تفسير سورة الشعراء جزء1 لفضيلة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وإمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد
«اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فقد انتهينا في الدرس الماضي، يا أيها الإخوة الكرام، من تفسير سورة الفرقان
وننتقل الليلة بإذن الله - تبارك وتعالى إلى تفسير سورة الشعراء وسورة الشعراء سورة مكية في قول جماهير أهل العلم. وهذا معناه: أنها نزلت قبل هجرة النبي ﷺ أو وهو بمكة على قولين لأهل العلم مشهورين
والآيات على ذلك تسير على النسق الذي تسير عليه السور المكية من تقرير وحدانية الله جل وعلا وإثبات رسالة النبي محمد ﷺ وإثبات البعث والنشور
وكما تقدم أن هذه أصول ثلاثة تقررها السور المكية في أجلى صورة وفي أوضح طريقة إثبات وحدانية الله جل وعلا وإثبات رسالة النبي ﷺ وإثبات البعث والنشور
وسورة الشعراء قد تضمنت ذكرى عدد من قصص الأنبياء والمرسلين وما جرى من أقوامهم من تكذيبهم لرسل الله جل وعلا وكيف أن الله عز وجل انتصر لرسله وأهلك الظالمين الذين عادوا أنبياءه ورسله
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِهِ وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا هَذَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْمُبَارَكَةِ [وعليكم السلام] وفي هذا تحذير لأمة محمد ﷺ من أن يقع بهم ما وقع بمن كان قبلهم إن كذبوا رسوله محمدًا ﷺ ولم يستجيبوا له
سورة الشعراء فيها ذكر للشعراء في آخر السورة في قوله سبحانه ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾2 (الشعراء: 224-227). وقد استثنى بعض العلماء من هذه السورة هذه الآيات فقالوا إنها ليست بمكية وإنَّما هي مدنية لأنَّ المستثنين في قوله أو لأنَّ من استثناهم الله جل وعلا في قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ وهم الشعراء المسلمون ﴿أَنَّمَا﴾ كانوا في المدينة فعلى ذلك فهذه الآيات مدنية. وهذا في الحقيقة فيه نظر إذ لا يلزم من هذا ذاك فلا مانع أن يذكر هذا في السور المكية باعتبار ما سيكون. ثم قد كان هناك شعراء إسلاميون. كذلك في مكة
وكذلك ممن هاجروا إلى الحبشة قبل هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة النبوية فالصحيح أنَّ السورة كلها مكية وكذلك منهم من استثنى قول الله جل وعلا ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُۥ عُلَمَـٰٓؤُا۟ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾3 (الشعراء: 197) وقالوا إن ذكر بني إسرائيل
لأن اليهود كانوا في المدينة والحديث عنهم ﴿أَنَّمَا﴾ يكون في موضعهم. وهذا فيه نظر إذ لا يلزم من كون آية تتحدث عن أهل الكتاب أن تكون هذه الآية مدنية وليست بمكية لأنه لا مانع من أن يتحدث عن أهل الكتاب بمكة
فيبين الله جل وعلا للمسلمين حال أهل الكتاب وإن كانوا بمكة وفي سورة الأنعام وهي مكية باتفاق ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾4 (الأنعام: 20) فذكر الله جل وعلا أهل الكتاب مع أنَّ السورة مكية
وكذلك نحن نقرأ سورة الفاتحة وفيها قوله سبحانه ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾5 (الفاتحة: 6-7). وقد فسر النبي الكريم «صلى الله عليه وسلم»
أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم النصارى ومع ذلك فسورة الفاتحة مكية كما هو قول جمهور المفسرين. وقد تقدم في بعض دروس علوم القرآن ما يفيد هذا المعنى وأن بعض الناس قد ذهبوا إلى أنَّك إذا وجدت آية
تتحدث عن أهل الكتاب فإنها مدنية وقلت إن هذا ليس بلازم كما رجحه المحققون من أهل العلم. فالله جل وعلا يبين للمسلمين وهم بمكة ماذا يقع من أهل الكتاب وماذا يدور في أذهانهم وماذا يقع في قلوبهم حتى يكونوا على ثبات من أمرهم وحتى يكونوا على بصيرة من ذلك
هذه مقدمة يسيرة تتعلق بهذه السورة المباركة
وعلى ذلك فنشرع بإذن الله - تبارك وتعالى في المقصود من تفسير هذه السورة المباركة ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى فأقول: مستعينا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الله جل وعلا بعد الاستعاذة ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من الشيطان الرجيم
وكما تقدم فالاستعاذة ليست من سور القرآن. يعني: حينما تقول ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَنَّمَا﴾ هو أمر أمرنا الله جل وعلا به ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ لكنَّها ليست بآية ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسٓمٓ﴾ (الشعراء: 1)
﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ابتدأ الله جل وعلا هذه السورة المباركة
بهذه الأحرف المقطعة كما يسميها أهل العلم وكما تقدم فهذه الأحرف أو هذه الحروف بالنسبة. لما وقع في القرآن الكريم أو جاء في القرآن الكريم تسمى بالحروف المقطعة لأنَّ كل حرف منها ينطق على حدة فيقطع. فيقال ألف
فتسمى بالحروف المقطعة وأهل العلم لهم كلام كثير جدًّا
في المراد بهذه الحروف المقطعة. وقد تقدم بيان ذلك بفضل الله تعالى في غير موضع كما في سورة البقرة وكما في سورة طه وغيرهما لكنني أذكر بعض ما يتعلق بذلك فأقول: إن هذه الحروف المقطعة هي مذكورة أو مذكورة في 29 سورة من سور القرآن الكريم هذه الحروف المقطعة
مذكورة في تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم وإذا نظرت إلى هذه الحروف المقطعة وجدتها في صدر السور المكية ولا ﴿تَكَادُ﴾ توجد في السور المدنية وإنَّما يستثنى من ذلك البقرة وآل عمران إذ في بدايتهما ألف لام
والرعد على خلاف فمن أهل العلم من قال بمكيتها. ومنهم من قال بمدنيتها والراجح أنها مكية. إذن هذه الأحرف المقطعة تذكر في السور المكية باستثناء البقرة وآل عمران على الصحيح
وأنت إذا نظرت إلى هذه الحروف المقطعة فحذفت المكرر منها. يعني: أنت إذًا جمعت جميع الحروف تصل إلى 76 حرفًا أو ما يقارب لكن إذا حذفت المكرر منها تجدها 14 حرفًا أي: نصف الحروف الهجائية
هذا بالنسبة لهذه الحروف المقطعة المذكورة في صدر السور أو في صدر بعض السور المكية وسورة البقرة وآل عمران. وقد جمعها بعض أهل العلم في قولهم نص حكيم قاطع لَهُ سِرٌّ. يعني: هذا نص حكيم قاطع له سر ومنهم من قال نص حكيم قطعًا له سر أي: نقطع بذلك نص حكيم قاطع له سر أو نص حكيم قطعًا له سر وبعضهم جمعها في قوله صح طريقك مع السنة
صح طريقك مع السنة. وهذا معنى صحيح ومنهم من جمعها في قوله طرق سمعك النصيحة فسمعك مفعول به والنصيحة فاعلة.
هذه بعض ما جمعه أهل العلم في ذلك. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالحروف المقطعة على أقوال كثيرة جدًّا ومن أرجح ما يقال في ذلك والله أعلم إن الحرف من. حيث هو لا معنى له
فأنت إذا قلت: ألف فأنت لم تستفد شيئًا ﴿أَنَّمَا﴾ عرفت أنَّ هناك حرف اسمه ماذا اسمه ألف وأن هذا حرف والحرف لا معنى له. ولذلك يقولون: إن الحرف لا يظهر معناه: إلا مع غيره فعلى ذلك الأصل أن الحرف لا معنى له ولكنه أتي به لحكمة
ففرق بين أن يقال ما تفسير الحرف وبين أن يقال ما الحكمة من إيراد هذا الحرف أو ذكر هذا الحرف كلام واضح بعض العلماء قال بل هي لها معنى فقالوا: إن هذه الحروف هي أسماء السور إن هذه الحروف هي أسماء السور. ولذلك يقال مثلًا في سورة السجدة ألف لام من تنزيل فتعرف أنها سورة
السجدة لكن هنا يرد إشكال وهو أن عدد من السور قد بدأت بنفس الحروف فمثلًا حاميم حينما تقول حاميم حاميم حاميم هي سورة اسمه اسم لأي سورة فيهم فحينئذ يرد إشكال لذلك هذا قول فيهِ نَظَرٌ
. ومنهم من قال: إن الحروف المقطعة اسمٌ من أسماء القرآن الكريم اسمٌ أو أسماء للقرآن الكريم ومنهم من قال بل هي أسماء لله سبحانه وتعالى أو هي أجزاء من أسماء فقالوا الله
أو الألف الله واللام الملك أو الرحمن والميم الملك. وهذا فيه نظر لأنه لا دليل على ذلك. أيضًا ومنهم من قال بل هي تدل على بعثة النبي أو على زمن أو مدة بعثة أو مدة رسالة النبي ﷺ وبقائه وبقاء دعوته كما قال بعض العلماء
والصحيح من ذلك. والله أعلم أن يقال إنها حروف والحرف في أصله لا يدل على معنى ليس له معنى في ذاته لكنَّها ذكرت لحكمة ومن أجل هذه الحكم التي ذكروها
أن الله جل وعلا يقول أو يبين لهؤلاء عجزهم فكأن المعنى. والله أعلم هذه هي حروف الهجاء التي منها نزل القرآن الكريم ومنها كلمات القرآن الكريم وهي حروف تعرفونها
وتُحفظونها وتنطقون بها فهل تستطيعون أن تأتوا بمثلها هل تستطيعون أن تجمعوا من مثلها كلمات ككلمات القرآن وآيات كآيات القرآن
فهو إعجاز. يعني: ألف لام ميم أنتم تعرفون الألف وتعرفون اللام وتعرفون الميم طا سين ميم تعرفون الطا وتعرفون السين وتعرفون الميم طيب هل تستطيعون أن تأتوا بكلمات ككلمات القرآن مجموعة على نسق القرآن أو في نظام القرآن فتجمعون آيات كما أنَّ الله - تبارك وتعالى أنزل آيات على قلب النبي محمد «صلى الله عليه وسلم»
فتكون الحروف المقطعة إعجازًا لهم وبيانًا لكونهم لا يستطيعون الإتيان بمثل هذا القرآن مع أنَّه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾. ولذلك في أغلب المواضع التي ذكرت فيها الحروف المقطعة تتبع بذكر القرآن الكريم
﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾. ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ. ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾. وهكذا. ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾. ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾. والقرآن الحكيم. ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾.
فتتبع في غالب الأمر بماذا بالحديث عن القرآن الكريم فهي تدل على أنَّ هذا القرآن كلام الله وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله. فهذا بعض ما قاله أهل العلم في هذه الحروف المقطعة وعلى كل فيبقى فيها ما لا يعلِّمه أحد منا لأنه قد يقول قائل فما وجه تخصيص هذه السورة بالطاء والسين والميم دون غيرها
لذلك قال بعضهم: في كل كتاب سر وسر القرآن الكريم في الفواتح أو في هذه الحروف المقطعة فالعلم عند الله. والله أعلم بمراد كتابه لكن هذا بعض ما قاله أهل العلم في ذلك
في مثل هذه الآية في قوله سبحانه ﴿طسٓمٓ﴾ أما القول بأنها قسم أو أنها بمعنى القرآن الكريم أو أنها أسماء لله. فهذا يحتاج إلى دليل والعلم عند الله تعالى قال الله سبحانه طاسمين ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾
تلك آيات الكتاب ﴿ٱلْمُبِينِ﴾. تلك اسم إشارة للبعيد. اسم إشارة للبعيد. وعبر عن القرآن بتلك إشارة إلى علو منزلته. فالبعد بعدان. بعد مكان وبعد مكانة. والمراد ان القرآن له مكانة عالية سامقة.
الكتاب لا ريب فيه. وذلك. أيضًا اسم إشارة للبعيد على أحد أقوال العلماء في تأويل الآية الكريمة. وقد تقدم بيان ذلك بفضل الله تعالى. ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾.
أي: هذه لكنه أشير إليها باسم الإشارة للبعيد من باب علو منزلتها لبعد مَكَانَتِهَا لِعُلُوِّهَا لعلوها وأحيانًا يأتي التعبير عن القرآن باسم الإشارة للقريب ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾. وهذا بقرب القرآن منا ويسر تناولنا له. يعني: يسر قراءتنا له يسير علينا ليس بعسير وليس ببعيد بفضل الله جل وعلا ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ قال بعضهم: إشارة إلى السورة. يعني: تلك أي: تلك السورة آيات الكتاب المبين هذه السورة التي
التي نقرؤها والتي أنزلها الله على نبيه محمد ﷺ آيات الكتاب المبين أو تلك ما تقدم من الآيات التي نزلت على النبي ﷺ آيات الكتاب المبين
﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ أو هذا الذي سيقصه الله جل وعلا على رسوله ﷺ آيات الكتاب المبين ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾. والمراد بالكتاب المبين هو القرآن الكريم على قول جمهور المفسرين
وقوله: المبين فيه معنيان إما مبين من أبان اللازم الذي هو بمعنى بان الذي هو بمعنى ظاهرًا تقول بان الشيء، يعني: ظهر الشيء فعلى ذلك ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ أي: تلك آيات الكتاب الظاهر الواضح
أي: الواضح ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ أي: الظاهر في إعجازه الظاهر في إعجازه الواضح في بيانه هو كتاب الله سبحانه وتعالى، إذن المبين بمعنى ماذا؟ بمعنى الظاهر الواضح الجلي في إعجازه وفي بيانه
وقال بعض العلماء: بل المبين من أبان المتعدية. يعني: التي تتعدى إلى مفعول تقول أبنت الشيء ابنته. يعني: أظهرته. إذن في فرق بين ظاهر ومظهر
قد يكون الشيء ظاهرًا هذا معنى إن هو ظاهر. وقد يكون مظهراً. يعني: يظهر غيره. فكذلك المعنى ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾. يعني: القرآن نفسه ظاهر القرآن ظاهر أو ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ أي: الكتاب المظهر
المظهر الحق لأنَّ القرآن يظهر الحق ويظهر الصدق ويظهر الأحكام الشرعية ويذكر ويبين الدلائل الشرعية التي تثبت وحدانية الله وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن الآن قوله ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ فيه مَعْنَيَانِ: أن القرآن بيّن
أي: هو ظاهر ظاهر الحجة واضح جلي وأنه مبين لغيره يظهر غيره يظهر الأحكام والمعنى الأول رَجَّحَهُ الأكثرون والعلم عند الله ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾
﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ﴾ المبين هذا وصف للقرآن وصف من أوصاف القرآن والقرآن له أسماء وأوصاف والذي رجحه عدد من أهل العلم أن أسماء القرآن الكريم ثلاثة القرآن والكتاب والفرقان
القرآن والكتاب والفرقان ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هذا هو الكتاب طيب إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى أقوم هذا هو القرآن ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1) الفرقان ثلاثة
وَمِنْهُ مَنْ زَادَ الذِّكْرَ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ وَقَالُ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونَ وَمِنْهُ مَنْ زَادَ التَّنْزِيلَ ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فقالوا هي خمسة الكتاب والقرآن والفرقان والتن
الذكر دي وصف منهم من جعله اسماً. ومنهم من جعله وصفاً؛ وإلا فبعض العلماء قد بلغ بأسماء القرآن حتى أوصلها إلى خمسين بل إلى خمسة وخمسين ومنهم من أوصلها إلى تسعين اسماً والظاهر أن غالب ذلك من قبيل الأوصاف لا من قبيل الأسماء. يعني: قول الله سبحانه حينما تقرأ قول الله يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ﴿قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. إيه الموعظة? القرآن. وشفاء لما في الصدور. هو ايه? القرآن وهدى ﴿وَإِنَّهُۥ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. فبعضهم يقول إذًا من أسماء القرآن موعظة وشفاء وهدى ورحمة. ومنهم يقول هذه ليست أسماء ﴿أَنَّمَا﴾ هي
هذا خطاب وجهه الله للنبي محمد ﷺ يقول له
لعلك يا رسول الله باخع نفسك وباخع بمعنى قاتل
أو مهلك، لعلك باخع نفسك أي لعلك قاتل نفسك، لعلك مهلك ﴿نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ قال بعضهم: تعليلية أي لكونهم لا يؤمنون، إنهم لا يؤمنون بالله العظيم أو أنهم لن يؤمنوا فأنت ﴿تَكَادُ﴾ تقتل نفسك من الغم والكَرْبِ
الله جل وعلا هكذا يُخَاطِبُ نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليزيل عنه غمه وليفرج عنه كربه كما قال الله سبحانه ﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ وكما قال جل وعلا ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿حَسَرَٰتٍ﴾ (فاطر: 8)
لا ﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ لماذا تهلك نفسك وتقضِ على نفسك أنت بلغت الرسالة وأديت أمانة فاصبر ولا يضرك الذي يكفر فكفره عليه والذي يؤمن فإنما ينتفع هو بإيمانه وأنت لا يضرك من ذلك شيء فهون على نفسك يا رسول الله
هكذا يخاطب الله نبيه ﷺ والله جل وعلا كما بين النبي ﷺ إن الله رفيق وكما قال جل وعلا الله لطيف بعباده فمن لطفه بنبيه ﷺ ورفقه به يُيَسِّرُ له أمره ويزيل عنه غمه وكربه هون على نفسك يا رسول الله
لعلك باخع نفسك أشفق على نفسك من هذا الذي أنت فيه لا تقتل نفسك أو لا تزدد في الغم والكَرْبِ. فإنَّ كثرة الغم ربما أودت بك إلى الهلكة
﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ قال بعضهم: ﴿إِلَّا﴾ يكونوا مؤمنين منصوب بقوله باخع. ومنهم من قال هناك مقدر أي: لئلا يكونوا مؤمنين. يعني: لكونهم لا يأمنون وقال بعضهم: أي: في الحاضر وبعضهم قال في المستقبل. يعني: أنت ﴿تَكَادُ﴾ تقتل نفسك من الغم والكر لكونهم لا يأمنون الآن ولا يستجيبون لدعوتك مباشرةً وأيضًا لعل نفسك ستذهب إن استمروا على ما هم عليه من الكفران فيسر الأمر على نفسك ﴿أَنَّمَا﴾ أنت منذر ليس عليك هداهم لست عليهم بمسيطر إلى غير ذلك مما بيّن الله للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا يدل، يا أيها الإخوة الكرام،
على وفور رحمة النبي ﷺ وعظيم شفقته بهذه الأمة يحب لها الخير ﷺ يرجو لها الإيمان ويكره أن تكون على الكفران. ولذلك النبي ﷺ ادَّخر دعوته وجعلها لأمته كما قال النبي ﷺ لكل نبي دعوة
ولا يخفى عليكم أنه ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم حينما قرأ قول عيسى عليه السلام ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾6 (المائدة: 118) وقول إبراهيم عليه السلام ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بكى النبي ﷺ ورفع يديه وقال «يا رب أمتي، يا رب أمتي»
وأرسل الله جل وعلا إليه جبريل عليه السلام ليقول له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لمحمد إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك فهو ﷺ عظيم الرحمة بأمته ﷺ لكن هذا تعليم من الله له
أنت يا رسول الله عليك أن تعنى بمعالي الأمور وبما يفيد فإذا دعوت هؤلاء. فقد بلغت ما عليه فَأَمَامَكَ مهام أخرى وأمور عظيمة أمامك تعليم المؤمنين أمامك تبليغ الدعوة لمن يستجيب لك
أمامك تحذيرهم من الشيطان وأعدائهم أمامك تعليمهم أمور الشريعة فالتفت إلى الأهم وإلى الأعظم كما جاء في سورة عَبَسَ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾7 (عبس: 1) في قوله سبحانه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ (عبس: 1) ﴿أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ﴾ أو يذكر فتنفعه الذكر ﴿أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ﴾ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ﴾ وما عليك أن لا يزكى. ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ﴾ فأنت عنه ﴿تَلَهَّىٰ﴾ (عبس: 10) ﴿كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾
وفي هذا درس للدعاة إلى الله جل وعلا.
مأمورون بالبلاغ فيما يعلمون وأن عليهم أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر بالضوابط التي ذكرها أهل العلم آخذين إياها من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ فإنَّ استجاب الناس بدعوة أولئك الدعاة فالحمد لله. فهذا مناهم. وهذا مطلبهم
وإن لم يستجيبوا فلا يحملنهم هذا على التقاعس ولا يحملنهم هذا على إزهاق نفوسهم وعلى الفتور أو على الكمد والغم الذي ربما أقعدهم عن أمر أفضل وأجلّ مما كانوا يسمعونه
وإنَّما عليك أن تبلغ. فإنَّ استجابوا فالحمد لله وإن لم يستجيبوا لدعوتك فلعل قومًا لم يستجيبوا لك سيستجيب غير ممن يكونون أفضل ممن أعرض عن دعوته وهكذا فالإنسان عليه بذل الأسباب ﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم قال الله جل وعلا إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ إن نشأ يا رسول الله إيمانهم ماذا سنصنع أنت تريد إيمانهم لكنك تريد. والله جل وعلا يريد أمرًا آخر ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ الذي بيده الأمر كله هو الله جل وعلا
كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وقال ﷺ ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ﴾ ﴿فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال ولو شاء ربك لجمعهم على الهدى
فَلَا تَكُنَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَهَدَاهُمْ قال الله جل وعلا ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ﴾ هُدَاهَا ﴿وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ أَجْمَعُونَ. فالله جل وعلا يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام إن الأمر يسير علي
إن نشأ، إن نشأ ماذا المفعول مقدر، إن نشأ، نشأ ماذا قال عدد من أهل العلم أي: إن نشأ إيمانهم، إن نشأ إيمان هؤلاء ﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً﴾، فظلت أعناقهم لها ﴿خَـٰضِعِينَ﴾، لو شئنا أن يؤمن هؤلاء ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ آية عظيمة،
تجعلهم يخضعون وينقادون لها فيؤمنون رغم أنفهم وحينئذ يكون إيمانهم اضطراريًا لا اختياريًا ونحن نريد منهم أن يؤمنوا باختيارهم الله جل وعلا قد بين لنا بعض ما جرى لبني إسرائيل. فقال عزَّ من قائلٍ: وَإِذْ نَتَقَنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وَإِذْ﴾ ﴿نَتَقْنَا﴾ الجبل فوقهم كأنه ظل رفع الله الجبل حتى صار فوق رؤوسهم كأنه ظل يظلهم
الجبل الذي هو مثبت للأرض رواسي للأرض رفعه الله جل وعلا فانتقل الجبل من كونه ثابتًا على الأرض إلى كونه فوق الرؤوس ظل عليهم فنظر بني إسرائيل الجبل الذي كان بجوارهم صار فوقهم
خذوا ما آتيناكم بقوة تستجيبون ولا ماذا تفعلون. فالله جل وعلا يقول ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً﴾ الله جل وعلا ﴿قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ﴾ عليهم آية من السماء تجعلهم
يؤمنون ولبن ويخضعون لها وينقذون لكنه حينئذ سيكون إيمانًا اضطراريا ليس إيمانًا اختياريا بحب للرب الكريم المستحق للعبادة جل وعلا
. فقال: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ فظلت أعناقهم أي: أعناق هؤلاء المشركين ظلت أي: فتظل
إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فتظل، ننزل مضارع، فتظل لكن قال فظل كأن هذا دلالة على سرعة الأمر إنه على كل شيء قدير فظلت تظل أعناقهم
لها خاضعين الاعناق تخضع ترى الآية ترى المعجزة العظيمة تنقاد تقول: يا رب آمنت بك وحدتك لن أشرك بك شيئًا ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾. وهنا جاء التعبير القرآني ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ دون أن يقال فظلت أعناقهم لها خاضعة والأعناق مؤنثة ﴿أَنَّمَا﴾ جاء هنا الاسم جمع مذكر ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ لم يقل فظلت أعناقهم لها خاضعة ﴿أَنَّمَا﴾ قال خاضعين لأنَّ المراد بالأعناق أصحاب الأعناق
وإذا خضعت الأعناق. فإنَّ أصحابها خاضعون لأنَّ أعلى ما في الإنسان عنقه أعلى ما في الإنسان رقبته وجهه رأسه فإذا خضع ذلك. فهذا. يعني: أنه كله خاضع فلذلك قال ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ أي: خضعت الرقاب خضعت الأعناق وخضع أصحابها
رغما عنهم خلاص جبل هينزل فوقك هتآمن ولا آمنت يا رب
لكن ما هو إيمان باختيار ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ وقال بعضهم: بل الأعناق هم الكبراء والرؤساء ويقال عنق القوم أي: كبير القوم يقال هؤلاء عنق القوم. يعني: رؤساء القوم ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ أي: فتظل أو فيظل رؤساؤهم خاضعين
أصحاب الرياسة والمكانة الملأ من القوم أصحاب الوجاهة يخضعون ويذلون لتلك الآيات الله قادر على ذلك لماذا يطلبون الآيات متعنتين أليس القرآن يكفيهم ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾
قال: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ﴾ وجاء التعبير إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً ما قال: إن نشأ ننزل آية عليهم من السماء ما هو ننزل الآية هي المفعول لكن قدم. أولًا قوله عليهم من السماء المتعلقين
قال بعض العلماء: من باب التشويق إلى المؤخر والاهتمام بالمقدم أي: ننزل عليه من السماء والذي يأتي من السماء يكون شديدًا وعليه هم. ثم قال آية من باب التشويق ننزل عليه من السماء ماذا ينزل عليه. وهذا يجري كثيرًا في آيات القرآن يقال من باب التشويق إلى المؤخر والاهتمام بالمقدم
والله جل وعلا قال لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام إن شئت أن «أَسْتَأْنِيَ بِهِمْ» وإن شئت أن أعطيهم ذلك فإلا مؤمن أهلكتهم أو كما قال له فاختار النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم أن يستأني بهم لعلهم يتوبون. ولذلك قال الله جل وعلا ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾
كان السابقون يطلبون آية فيها تعنت يقولون نحن نريد أن يحول الجبل إلى ذهب خلاص سيحول الجبل إلى ذهب. إذا لم تؤمنوا ستهلكون في اللحظة هكذا كان يجد فإذا طلب القوم من نبيهم آية وأعطاهم الله الآية ولم يستجيبوا أهلكهم
فالنبي ﷺ حريص على أمته أن تنزل الآية. ثم بعد ذلك لا يستجيبون فيكون هلاك من كان سيؤمن ففي القرآن الكِفَايَةُ ففي القرآن الهداية فلماذا يطلبون تلك الآيات التي يتعنتون بطلبها
وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربي مرار ما يطلبون ذلك ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٱلْـَٔايَٰتُ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ مُّبِينٌ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ تلك الآيات لكنه رحيم بعبادة سبحانه وتعالى لذلك طلب طلبات فيها تعنت ﴿وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا﴾
أو ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا﴾ أو تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا ﴿كِسَفًا﴾ (الإسراء: 92) أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا أو يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ﴾ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ (الإسراء: 93) حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ لماذا هذا التعنت ألم آتِكم بآيات واضحات جليات لماذا تتعنتون إن نشأ ننزل عليه مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ أمامهم الآية العظمى القرآن الكريم لذلك قال بعدها وما يأتيهم
﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾
وَمَا يَأْتِيهِم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ هم يطلبون الآيات تأتيهم آيات من الله جل وعلا ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ﴾ ٱلرَّحْمَٰنِ ذكر من الرحمن عند الله جل وعلا. وهنا ذكر اسمه الرحمن ما ﴿يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾. وهذا فيه بيان عظيم قبح صنيعهم
لأنهم أعرضوا مع أنَّ الآيات النازلة على النبي ﷺ مصدر رحمة لهم.
هذا أمرٌ شديد تنزل الآيات على الرسول عليه الصلاة والسلام يبلغها لكم وفيها خيرٌ لكم عليكم أن تقبلوه إذًا أعرضت. فهذا جُرْمٌ كَبِيرٌ كبير كيف إذا كان الإعراض عن مصدر الرحمة
آيات تنزل فيها الرحمة بكم ومع ذلك تعرضون ومع ذلك الله رحيم بكم ومن تاب إليه تاب عليه ومن آب إليه قبله وغفر له وَمَا يَأْتِيهِم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ هو الرحمن مع تكذيبهم هو الرحمن مع ما هم عليه كما قال جل وعلا
فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ الله أكبر. فإن كذبوك مع هذا التكذيب ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ توبوا قبل فوات الأوان ولكن مع ذلك ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ لا تَغْتَرُّوا
. فالله جل وعلا رحيم وهو الشديد العقاب سبحانه وبحمده قال الله جل وعلا ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ﴾ ٱلرَّحْمَٰنِ. والمراد به ما ينزل من عنده سبحانه أو ما يوحيه الله جل وعلا لرسله وَمَا يَأْتِيهِم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فيدخل في ذلك القرآن وغيره على قول عدد من أهل العلم عموم الذكر
لأن الكتب السابقة ذكر. ولذلك فالتوراة. كذلك ذكر تذكير لهم بالخير تذكير لهم بما فيه نفع لهم وكذلك الكتب السماوية ذكر من عند الله جل وعلا وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وقوله: محدث بمعنى جديد
أي: جديد في النزول وما يأتيه من ذكر من الرحمن مستجد في نزوله لأنَّ الله جل وعلا يتكلم بما يشاء كيف يشاء وقت أن يشاء. ولذلك ذكر أهل العلم صفة الكلام فجعلوها من صفات الله الذاتية الفعليه
ذاتية وفعليه ذاتية باعتبار أنها لا تنفك عن الله ولا يزال الله بها موصوفًا وفعليه باعتبار الآحاد. فقال: قديمة النوع حادثة الآحاد. يعني: كلم موسى في وقت
وكلم محمدًا ﷺ في وقت آخر. إذن القرآن ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ مراحل مستجد في النزول ولا. يعني: أنه مخلوق. ولذلك من الخطأ والغلط أن يستدل مستدل بهذه الآية القرآنية على أن القرآن مخلوق ولك تعالى اقرأ القرآن ربنا قال وما يأتيه ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ والمحدث المخلوق. إذن القرآن مخلوق نقول. وهذا خطأ
المحدث ليس معناه: مخلوق ﴿أَنَّمَا﴾ محدث معناه مستجد في النزول. يعني: تنزل آيات جديدة. ولذلك يقال حديث عهد بربه جل وعلا. يعني: هذه الآيات
نزلت على قلب النبي ﷺ حديثًا جديدًا ثم نزلت آيات أخرى ثم نزلت آيات أخرى هذا معنى محدث مستجد في النزول وإلا. فقد تقدم مرارًا أن القرآن كلام الله جل وعلا غير مخلوق. وقد امتحن الإمام أحمد رحمه الله فثبت وثبته الله جل وعلا في محنة القول بخلق القرآن وصدع قائلًا إن القرآن كلام الله
فالذي يقول إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، لَزِمَهُ أن يكونَ الموصوفُ به مخلوقًا إن كلام الله مخلوق وهو صفة الله. إذن الموصوف بها يكون مخلوقًا فكيف يصح هذا
المعروف أنَّ المخلوق يتُغير ويتبدل. وأما الخالق سبحانه وتبارك اسمه جل وعلا فهو الحق جل وعلا وكذلك الله قال: ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾
ففرق بين الخلق والأمر فجعل الخلق شيئًا والأمر شيئًا آخر. وقد قال: ﴿أَنَّمَا﴾ أمره ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا أن يقول له كن فيكون ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾8 (يس: 82)، فالأمرُ يكونُ بالكلامِ أمره كلامه. إذن هو غير الخلق. ولذلك نحن كما ثبت عن النبي ﷺ ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يدعو ربه «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»
﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بكلمات الله فلو كانت الكلمات مخلوقة فهل يستعيذ الرسول بالمخلوق الرسول ﷺ لا يستعيذ بمخلوق وَمَا يَأْتِيهِم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ محدث أي: مستجد في نزوله
إلا كانوا عنه معرضين أعرضوا عن القرآن ولم يستجيبوا له. فقد كذبوا تحقق كذبهم بإعراضهم وعدم قبولهم. فقد كذبوا في الآية الأخرى. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾
قد تقدم تفسير الآيات في سورة الأنبياء ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ لاهية قلوبهم قال الله جل وعلا. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ هم كذبوا
فما العقوبة فسيأتيهم لا تتعجلوا فالعقاب آت آت لا محالة إذًا مكثتم وظَلَلْتُمْ / وأَقَمْتُمْ ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾. فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء أي: أخبار عاقبة ما كانوا به يستهزئون كما قال جل وعلا لكل نبأ مستقر
وسوف تعلمون هم وإن كذبوا فلهم نهاية لهم عاقبة وعاقبتهم وخيمة. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ استدل السمعاني رحمه الله أو قال هذا يستدل به على أن كل مكذب مستهزئ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. وهذا يجري لهم حينما يهلكهم الله جل وعلا إما في الدنيا أو حينما يعاقبهم الله في الآخرة بالعذاب المقيم في جهنم وبئس المصير نعوذ بالله من ذلك
. ثم بعد أن ذكر الله جل وعلا
وبين قدرته على هدايتهم وأنه سبحانه وتعالى جعل الإيمان اختيارياً لهم يختارونه وكل ما يفعله العباد فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى وبعد أن وصف الكتاب بأنه مبين ذكر لهم بعض آياته الكونية فبعد الحديث عن الآيات الشرعية التنزيلية
حدثنا الله عن الآيات الكَوْنِيَّةِ الدالة على قدرته على البعث والنشور وإخراج من في القبور من قبورهم قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أولم يروا أي: أعموا أَجَحَدُوا ولم يروا
أعرضوا ولم يروا أكذبوا ولم يروا أجاهلوا ولم يروا كم أنبتنا في الأرض مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ لماذا ينكرون البعث لماذا ينكرون قدرة الله جل وعلا على جمعهم في الدار الآخرة أولم يروا؟ أجاهلوا ولم يروا إلى الأرض
مع سَعَتِهَا كم وكم هنا خبرية تدل على التكثير أي: كثيرة ﴿أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ من كل صنف كريم أي: بهي المنظر حسن جميل
أنبت الله في الأرض من جميع الأزواج ومن جميع الأصناف والأشكال هذا حامض. وهذا حلو هذا أبيض. وهذا أسود هذا كذا. وهذا كذا هذا ذكر. وهذا أنثى
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا آيات ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ فالذي أنبت هذا وخلق هذا قادر على البعث والنشور. وقد تقدم من قبله أن من الدلائل الدالة على بعث الناس وإخراجهم من قبورهم ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وإحياء الأرض بعد مماتها
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ وكما تقدم فالكريم هو الفائق يقال شيء كريم. يعني: شيء فائق على أترابه على أقرانه فلان كريم أكرمه أعلاهم قدرًا ومكانة زوج كريم بهي المنظر حسن. وقد قال بعض العلماء: إن هذا ليس مقصورًا على الحب الذي يخرج من الأرض أو الزرع الذي يخرج من الأرض بل يدخل في ذلك الحيوان كذا قال بعض العلماء. ومنهم من أخرج الحيوانات ومنهم من أدخل الإنسان وقال لأنَّ الله قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًا﴾
فعلى ذلك يدخل في ذلك. وقد جاء عن بعض السَّلَفِ إنك من نبات الأرض. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان فإنَّ كنت من أهل الجنة فأنت كريم وإن كنت من أهل النار فأنت لئيم كذا قال بعضهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. ثم قال جل وعلا إن في ذلك لآية
وما كان أكثرهم مؤمنين ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ وكما تعلمون يا أيها الإخوة الكرام فهاتان الآيتان قد تكررتا في هذه السورة المباركة مرارًا وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى والحكمة منه في الدرس المقبل هذا والله أعلم
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 224-227 ↩
- آية: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُۥ عُلَمَـٰٓؤُا۟ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 197 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 20 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 6-7 ↩
- آية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 118 ↩
- آية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 1 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ — كما ورد في الدرس: يس 82 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿طسٓمٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 1
- آية: ﴿نَذِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 1
- آية: ﴿حَسَرَٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 8
- آية: ﴿تَلَهَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 10
- آية: ﴿كِسَفًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 92
- آية: ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 93
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الأنعام
- تفسير سورة الإسراء
- تفسير سورة الشعراء
- تفسير سورة الفرقان
- تفسير سورة المائدة
- تفسير سورة عبس