الحديث الثامن والاربعون
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
متن الحديث والجمع بين الثلاث والأربع
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصم فجر»3. وجاء في بعض الروايات: «إذا اؤتمن خان».
هذا الحديث حديث عظيم، وهو يدل على خطر النفاق ويحذّر منه، ونسأل الله السلامة والنجاة من النفاق. يقول ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً».
وجاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المتفق عليه: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وهنا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً».
ولا مانع ولا تعارض؛ فقد ذُكرت ثلاث علامات للنفاق في حديث أبي هريرة، وذُكرت أربع علامات في حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، والزيادة مقبولة. على أنك إذا تأمَّلت الأربعة وجدتها راجعة إلى الثلاثة.
فقوله: «وإذا خاصم فجر» هذا أيضًا مما يدخل في الكذب في الحديث؛ لأنَّ فجوره يكون بغير حق، فحينئذ يكون حديثه حديثًا كاذبًا، فمردّها إلى الثلاثة بفضل الله - تبارك وتعالى. قال ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً»، يعني: استوفى معالم النفاق وتحققت فيه خصال النفاق وصفاته.
حقيقة النفاق: اختلاف السر والعلانية
والنفاق، يا أيها الإخوة الكرام، — كما قال بعض العلماء: — اختلاف السر والعلانية؛ اختلاف السر والعلانية أن تكون سريرتك مخالفة لعلانيتك، بأن تكون علانيتك أو ظاهرك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وباطنك على الباطل. ولذلك النفاق يأتي بمعنى الخداع، ولذلك ذكر الله سبحانه أهل النفاق فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ4 يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾5. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾67.
قال النبي ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً». فالنفاق اختلاف السر والعلانية واختلاف القول والفعل؛ فقوله يخالف فعله، وفعله يخالف قوله.
وفعله يخالف قوله؛ ولذلك كان السلف رحمهم الله يتجنبون أن تخالف أقوالهم أفعالهم، فكان إبراهيم التيمي يقول: «ما عرضت قولي على فعلي إلا خشيت أن أكون مكذّباً».
يخشى من أن يكون واقعًا في الكذب بسبب مخالفة القول للفعل؛ إذ عليه أن يوافق قوله فعله وأن يوافق فعله قوله. «آية المنافق ثلاث»، وقال هنا: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً».
قسما النفاق: عقدي مخلّد وعملي منقّص
وأصل النفاق: يدل على الشيء المستتر، يعني: يظهر شيئًا ويبطن خلافه، والمراد إظهار الحق وإبطان الباطل. والنفاق على قسمين: نفاق عقدي، ونفاق عملي. فأما النفاق العقدي فهو أن يظهر الإنسان الإيمان وأن يبطن الكفر، كما جرى من المنافقين على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ ذلك لأنهم يعلمون أن المسلم معصوم الدم والمال؛ فمن قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله وحسابه على الله عز وجل.
فكانوا يخافون من النبي ﷺ وأصحابه، فماذا كانوا يصنعون يظهرون ماذا يظهرون أنهم مؤمنون بالله ومؤمنون برسول الله صلوات ربي وتسليماته عليه، وهم في حقيقة الأمر ليسوا بمؤمنين؛ يبطنون الكفر.
وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾89. قَالُوٓا۟ آمَنَّا هكذا بالفعل الماضي، ولكن إذا ﴿خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هكذا بالجملة الاسمية المؤكدة، يعني: نحن ندوم على ما نحن عليه، يقصدون النفاق. سلّمنا الله وإياكم.
1-فهذا النفاق العقدي: أن يظهر الإنسان الإيمان وأن يبطن الكفر، وصاحبه مخلّد في النار، وصاحبه أشرّ حالًا من الكافر، وفيه قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾1011. إن ٱلْمُنَٰفِقِينَ ﴿فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
المراد بالمنافقين هنا المنافقون نفاقًا عقديًّا: الذين يظهرون الإسلام أو الإيمان ويبطنون الكفر.
2-وأمَّا النوع الثاني: من النفاق فهو النفاق العملي أو ما يتعلق بالأعمال. وقد قال كثير من أهل العلم إن النفاق العملي مذكور في هذا الحديث؛ فالحديث الذي معنا يتحدث عن النفاق، ماذا؟ عن النفاق العملي. ولذلك إذا كذب الإنسان أو أخلف، أو إذا خان في أمانة ائتمنه عليها شخص من الأشخاص، فهل هو كافر مخلَّد في النار؟ الجواب: لا؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هذا النفاق نفاق عملي يقدح في إيمانه وينقصه، لكنه لا يخرج به عن الملّة. هذا هو النفاق العملي المذكور في هذا الحديث.
وهو الذي قاله بعض العلماء في حق خوف عمر رضي الله عنه حينما قال لحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما — وكان صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يعرف أسماء المنافقين، أو أعلمه النبي ﷺ بأسماء المنافقين — فقال له عمر رضي الله عنه ذات يوم: «أناشدك الله — أو ناشدتك الله — يا حذيفة، أسمّاني رسول الله في المنافقين؟» فقال له: «لا، ولا أزكّي أحدًا بعدك». يعني: لا أجيب أحدًا بمثل هذا؛ فهذا سرٌّ أسرَّه إليَّ النبي ﷺ وليس معنى «ولا أزكّي أحدًا بعدك» أن غيرك لا يسلم من النفاق؛ إذ الصحابة الكرام رضي الله عنهم سالمون من ذلك.
وقد قال ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف على نفسه من النفاق؛ ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل»، يعني: يجزم أنه في قوة الإيمان. فهذا يعني: أنهم رضي الله عنهم كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق. قال بعض العلماء: إن الذي خاف منه أولئك — أو إن الذي خاف منه عمر — هو النفاق الأصغر؛ لأنه متيقن من الإسلام لا يشك في إيمانه بالله وبرسول الله ﷺ لكنه يخاف من النفاق العملي: من أن تكون أقواله مخالفة لأفعاله. والنفاق الأصغر بريد للنفاق الأكبر أو طريق له، كما أن النظر إلى المرأة الأجنبية بريد الزنا، وكما أن المعاصي بريد الكفر يعني: توصل إلى الكفر؛ فالنفاق الأصغر يؤدي إلى النفاق الأكبر.
وبهذا يعني: يتبين ما جاء في بعض الروايات عند مسلم: «وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم»؛ فهو ناقص الإيمان، ويخاف عليه من أن يتحوّل نفاقه الأصغر إلى نفاق أكبر، وحينئذ يكون حاله أسوأ من حال الكفر. نسأل الله السلامة والعافية.
اجتماع الشعبتين ووسطية أهل السنة في الإيمان
فالجامع المشترك بين النفاق العملي والنفاق العقدي مخالفة السر للعلن؛ فالذي يحدّث ويكذب هو يعرف أن هذا الحديث كذب، أن هذا الحديث ليس بصدق، فهو يحدّث به في الظاهر، ولكنه يبطن خلافه ويعلم أنه كذب. وكذلك إذا وعد أخلف، وكذلك إذا اؤتمن خان؛ فإنَّه يظهر أنه أمين ويظهر أنه يوفي بالوعود والعهود، لكنه ليس صادقًا في ذلك. إلا أنه يُفرَّق. «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها». من كانت فيه خصلة من هذه الخصال الأربع ففيه خصلة من خصال النفاق وشعبة من شعابه، وهذا فيه نقص [تحتاج مراجعة الصوت]. والإنسان قد يجتمع فيه الأمران. وقد قال عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ومن المعروف أنَّ سباب المسلم لا يخرج الإنسان من الملّة؛ إذا شتمه ونحو ذلك. فهذا ليس بمخرج من الملّة، مع أنَّ فيه شعبة من شعب الفسق.
فهذا يعني: أنَّ الإنسان قد يجتمع فيه طاعة ومعصية، وقد يجتمع فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر.
ولكن أهل البدع لم يقلوا بذلك، فجعلوا الإيمان شيئًا واحدًا لا يتبعّض؛ لذلك اختلفوا وكانوا على طرفي نقيض. فالخوارج مثلًا رأوا أن الإيمان شيء واحد لا يتبعّض ولا يتجزّأ، فإذا خرج منه بعض أو منه شيء خرج الإيمان كله؛ لذلك كفّروا مرتكب الكبائر.
لذلك الخوارج يكفّرون مرتكب الكبائر لماذا لأنه لما عصى الله ولما ارتكب الكبيرة خرج منه جزء من الإيمان، فليس هناك جزء باقٍ؛ أي: خرج الإيمان كله. وعلى العكس من ذلك المرجئة رأوا أنه ما دام قد قال لا إله إلا الله واعتقد بذلك — على الخلاف بين المرجئة والكرامية — فلا يحتاج إلى العمل؛ فسواء عمل أم لم يعمل فهو ما زال على الإيمان، وإيمانه إيمان كامل.
وأما أهل السنة فهم وسط؛ قالوا: لا هذا بصواب ولا ذاك بصواب؛ الإنسان قد تجتمع فيه الشعبتان: شعبة إيمان وشعبة نفاق أو شعبة كفر. وعلى ذلك فالإيمان قول وعمل، وإذا خرج منه جزء من العمل لم يخرج الإيمان كله منه — اللهم إلا ما يتعلق بترك الصلاة على الخلاف الواقع بينهم فيه.
ولكن إذا ترك هذا الجزء، فبقي جزء آخر، فالإيمان يزيد وينقص؛ وذلك أنهم قالوا: إن الإيمان يتبعّض، وهذا هو القول الحق. ولذلك يقال في شأن هذا: مسلم عاصٍ، أو يقال مؤمن عاصٍ، أو يقال عنه عاصٍ، أو يقال عنه فاسق؛ فمعه أصل الإيمان وليس معه الإيمان الكامل. لذلك يقولون: معه مطلق الإيمان وليس معه الإيمان المطلق.
فالإيمان المطلق معناه: الإيمان الكامل.
ومطلق الإيمان: أي: أصل الإيمان.
فهذا الشخص الذي عصى الله وهو موحّد: هل هذا معه إيمان أم ليس معه أصل الإيمان؟ لكن هل معه كمال الإيمان؟
خصلة الكذب ومطابقة الخبر للواقع
قال ﷺ: «إذا حدّث كذب». إذا حدَّث الناس كذب، وقع في الكذب. والصدق مطابقة الكلام للواقع: أن يطابق كلامك — أو مطابقة الخبر للواقع — والكذب نقيض ذلك؛ بأن يقول كلامًا غير مطابق للواقع: يقول: حدث كذا ولم يحدث، قام فلان وما قام فلان، ويتعمّد ذلك، وهو الكذب. وإذا لم يتعمّد فيقال له: خطأ.
وعند الحجازيين أيضًا يقولون عن الخطأ كذب؛ فيطلقون على الخطأ الذي ليس بمتعمَّد، يقولون عنه: كذب. ولكن الكذب المراد هو ما كان متعمدًا بأن يقول كلامًا غير مطابق للواقع.
كما قال النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا». وقد تقدّم الكلام عن الكذب في سلسلة الداء والدواء، وكيف ينجو الإنسان منه وكيف يتوقاه، وهل يُباح الكذب في بعض الأحيان؛ كل ذلك مضى ذكره بفضل الله سبحانه وتعالى.
المؤمن لا يكذب، والصدق منجاة؛ فالمؤمن لا يكذب: لا يكذب على الناس ولا يكذب على الله سبحانه وتعالى. ومن صفات الأنبياء والمرسلين الصدق.
ولذلك قال هرقل: لم يكن ليذر الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب — أو ثم يكذب — على الله سبحانه وتعالى. يعني: إذا كان محمد ﷺ لا يكذب على الناس، فهل سيكذب على رب الناس؟ هذا لا يكون. وقد كان من أوصافه ﷺ التي لقّبوه بها صلوات ربي وتسليماته عليه — أي: لقّبه بها أهل مكة قبل ذلك وقبل بعثته — الصادق الأمين.
خلف الوعد والغدر: العبرة بنية الإخلاف
قال: «إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف». إذا وعد الناس وعدًا أخلف في الوعد. وهل كل من أخلف وعدًا يُعد منافقًا؟ قال بعض أهل العلم إن المراد بذلك أن يعد الناس وعدًا — أن يعطيهم وعدًا — وهو ينوي إخلافه.
فقوله: «وإذا وعد أخلف»، أي: وإذا وعد نوى الإخلاف. وأما إذا وعد إنسانًا وعدًا وفي نيته أن يوفي بوعده وأن لا يخلف وعده، ولكن طرأ عليه طارئ وصرفه صارف وحيل بينه وبين الوفاء حائل، فحينئذ لا يُعدّ منافقًا بفضل الله سبحانه وتعالى. يعني: شخص وعد آخر وقال: سآتيك إن شاء الله تعالى، سآتيك في صلاة العصر، أو سآتيك الساعة الخامسة، وهو في نيته أن يأتيه، ولكن قبل الساعة الخامسة طرأ عليه طارئ أو حدثت له مصيبة — عافانا الله وإياكم — أو ابتُلي بأمر وما أشبه ذلك فلم يستطع الإتيان في الموعد؛ فهل هذا منافق؟ الجواب: ليس بمنافق؛ هذا ليس بمنافق لأنه لم ينوِ الإخلاف في الوعد. وأما المنافق فيعد الناس وعودًا كثيرة وفي نيته أن يخلف.
وكما تقدّم، يا أيها الإخوة الكرام: فمن عُرف عنه الخلف في الوعد ومن عُرف عنه الكذب في الحديث لا يُصدَّق ولا يُوثق بكلامه ولو أوفى بوعد. لماذا؟ لأنه عُرف بذلك. وقلت هذا من أضرار الكذب: يعني: الكاذب قد يصدق، قد يصدق، لكن مع ذلك يقول: أنت تصدق؟ ما نصدِّق. لماذا لأنه جُرّب عليه الكذب. وفلان يعد ويخلف، يعد ويخلف، فإذا أعطاك موعدًا تقول: أنت ستوفي بالموعد ما أظن. [عبارة مصحَّفة تحتاج مراجعة الصوت، ولا يثبت تصحيحها من السياق]؛ لماذا لأنه جُرّب عليه الخلف في الوعد.
وقد كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون لهم بإحسان يحرصون كل الحرص على الوفاء بالوعد، وقائدهم أو إمامهم في ذلك رسولنا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه. فها هو عليه الصلاة والسلام وقد أتاه حذيفة بن اليمان ومعه والده اليمان، وقد مرّوا على المشركين فقالوا لهم: إلى أين أنتم ذاهبون؟ إلى رسول الله ﷺ، إلى محمد. وأخذوا عليهم العهد ألَّا يقاتلوا مع رسول الله ﷺ وتركوهم. فلما ذهبوا إلى النبي ﷺ — والنبي يعني: يريد مسلمين يقاتلون معه، والأمر يحتاج إلى مجاهدين، فلما أخبر رسول الله ﷺ بما أخذ عليهم المشركون من العهد: من أنهم لن يقاتلوا مع رسول الله في تلك الغزاة، في بدر، فقال النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم: «نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ». نفي لهم بعهدهم يعني: لن نخلف؛ لا تخرج معنا في القتال. «نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ». نعم إنه الوفاء بالوعد، وكذلك عدم الخلف فيه.
وربنا سبحانه وبحمده علّمنا أن نكون كذلك: أن نكون أوفياء ولو كان ذلك مع اليهود ولو كان ذلك مع المشركين؛ فإننا نفي بالعهود. ويوم أن نشعر بأن أعداءنا — أو بأن من أعطيناه العهد والوعد — يوم أن نشعر بأنه ربما نقض العهد والوعد من ورائنا وربما أصابنا بأذى، ما ننقض العهد ولن نبدأ بالخُلف، وإنَّما نقول: نحن في حل من العهد؛ نحن في حل. يعني: على ذلك احذرنا نحن نحذّرك وأنت تحذّرنا؛ ليس بيننا وبينك عهد. مع أنَّك تحذر مما قال الله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآ1213ءٍ﴾، أي: اطرح إليهم عهدهم. وهذا إن كان في الأعمال وترك الخيانة فكذلك يدخل في عدم خلف الوعد. والله تعالى أعلم.
وقد ذكروا أنَّ بعض الصحابة الكرام — وقد ذكروا ذلك في حق ابن عمر رضي الله عنه ويحتاج إلى نظر في إسناده — أنه رضي الله عنه قد أعطى رجلًا يعني: شبه وعد بخطبة ابنته؛ يعني: رجل تقدّم لابنته ووعده إنَّه سيكون في ذلك شيء. ومن المعروف أن الخطبة ما هي إلا وعد بالنكاح، وقد يرجع الخاطب وقد ترجع المخطوبة، وهو لم يجزم بذلك، وإنَّما يعني: كأنه قال سأفكر في الأمر ونحو ذلك. فلما كان عند وفاته قال لهم: أنجزوا لفلان وعده؛ فإني أخشى أن ألقى الله بثلث نفاق. أخشى أن ألقى الله بثلث نفاق. هكذا كانوا.
والبخاري يرحمه الله أراد أن يبيع بيعًا، فجاءه قوم وقالوا له: نربحك فيها اثنين — يعني: في الشيء نربحك فيه الضعف — ثم قال آخرون: نربحك فيه بثلاثة دراهم، أربعة دراهم، حتى وصلوا إلى خمسة أضعاف، فوافق البخاري — أو قال: سأنظر — يعني: أيضًا ما أعطاهم اتفاقًا جازمًا. ثم قالوا: نربحك فيها عشرة — يعني: هؤلاء يريدون أن يربحوه خمسة والجدد يريدون أن يربحوه عشرة — فقال لهم: إني قد نويت؛ إني قد نويت أن أتمّم الصفقة الأولى فلم أكن لأرجع. يعني: ما عقد، ﴿أَنَّمَا﴾ مجرد نية عنده أن يتمّم الصفقة؛ ما أراد أن يرجع فيه. فماذا تقول في أحوال كثير من الناس ممن يعدون ولا يوفون ويخلفون؟ نسأل الله السلامة. فكم يعطي بعض الناس الوعود ومع ذلك لا يفون بتلك الوعود؛ يقولون للناس: سنفعل وسنفعل ولا يفعلون. وكذلك يقول لشخص: سأفعل وكذا، وربما يقول الآخر: سأشتري، ومن أجل أن يشتري يبيع الآخر أمرًا أو ما أشبه ذلك، وبعدما يصنع ما يصنع يقع عليه الضرر وينقض الوعد ويخلف الوعد.
فهذا يُحذَّر منه؛ والذي يعد ويخلف وقع في النفاق أو فيه خصلة من خصال النفاق. نسأل الله السلامة والعافية. قال: «إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». إذا عاهد غدر في عهده؛ إذا عاهد فعليه أن يفي بعهده. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾14. أوفوا بالعقود؛ والعقود على المرجح عقود عامة تشمل العهد بين العبد وربه وبين العباد بعضهم مع بعض؛ فكل هذه من العقود والعهود. وقال الله: ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾1516.
فإذا عاهدت شخصًا فلا تغدر. وقد قال النبي ﷺ: «يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة»؛ يُنصب أو يُوضع عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان؛ يُنصب له لواء علامة أن هذا غادر. «وإذا عاهد غدر» فلا تغدر؛ كن وفيّاً بالعهود. إذا عاهدتَ فَفِ بهذا العهد وَفِ بهذا الوعد ولا تنقضه بعدما أبرمته — رحمك الله. قال: «وإذا خاصم فجر».
فجور الخصومة وأدبها حتى بين الزوجين
إذا خاصم فجر: إذا وقعت بينه وبين آخر خصومة فإنه يفجر في الخصومة؛ لا يقول الحق. كان يثني عليه فلما خاصمه فجر وغضب عليه وطعن فيه مع أنَّه يعلم أنه من ذلك بريء.
وقد قال الله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾1718.
فليس لأنك خاصمته تفجر في خصومته وتدّعي عليه ما هو بريء منه. فكثير من الناس في وقت السلم بحال وفي وقت الخصومة بحال. نسأل الله تعالى السلامة من ذلك كله. فعلى المسلم أن يتقي الله عز وجل في ذلك. ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ: «وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى».
فيسأل الله جل وعلا أن يقول كلمة الحق، وأيضًا أن يكون عادلًا في حالة الغضب وفي حالة الرضا؛ فيكون في كل الأحوال محقّاً لا يكون مبطلًا ولا يكون على الباطل. «وإذا خاصم فجر»: مهما جرت بينك وبين آخر خصومة فلا تفجر في الخصومة. وكذلك مما يجري في هذا المجال ويدخل فيه كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، بصورة واضحة جلية ما يجري بين الزوجين. فإذا وقعت بين رجل وامرأته خصومة، فإنَّه في كثير من الأحيان ترى الفجور من الرجل ومن المرأة إلا من رحم الله؛ تقول: ما رأيت منه خيرًا قط، وفعل وسوّأت وضرب وعجّل وكذا، وهو يقول: فعلت وسوَّت وكذا.
يا أخي اتق الله سبحانه وتعالى فيما تقول؛ لا تظلمها ولا تظلميه. «وإذا خاصم فجر». بل حتى ولو طلّقتها لا تظلمها ولا تدّعي عليها ولا تفترِ عليها.
ورحم الله عز وجل أولئك الأقوام الذين كانوا يعرفون ذلك؛ فأحدهم يُطلّق المرأة ويُسأل عنها فيقول: اسكت؛ ماذا أقول فيها إنها صارت زوجة غيري؛ انتهت المسألة. إذا كانت هي زوجتك فكيف ترضى ذلك لزوجتك؟ التي ستكون معك وتبات معك وهي أم أولادك وإذا طلّقتها فهي زوجة غيرك في يوم من الأيام؛ فلماذا تغتابها ولماذا تقول عنها كيت وكيت.
ومن العجيب والغريب أن بعض الناس — أو بعض الرجال أو بعض الذكور — يكونون على عزم كبير أن يُرجع امرأته وألَّا يطلِّقها مهما جرى. طيب أنت ليس في نيتك الطلاق؛ لا تريد الطلاق؛ لماذا تُشمِّت الناس في زوجتك ولماذا تقول فيها كل شيء مما هو حق ومما هو باطل وبعد فترة ترجع الزوجة؛ كيف سيكون نظرك إليها؟ وكيف سينظر الناس إليها؟ وأنت قد قلت: إنها تفعل، وإنها تفعل، وإنها تفعل، وكذلك العكس تقول في زوجها: فعل وفعل.
ولذلك تتأزم الأمور بعد ذلك، وفي غالب الأمر تقع مشكلات عديدة بين أهل الزوجة والزوج، وبين أهل الزوج والزوجة؛ لأنَّ الزوجة قد تنسى والزوج قد ينسى لكن الأهل لا ينسون. لأنَّ الزوج يرى من زوجته أحيانًا ما يسرّه، وترى الزوجة من زوجها أحيانًا ما يسرّها، ولكن الآخرين لا يرون إلا ما يسوء. ويحضرني في هذا الحديث الذي ورد — لكن الحديث يعني: فيه بعض كلام ومنهم من صحّحه — حينما دخل النبي عليه الصلاة والسلام في المرة الثانية، حينما دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على النبي ﷺ مع عائشة رضي الله عنهما وقال لهما: «أشركاني في سلمكما كما أشركتما في حربكما». إن صحّ الأثر؛ وإلا ففيه بعض الكلام. الشاهد من ذلك أن الواحد ربما لا يرى من امرأته إلا هذا وذاك، أما الأهل لا يرون إلا المشكلة؛ كلما ذهبت: فعل وفعل، وكذلك العكس، فيتراكم الأمر.
قال النبي ﷺ في صفات المنافقين: «وإذا خاصم فجر». كذلك إذا خالفت أخًا لك في الله، خالفتَ، خاصمتَ، وقع بينك وبينه خصومة؛ لا تفجر في خصومتك؛ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحق ولو كان مرّاً، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحق ولو كان في عدوّك، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحق ولو كان في عدوّك. قال ﷺ: «وإذا خاصم فجر».
وهذا مراد على أحد القولين في قوله عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه». ما معنى اجتمعا عليه وتفرّقا عليه يجتمعان على الشرع، يجتمعان على الدين، ويتفرّقان عليه. يعني: قد يكون المعنى: كل منهما إذا افترق يفترق عليه على طاعة. هذا قول. وقول ثانٍ في معنى الحديث: وتفرّقا عليه يعني: حتى إذا وقع بينهما تفرّق فيفترقان على الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ هذا يرى أنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وهذا يرى أنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، دون أن يفجر أحد منهما في التفرّق ودون أن يقع في ظلم لأخيه.
خيانة الأمانة وضابط النجاة من النفاق
وجاء في الرواية الأخرى: «وإذا اؤتمن خان». إذا ائتمنك شخص لا تخن. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تخن من خانك». والخيانة مذمومة كلّها ذمّ؛ ولذلك لم يصف الله بها نفسه ولو كانت مقيّدة. فالمكر مثلًا فيمن يمكر: هناك مكر محمود ومكر غير محمود؛ لذلك قال الله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾19؛ لأنَّ مكر الله بالماكرين دليل على قدرته وعلى عظمته وعلى قوته. أما الخيانة لا تكون إلا مذمومة؛ لأنَّ الخيانة تكون بعد ائتمان؛ تقول للآخر: أنا أمّنتك، فبعد أن تعطيه أمانًا تخونه؛ هذا لا يكون. لذلك قال الله: ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾2021. ولم يقل: فخانهم؛ فلم يقل الله جل وعلا فخانهم لأنَّها صفة مذمومة. «وإذا اؤتمن خان». وقال الله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾2223. وقال سبحانه: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾24.
فنعوذ بالله من الخيانة. وأيضًا قد تقدّمت خطبة كاملة فيما يتعلق بالخيانة وأنواع الخيانة في سلسلة الداء والدواء. وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، نرى أن هذا الحديث العظيم قد حدّثنا عن صفات أربع للمنافقين، وأيضًا في حديث أبي هريرة جاء ذكر الثلاثة، وكيف الجمع بين الحديثين، وأن هذه الأمور كلها تخالف الحقيقة، وأن فيها السر مخالف للعلانية والقول مخالف للعمل — وهذا ما يكون من النفاق أو هذا يكون من النفاق.
وعلى المسلم أن يتوقّى هذه الأمور كلها وأن يحرص على أن تكون سريرته كعلانيته، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر فلتكن السريرة أفضل من العلانية؛ حينئذ يكون موفّقاً مسدَّداً بفضل الله ويكون سالمًا من النفاق.
وإذا كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يخافون على أنفسهم من النفاق مع جلال قدرهم ومع علوّ شأنهم، فها هو حنظلة رضي الله عنه يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: «نافق حنظلة، نافق حنظلة». ويقول أبو بكر رضي الله عنه: «وأنا أجد الذي يجد يا رسول الله». فإذا كان هذا شأن الصدِّيق وشأن حنظلة رضي الله عنهما فماذا يقول غيرهما؟ ممن يقع في الذنوب والمعاصي وممن تختلط عليه الأمور ولا سيما في زمان الفتن والمحن فجدير بنا، يا عباد الله، أن نخاف على أنفسنا من النفاق؛ أن نخاف على أنفسنا من النفاق.
والضابط أن يكون — لكي تنجو من النفاق — أن تكون سريرتك كعلانيتك أو أفضل؛ فهذا الضابط المهم لكي تسلم من النفاق بفضل الله سبحانه وتعالى. واحرص على أن تكون عاملًا؛ فلا يكن همّك القول وليكن همّك الفعل؛ فلا تكن كثير الأقوال قليل الأفعال، وإنَّما إذا قلت: شيئًا فاعمل أفضل منه. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ25 كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾26. وقال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾27.
نسأل الله جل وعلا أن يعافينا وإياكم من النفاق وأن يرزقنا الإيمان وأن يوفّقنا لما يحب ويرضى. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. نعوذ بالله أن نشرك به شيئًا نعلمه ونستغفره لما لا نعلمه؛ ونسأل الله أن يصلح أحوالنا وأن يفرّج كربنا وأن يهدي ولاة أمورنا. هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
- آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
- حديث: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» — نسبة الشيخ: الشيخان ↩
- آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ — البقرة: 8-9 ↩
- آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 8-9 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — النساء: 142 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 142 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 14 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 145 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ — النساء: 145 ↩
- آية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 58 ↩
- آية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ — الأنفال: 58 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ — المائدة: 1 ↩
- آية: ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ — الإسراء: 34 ↩
- آية: ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 34 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ — المائدة: 8 ↩
- آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ﴿ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 8 ↩
- آية: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ — الأنفال: 30 ↩
- آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ — الأنفال: 71 ↩
- آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 71 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — الأنفال: 27 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 27 ↩
- آية: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ — النساء: 58 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ — الصف: 2-3 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ * ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصف 2-3 ↩
- آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — البقرة: 44 ↩
من سلسلة: سلسلة شرح تتمة الخمسين لابن رجب (10 درسًا)
فوائد من هذا الدرس
- وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ
- أربع من كن فيه كان منافقًا خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من…
- فالنفاق اختلاف السر والعلانية واختلاف القول والفعل؛ فقوله يخالف فعله، وفعله…
- والصدق مطابقة الكلام للواقع: أن يطابق كلامك — أو مطابقة الخبر للواقع — والكذب…
- المؤمن لا يكذب، والصدق منجاة؛ فالمؤمن لا يكذب: لا يكذب على الناس ولا يكذب على…
- ليس لأنك خاصمته تفجر في خصومته وتدّعي عليه ما هو بريء منه. فكثير من الناس في…
- الزوجة قد تنسى والزوج قد ينسى لكن الأهل لا ينسون. لأن الزوج يرى من زوجته…
- والضابط أن يكون — لكي تنجو من النفاق — أن تكون سريرتك كعلانيتك أو أفضل؛ فهذا…
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن…
- تفسير سورة الأنفال
- تفسير سورة الإسراء
- تفسير سورة البقرة
- تفسير سورة الصف
- تفسير سورة المائدة