الانتحار وخطره
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
افتتاح الخطبة وإعلان خطورة الانتحار وحرمة الدماء المعصومة
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4 (الأحزاب: 70)
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار
كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أستأذنكم في أن أتوقف عما نحن بصدد من السير في سلسلة وقفات مع آيات القرآن الكريم ومع سورة الفاتحة لنتحدث. اليوم إن شاء الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فما يتعلق بقضية سيناء والاعتداء على مساجد الله. وأما القضية الثالثة فقضية المسجد الأقصى. أسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾
أما عن قضية الانتحار وقتل النفس وإزهاق الروح فلا يخفى على كل المسلمين أن هذا الأمر من المحرم بل هو من أكبر الكبائر، وقد حذرنا من ذلك ربنا وذم ذلك نبينا محمد عليه الصلاة والسلام قال الله وهو أصدق القائلين ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾6 (النساء: 29) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾7 (النساء: 29) وكثير من المفسرين بل بعضهم نقل الاتفاق والإجماع على أن المقصود بالآية الكريمة لا يقتل بعضكم بعضاً
ولا تقتلوا أنفسكم. يعني: لا يقتل بعضكم بعضًا لأنَّ قتل الإنسان لنفسه خلاف الفطرة وخلاف العقل لأنَّ العاقل جُبل على حب نفسه
أدلة تحريم قتل النفس والنهي النبوي عن تمني الموت
فالذي يتعدى على نفسه بقتلها هو في حقيقة الأمر منكر لعقله ومنكر لفطرته ومنكر. كذلك لما دلت عليه الأدلة أو إن شئت فقل إنه متجاهل لها حتى نقول كلامًا صائبًا يترتب عليه الأثر الصحيح
نعم ولا تقتلوا أنفسكم وإذا كان العبد منهياً عن أن يقتل غيره ممن هو على شاكلته فلا يجوز له أن يتعدى. كذلك على نفسه
لا يجوز لأحد من المسلمين أن يقتل معصوم الدم من مسلم أو ذمي أو معاهد أو مستأمن كما مضى مرارًا. فكذلك لا يجوز له أبدًا أن يعتدي على نفسه بل إنَّ الله سبحانه قال ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾8 (المائدة: 32)
فالذي يقتل نفسًا معصومة ولو كانت نفسه كأنما قتل الناس جميعًا وكذلك من استبقى نفسًا وحافظ على نفسه فكأنَّما أحيى الناس جميعًا
وقال الله سبحانه ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾9 (البقرة: 195) فلا شك أن الذي يودي بنفسه إلى القتل لَا شَكَّ أَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلى عين التهلكة بل إن النبي «صلى الله عليه وسلم»
علمنا. إذا وقع أحدنا في ضرٍ أو في ابتلاءٍ ماذا يصنع قال ﷺ كما في الصحيحين «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به»
لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به، أُصبتَ بضرٍّ، أُصبت بمرض أقعدك، أُصبتَ بفقرٍ أصابَ، وألمَّ بك وأحدق بك،
أصبت في زوجتك في أولادك في وظيفتك في أقاربك في والديك في أولادك ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: مصابٍ أصبت به لا يجوز لك أن تتمنى الموت لا أن تقتل نفسك بل حتى تمني الموت «لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به»
فَإِن كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًّا كَرِهَ الْحَيَاةِ وَسَئِمَهَا ورأى أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ ضَاقَتْ بِهِ ولا بد أنه متمنٍ للموت ماذا يقول قال فإنَّ كان لا بد فاعلًا فليقل
«اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي
وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي لأنَّ الذي يتوفى الأنفس هو الله والذي يعطي الأرواح هو الله والذي يقبضها هو الله والذي يتعدى على نفسه متعدٍ على الله في حقٍ من حقوق الله عز وجل
هو الذي وهب وهو الذي يقبض الروح هو الذي يعطيها وهو الذي يسلمها ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ (آل عمران: 26) فهو مالك الملك سبحانه وتعالى هو الذي يعطي ويمنع وهو الذي يحيي ويميت
﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾1011 (آل عمران: 26) وَقَالَ ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾12 (النجم: 44) هو الذي أمات وهو الذي أحيا هو الله سبحانه وتعالى
قاتل نفسه مرتكب لكبيرة من أكبر الكبائر كما قلت: خالف عقله وخالف فطرته الإنسان منا جُبل على حب نفسه
لذلك. لما قال عمر رضي الله عنه للرسول عليه الصلاة والسلام أو لما قال الرسول. أولًا لا يأمن أحدكم قال عمر للرسول يا رسول الله إنك لأحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال له الرسول لا يا عمر
«حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: فأنت الآن يا رسول الله أحب إليَّ من نفسي الشاهد أنَّ عمر رضي الله عنه لم ينكر الغريزة التي جُبل عليها الإنسان وهي أن كل واحد منا يحب نفسه
تفاقم ظاهرة الانتحار والوعيد الصاعق في تكرار آلة القتل
وهذه الظاهرة تتزايد عامًّا بعد عام، وحاولت أن أتتبع في الفترة القصيرة الماضية الإحصائيات التي يذكرها هؤلاء عن طريق وسائل الاتصالات العالمية،
فذكروا أن نسبة الانتحار تتزايد في السنوات الأخيرة حتى أن المتوقع أنها تزيد في سنة 2020 إلى أن تكون زائدة بمقدار النصف. وقد صارت في أيامنا هذه تبلغ مليونًا في كل عام
مليون شخص على مستوى العالم يقع منه الانتحار في العام الواحد وقال المتوقع في سنة 2020 أن يصل العدد إلى مليون ونصف
ما هذا الأمر ما هذا الأمر الغريب أن يقع ذلك صحيح أنَّ أكثر تلك الحوادث ليست في بلاد المسلمين، لكن مع ذلك النسبة ليست بالقليل في بلاد المسلمين، نسأل الله أن يحفظ بلادنا، وقد بيَّن النبي ﷺ خطر ذلك فقال عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «من تردى من جبل فقتل نفسه فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا»
ومن تحسَّى سمًّا، ويدخل في ذلك أي وسيلة من وسائل السموم فَيَدْخُلُ فِيهَا تِلْكَ الْحُبُوبِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أُولَئِكَ قَالَ وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ «فسمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا»
وهو في معركةٍ من المعارِك، وقد كان أميرًا على جيش ذات السلاسل، إذا به رضي الله عنه يحتلم ليلًا، فيأتِي ويُصلِّي بقومه صلاة الفجر دون أن يغتسِل.
وَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ إِذْ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ والرواية جاءت من عدة طرق صححها بشواهدها مجموعة من أهل العلم فقالوا له: تصلي بنا بلا وضوء أو بلا غسل؟
فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك. فقال: يا رسول الله إن الجو كان باردًا ولم أستطع الاغتسال فتيممت وتذكرت قول الله ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾13 (النساء: 29) فأقره الرسول عليه الصلاة والسلام
. إذًا خفت على نفسك من الألم من شدة البرد وأنك لا تقوى على استعمال الماء فإنَّك تتجه إلى التيمم حفاظًا على صحتك والنبي عليه الصلاة والسلام. لما أخبر بهذا الرجل الذي شج رأسه واحتلم فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم
قالوا لا نجد لك رخصة لا بد أن تغتسل من جنابتك فاغتسل. وقد أصاب الماء ذلك الجرح فمات فلما أخبر الرسول قال «قتلوه قتلهم الله، ﴿إِلَّا﴾ سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال» أي: شفاء العِيِّ السؤال
بل اسمع لو قيل لك انطق بكلمة الكفر؛ وإلا قتلناك لو قيل لك أمسكك بعض الكافرين أخذوك وقالوا لك أنت بين أمرين إمَّا أن تكفر وتشرك بالله وتسب الله وتسب كذا وكذا وتكفر بآيات الله وإمَّا أن نقتلك
الإسلام يقول لك: انطق كلمة الكفر لا يضرك ما دام أن قلبك مطمئن بالإيمان ألم يقل الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾14 (النحل: 106) يرخص له في أن تنطق بكلمة الكفر. إذا كان قلبك مطمئنًا بالإيمان من أجل ما
من أجل أن تحافظ على نفسك فهل تذهب أنت لتقتل نفسك أهذا يليق بالمسلمين أهذا يليق بمن يعرف أن الله ربه وأن الرسول محمد النبي وأن دينه هو دين الإسلام ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربه وبالإسلام دينه وبمحمد ﷺ رسوله
مقصد حفظ النفس في رخص الشريعة
اعلموا يا أيها الإخوة الكرام أن هذا الذي يقع من كثير من الشباب من هذه الظاهرة المريبة يرجع إلى أسباب كثيرة لا يستطيع الإنسان في لقاء واحد أن يحصرها. فقد عقدت دراسات كثيرة في هذا الموضوع وكتبت وسجلت مجلدات وكتبت في هذا الموضوع الخطير لكني أقول أن أعظمها
غياب الوازع الديني وضعف الإيمان في القلوب. فهذا الذي يسبب عند أصحابه هذا الأمر نعم لأنَّ الإيمان حينما يغيب من القلب أو حينما يضعف ويذبل في القلب فإنَّ صاحبه لا يشعر بطعم العبادة
ما الذي يؤمن بالله كيف يتعدى على حق الله أما الذي يعلم أنه إن فعل تلك الفعلة استحق النار هل سيجرؤ على أن يعصي العزيز الغفار هل يقدر على أن يعصي الله وهو القهار لن يقدر على ذلك هذا الذي يعلم أن هذا محرَّم هذا الذي يعلم
أن الكون كله يسير بقدر الله وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن هموم الدنيا ستزول وأن الدنيا إلى زوال وأن الآخرة خير وأبقى فهو يقول لنفسه
أنا في الدنيا مهموم أنا في الدنيا مغموم أنا في الدنيا تعيس كئيب لا يضرني سنوات وتنتهي لكنني أنال الأجر والثواب من الله في جنة عرضها السماوات والأرض وأقول لك: العبد مهما عُمر في الدنيا كن سيُعمَّى
يُعمَّر مئة عامًّا، يُعمَّر مئةً وعشرين عامًّا، إن الرسول قال ﷺ «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك»، فإنك عشت مئة أو عشت مئة وخمسين عامًا، وبعدها ستموت، الذي يدخل الجنة كم يعيش في الجنة
يعيش أبدًا الآبدين والكافر الذي يدخل النار كم يعيش في النار فهل الدنيا مهما طالت تعدل شيئًا أمام الآخرة لا تعدل شيئًا أمام الآخرة فالمؤمن بالله يقول مهما كنت في غم مهما كنت في كرب فالدنيا قصيرة وعما قريب ستزول بفضل الله سبحانه وتعالى. ثم إنَّ العبد المؤمن سيراجع نفسه
فيعرف أن الرزق ليس محصورًا في الأموال وليس محصورًا في الأولاد وليس محصورًا في الزوجة وليس محصورًا في العقارات وليس محصورًا في الشهادات وليس محصورًا في كذا أو في كذا
أسباب الانتحار في ضعف اليقين والوحشة الناتجة عن الإعراض
أعظم من ذلك أن يرزقك الله قلبًا سليمًا أن يرزقك الله لسانًا ذاكرًا أن يرزقك الله رضا أن يرزقك الله يقينًا فإذا رزق بذلك يقول الحمد لله يا رب أعطيتني ما لم تعطِ كثيرًا من خلقك
فأنا راضٍ بقسمتك وأنا راضٍ بما أعطيتني يا ربي فلا يتعدى على نفسه ولا يتعدى على حق الله سبحانه وتعالى فالمؤمن بالله والمؤمن بقدر الله وقضائه وقسمة الله لا يقع أبدًا في قضية الانتحار. كذلك، يا أيها الإخوة الكرام
فالله سبحانه قال ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾15 (طه: 124) هذه المعيشة الضنك تأتي نتيجة ماذا نتيجة الإعراض عن ذكر الله سبحانه وتعالى فالذي يُقبل على ذكر الله يعيش في جنة حتى إن بعضهم قال. والله
لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف لو أنَّ الملوك وأبناء الملوك يعلمون السعادة التي تملأ قلوبنا لأننا مؤمنون ولأننا مستيقنون راضون بقسمة الله
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس لا تقلد الغرب الكافر لا تقلد أولئك الملحدين بداية الانتحار وكثرة الانتحار نشأت عند الملحدين الذين لا يقرون بإله ولا برب ولا يقرون بجنة ولا بنار
ولا بالآخرة أَمَّا نَحْنُ فَنُقِرُّ بِاللَّهِ إِلَهًا فَرْدًا صَمَدًا نُقِرُّ بِالجَنَّةِ نُقِرُّ بِالنَّارِ إن النبي عليه الصلاة والسلام قال يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا من أهل النار
أكثر رجل تمتع في الدنيا وتلذذ يؤتى به فيُصبغ صبغة في النار. ثم يقال له: هل رأيت نعيمًا قط أنت عشت حياة حلوة في الدنيا هل مرت بك لذة قط فيقول: لا والله يا رب غمسة واحدة في النار ستُنسي أهل متاع الدنيا متاع الدنيا
وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ لَا يَجِدُ لُقْمَةَ الْعَيْشِ الَّذِي كَانَ لَا يَجِدُ لِبَاسًا يَلْبَسُهُ الَّذِي كَانَ لَا يَجِدُ مَسْكَنًا يَسْكُنُ فِيهِ أَوْ يُؤْوِيهِ
لكنه يدخل الجنة يقال له: هل مرت بك شدة قط هل مر بك بؤس قط فيقول: لا والله يا رب أنا أعيش في سعادة. لماذا لأنه ذاق غمسة واحدة في الجنة. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فيا عباد الله
فلا وجه أبدًا لمسلمٍ من المسلمين أن يتعدَّى على نفسه بالانتحار بسبب الاكتئاب أو بسبب القلق أو بسبب أمرٍ نفسي أو بسبب ظروف المعيشة
أو بسبب خلافات مع زوجته أو بسبب خلاف مع أهله أو بسبب من الأسباب كلها أسباب ذاهبة ويبقى بعد ذلك أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة فعش في الدنيا لله مطيعًا تمُت بفضل الله عزيزًا وبعدها تدخل جنة عرضها السماوات والأرض
بقي، يا أيها الإخوة الكرام أن نتعرف على حكم المنتحر: أهو مسلم أم خرج من الإسلام؟ ثم هل يُصلى عليه أم لا يُصلى عليه
فالذي عليه أهل العلم أن المنتحر مرتكب لكبيرة من الكبائر وليس بكافر إلا إذا استحل قتل نفسه أكرر الكلام
الذي انتحر مرتكب لكبيرة من الكبائر هي من أشدّ الكبائر يستحق بها العقوبة الشديدة من الله سبحانه وتعالى لكنه ليس بخارجٍ عن دائرة الإسلام اللهم إلا إذا استحل ذلك ما معنى إذا استحل ذلك؟ هذا مثل الزاني والمرابي ونحو ذلك
الزاني إذا زنى ما حكم الزاني؟ مرتكب لكبيرة لو أنَّ زانيا زنى وقال من قال لكم إن الزنا حرام الزنا حلال أنا حر من اللي قال لكم أنا أرى هو يقول يرى أنَّ الزنا حلال
الذي يقول ذلك كافر. لماذا؟ لأنه استحل الزنا. لكنه لو زنى ولو ألف مرة فهو مسلم عاص مرتكب لكبيرة من الكبائر لكن ليس بكافر ولا خارج عن دائرة الإسلام. كذلك المنتحر
لو سمعنا منك أو كتب ورقة وقال الله ليس له دخل في نفسي وأنا حر فيها وليس لله عندي شيء وهي نفسي أتصرف فيها كيف أشاء. فهذا كفر بالله العظيم
حكم المنتحر في الشريعة وفقه الصلاة عليه وزجر الأئمة
أما لو قتل نفسه نتيجة ضغوط عليه وما إلى ذلك وهو يعلم أن ذلك حرام لكن نفسه أوقعته في المعصية فهو آثم مستحق للعقوبة والوعيد الشديد
وَأَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ النَّارُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ نَقُولُ أَمْرُهُ مُفَوَّضٌ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآ16ءُ﴾ (النساء: 48) ويدُلُّ على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه
أتاه الطفيل بن عمرو الدوسي ورجل آخر معه أتيا إلى النبي ﷺ مهاجرين فلما هاجروا إلى الرسول بالمدينة اجتووا جو المدينة فمرض الرجل الذي جاء مع الطفيل بن عمرو الدوسي أصيب بمرض
فجزع فأخذ مشاقص فقطع براجمه، أخذ سهمًا وقطع البراجم فسأل الدم، شخبت يداه حتى مات سال الدم منه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه رآه في رؤيا منامية
رآه وهو في صورة حسنة وهيئة حسنة ورآه قد غطى يديه. فقال له: ما صنع الله بك؟ فقال غفر لي بهجرتي إلى رسوله
غفر لي بهجرتي إلى رسوله ولو كان كافرًا ما غفر له قال: وما الذي صنع بيديك؟ لماذا غطيت يديك؟ قال قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام «اللهم وليديه فاغفر»
«اللهم وليديه فاغفر» فدعا الرسول عليه الصلاة والسلام ليديه بالمغفرة ولو كان كافرًا ما دع الرسول عليه الصلاة والسلام له بالمغفرة
وما قيل له غفر الله لك بهجرتك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه فالمنتحر ما لم يستحل ذلك مرتكب لكبيرة من الكبائر لكني لا أقول ذلك من باب تهوين أمر الانتحار
لأن غمسة واحدة في النار مَنْ الذي يطيقها والرسول عليه الصلاة والسلام. لما قيل له عمك أبو طالب
كان يدافع عنك. وكان يحوطك ما صنعت لعمك قال هو في ضحضاح من النار ولولا أنا لكان ﴿فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ يقول الرسول إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرة أقل واحد في النار عذاب توضع جمرة في أسفل قدميه يغلي منها دماغه
هذا أقل من يُعذَّب في النار، فالأمر جدُّ خطير، وما دام أنه مسلمٌ عاصٍ، فيجوز الدعاء له بالمغفرة والرحمة، وأما الصلاة عليه، فالذي عليه جمهور العلماء أيضًا، أن الصلاة عليه صحيحةٌ، ما دمنا قد قررنا إسلامه،
لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه «أُتي برجل قتل نفسه بمشاقص» رجل قتل نفسه فلم يصل الرسول عليه لم يصل عليه وجاء. كذلك في رواية أبي داود أنه لم يصل عليه وأمر أصحابه بالصلاة عليه
جعل الصحابة يصلون وهو لم يصل عليه الصلاة والسلام. لما لو كانت الصلاة محرمة عليه لم يأمر الصحابة بالصلاة عليه لكن الرسول وهو الإمام القدوة لم يصل عليه الصلاة والسلام زجرًا له ولأمثاله
لأنه. إذا علم المنتحر في عهده عليه الصلاة والسلام أنه إذا مات منتحرًا لن يصلي عليه الرسول سيخاف الرسول إمام الهدى لن يصلي عليه أمرٌ جدُّ خطير لكن الصحابة صلَّوا عليه الصلاة صلَّوا عليه كما بيَّن أو كما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال بعض العلماء
لا مانع من أن يمتنع بعض الفضلاء والمعروفين بالمكانة بين الناس من الصلاة على المنتحر ومن كان على مثله ممن هم مبارزون بالمعصية زجرًا له ولأمثاله
وقال آخرون: من العلماء بل يصلي عليه الأفاضل لأننا نرجو له الرحمة والمغفرة ونسأل الله أن يغفر للمسلمين أحياءً وأمواتًا يا أيها الإخوة الكرام إن سحب الوقت مني فأكمل إن شاء الله تعالى بعد الصلاة الحديث عن الموضوعين الآخرين لكنني أقول
والتقارير الطبية تقر أن هذه المخدرات تؤدي إلى القتل القريب وإلى الإماتة القريبة ﴿إِلَّا﴾ يعد هذا منتحرًا بما يؤول إليه أمره
بعض الناس يحصر الانتحار في صور محدودة مع أنَّ صور الانتحار أكثر وأكثر فالذي يسرف على نفسه بالمعصية هو في حقيقة الأمر يودي بنفسه إلى التهلكة
اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم رد إلينا أقصانا ردًا جميلًا
اللهم احقن دماء المسلمين اللهم رد كيد اليهود يا ذا الجلال والإكرام ﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك، وأقول السلام
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 29 ↩
- آية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 32 ↩
- آية: ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 195 ↩
- آية: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 26 ↩
- آية: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 26 ↩
- آية: ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 44 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 29 ↩
- آية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 106 ↩
- آية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 124 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 48 ↩