إمام يجل إمامه يعرف قدره نحن لا ندعي أن الأئمة معصومون كلا.

بل نقول إن الشافعي أخطأ في مسائله وإن أحمد أخطأ في مسائله وإن ابن تيمية أخطأ في مسائله لا يضرنا ذلك لكننا حينما نُخطِّئهم نعرف قدرهم لأنهم حافظوا دين الله فوجب علينا أن نحفظ قدرهم ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾11 أولئك إذا ماتوا أولئك هؤلاء الأئمة قد ماتوا لا يجدون من يذب عنهم لا والله سندافع عنهم هم أحب إلينا من آبائنا وأحب إلينا من أمهاتنا والله.

إن البخاري أحب إليَّ من أبي وأمي وهكذا ينبغي أن نكون أنهم نصروا السنة ونشروا دين الله، وعلى المسؤولين، وعلى الأزهر وشيوخه، أن يوقف هؤلاء عند حدودهم فلا يتكلم في دين الله إلا الراسخون في العلم هم الذين يبينون للناس الحق من الباطل ديننا ليس فيه غموض وليس فيه جمود وليس فيه إرهاب ﴿أَنَّمَا﴾ إذا ثأرنا فبحق وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ فبحق وإذا فعلنا بحق والله يعلمنا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ نجاهد ومتى نقاتل ومتى نعفو ومتى نصفح نعتز بكتاب الله وبسنة الصادق رسول الله ﷺ

يا أيها الإخوة الكرام الإساءة تتنوع إساءة إلى الله إساءة إلى الرسول إساءة إلى المسلمين إساءة إلى البشرية إساءة إلى الحيوانات إساءة إلى الطيور إسلامنا يعلمنا الإحسان. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم آمِنَّا في أوطاننا اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 90 ↩
  6. آية: ﴿وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 19 ↩
  7. آية: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجاثية 21 ↩
  8. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
  9. آية: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ — التوبة: 128-129 ↩
  10. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  11. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 58 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة