تفسير سورة الشعراء جزء10 لفضيل
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام. المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» وعلى آل. إبراهيم. إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا بفضل الله تعالى بتفسير سورة الشعراء. وقد انتهى الحديث في الدرس الماضي عند قصة نوح عليه السلام وفرغنا منها بفضل الله - تبارك وتعالى
ونكمل إن شاء الله تعالى الليلة بقية قصص الأنبياء والمرسلين على ما يفتح الله ويمنّ وكما جاء في سورة الشعراء قال الله عز وجل بعد أن ذكر قصة نوح عليه السلام ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾2 (الشعراء: 121)
. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾3 (الشعراء: 122-127)
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾4 (الشعراء: 128-135)
تختم هذه الآيات. وهذا القصص الذي يذكره الله جل وعلا في هذه السورة المباركة
بقوله إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ إن في. ذلك لآية في ذلك الذي يذكره الله ويقصه فاسم الإشارة يَعُودُ على القصة السابقة وعلى الآيات السابقة إن في ذلك لآية أي: لعبرة وعظة أي: إذا سأل سائل فقال
ما وجه ذكر قصة نوح عليه السلام وما وجه ذكر قصة هود عليه السلام وما وجه ذكر قصة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام مع أقوامهم. فالجواب إن في ذلك لآية
وكما قال الله ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن5 سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (الأنعام: 116). وهذا. يعني: أن أهل الغواية والضلال كثر وأن أهل الحق هم الأقلون وعلى ذلك على المرء أن لا يستوحش بالتفرد
لا يتعمد الإنسان الغربة. يعني: لا يتعمد الإنسان التفرد بشيء ولكن هو متبع للحق
فإنَّ لم يجد متبعًا للحق إلا هو فيسير على ما هو عليه هو ابتداء لا يفتعل ذلك. ولكن إن وقع الأمر. كذلك فهو يثبت على ما هو عليه من الحق. وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله ذات مرة من أهل السنة يا إمام. فقال: أبو حمزة السكري فأجاب عن أهل السنة برجل
قال الله ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وبعض العلماء يرى أن. كان. هذه صلة وأن المعنى وما أكثرهم مؤمنين ويراد بذلك كفار قريش أي: مع هذه العِبَرِ / الآيَاتِ
ومع هذه الآيات ومع ما تقدم من ذكر هذا القصص القرآني إلا أن. أكثر قومك يا رسول الله باقون على الشرك لا ينفكون عنه إن في ذلك لآية
وما كان أكثرهم مؤمنين ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ فهو عزيز سبحانه. ينصر. أولياءه وجنده ويهلك أعداءه والمبغضين لرسالات أنبيائه ورسله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾. ثم قال ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ كذبت عاد
وعاد علم على أمة يقال لها: أمة عاد فعاد وإن كان في الأصل رجل إلا أنه صار علمًا على القبيلة. صار علمًا على الأمة لذلك جاء الفعل معه مؤنثا فقيل كذبت
أي: كذبت أمة عاد أو كذبت قبيلة عاد كذبت عاد للمرسلين إذ قال لهم إخوتهم هود. ﴿إِلَّا﴾. تتقون. وقد تقدم في الدرس الماضي تأويل قوله سبحانه
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ وكيف لأنهم كذبوا واحدًا لكن الله ذكر لأنهم كذبوا المرسلين فما ذُكر هناك يُذكر هنا من أنهم إذا كذبوا رسولًا. فقد كذبوا الرسل كلهم وأن رسالة الرسل واحدة وهي الدعوة إلى عبادة الله الواحد سبحانه وتعالى ومن المعلوم
أن نبي الله هود عليه السلام قد جاء بعد. نوح عليه السلام وذكرهم هود عليه السلام بما تقدم لقوم نوح ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ﴾ بسطة
فنبي الله هود عليه. السلام. يذكرهم بالسابق وبقوم نوح عليه السلام ومع ذلك كذبوا فهم مكذبون لهود ومكذبون. كذلك لنوح وبالتالي فهم مكذبون لجميع الأنبياء والرسل كذبت عاد من المرسلين إذ قال لهم إخوتهم هود ﴿إِلَّا﴾ تتقون ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ إذ قال. لهم إخوتهم هود
كما جاء. هناك إذ قال لهم إخوتهم نوح فهو أخوهم أي: في المكان أو في القرابة في الصلة في النسب وليس في الدين فهو مخالف لهم يعبد الله وحده لا. يشرك به شيئًا فهي أخوة النسب لا أخوة الدين إذ قال لهم إخوتهم هود ﴿إِلَّا﴾ تتقون
﴿إِلَّا﴾ تتقون يدعوهم إلى تقوى الله جل وعلا وكما تقدم إمَّا أن. يقال إن قوله ﴿إِلَّا﴾ أسلوب تَحْضِيضٍ أي: هو يحضهم ويحث ويحثهم على تقوى الله جل وعلا أو أن الهمزة التي هي للاستفهام المراد بها: هنا الإنكار لا. تتقون. يعني: ما لكم لا تتقون
أي: اقبلوا كلامي ولا تردوا دعوتي فهو يعلِّل لماذا عليهم أن يقبلوا دعوته عليهم أن يقبلوا دعوته لأنه. معروفٌ بأمانة وكما. قالوا: إن الرائد لا يكذب أهله إن الرائد لا يكذب أهله وإذا كان هذا منهم فالمعنى أنه أمينٌ عليهم وإذا كان أمينًا عليهم فإنَّه يدعوهم إلى ما فيه. صلاحهم. ولهذا على الداعي إلى الله جل وعلا إذا دعا قومًا إلى شيء ان يبين لهم إنهم مشارك لهم فيما يدعوهم إليه وأنه غير منفكٍ عما يدعوهم. إليه. وهذا ما قرره الله جل وعلا أو بينه الله جل وعلا بقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ﴾ صَٰلِحًا وَقَالَ
فهو دعا إلى الله وعمل. الصالحات ﴿وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ هذا فيه عدة فوائد منها أن يقول أنا واحد من المسلمين والمعنى. إذا كنت. كذلك فأنا أدعوكم إلى ما أدعو إليه نفسي
وأنت إذا علمت أن الداعي الذي يدعوك يدعوك إلى ما يدعو إليه نفسه ومن المعروف أن الإنسان ﴿أَنَّمَا﴾ يدعو. نفسه إلى ما فيه خيره وإلى ما فيه صلاحه فعلى ذلك تقبل دعوته بفضل الله جل وعلا قال ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. ولذلك لما دعاهم إلى الله جل وعلا وهم يعرفون أمانته ما جربوا عليه خيانة ولا جربوا عليه كذبا. قالوا ماذا قالوا: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ﴾. يعني: هم يعرفون أمانته
لكن قالوا: أنت لأنك كاره لآلهتنا ساخط عليها لا تقبل عبادتها اعتراك بعضها بسوء أصابك صنم من هذه الأصنام أو إله من هذه. الآلهة أي: الجائرة الباطلة بسوء أي: بجنون فصرت مجنونًا تهرف بما لا تعرف وتقول ما لا تدرك عقباه
هكذا يتهمونه عليه الصلاة والسلام فهم جربوا أَمَانَتَهُ فلما لم. يجدوا مغمزا فيه تحولوا إلى أمر آخر وهو أنه قد تسلط أو قام واحد من هؤلاء الأصنام بالقضاء على عقله
كما ابتلي نبي. الله. أَيُّوبُ عليه السلام إلا أن عقله حاضر وعقله تام بفضل الله سبحانه وتعالى قال ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فمرتبة على ما. سبق أي: إذا كنت لكم. كذلك رسول أمين إذا كنت رسولاً أمينًا ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ اتقوا سخط الله جل وعلا واتقوا عقاب الله سبحانه وتعالى وأطيعون فيما أدعوكم إليه وما أسألكم عليه من. أجر
كما قال نوح عليه الصلاة والسلام نعم مقولة الأَنْبِيَاءِ والمرسلين وما أسألكم عليه من أجر لا أريد منكم جزاء ولا أريد منكم ﴿مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى﴾ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أي: أقصد بدعوة الإخلاص وأقصد بدعوة نفعكم هكذا ما أريد إلا نصحكم ما أريد إلا الخير لكم
﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. ثم بيَّن لهم أنهم مغترون بالدنيا همهم الدنيا لا يلتفتون إلى الآخرة
فهم عمروا دنياهم وخربوا أخراهم فحذرهم من إقبالهم الشديد على دنياهم. فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾ وتتخذون مصانع ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾6 (الشعراء: 129)
الهمزة هنا للإنكار أتبنون أي: ينكر عليهم ذلك ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾ أما الريع فهو المكان. المرتفع أتبنون بكل ريع أي: بكل مكان مرتفع بكل مكان مرتفع تبنون آية أي: علامة أو قصرا أو بناء شامخا
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾ أي: بكل. بناء. مرتفع أو بكل طريق على قول بعض العلماء وقال بعضهم: الريع هو الطريق بين الفج العظيم بين الجبلين طريق واسع يبنون في هذا الطريق الواسع بناء شامخا. وطَوْداً. كبيرًا
كما قال الله جل وعلا وفسر بذلك بعض العلماء قوله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ ﴿ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ فهكذا. كانوا. يبنون البنيان المرتفع الشَّامِخَ. فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾
اي تبنون هذا البناء الشامخ عبثًا ولعبا دون حاجة إليه تبنون ما لا تسكنون بناء لا يراد منه السكنا وإنَّما يراد به. اللهو والعبث والتكبر على خلق الله عندنا ما ليس عندكم فعندنا أبنية شامخة ومرتفعات عالية شَاهِقَةً / سَامِقَةً وليس عندكم ذلك أي وليس عند غيرهم ذلك
وقال بعض العلماء. معنى. قوله سبحانه هنا ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾ أي: تتخذون هذه الأماكن المرتفعة التي تبنونها من أجل العبث
أي: تقفون فوقها أو عليها أو فيها تعبثون من المارين فاتخذوا تلك أماكن من أجل السخرية ومن أجل الاستهزاء بالذاهب والآيب وبالقادم والراجع هكذا
. إذًا مر عليه النَّاسُ وقفوا من فوق وعبثوا به وضحكوا عليه واستهزأوا به فهي أبنية مرتفعة لكنَّها غير مفيدة لم يستعملوها في طاعة الله سبحانه وإنَّما في. السخرية من خلق الله جل وعلا فهم قضوا فيها الأوقات وأضاعوا فيها أو قضوا فيها الأزمان
وأتعبوا فيها الأبدان هكذا أتعبوا أبدانهم وقضوا أزمانهم دون أن يكون في. هذا البناء خير أو نفع ومن المعلوم أن العبد. إذًا بنى بناءً يقصد بذلك السكن فيه فلا حرج في ذلك وإذا بنى بناءً واستعمله في الخير وطاعة الله. فهذا حَسَنٌ ولا مانع منه ﴿أَنَّمَا﴾ هؤلاء قصدوا بهذا البناء
وارتفاعه العبث إما أنه عبث من حيث الأصل بمعنى أنهم بنوا ما لا فائدة منه يبني شيئًا من غير أن يسكن. إذًا أضاع وقته وأضاع جهده من أجل ذلك أو أنه بناه من أجل أن يتخذه مقرًّا للعبث أو مقرا لقطع الطرق. إذا ذهب الناس أو رجع الناس تصدوا لهم وأوقفوهم وأخذوا ما لديهم. فهذا وذاك من العبث
قال ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾
وتتخذون مصانع قال بعض العلماء: المراد بالمصانع هنا أبراج الحمام يتخذون أبراج الحمام. وقال آخرون: بل المراد بالمصانع مصانع الماء تتخذون مصانع الماء في الأرض. يعني: عندكم مياه تأتون بها من الأرض وكذلك عندكم قصور وقال آخرون: المصانع هي القصور نفسها
لعلكم تخلدون وليس في اتخاذ الإنسان الماء حرج، ليس على المرء شيء إذا اتخذ ماءً أو إذا كان بإمكانه أن يخرج أو أن يستنبط الماء من الأرض هذا حسن بل يشكر عليه. إذًا سقى غيره ويكون له في ذلك ثواب بفضل الله. وقد جاء عن النبي ﷺ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سَقْيُ الْمَاءِ» أما هؤلاء
استهلكوا طاقاتهم وبذلوا أوقاتهم فيما لا نفع من ورائه. وذلك لأنهم سيئو القصد خبيثو النية. يعني: ما قصدوا بهذا العمل وجه الله ﴿أَنَّمَا﴾ قصدوا إضاعة الأوقات قال ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ﴾ وتتخذون مصانع أو المراد بالمصانع عمومًا القصور والأماكن العالية
لعلكم. تخلُدون أي: كأنكم تخلُدون على قول كثير من أهل العلم وبه قرئت الآية في غير المتواتر أي: وتتخذون مصانع كأنكم تخلُدون مصانع كثيرة وقصور عالية مرتفعة شامخة. قوية
لا. تهتز ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا﴾. فهذا كأن الواحد منكم سيعيش لا يموت يبني بناء لا يَنْهَدُّ ويتخذ مصانع لا تتغير ولا تتبدل إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا بمعنى أنها كثيرة
كأنكم تخلدون أي: كأنكم معمرون في هذه الحياة بَاقُونَ لا تلتفتون إلى آخرة وإلى أنكم ستموتون وستبعثون وستحاسبون مبلغ علمكم وأكبر همكم الدنيا بل هذا كل همكم الدنيا قال وتتخذون. مصانع. كأنكم تخلدون
أي: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: كأنكم تخلدون في هذه الحياة وقرأ ابن مسعود كما جاء عنه رضي الله عنه وتتخذون مصانع كي تخلدوا أي: من أجل ذلك كأن هذه المصانع ستحميكم
وهذه الأبنية المرتفعة وهذه القصور الشَّامِخَةِ السَّامِقَةِ أو السامقة العالية الشاهقة تتخذون هذه لعلها تقيكم من الموت لعلها تعصمكم من الفناء. وهيهات. هيهات ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾
وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه دليل على أن لعل تأتي بمعنى التعليل. وهذا معنى صحيح وتدل عليه أدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها فعلى ذلك لا حرج على من فسر لعل بمعنى التعليل كما في قوله لعلكم تتقون. وقد تقدم بيان ذلك في سورة طه في قوله ﴿لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ وفي مواضع أخرى من كتاب الله تعالى
. إذن أنتم في باب البناء تبنون أعلى الأبنية. وهذا لأنَّ هؤلاء قد أعطوا قوة كبيرة الواحد منهم عمود طويل ويستطيع بقوته بما أعطاه الله جل وعلا من القوة أن يحمل ما لا يحمله عشرات أو. كثير من الناس كما ذكر غير واحد من أهل العلم فأعطوا قوة
وكذلك بنوا أبنية ضخمة شاهقة. وقد قال الله جل وعلا ﴿ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴿ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾. وقد اختلفوا في قول ﴿ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ هل الأبنية أم المراد لم يخلق مثلها أي: مثل هذه القبيلة. يعني: هم أقوى الناس في الخلقة. يعني: خلقهم على خلقٍ قوي قال كثيرون هو ذلك لأنَّ الله قال: التي لم يخلق. وهذا. يعني: الخلق. يعني: خلقهم الله جل وعلا على قدرة وعلى قوة وعلى طول وعلى ضخامة قال ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. إذا كان هناك بطش
فإنكم تبطشون بمن تقابلونه بذلك بطشًا شديدًا ليست عندكم رحمة بطش فيه. حيث فيه جرم فيه ظلم ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ أي: بطشكم لا ليونة فيه بل هو بطش قوي شديد يقضي على من أمامكم
﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وَإِذَا كَانَ الْبَطْشُ بِحَقٍ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَهُنَاكَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَكِنْ هَذَا بَطْشٌ بِظُلْمٍ وَعُدْوَانٍ. وهذا. يعني: أنهم موصوفون بالتجبر وموصوفون بالاعتداء على خلق الله سبحانه وتعالى والظلم فهم ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُ
وفي قول ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ هذا. فيه أن بعض الناس. إذًا أوتي قوة فإنَّه يسطو على خلق الله سبحانه وتعالى. وقد تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في الحديث عن الكبر أن من أسباب الكبر القوة يعطى الإنسان قوة فيتكبر بها نعم من الناس من لا يتكبر بقوته بل يتواضع. لخلق الله سبحانه وتعالى لكن هؤلاء تجبروا بقوتهم
وكذلك كما قال الله جل وعلا. فأما ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾7 (فصلت: 15) فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
ماذا يقولون قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ﴾ أشدّ منهم. قوة فهكذا ظنوا أنهم أقوى الناس وأنه لا يقدر عليهم أحد لا يقدر عليهم أحد كذا زعموا قال الله ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كرر. الأمر. بتقوى الله وطاعته
كرر الأمر بتقوى الله وطاعة أي: وطاعة نبي الله هود عليه الصلاة والسلام فمن اتق الله وأطاع رسل الله أفلح ونجا فالنجاة في تقوى. الله. وطاعة رسل الله النجاة في طاعة الله في تقوى الله وطاعة رسل الله قال ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ﴾ وجنات وعيون. فاتقوا. الله وأطيعون ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ اتقوا الله
اتقوا الله ذا الألوهية المستحق للعبادة سبحانه وتعالى. ثم ذكر بعض أوصاف الله جل وعلا وبعض نعم الله على خلقه ليبين لهم أنه المستحق سبحانه لأنَّ يتقى. فقال: واتقوا الذي أمدكم زادكم وأعطاكم ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾
فأجمل. ثم بيَّن فقال: ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ فقال: ابتداءً ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: ليس بخافٍ عليكم النعم الكثيرة التي تعيشون فيها من الصحة والعافية من. القوة ومن الأموال ومن الغنم ومن الترف نعم كثير أنعم الله بها عليه لكنهم لم يستعملوها استعمالًا في موضعها اللائق بها
قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أمدكم. بأنعام. وبنين أمدكم بأنعام عندكم أنعام من جنس الأنعام من الإبل والبقر والغنم وبنين عندكم أولاد فتسرون بالأولاد وتفرحون بالأموال والأنعام من الأموال
فعندكم أنعام وعندكم بنون قال. واتقوا. الذي أمدكم بما تعلمون ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ﴾ وجنات وعيون جنات بساتين كثيرة ملتفت الأشجار مليئة بالثمار
وعيون عيون تجري تروي تلك الأشجار وتروي النخيل. وهذا. يعني: أنكم بفضل الله تروي الأشجار. ولذلك تثمر الثمار اليانعة والظلال الوارفة بفضل الله جل وعلا
فعندكم أنعام وعندكم بنون وعندكم أشجار وعندكم مياه ماذا ينقصكم اتقوا الله واشكروه لا تحولوا تلك النعم إلى. نِقَمٍ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾8 (الرعد: 11) أي: لا يغير تلك النعمة إلا. إذًا غير العباد أنفسهم بأن لم يشكروا النعمة
بأن كفروا نعم الله جل وعلا وقال الله ذلك بأنَّ الله لم يكن مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ. يغير ما بأنفسهم قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ﴾ وجنات وعيون ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
إني أخاف عليكم أخاف عليكم من أن. يقع. بكم عذابه وعذاب الله عذاب عظيم مُؤْلِمٌ شديد كبير فاتقوا الله جل وعلا وخافوا من عذابه. وهذا. يعني: أن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام كانوا يخافون على أقوامهم العذاب وهكذا الداعية الصادق يخاف على مدعويه من أن يقع بهم ضرر
عاجلٌ أو آجل. ليس كما يجري من بعض الناس يدعو الناس ولا يهمه أن يستجيب الناس أصلًا نعم هو لا يعنيه ذلك، إن عليه إلا البلاغ لكنه يحب لكم الخير. ويرجو. لهم النجاة والسلامة من العذاب الدنيوي والأخروي
قال ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ﴿قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ﴾ ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كأنهم يقولون أرح نفسك يَا هُودُ لا فائدة من كلامك ولا. فائدة من نصحك وإرشادك
سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الوعظ يستوي عندنا وعظك وعدم وعظك يستوي عندنا الطَّرَفَانِ أي: موعظتك عندنا كعدمها
موعظتك عندنا كعدمها لا. فائدة مما تقول ولا جدوى مما تتكلم به فدعوتك مردودة عليك وموعظتك وجِّهها لنفسك لا لنا بل إنهم اتهموه بالجنون كما تقدموا
سواء علينا ﴿أَوَعَظْتَ﴾ ﴿أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ﴾ يستوي عندنا الأمران كما قال الله جل وعلا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ سواء عليك إنذارهم وعدم إنذارهم. يستوي عندهم الأمران لا يستجيبون لله - تبارك وتعالى
وكما قال عز من قائل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾9 (يونس: 96-97). ﴿قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ﴾. وهذا. يعني: أن نبي الله هودا عليه الصلاة والسلام كان يستعمل معهم الموعظة
والموعظة أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا من. الوعظ والوعظ أعم الوعظ فيه ترغيب وفيه تعليم ما يجهله المدعو أصلًا. يعني: قد يجهل الإنسان شيئًا فتعظه تعلَّمه ما لا يعلِّمه فحينئذ يقوم بفعله إن كان خيرًا وباجتنابه إن كان شرًّا. ﴿قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ﴾ ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾
هكذا القراءة وهناك قراءة أخرى. متواترة إن. هذا إلا خلق الأولين
﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ والقراءتان متواترتان أما الأولى ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾. يعني: هذا الذي ترانا عليه يَا هُودُ عليه السلام هذا الذي ترانا عليه يا هود هو خلق من سبقنا من الآباء والأجداد نحن نقتفي آثارهم ونسير على منوالهم
أخلاقنا التي تراها وعقيدتنا التي تراها هي تلك العقيدة التي سار عليها الآباء والأجداد. ولذلك فسر غير واحد من السلف قوله إن هذا إلا خلق أي: إلا دين ففسروا الخلق بماذا بالدين. يعني: إن هذا إلا دين الأول ديننا هو دين آبائنا ودين أجدادنا ولسنا بتاركي سبحان الله هكذا يفعل أهل الشرك دوماً
يتركون الحق من أجل تقليدهم الأعمى. وتَعَصُّبِهِمْ لآبائهم وأجدادهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾10 (الزخرف: 23) هكذا يقولون دومًا
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾11 (الصافات: 71) هكذا وبيّن الله جل وعلا أن هؤلاء. يقتدون. بهم ويسيرون على منوالهم فهم على آثارهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات: 70) قال الله سبحانه وتعالى. ﴿قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ﴾ ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ فإذًا هذا اسم الإشارة على ما يعود
إن هذا أي: الذي ترانا عليه من. الإعراض وعدم الاستجابة لك من الشرك والتنديد وعدم التوحيد دين آبائنا ودين أجدادنا وما نحن بتاركه فافعل ما بدا لك. وأما القراءة الأخرى ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾
فيحتمل الاحتمال الأول كما مضى أي ان هذا الذي ترانا عليه إلا خلق الأولين أي ما خلق عليه الأولون. الشرك والتنديد هو ما جبل عليه اباؤنا وجبل عليه اجدادنا وخلقوا عليه
والصحيح أنَّهم مخلوقون على الفطرة وإنَّما جرى التشويش بعده «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» كما قال النبي ﷺ لكنهم. قالوا: إن هذا الذي ترانا عليه إلا خلق الأولين هكذا كان آباؤنا وهكذا كان أجدادهم وعلى هذا خلقوا. وأما المعنى الثاني في هذه القراءة ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ أي: إن هذا الذي تقوله فحينئذ اسم الإشارة سيتحول إلا خلق الأولين أي: اختلاق الأولين فالخلق. بمعنى الاختلاق أي: الكذب. يعني: إن هذا الذي تدعون إليه إلا كذب الأولين
هذه ترهات كان يقولها من قبلك سابقوه كما. قالوا للنبي محمد ﷺ ﴿وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ إن هذا الذي تزعمه يا محمد
إلا خلق الأولين اختلاق إن هذا الذي تزعمه يا هود إلا خلق الأولين. يعني: افتراء الأولين فأنت تسير على منوالهم ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ هكذا جزمًا منهم
وهو جزم باطل وإفك مبين. قالوا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لن يصلنا عذاب وعلى ذلك فافعل ما بدا لك إن كنت تدعي أنك رسول الله أو أنك نبي الله فأين هذا وأين قوتك وأين. ربك. الذي أمرك بأن تدعونا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لن نعذب
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٌ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُ وَالْعَزِيزُ الرَّحِيمُ هكذا جاء الإجمال. هنا. وجاء التفصيل في مواضع أخرى كما جاء في سورة الأعراف هُودٍ وكما جاء في غيرهما كسورة الأحقاف ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ﴾ الآيات
قال فكذبوه. فأهلكناهم. هذا الذي جرى منهم تكذيب أو تمم. كذلك وأكمل بالتكذيب العام فهم أعرضوا وكذبوا والكفر أنواعهم وهم جمعوا بين كفر الإِبَاءِ أبوا أن يقبلوا دعوة وكذلك كذبوا
استكبروا عن قبول ذلك. ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ وهكذا فكذبوه فأهلكناهم، وقد ذكر بعض العلماء أن هودًا عليه الصلاة والسلام قد أيده الله جل وعلا بأمره
إذ قال لهم إني أشهد الله قال لهم هود عليه السلام إني. أشهد الله وأشهد ﴿أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ﴾ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ إن ربي ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
فقالوا هذه آية لهود عليه الصلاة. والسلام لأنَّ القارئ قد يلتمس آية. ويقول ما الآية التي أُيد بها هود عليه الصلاة والسلام فيجاب: الله أعلم. وقد ذكر بعض العلماء أن الآية التي أُيد بها هود عليه الصلاة والسلام هي حفظ الله له
لست أكثر هل تقدرون علي لتقوموا. جميعًا علي
ليقم جميعكم عليَّ واقضوا عليَّ وحاولوا قتلي والفتك بي وسفك دمي فلن تقدروا فما تمكنوا منه عليه الصلاة والسلام يقول فكيدوني جميعًا اجتمعوا وكيدوا لي وحاولوا. قتلي. ثم لا تنظرون لا تؤخروني ولا تمهلوني أنا لا أريد انظارا ولا تأخيرًا أنا موجود أمامكم واحد
وهم من عاد الذين. قالوا من أشدّ منه قوة من أشدّ منهم قوة. يعني: الواحد منهم. يعني: يعني: عندهم يقول يذكر المفسرون في ذلك كلامًا طويلًا لكني لا أذكره لأنه لا تدل عليه النصوص الشرعية فهو من قبيل الإسرائيليات التي لا يحتاج إليها وإنما يُعرف المعنى العام بأنهم أُوتوا قوة كبيرة
كيدوني. ثم لا تُنظرون، لا تمهلوا ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى﴾ ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فما استطاعوا له كيدًا
. قالوا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فكذبوه فأهلكناهم فأهلكناهم قوله فأهلكناهم قد جاء بيانه في مواضع أخرى كما تقدم كما جاء في سورة الأحقاف وكما جاء في الحاقة أيضًا. وكذلك جاء في القمر وفي غيرها من سور القرآن الكريم بأن الله جل وعلا أرسل عليهم ريحًا صرصراً عاتية
ريح صرصر أي: ريح شديدة البرودة عاتية قوية. جدًّا لا. تبقي ولا تذر كما قال الله في سورة الذاريات ﴿وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾12 (الذاريات: 41-42) فسلط الله عز وجل عليهم الريح ريح شديدة سبحان الله
هذه القبيلة هذه الأمة مع عتوها وعنفوانها ومع جبروتها يهلكها الله بالهواء قال بعض العلماء: تعمق الهوى في قلوبهم وملأ. عقولهم. فأهلكهم الله بالهوى. فكان هلاكهم بهذه الريح المدمرة وقد قال النبي ﷺ نصرت «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» وأهلكت عاد بالدبور فهذه تسمى بريح الدبور أهلكهم الله - تبارك وتعالى بها
وهذه الريح وصلت إليهم فماذا كانت. تصنع بهم كما ذكر أهل العلم كانت الريح الشديدة تأتي على الواحد منهم فترفعه وهو طويل وهو قوي ترفعه إلى أعلى. ثم تخفضه إلى أسفل فتدق رأسه فينفصل الرأس عن الجسد
فبقوا أبداناً بلا رؤوس ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾. يعني: عجز النخل بلا رأس بدن بلا رأس أين الرأس قلع الرأس من البدن هكذا أهلكهم الله - تبارك وتعالى. وقد بيّن الله جل وعلا
أنه سبحانه وبحمده قوي شديد العقاب وأنهم إن أرادوا كيدًا فالله جل وعلا أراد كيدًا هو أعظم من هذا الكيد الذي كادوه فحبس عنهم الأمطار
لمدةٍ طويلة راموا مطرًا فلم يجدوا ومن قبل قد منَّ عليهم بالعيون. جنات. وعيون حُجِبت الأمطار عنهم يريدون سقياً لزروعهم أو لزرعهم يريدون سقياً لأشجارهم يريدون شربًا لأنفسهم ولمواشيهم لأنعامهم لا يجدون. ثم بعد ذلك رأوا ريحًا في هذه السماء
فلما رأوا تلك الريح خرجوا مستبشرين طالبين السقية طالبين نزول الأمطار فنزلت تلك الريح الشديدة وتحولت. أيضًا إلى نيران فأحرقت مساكنهم فأحرقت أبدانهم وقضت عليهم ولم تبق إلا المساكن لتكون علامة وآية للمعتبر وللمار على تلك البيوت
كما بيّن الله - تبارك وتعالى ﴿فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا﴾ مَسَٰكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ ﴿نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾13 (الأحقاف: 25) الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أهلكوا وبقيت المساكن انظر إلى قدرة الله إلى عظيم قوته سبحانه وبحمده
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾14 (الأحقاف: 24-25)
وهذه عاد الأولى كما بيّن الله جل على أنه أهلكها وهو قادر على إهلاك الجبابرة والمتكبرين في كل زمان وفي كل مكان وفي كل. عصر وفي كل مصر هو قادر على ذلك سبحانه وتعالى قال ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ كما. تقدم
إن في. ذلك لآية أي: في هذا الذي قصه الله جل وعلا من شأن هود عليه السلام وقومه لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾
. ثم ذكرنا الله جل وعلا بقصة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه الصلاة والسلام وهو نبي كريم مبارك دعا قومه إلى توحيد الله جل وعلا وحذرهم سخطه وعقابه قال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ إذ قال لهم إخوتهم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿إِلَّا﴾ تتقون ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ فاتقوا الله ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنا آمِنِينَ في زُرُوعٍ نعم. ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنا آمِنِينَ نعم.
وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَا هُنَا ﴿ءَامِنِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا فَـٰرِهِينَ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوٓا۟﴾
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ وثمود هي ديار الحجر وهي في شمال الحجاز. وقد مر النبي ﷺ عليها واستعاذ أو مر عليها سريعًا وطلب من قومه أن يمروا بسرعة على تلك الديار خشية أن يصيبهم ما أصاب. تلك الديار
وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾15 (الصافات: 138) أَفَلَ تَعْقِلُونَ فهي في الطريق إلى ديار الشام هكذا قال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: قبيلة ثمود
. المرسلين أي: رسول الله النوم. لما كذبوا صالحًا. فقد كذبوا بجميع الأنبياء والرسول إذ قال لهم إخوتهم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿إِلَّا﴾ تتقون ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إخوتهم. كذلك في القبيلة لكنه ليس أخا لهم في الدين ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾
أمين عليكم وأمين فيما أتحمل من رسالة الله سبحانه وتعالى لا أخون فاتقوا الله. وأطيعون اتقوا الله وخافوا من بطشه وأطيعون فيما أدعوكم إليه وما أسألكم عليه من أجر
كرر نفس المقولة التي قالها نوح والتي قالها هود عليه السلام ﴿وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. ثم قال أتتركون فيما هاهنا آمنين
بدأ يحذرهم وينكر عليهم فقال: أتتركون يا قومي فيما هاهنا آمنين يعني: في هذا المكان الذي تعيشون فيه أتظنون أنكم ستمكثون كما أنتم في أمن وأمان وسلم وسلام ينكر عليهم أن يظنوا بقاء الأمن والسلام. إذا كذبوا بآيات الله سبحانه ورسله
أي: إذًا كذبتم بآيات الله وبرسل الله سيذهب أمنكم وسيذهب عطاء الله لكم وسيتحول إلى نقمة عليكم أتتركون فيما هاهنا آمنين إذن هو سبحانه قد منَّ عليهم بالأمن ولكنهم كذبوا واستكبروا فزال أمنهم وحل الخوف مكانه بل وحل التدمير مكانه
قال ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ﴿وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَتُتْرَكُونَ﴾ فيما هاهنا آمنين ﴿فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني: أنتم تعيشون في أوطانكم في البساتين تأكلون الثمار اليانعة وترون النخيلة العالية المرتفعة المليئة بالثمار والعيون وتلك الأنهار التي تجري وقال ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. يعني: أنتم تعيشون في الزروع بأشكاله وأنواعه المختلفة ونخل طلعها هضيم
هذا النخل طلعها هضيم أي: ثمره هضيم قال بعضهم: أي: لين وقال آخرون: الهضيم أي: الذي لا. نَوَى لَهُ. يعني: عندكم نخل طلع وهو بداية الثمر
بداية التمر أو بداية الثمر. والمراد به الأوعية التي بعد فترة تنفلق فإذا أبرت صارت بلحا ثم بعد ذلك تصير بسرا. ثم تمرا
وهكذا فيؤكل فقال: هذا النخل وفيه ذلك الطلع المبارك الهضيم اللين الذي لا لا نَوَى لَهُ من الله عز وجل به عليكم. وهذا مما يحمد. وهذا مما يمتن به على خلق الله أن يرزق أحدهم بالنخل العظيم
والنخل داخل في الجنات لكن الله خصه بالذكر لمزيد شرفه ومكانته لأنَّ النخل وما يخرج. منه ينتفع به القاصي والداني بل ينتفع الإنسان بكل ما في النخل حتى الجريد وينتفع بكل ما في التمر حتى النوى
حتى النَّوَى ينتفع به. فقال: ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ وقال بعضهم: هضيم أي: متراكب أي: انضم بعضه على بعض لكثرته أي: هذا الطلع ليس قليلًا بل هو طلع متكاثف قد تناسق. بعضه ببعض وانضم بعضه إلى بعض ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ فَٰرِهِينَ ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
وتنحتون من الجبال. يعني: من الله عز وجل عليكم بالطعام ومن الله سبحانه وتعالى عليكم بالأمن ومن الله عز وجل عليكم بالسَّكَنِ ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ينحت من الجبل. وهذا يدل على عظم تلك الأبنية وأنها أبنية قوية ينحت من الجبل نفسه ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ﴿فَـٰرِهِينَ﴾ (الشعراء: 149)
وهذه فيها قراءتان ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا فَـٰرِهِينَ﴾ والقراءة. الثانية ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا فَـٰرِهِينَ﴾ فارهين بدون الألف والفرق بينهما كما قال بعض العلماء: أن معنى قوله فارهين أي: حاذقين. يعني: تبنون بحذق عندكم مهارة. يعني: تصور كذا واحد ينحت في الجبل وينحت في الصخور والذين يذهبون إلى مكة المكرمة ويرون كيف تلك الأبنية في هذه الجبال وكيف توسعة الحرم في هذه الأيام يرى عجبا من ذلك. فيقول: الله قادر على كل شيء
وهؤلاء لم تكن لديهم آلات ولم تكن لهم معدات ولم يكن. هناك التقدم ومع ذلك كانوا ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ فارهين أي: بحذاقة بفطنة بمهارة وقوة. وأما القراءة الثانية فارهين
أي: متجبرين متكبرين بطرين أشرين لا تشكرون الله سبحانه وتعالى. إذن فرهين أي: عندكم بطر وعندكم أشر وعندكم كبر وغطرسة وكذلك فارهين عندكم مهارة وإتقان فمع إتقانكم في هذا الذي تصنعونه إلا أنكم متكبرون على خلق الله. ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
والمسرفون هنا الكفار المفسدون في الأرض. والمراد بها: المفسدون من القوم الذين يفسدون غيرهم الذين هم أضل الناس فهو يقول لعموم الناس لا تتبعوا هؤلاء الذين يضللونكم الذين هم يقودونكم إلى الضلال فهناك. أذناب أتباع وهناك رؤساء في الضلال
فهو يحذرهم من طاعة رؤساء الضلال. فيقول: ولا تطيع أمر المسرفين ﴿ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ لا تطيع أمر هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ بالمعاصي أسرفوا وارتكبوا وعلى ذلك فالإسراف أعم من. التبذير
فإذا جاء الإسراف والتبذير فالإسراف أعم والتبذير في غالب الأمر ﴿أَنَّمَا﴾ يطلق على ما كان في باب الأموال. وأما الإسراف فهو أعم يشمل أبواب المال ويشمل غيرها. كذلك وكذلك هناك فرق بينهما عن طريق الكم والكيف
كما تقدم في تفسير سورة الفرقان ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ قال ولا تطيع المسرفين ﴿ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾
﴿ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ يفسدونها بماذا بالمعاصي يفسدونها بالشرك. فهذا أعظم إفساد في الأرض فمن أشرك بالله فهو مفسد في الأرض فهو مفسد في الأرض ولا تفسد ﴿فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ فالشرك بالله من آلافساد في الأرض
قال ولا تطيع أمر المسرفين ﴿ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ لا يصدر منهم إصلاح قط كل أمرهم إفساد في الأرض ولا تطيع ﴿أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوٓا۟﴾: ﴿أَنَّمَا﴾ أنت من المسحرين
﴿إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ﴾ هذا أسلوب حصر أي ما أنت يا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ إلا من المسحرين وقوله: من المسحرين فيها قولان القول الأول ﴿أَنَّمَا﴾. أنت من المسحرين أي أنت من المسحورين
فكيف تكون رسولاً وأنت من البشر كعادة من سبقهم ممن كذبوا برسول الله من أجل أنهم بشر من البشر. وسيأتي إن. شاء الله تعالى تتمة بيان لقصة ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام مع قومه في الدرس المقبل وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 121 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 122-127 ↩
- آية: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 128-135 ↩
- آية: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 116 ↩
- آية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 129 ↩
- آية: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 15 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 11 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 96-97 ↩
- آية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 23 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 71 ↩
- آية: ﴿وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 41-42 ↩
- آية: ﴿نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحقاف 25 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحقاف 24-25 ↩
- آية: ﴿وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 138 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 70
- آية: ﴿فَـٰرِهِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 149
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الأحقاف
- تفسير سورة الأنعام
- تفسير سورة الذاريات
- تفسير سورة الرعد
- تفسير سورة الزخرف
- تفسير سورة الشعراء
دروس مشابهة
- قصة هود عليه السلام الجزء الأول
- الحديث الحادي والعشرون الجزء الثاني الاستقامه بالإسلام
- وقفات مع قوله تعالى وإذ يرفع إ
- قصة هود عليه السلام (الجزء الثالث)
- الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاملته للشباب جزء1 خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- واجعلنا للمتقين إمامًا من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة للشيخ الدكتور محمد حامد