مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تواصوا بالصبر

خطب · الدرس 127 من 342 · 31 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. حتمية الابتلاء وسر تقديم نبتليه وضعف الصبر
  2. الصبر أعظم العطاء وبلاغة سؤال الله أن يفرغه على القلوب
  3. التواصي بالصبر وصبر الشباب على العفة ومشاق تربية الأبناء
  4. تكفير السيئات بالبلاء حتى الشوكة وإخلاص الصبر للرب ولربك
  5. الصبر لله لا على الباطل وصبر المرأة المصروعة
  6. أقسام الصبر الثلاثة: على الطاعة وعن المعصية والتحذير من
  7. الاسترجاع والصبر عند الصدمة والثبات على الدين زمن الفتن
التفريغ النصي الكامل للدرس

حتمية الابتلاء وسر تقديم نبتليه وضعف الصبر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إنَّنا في هذه الحياة مبتلون ومختبرون. وقد قرر الله جل وعلا ذلك في غير ما موضع من محكم التنزيل.

فقال سبحانه ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾5 (العنكبوت: 2). وقال الله، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾6 (محمد: 31). وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ إلى غير ذلك من آيات كثيرة. بل إنَّ قوله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ فيه قسم مقدر كما يقول أهل التفسير أي: والله لنبلونَّكم فالله جل وعلا يقسم ويبين، أنَّ الناس في هذه الحياة مختبرون ومبتلون، ومن ثم وجب على الإنسان، أن يعي تلك الحقيقة وأن يستعد لها وأن يعمل بما تقتضيه ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾7 (الكهف: 7).

وقال ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾8 (الإنسان: 2). بل إنه من أسرار هذه الآية الكريمة، إن رب العزة سبحانه قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ كان من المتوقع أن تأتي الآية هكذا ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أَمْشَاجٍ فجعلناه سميعًا بصيرًا نبتليه. لكن الله ذكر قوله نبتليه بين ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ وبين إعطاء السمع والبصر له وكأنَّه يقول.

كما أنَّك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان سيسوِّيك الله ويهيئك ويقوِّمك فإنَّه لا انفكاك عن الابتلاء في هذه الحياة. وقد بين الرب الكريم سبحانه حال الناس مع هذه الأمور. فقال ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ﴾9 (المعارج: 19-22) فحال أكثر الناس في حالة المنع الجزعُ، وفي حالة العطاء التضجر وعدم شكر الله جل وعلا ومنع الحق الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى، على العبد ما أحوجنا.

الصبر أعظم العطاء وبلاغة سؤال الله أن يفرغه على القلوب

يا أيها الإخوة الكرام، إلى أن نتذكر هذه الحقيقة فيوصي بعضنا بعضًا بالصبر نعم الصبر كثير من الناس يغفل عن، أن الصبر عطاء وأي عطاء قد تحرم من كثير من الأموال. بل ومن الأولاد، ومن متاع الدنيا الزائل. لكن يعطيك الله الصبر فيكون قد أعطاك عطاء لا عِدل له ودليل ذلك قول الرسول الأكرم ﷺ فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه، أن الرسول ﷺ قال «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ». ثم قال، واسمع ما قال «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر قد تكون محرومًا من أشياء كثيرة بيد أن معك الصبر فتكون في حقيقة الأمر قد أُعطيت ما لم يُعطَه غيرك بإذن الله سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر الله جل وعلا لنا قول أولئك الصالحين حين يدعون الله ربهم قال الله، ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾10 (البقرة: 250).

تأمَّل دعاءهم الكريم الشريف! ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. وقال السحرة حين آمنوا بالله رب العالمين ردًّا على فرعون قائلين له ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ۚ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: 126) هل تأمَّلت هذا المعنى الجليل؟ ربنا أفرغ علينا صبرًا أنت حينما يكون لديك ماء كثير فتأتي بهذا الماء لتفرغ في الدلو لتفرغ في الإناء فأنت حينما تفرغه تريد بذلك أن تملأ هذا الإناء.

وهذا معنى الدعاء حينما تدعو ربك ربنا أفرغ علينا صبرًا أي: املأ قلوبنا صبرًا، املأ قلوبنا صبرًا لأنَّ الناس يتفاوتون في الصبر. فهذا يصبر حينًا ويترك حينًا يصبر في مجال ويترك مجالات مع أنَّ أبواب الصبر كثيرة وما أحوج الأمة إليها في هذه الأيام ذلكم من عدة أوجه، منها كثرة الهموم والكروب والمصائب التي تعصف بالأمة في عمومها، وفي خصوصها فمع هذه المصائب المتتابعة ومع هذا الضيق الذي يحياه كثير من الناس يحتاج الناس إلى الصبر لتنفرج الغمة

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾11 (الشرعح: 5-6) يحتاج الناس إلى الصبر مع كثرة الفتن من فتن الشهوات والشبهات فأمامك هذا الذي ينسلخ عن دينه. نسأل الله السلامة يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا يحتاج المسلم إلى صبر ليثبت على منهاجه على مبادئه على ثوابته على عقيدته على إيمانه بربه عز وجل يحتاج الإنسان إلى الصبر أمام فتن الشهوات المتتابعة فيرى شهوة هنا وهناك لا تطارده خارج بيته.

بل تطارده وتزاحم في بيته فأمامك ما يحتاج إلى صبر يحتاج إلى صبر على الطاعة حينما يرى انفكاك كثيرين عن الطاعة يحتاج إلى صبر عن المعصية يحتاج إلى صبر على ما قدر الله يحتاج إلى صبر على أذى الناس وما أكثر أذى الناس. نسأل الله السلامة لذلك حينما تقرأ القرآن الكريم تجد أن رب العزة سبحانه صدَّر مجموعة من الآيات بهذه البداية ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ واصبر على ما يقولون فاصبر على ما يقولون هذا كله موجود في صدر بعض آيات القرآن ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ﴾ (ق: 39) ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ اصبر على ما يقولون فالإنسان قد يؤذى.

التواصي بالصبر وصبر الشباب على العفة ومشاق تربية الأبناء

وقد يتعرض لهذا الأذى فإنما يحتاج إلى صبر بكل أنواعه. نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين المتمسكين بدينه يعينك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم على ذلك، أن تتعرف على الصبر وأن تتعرف على الأسباب التي تعينك عليه، ومن أعظمها معرفة أجر الصابرين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ويكفيك، أن تستحضر قول رب العزة سبحانه جل وعلا ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تحتاج دومًا إلى التفكير بذلك ﴿إِلَّا﴾ تقرأون.

يا أيها الإخوة الكرام، في سورة البلد وهي من قصار السور ونحن نحفظها جميعًا رب العزة سبحانه وتعالى، قال ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾12 (البلد: 17) بل في سورة العصر ويحفظها الطفل الصغير قبل الكبير قال الله ﴿وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾13 (العصر: 1-3) ما معنى هذا معناه: أنه ينبغي لنا أن يوصي بعضنا بعضًا بالصبر فإذا كنت تصلي الفجر وغيرك لا يصلي فليوصِ المصلون، ليوصوا بالصلاة، ليوصِ بعضهم بعضًا بلزوم الحق إذا كنت في عملك، وفي وظيفتك أحد الناس أكل رشوة وأكل حرامًا وأنت ابتعدت عن الحرام فصار غنيًّا في الظاهر وأنت دونه فتحتاج إلى أن تصبر وأن تعلم، أن الدنيا زائلة وأن الكل مسؤول عما قدم ﴿فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾.

ومع ذلك قال الله في الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾14 (الزمر: 10) الشاب حينما يرى تلك الفتن المتلاحقة ويرى إطلاق البصر إلى الحرام ويرى المغريات. وهذا ينظر إلى تلك الفتاة. وهذا ينظر إلى تلك الفتاة يحتاج إلى العفة والعفة تحتاج إلى صبر غض البصر يحتاج إلى صبر فما أحوج الشباب إلى أن يكونوا صابرين محتسبين هذا فضلًا عن الابتلاءات التي لا تنتهي يُبتلى الإنسان في جسده بالأمراض عافانا الله وإياكم يبتلى الإنسان في ولده.

وهذا من البلاء الشديد على النفس. بل إن تربية الأولاد تحتاج إلى صبر وأي صبر وانظر إلى واقع الناس اليوم حينما يريد أن يربي ولده على الفضيلة فيجد قطاع الطرق الذين يقطعون هذا الولد عن الله وعن طاعة الله ﴿إِلَّا﴾ تحتاج إلى صبر في تربية ولدك؟ ألم يقل الله ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾15 (طه: 131). لم يقل: واصبر، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، مبالغة في الصبر.

وقال: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ ما أحوجك إلى أن تعرف هذا. نسأل الله أن يرزقنا الصبر وأن لا يحرمنا فضله. وقد جاء عن النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» من يرد الله به خيرًا يصب منه، يعني: يبتليه والعلماء قالوا إن الابتلاء له حِكَم ومقاصد فمنها التمحيص يميز الله بالبلاء الصفوف فيعرف المؤمن غيره يعرف الصادق من غيره فالابتلاء مُمَحِّص كثير من الناس يظن أنه على الخير فإذا ابتلي وقع منه الجزع قال الله، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾16 (الحج: 11).

تكفير السيئات بالبلاء حتى الشوكة وإخلاص الصبر للرب ولربك

﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾17 (الحج: 11) نعوذ بالله من الخذلان الصبر فيه التمحيص ثم إن الصبر فيه تكفير السيئات يكفِّر الله به، بالصبر أو بالابتلاء، عنك السيئات لذلك جاء عن النبي ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عدد من الصحابة كأبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» حتى الشوكة هذا الابتلاء الذي أُصبتَ به هذا الابتلاء الذي يبليك الله به يكفر الله عز وجل عنك من سيئاتك بسببه ولذلك جاء عن النبي ﷺ عند الترمذي ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله.

حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة تأتي يوم القيامة وليس عليك خطيئة لِمَ ذهبت الخطايا؟ لِمَ؟ لأنك ابتُليت فصبرت لأنك ابتليت فاحتسبت لأنك ابتليت ف. نسأل الله أن يثبتنا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والهدى وأن يوفقنا لما يحب ويرضى إن الله أمر عباده، وأمر رسوله ونحن به مقتدون: ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾. وقال ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾.

وقال ﴿فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال ﴿وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾. وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾. وقال ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ آيات كثيرة يأمرنا الله فيها بالاستعانة بالصبر إذا كنت في هم في غم في تقصير في قصور فاصبر يفرج الله كربتك ويزيل الله غمَّتك ييسر الله جل وعلا لك أمرك.

نسأل الله أن ييسر لنا أمورنا، يا أيها الإخوة الكرام، يعينك على هذا أن تستحضر أنك حينما تصبر فإنَّك تصبر لله وبالله لا من أجل أن يقال عنك صابر، ولا من أجل أن يقال عنك ثابت، ولا من أجل أن يقال عنك شجاع، ولا من أجل أن يقال لك إنك عفيف هذا كله حسن. لكن الذي يُفتقر إليه أن تكون في نيتك عاملًا لله لا لغير الله جل وعلا ولذلك اسمع ماذا قال ربك سبحانه قال: ﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ تريد أن يكون صبرك حقًا وأن تنال أجرًا فاحتسب عند الله واستعن بالله عليه فقل يا رب ألهمني الصبر، يا رب أفرغ علينا صبرًا وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ هو الذي يجعلك صابرًا محتسبًا قويًّا ثابتًا.

الصبر لله لا على الباطل وصبر المرأة المصروعة

وقال الله للنبي الكريم «صلى الله عليه وسلم» ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾18 (المدثر: 1-6) ثم اسمع ماذا قال ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ ما معنى ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ أي: ولربك وحده فاصبر اصبر له لا لغيره أنت حينما صبرت عن المعصية صبرت على الطاعة تصبر ابتغاء وجه الله ألم يقل الله في صفات أولي الألباب ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ هذه صفة جليلة: ﴿صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أنت صبرت فقمت من الليل لتصلي لله أنت صبرت فخرجت لتصلي الفجر أنت صبرت، خرجت لتعمل لتعفَّ نفسك وتعفَّها لمن تفعل هذا لله لا لغير الله جل وعلا فأنت في سبيل الله فأبشر فأنت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ليكن صبرك لله لأنَّ أهل الباطل قد يصبرون.

لكن صبرهم لا يجدي، ولا ينفع ثم هو ذاهب ألم يقل الله جل وعلا ذاكرًا قول المشركين حينما قالوا ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ صبروا على عبادة الأصنام، فأي صبر هذا؟ ﴿أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ يوصي المشركون بعضهم بعضًا بلزوم عبادة الأصنام فانتم يا أهل الحق يا أهل الإسلام يا من توحد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ما أحوجكم إلى أن يصبِّر بعضكم بعضًا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ فتصبر على الطاعة وتصبر عن المعصية وتصبر على قدر الله جل وعلا أنك تستحضر هذه المرأة العفيفة في هذا الزمان الذي نحتاج فيه إلى العفة والصبر عليها يحتاج شبابنا إلى ذلك تحتاج فتياتنا إلى ذلك اسمع إلى هذه المرأة كما أخرج الحديث الشيخان البخاري ومسلم من حديث عطاء بن أبي رباح «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ» رضي الله عنهما قال له ﴿إِلَّا﴾ أريك امرأة من أهل الجنة؟ يقول ابن عباس لعطاء ﴿إِلَّا﴾ أريك امرأة من أهل الجنة؟ تلك المرأة السوداء أتت النبي ﷺ

فقالت: «يا رسول الله إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي» امرأة يصيبها صرع تصاب بالصرع فحين تصرع تتكشف وهي معذورة إذا انكشفت، لأن عورتها إن انكشفت فليس هذا باختيارها، ولا برغبتها فهي معذورة. فقال لها الرسول ﷺ «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» تصبر على المرض على مرض الصرع.

فقالت: يا رسول الله، أصبر. ثم قالت ولكن ادعُ الله لي ألَّا أتكشف أن هذه المرأة تصبر على مرض الصرع لكنَّها لا تصبر على التكشف ولو كان بغير اختيارها نعم، إنها فقهت حقيقة المرأة الحَيِيَّة التي تعرف طعم الحياء طعم العفة طعم النقاء فما أحوج النساء إلى مثل ذلك كذلك الذي يأكل الحلال يصبر على الجوع لكنه لا يريد أن يسخط الله جل وعلا كانت المرأة ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تقول لزوجها اتق الله فينا، ولا تطعمنا من حرام فإنَّنا نصبر على الجوع والعطش، ولا نصبر على النار إن الله ذكر صبرًا يتعلق بأهل النار لكنه لا ينفع أهل النار.

فقال ﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾19 (الطور: 16). وقال. ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾. وقال في قولهم ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أقسام الصبر الثلاثة: على الطاعة وعن المعصية والتحذير من

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، الحديث عن الصبر ذو مجالات كثيرة وذو فنون كبيرة لا يتسع له مقام، ولا مقامات بيد أن الذي يصلح في هذا المقام أن تتذكر أن للصبر أقسامًا أولًا الصبر على الطاعة اصبر على الطاعة إذا أمرك الله بأمر فائتمر أمرك الله بالصلاة فصلِّ، بصلة الأرحام فصِلْ أمرك بالصدقة فتصدَّق، بالزكاة فزكِّ، بالصوم فصم ببر الوالدين فكن بارًا بوالديك في كل الطاعات صبر على الطاعة واعلم، أن الرسول قال ﷺ «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» إذا أردت أن تكون من أهل الجنة فتحتاج إلى صبر. وقد قال الرسول ﷺ «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ» ﴿إِلَّا﴾ إن سلعة الله الجنة، سلعة الله غالية والشيء الغالي يحتاج إلى تضحية يحتاج إلى بذل ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ طاعتك تنفعك لا تنفع ربك أنت حينما تشكر الله فالذي وفقك هو الله وحينما تصبر فما صبرت إلا بتصبير الله إياك ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ فالعطاء عطاؤه والفضل له هو غني عنك وعن العالمين صبر على الطاعة ثم صبر عن المعصية اجعل بينك وبين الحرام قطيعة اقطع الحرام ابتعد عنه، أبعد نفسك عنه، إن تلك الشهوة المحرمة ستنقضي ثم ماذا بقي عقابها إلا إذا تداركتك رحمة الله جل وعلا «تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم

والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذه من بعدها النار» لا خير في لذة من بعدها النار إن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ» أول ما ينتن من الإنسان بطنه فلا تطعم نفسك ولا أولادك حرامًا اتق الله فيهم فاصبر عن المعصية اجعل بينك وبين المعاصي حاجزًا. ولذلك جمع الله بين الصبر والتقوى في مواضع كثيرة من القرآن ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾، ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾، ﴿إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ تقوى وصبر صبر عن المعاصي ابتعد عنها، امنع نفسك من الوقوع فيها واستعن بالله على تركها استعن بالله على غض بصرك استعن بالله على ترك المحرمات في القول، وفي الفعل ثم اصبر على الابتلاءات على المحن على المصائب، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾20 (البقرة: 155-157) إذا كنا نتذكر ذلك إذا مات لنا مَيِّت.

الاسترجاع والصبر عند الصدمة والثبات على الدين زمن الفتن

نسأل الله أن يرحم مَيِّتنا وأن يغفر له. فإنَّ الصبر بابه أعظم وأوسع. وهذه القاعدة التي علمنا الله إيَّاها إنا لله وإنا إليه راجعون بها مِلاك أمر الصبر تريد أن تصبر تذكر هذه القاعدة هي الحل هي الفرج بإذن الله إنا لله وإنا إليه راجعون لا تقال عند الموت فقط ﴿أَنَّمَا﴾ في كل مصيبة أنا لله، يعني: ملك لله أنت ملك لله الله يقول لك: افعل فتفعل، لا تفعل فلا تفعل، اترك فتترك أنا ملك لله عبد لله يتصرف الله فيك كيف يشاء نقول كما قال الصالحون سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا

وإليك المصير أنا لله ملك لله وأنا إليه راجعون سترجع لله ستقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. انظر إلى مَن جمع الدنيا بأسرها هل راح بغير اللحد والكفن؟ أين كفنه؟ ذهب وتركه دخل القبر صار إلى التراب سيصير مثلك وستجتمع، يعني: عند الله سبحانه وتعالى، وفرق بين ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ واتقى وبين من لم يكن كذلك. نسأل الله السلامة لذلك قالت المرأة الصالحة حينما أُصيبت بهذا الألم أو بقطع عضو منها قالت إن حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها إن حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها حينما تتذكر الأجر والثواب من الكريم الوهاب فتعلم أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ منعك فقد أعطاك لأنَّ الله ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ إلا ليعطيك وما امتحنك إلا ليصقلك فمنعه عطاء.

لكن كثيرًا من الناس لا يدرك ذلك إنا لله وإنا إليه راجعون تذكر الثواب ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ورحمة وأولئك هم المهتدون فمن ثمرات الصبر الهدى إذا صبرت هداك الله. ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام، للمرأة التي لم تصبر في أول الأمر حينما قال لها اتقي الله واصبري ثم علمت أنه رسول الله فأتته، ولم تجد عنده بوابين كما في حديث أنس المتفق عليه قال: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»، وفي لفظ عند أول صدمه، «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» هذه الصدمة تخرج الرجال تخرج الأبطال تخرج الثابتين وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم ﴿أَنَّمَا﴾ تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم فتمسك بالله جل وعلا وبطاعته، وفي القرآن الكريم قصص كثيرة قصَّها الله عز وجل علينا من صبر الأنبياء والمرسلين.

ولذلك أمر الله الرسول ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ إن الرسول قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» فاثبتوا يا عباد الله، على طاعة الله، وعلى ترك معصية الله، وعلى الابتلاءات واسألوا الله جل وعلا من فضله واعلموا أن الفرج مع الكرب «وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ثم اعلم أخي الكريم.

أخيرًا أنه من نعمة الله عليك ألّا تصاب في دينك. فإنَّ أعظم المصائب أن تصاب في دينك، أن يضيع دينك لذلك كان من دعاء الرسول، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا مهما ابتُليت في ولد، في مال، ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ شيء المهم ألَّا تُبتلى في دينك فنسأل الله ألَّا يجعل مصيبتنا في ديننا اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم اغفر لحينا ومَيِّتنا اللهم اغفر لحينا ومَيِّتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 2 ↩
  6. آية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 31 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 7 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 2 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا ۝ إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 19-22 ↩
  10. آية: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 250 ↩
  11. آية: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الشرح 5-6 ↩
  12. آية: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البلد 17 ↩
  13. آية: ﴿وَٱلْعَصْرِ ۝ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ ۝ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: العصر 1-3 ↩
  14. آية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
  15. آية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 131 ↩
  16. آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 11 ↩
  17. آية: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 11 ↩
  18. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 1-6 ↩
  19. آية: ﴿ٱصْلَوْهَا فَٱصْبِرُوٓا۟ أَوْ لَا تَصْبِرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الطور 16 ↩
  20. آية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ۝ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 155-157 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة