قصة لوط عليه السلام (الجزء الثاني) صفات قومه
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
نبي الله لوط عليه السلام: هجرته ودعوته لقومه
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: «في قصصهم عبرة». وقد منّ الله سبحانه وتعالى علينا فانتهينا من الحديث عن قصة الخليل إبراهيم عليه السلام في اللقاء السابق. وننتقل الليلة — بإذن الله تبارك وتعالى — إلى الحديث عن لوط عليه الصلاة والسلام.
وإنَّما ذكرت نبي الله لوطًا عليه السلام بعد خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام؛ لما بينهما من قرابة. ولأن القرآن الكريم يقرن بينهما كثيرًا. وقد ذكر كثير من أهل العلم: أن لوطًا عليه السلام هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام. فإبراهيم عليه السلام عمه. ﴿وَقِيلَ﴾: بل إنهما ابنًا عم. إلى هذا ذهب فريقٌ من أهل العلم. والعلم عند الله.
وقد خرج لوط عليه السلام مع الخليل إبراهيم عليه السلام مهاجرًا. قال الله عز وجل: ﴿فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت: 26). والقائل هو خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه المحدث عنه. وقال أيضًا: ﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ﴾1 (الأنبياء: 71). فأنجى الله الخليل إبراهيم عليه السلام من قومه، وخرج معه لوط عليه الصلاة والسلام.
﴿وَقِيلَ﴾: لم يؤمن بإبراهيم في هذا الوقت إلا لوط عليه الصلاة والسلام. فلوط عليه السلام آمن بالخليل إبراهيم، وخرج معه. ومنّ الله عز وجل عليهم بهذه الهجرة الشرعية، ابتغاء مرضاة الله سبحانه. وانتقل الخليل إبراهيم من العراق إلى بلاد الشام. ثم إن الله جل وعلا أرسل لوطاً، فجعله رسولاً من رسله. لذلك قال الله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾2 (الشعراء: 160-162).
فهو رسول. فهو رسول أرسله ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. قالوا: أُرسل إلى مجموعة قرى، منها قرية سدوم، وهي أشهر هذه القرى. ويمكنك أن تقول: إنها عاصمتها. قيل: أُرسل إلى خمس قرى متجاورة. أرسله الله عز وجل إليهم. وإن لم يكن بينه وبينهم نسب، فهو لم يكن من أقاربهم. لكنه أقام بين ظهرانيهم، فدعاهم إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وصبر عليهم صبرًا جميلًا. لكنهم آذوه وعادوه، وكذبوا به واستخفوا به عليه الصلاة والسلام. وكان منهم الإعراض. وهو صابر محتسب، يبلغ دين الله جل وعلا.
لوط عليه السلام: ثبات الداعية وقلة المستجيبين لدعوته
ومن عجب: أن الله لما قدر الهلاك على هذه القرى؛ لتكذيبها بنبي الله لوط، وارتكابها الفواحش، ووقوعها في فاحشة اللواط، قال الله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾3 (الذاريات: 35-36). فمع هذه الدعوة المباركة التي دعا بها لوط عليه السلام قومه، إلا أنهم كذبوا وتمردوا واستكبروا. فلم يبقَ إلا بيته على الإسلام. ويُستثنى من بيته امرأته، فلم تكن معه أيضًا. سبحان ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
وهذا يدلك على أن الاستجابة للدعوة أمر مقدر، قدره الله. وأنَّ الداعي إلى الله عليه أن يبذل الأسباب. فإذا بلغ، فإذا أدى الأسباب وأخذ بها، وأدى ما عليه، فلا حرج في ذلك ولا تثريب. فقد يؤمن به قوم، وقد يكذب به قوم. وقد يستجيب إلى دعوته قوم، ويعرض عن دعوته آخرون. وما عليه إلا البلاغ. ولذلك جاء في الحديث: «يأتي النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرجل، أو الرجلان، والنبي وليس معه أحد. النبي ربما لم يؤمن به أحد» (رواه البخاري). لكنه أدى ما عليه. وهكذا صنع لوط عليه الصلاة والسلام.
وقد قال الله في حقه: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ4 لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ﴾ (التحريم: 10). والخيانة المذكورة في حق امرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام: هي خيانة العقيدة. خيانة العقيدة؛ لأنَّهما كانتا من الكافرات، أو من الكافرين. نسأل الله السلامة والعافية. وليست خيانة الفراش. وقد نبّهنا على ذلك مراراً؛ فإنَّ الله عز وجل صان أعراض الأنبياء والمرسلين.
الشاهد من ذلك — يا أيها الإخوة الكرام، — أن لوطًا عليه الصلاة والسلام أرسله رب العالمين إلى هذه القرى. ولذلك في القرآن الكريم تجد قوله سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾5 (الشعراء: 160). وفي بعض المواضع أثبت الله الأخوة. وهي الأخوة في الإنسانية، أو الأخوة بحسب المكان والموقع. فإنَّه لما أقام بين ظهرانيهم، صار أخاً لهم. لا أنه من نسبهم. لا أنه من نسبهم. كما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾6 (الشعراء: 161). وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾7 (الشعراء: 105-107).
فقال: ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾8 (الشعراء: 107)؛ فهم إخوانه باعتبار ما بينه وبينهم من الأخوة الإنسانية، والأخوة في المكان. فإنَّ الإنسان إذا عاشر قومًا، وعاش بين ظهرانيهم، صار أخاً لهم. وهذه هي الأخوة المثبتة. لكنهم — لكنهم — لم يعترفوا بها، أو لم يبالوا بها. فكذبوا بدعوة لوط عليه الصلاة والسلام. وما دعاهم إلا بالخير والإيمان، وترك ما هم عليه من غيّ وضلال.
قوم لوط: المؤتفكات وعبرة العذاب بسبب التكذيب والفاحشة
وقد ذكر الله عز وجل لوطًا عليه السلام وقومه في مواضع متعددة من القرآن الكريم. وفي بعض المواضع الأولى في القرآن الكريم — من حيث النزول — ذكر الله قوم لوط بوصف من أوصافهم. وهو وصف: المؤتفكة. فقال عزَّ من قائلٍ: في سورة النجم: ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾9 (النجم: 53-54). والمؤتفكة: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾10 (الذاريات: 33-35).
فقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا11 حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82). هكذا كان جزاء قوم لوط؛ أنهم كانوا على فطرة سقيمة. انتكست فطرتهم؛ إذ كانوا يأتون ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، كما بيّن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وسيأتي تفصيل ذلك — بإذن الله جل وعلا. فسمّاهم الله بالمؤتفكات؛ يعني: المنقلبة. القرى التي قلبها الله جل وعلا. ﴿أَهْوَىٰ﴾؛ فقد هوت وهلكت. والمؤتفكة: ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾12 (النجم: 53-54). ﴿فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾ (النجم: 54)؛ أي: من عذاب الله الشديد. غطّاها وعمّها، وقضى عليها، واستأصلها.
وأنت ترى أن الله ذكر ذلك في سورة النجم. وقد صدر الله سورة النجم بقوله: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾13 (النجم: 1). وقال في سورة النجم: ﴿إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾14 (النجم: 16). وهنا قال: ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ﴾15 (النجم: 53). وشتان بين الهوى: فهذا هوى النجم؛ من أجل أن يسطع نوره، أو ما أشبه ذلك. وهذا هوى لتلك القرى؛ لانقلابها والقضاء عليها. ولتذكر: ﴿إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ (النجم: 16)؛ من ألوان عظيمة جليلة، قدّرها ربي سبحانه وتعالى.
وأما قوله: ﴿فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾ (النجم: 54)؛ أي: من عذاب الله جل وعلا الشديد. قال الله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾16 (الذاريات: 35). وقال سبحانه: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُۥ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ بِٱلْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾17 (الحاقة: 9-10).
فقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ (الحاقة: 9)؛ أي: والقرى المنقلبة. والمراد بها: قرى قوم لوط عليه الصلاة والسلام؛ لما كذبوا ولم يستجيبوا لدعوة لوط عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر الله هذه القصة — كما قلت: — في مواضع. وقد كانت قريش تعلم قوم لوط، أو تعلم مكانهم؛ لأنهم كانوا يمرون عليهم في رحلاتهم إلى الشام. فإذا سافروا إلى بلاد الشام، مروا على قرى قوم لوط في طريقهم. ولذلك قال ربي سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾18 (الصافات: 137-138). ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الصافات: 137-138)؛ تمرون عليهم في الصباح، وتمر عليهم في الليل. فهل اعتبرتم وهل اتعظتم
فذكر الله عز وجل لنا قصتهم؛ ليعتبر من اعتبر، وليتذكر من يتذكر. يا أيها الإخوة الكرام، إن قوم لوط كانوا مكذبين بآيات ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. جحدوا رسالة لوط عليه الصلاة والسلام. وقد دعاهم لوط إلى توحيد، دعاهم إلى نبذ الشرك، دعاهم إلى أن يتقوا ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. كما دعاهم إلى الفضيلة وترك الرذيلة. فإنَّ قوم لوط قد عرفوا بهذه الفاحشة المنكرة التي لم يسبقوا بها أحدًا من العالمين. قال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾19 (الشعراء: 165-166).
وقال لهم: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾20 (الأعراف: 80)؛ فكانوا يأتون الذكر، ويترك امرأته التي أحلها الله عز وجل له. وهذه سابقة شرّ لهم. نسأل الله السلامة والعافية.
دعوة لوط عليه السلام إلى التوحيد والتحذير من الفاحشة. ولذلك دعاهم إلى الإيمان بالله وتقواه. فقال لهم — كما قال الله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾21 (الشعراء: 161-164). فقد دعاهم إلى توحيد الله، وإلى تقواه. لكن السور القرآنية لما ذكرت لنا قصة لوط، كان التركيز في هذه القصة — في أغلب الأحوال — على تلك الفاحشة الكبيرة، والجريمة المنكرة التي ارتكبها هؤلاء.
لنعلم — يا أيها الإخوة الكرام، — أن أنبياء الله ورسله جاءوا بالتوحيد، وجاءوا بتهذيب الأخلاق، وجاءوا كذلك بالعبادات التي ينتفع بها العبد في خاصة نفسه، وتقربه إلى ربه. وعرَّفته كيف يتعامل مع الخلق. كل هذا جاء به الأنبياء والرسل. حتى جاء خاتمهم — وهو نبينا محمد ﷺ. قال الرسول ﷺ: «﴿أَنَّمَا﴾ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «رواه البخاري». وفي لفظ: «لأتمم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأخلاق» (رواه أحمد).
والناظر — يا أيها الإخوة الكرام، — في قصة لوط عليه السلام، يجد أنها في مواضع عدة جاءت بعد ذكر الخليل إبراهيم عليه السلام. أو بعد طرف من قصته. لا سيما بعد الحديث عن مجيء ضيوف الرحمن — وهم الملائكة — بالبشارة لإبراهيم عليه السلام بولادة إسحاق عليه السلام. فحينما تأتي بشارة الملائكة لإبراهيم عليه السلام بأنه سيرزق بالولد، مع كِبَر سنه، يأتي بعد ذلك أن الملائكة ذاهبة إلى مَن؟ إلى لوط عليه الصلاة والسلام؛ لتُنجد لوطًا ودعوته عليه الصلاة والسلام. كما جاء ذلك في سورة هود عليه السلام، وفي سورة الحجر، وفي سورة الذاريات.
وفي بعض المواضع ذكر الله قصة إبراهيم منفردة، ثم ذكر قصة لوط بعد ذكر غيره من الأنبياء والمرسلين. كما جرى ذلك في سورة الشعراء. فذكر الله عز وجل قصة الخليل إبراهيم، وذكر قصة نوح، وقصة هود، وقصة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وذكر قصة لوط، ثم ذكر قصة شعيب عليهم الصلاة والسلام. فذكرت في أثناء الحديث عن الأنبياء والمرسلين. وفي سورة الأعراف، ذكر الله قصة لوط في أثناء الحديث عن الأنبياء والمرسلين، دون أن تتقدمها قصة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وقد سمّى الله قرية قوم لوط، أو وصفها بوصف. فقال في شأن لوط عليه السلام: ﴿وَلُوطًا ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى22 كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَـٰسِقِينَ وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الأنبياء: 74-75).
فتأمَّل! ﴿وَلُوطًا ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى23 كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَـٰسِقِينَ﴾ (الأنبياء: 74)؛ وهذا معناه: أنها قرية ظالمة. عرفت بالخبث. نسأل الله السلامة والعافية.
يا أيها الإخوة الكرام، كيف دعا لوط قومه، وكيف تعاملوا مع لوط عليه السلام، وكيف أهلك الله هؤلاء المفسدين. نتعرف على ذلك في المجالس المقبلة — بإذن الله. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 71 ↩
- آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 160-162 ↩
- آية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 35-36 ↩
- آية: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 10 ↩
- آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 160 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 161 ↩
- آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 105-107 ↩
- آية: ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 107 ↩
- آية: ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 53-54 ↩
- آية: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ — كما ورد في الدرس: الذاريات 33-35 ↩
- آية: فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ — كما ورد في الدرس: هود 82 ↩
- آية: ﴿فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 54 ↩
- آية: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 1 ↩
- آية: ﴿إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 16 ↩
- آية: ﴿وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 53 ↩
- آية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 35 ↩
- آية: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 9-10 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 137-138 ↩
- آية: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 165-166 ↩
- آية: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 80 ↩
- آية: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 161-164 ↩
- آية: وَلُوطًا ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ ۗ ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ قَوْمَ سَوْءٍ فَـٰسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 74-75 ↩
- آية: وَلُوطًا ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ ۗ ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ قَوْمَ سَوْءٍ فَـٰسِقِينَ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 74 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ ﴿۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ۖ إِنَّهُۥ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 26
- آية: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 9
من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)