مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الحديث الثامن عشر الخلق الحسن

سلسلة شرح الأربعين النووية · الدرس 12 من 35 · 22 دقيقة · الحديث وعلومه

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. حسن الخلق قربة تثقل الموازين
  2. معيار الطيب: الخلق مع الله أولاً
  3. بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه
  4. احتمال الأذى وآية خذ العفو
  5. شهود القدر والعفو المقيد بالإصلاح
  6. البر حسن الخلق وكمال الإيمان
  7. ضابط الخلق شرع الله لا المداهنة
التفريغ النصي الكامل للدرس

حسن الخلق قربة تثقل الموازين

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ1 إِنْ هُوَ2 إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين، اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بشرح الأربعين النووية، وما زلت مع الحديث الثامن عشر، وهو ما أخرجه الترمذي في سننه من حديث أبي ذر «وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ» رضي الله عنهما أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»3.

وموعدنا اليوم بإذن الله تعالى مع الجملة الثالثة، وهي قوله ﷺ: «وخالق الناس بخلق حسن».

فهذا أمر نبوي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «وخالق الناس بخلق حسن». والخلق الحسن، يا أيها الإخوة الكرام، من أعظم القربات إلى الله - تبارك وتعالى.

فصاحب الخلق الحسن يتقرب إلى الله جل وعلا بخلقه، كما أنَّ المصلي يتقرب إلى الله بصلاته، وكما أنَّ الصائم يتقرب إلى الله بصيامه، فكذلك صاحب الخلق الحسن يتقرب إلى الله جل وعلا بخلقه الحسن.

وكثير من الناس لا يعي ذلك، فلا يظن أن معاملته للناس، وأن طلاقة وجهه، وحسن حواره ومقابلته، أن ذلك كله داخل في العمل الصالح؛ بعض الناس لا يظن ذلك، مع أنَّ النبي صلوات الله وتسليماته عليه قد بيّن لنا في غير موضع صلوات الله وتسليماته عليه أن حسن الخلق من أعظم القربات.

فقال النبي ﷺ كما عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ4 خُلُقًا».

وقال ﷺ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند الترمذي أيضًا: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ5 الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ».

وقال النبي ﷺ حينما سُئل كما عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة، سُئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»6.

وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»7.

وثبت من حديث أبي أمامة رضي الله عنه كما عند الترمذي وغيره، وفيه أنه ﷺ قال: «وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه».

هم أحب الناس إلى رسول الله ﷺ وهم أقرب الناس مجلسًا منه صلوات الله وتسليماته عليه، ولِمَ لا وهو صاحب الخلق الحسن، وقد وصفه الله فقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾8910.

فحسن الخلق تثقل به الموازين، وترفع به الدرجات، وتعلو به المنازل عند رب الأرض والسماوات، فجدير بالعبد، يا أيها الإخوة الكرام أن يحرص كل الحرص على أن يكون ذا خلق حسن، فيحسن أخلاقه في تعامله مع الناس.

معيار الطيب: الخلق مع الله أولاً

وقد ذكر أهل العلم في تعريف حسن الخلق أقوالًا، وبدايةً نقول: إن حسن الخلق على قسمين: أما القسم الأول وهو الأعظم فحسن الخلق مع الله جل وعلا، وأما القسم الثاني فحسن الخلق مع الخلق، وأعظم القسمين الأولُ.

وبعض الناس يقولون: إذا رأى رجلًا يتعامل مع الناس بمعاملة جيدة في ظاهر أمره يقول: إن فلانًا رجل طيب، إن فلانًا رجل معروف بالخلق الحسن، في الوقت الذي يفرّط فيه هذا في الصلاة أو يفرّط في أمر الله جل وعلا؛ إن من أساء خلقه مع الله لا يكون طيبًا.

إن هذا المعيار الذي يزن به الناسُ الناسَ ليس معيارًا صحيحًا؛ ﴿أَنَّمَا﴾ المعيار الصحيح أن يكون العبد حسن الخلق مع الله أولًا، ثم بعد ذلك يكون حسن الخلق مع الناس. وكما قالوا: لا تنظّم الناس من حولك وتترك الفوضى في قلبك.

قلبه مريض وفيه ما فيه، ولكنه يلتفت إلى تعامل الناس في الظاهر. وحسن الخلق مع الله يحتاج إلى كلام طويل، وقد تحدثت عنه في غير ما موضع. والذي ذكره الرسول ﷺ هو الشق الثاني، فنذكر ما يتعلق به بإيجاز: «وخالق الناس بخلق حسن».

بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه

فالرسول عليه الصلاة والسلام حثّنا على الخلق الحسن مع الناس، وهذا بعدة أمور. قال بعض أهل العلم: حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه؛ حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه.

أما قولهم بذل الندى: فالندى بمعنى العطاء، أي: بذل العطاء، والمراد بالعطاء هنا ما يعم أنواع العطاء، فيدخل في ذلك بذل المال؛ فمن حسن خلقك أن تبذل مالك وأن تجود على الناس، وكذلك أن تبذل علمك؛ فإذا كان لديك علم بذلته لهم، وكذلك أن تبذل جاهك؛ أنت رجل صاحب مكانة وصاحب جاه، لا تمتنع من الناس ولا تضع الحجاب ليحول بينك وبين الناس، وإنَّما تكون قريبًا منهم سهل المنال؛ فهذا كذلك من حسن الخلق: أن يبذل العطاء الذي أعطاه الله جل وعلا إياه؛ فهذا من حسن الخلق: بذل الندى وكف الأذى. «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وكذلك أن تكف أذاك عن الناس فهي صدقة تتصدق بها على نفسك.

وكذلك طلاقة الوجه: أن تكون صاحب وجه طلق، كما بيّن النبي ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق».

وكذلك بيّن النبي ﷺ: «وتبسّمك في وجه أخيك صدقة». فكل ذلك داخل في حسن الخلق؛ لا يقابل الناس بعبوس، ولا يقابل الناس بوجه صعب شارد، وإنَّما يقابلهم برفق ولين.

احتمال الأذى وآية خذ العفو

ويدخل كذلك في حسن الخلق احتمال الأذى؛ كما أنَّ كف الأذى من حسن الخلق، فاحتمال الأذى من حسن الخلق.

ومعنى احتمال الأذى: أن تتحمل أذى الناس لك؛ إذن أنت يا صاحب الخلق الحسن تجمع بين أمرين: بين أن تكف أذاك عن الناس فلا تؤذي أحدًا، وبين أن تتحمل أذاهم؛ فهذا من حسن الخلق أيضًا: أن تتحمل أذى الناس، وذلك لأنه يعسر أو يقل وجود من يرضيك حاله من الناس.

نعم. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما: «﴿أَنَّمَا﴾ الناس كالإبل المئة، لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد فيها راحلة»11.

الناس مثل إبل المئة؛ في هذه الإبل المئة لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد فيها راحلة تنقاد لك وتطيعك، يعني: معناه: أنت ربما تعرف مئة من الناس لا يصفو لك إلا واحد من المئة هو الذي يصنع ما تريده.

إذن أنت إذا لم تعامل إلا من يعاملك بالمعاملة التي تريدها، فلربما لم يصفُ لك أحد.

ولذلك قال الله جل وعلا في آية جامعة قال عنها بعض أهل العلم، كابن القيم وغيره: هي أجمع آي القرآن في باب مكارم الأخلاق، قال الله جل وعلا: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ12 ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾1314.

ومعنى قوله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾: يعني: خذ ما تيسر وما فضل وما كان سهلًا من أفعال الناس وأخلاقهم، بمعنى: لا تنتظر من الناس الكمال، وما أتاك من الناس سهلًا فاقبله ولو كان قليلًا.

فمثلًا: لو أنَّ شخصًا كلمك بعشر كلمات طيبات، وكلمك مع هذه الكلمات بكلمات أخرى ليست طيبات، فخذ ما تيسر منه وخذ ما طاب من كلامه وما كان جيدًا من أقواله، ودع هذا السيء؛ فإنَّه لن يصفو لك إلا النزر اليسير.

وهكذا يتعامل الناس مع غيرهم [عبارة «وكل الناس كما تحب أن يكون لك» تحتاج مراجعة الصوت]؛ فهذا أيضًا من حسن الخلق: أن يحتمل الإنسان أذى غيره.

شهود القدر والعفو المقيد بالإصلاح

ومما يعينك على ذلك استحضارك لأمور، منها: أن تعلم أن هذا بقدر؛ فأذى الناس لك بقدر، فالناس ﴿أَنَّمَا﴾ آذوك بقدر الله. هذا ليس فيه إباحة المعاصي لهم.

حينما تصطدم تقول: قدر الله، وكذلك لو ضاع منك شيء من نقودك تقول: بقدر الله، فكذلك لو تسبب شخص في أذاك أو في تعثرك في الطريق أو في ذهاب بعض مالك، فاجعل هذا من قدر الله - تبارك وتعالى.

وكما قال الشاطبي رحمه الله: «يعد جميع الناس مولى لأنهم على ما قضاه الله يجرون أفعلا».

وكذلك مما يعينك على ذلك أن تشهد مشهد الصبر: أن تصبر لتنال أجر الصابرين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾1516. وأن تشهد مشهد العفو والصفح والحلم: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾171819.

وهنا مسألة: وهي أن العفو عن أذى الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يكون مقيدًا بالإصلاح؛ فإذا كان العفو عن شخص لا يليق به العفو، ممن يزداد في الغي والضلال، فإنَّ السنة والهدي في ذلك أن يؤخذ على يد الظالم حتى لا ينساق ويستمر في غيه وظلمه.

فمن الناس من يعفى عنه، ومن الناس من لا يعفى عنه؛ شخص إذا عفوت عنه انزجر، هذا تعفو عنه، وآخر إذا عفوت عنه تطاول عليك وعلى غيرك، فهذا يُؤخذ على يده.

وحينئذ تكون قد كففته عن ظلمه، فتكون قد نصرته في حقيقة الأمر ولم تكن خاذلًا له. كما قال النبي ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا».

فقالوا: يا رسول الله، ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟

فقال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم؛ فإنَّ ذلك نصرك له»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

البر حسن الخلق وكمال الإيمان

يا أيها الإخوة الكرام، وحسن الخلق وتحمل أذى الناس له مشاهد كثيرة، أوصلها بعض العلماء إلى أحد عشر أمرًا، وقد ذكرتها في درس مستقل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، لكنني أوجز ما يتعلق بهذا الأمر.

إننا، يا أيها الإخوة الكرام، نعيش في أزمة أخلاق في حقيقة الأمر؛ فكثير من الناس ربما أدى بعض الفرائض وصلى وصام، لكنه لا يتعامل مع الناس بالمعاملة اللائقة.

وإن المؤمن العاقل الفطن الكامل هو ذلكم المؤمن الذي يتعامل مع الناس بما يرضي رب الناس سبحانه وتعالى.

وقد قال أهل العلم: الدين الخلق؛ فما زاد عليك في الدين زاد عليك في الخلق، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.

ومما يدل على هذا الأصل قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أنه ﷺ قال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ»20.

إذن الرسول فسّر البر بماذا؟ بحسن الخلق؛ إذن البر يساوي حسن الخلق.

والله قد قال في القرآن في سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ21 وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾2223 الآية.

فالله جل وعلا فسّر البر بماذا؟ بالإيمان، فقال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ﴾24، والرسول عليه الصلاة والسلام فسّر البر بحسن الخلق؛ فالكلمة المشتركة هي كلمة البر، فعلى ذلك الإيمان يساوي حسن الخلق.

ويشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». فإذا أردت أن تحقق الإيمان وكماله فعليك أن تحسن أخلاقك مع الناس بأن تتحمل أذاهم وأن تكف أذاك عنهم، وبأن تطلق وجهك وتبسطه لهم، وأن تبذل الندى كما بيّن أهل العلم، يا أيها الإخوة الكرام، ومن الناس من يكون حسن الخلق معه آكد من غيره؛ فحسن الخلق مع الأب أشدّ تأكيدًا، وكذلك حسن الخلق مع الأقارب ومع ذوي الأرحام ومع العلماء ومع كبار السن والشيوخ؛ فكل هؤلاء لهم حق أو حقوق ربما كانت، بل هي كذلك، أعظم من حق غيرهم كما هو معلوم، يا أيها الإخوة الكرام، والضابط لحسن الخلق شرع الله جل وعلا؛ فما عدَّه الشرع من حسن الخلق فهو من حسن الخلق، وما عدَّه الشرع ليس من حسن الخلق، فليس من حسن الخلق.

فإذا قال لك الشرع مثلًا: اهجر فلانًا، فيكون الهجر من حسن الخلق؛ فهناك هجر العاصي وهجر المبتدع بالضوابط الشرعية والأصول المرعية.

ضابط الخلق شرع الله لا المداهنة

فكلما أخذ العبد بالسنة وهدي رسول الله ﷺ كان محققًا لحسن الخلق؛ فحسن الخلق يتحقق باتباع الشريعة لا بالهوى. يعني: بعض الناس يظن أن حسن الخلق [كلمة غير واضحة].

وفي بعض الأحيان يكون حسن الخلق أن تشد على فلان، وفي بعض الأحيان يكون حسن الخلق أن تتواضع لفلان، وفي بعض الأحيان يكون حسن الخلق بأن ترد قائلًا: جزاك الله خيرًا، وفي بعض الأحيان تقول: غفر الله لك، عفا الله عنك. الذي يعلمنا بذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هو شرع الله - تبارك وتعالى.

يا أيها الإخوة الكرام، في الختام أقول تلك المقولة التي قالها بعض أهل العلم: إذا أردت أن تحقق حسن الخلق مع الله وأن تحقق حسن الخلق مع الناس فاجمع هذين الأمرين، وهما: كن مع الخالق بلا خلق، وكن مع الخلق بلا نفس.

كن مع الله أو مع الخالق بلا خلق، ومع الناس بلا نفس. ما معنى هذه العبارة؟

إذا عاملت الله جل وعلا فلا تلتفت إلى الناس حتى تحقق حسن الخلق مع الله؛ لأنَّ من أعظم حسن الخلق مع الله تحقيق الإخلاص لله جل وعلا؛ فأنت لكي تكون حسن الخلق مع الله لا يجوز لك أن تصرف العبادة لغير الله.

إذن وأنت تعامل الله لا تلتفت إلى الناس؛ أنت وقفت في الصلاة، ما يليق بك إذا كنت تريد أن تكون من ذوي الخلق الحسن مع الله أن تشتغل بعمرٍ وبزيدٍ وأن تشتغل بدنيا زائلة وبمتاع فانٍ؛ وإنَّما كن مع الله بلا خلق: لا تلتفت للخلق ولا للناس حتى تحقق الخشوع وتحقق الإخلاص.

وكن مع الخلق بلا نفس: إذا عاملت الناس لا تشمخ بنفسك؛ فلا تلتفت إلى نفسك وتقول: أنا، كيف يردون عليك؟ أنا كيف يُساء إليَّ؟ فلان يرفع صوته عليَّ، فلان يشتمني، فلان يسبني؛ أنا؛ انسَ كلمة أنا، انسَ نفسك، عامل الناس، ودع نفسك في الأمر من أجل رب الناس سبحانه وتعالى.

وكما قال القائل: «من أجلك جعلت خدّي أرضًا للشاتم والحسود حتى ترضى».

لكن هذا كما قلت: مقيد بالشريعة الغراء؛ فالإسلام لا يدعو إلى المذلة والمهانة، وإنَّما يدعو إلى العزة والرفعة، لكنَّها عزة مع تواضع، كما قال الله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾252627، فهم مع ذلتهم عالون.

لذلك تُعَدَّى بـ«على» لا بـ«اللام»؛ فلم يقل أذلة للمؤمنين، ﴿أَنَّمَا﴾ قال أذلة على؛ فهم أذلة مع علو، مع حنوّ، مع عطف، مع رحمة. بهذا يحسن الخلق مع الله ومع الناس، يا أيها الإخوة الكرام، وليس من حسن الخلق مع الناس أن يداهن الإنسان الناس فيغير الشريعة ويحرّف النصوص من أجل مداهنة الناس ومن أجل إرضاء الناس.

كما بيَّن النبي ﷺ: «من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس».

يعني: في بداية الأمر: لأنه أرضى الله، سخط الناس ووجدوا عليه، بعد ذلك يقولون: ما شاء الله، جزاه الله خيرًا، هو ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، هو على الصواب؛ لماذا لأنه أرضى الله.

وأما إذا أسخط الله من أجل أن يرضي الناس سخط الله عليه.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ — النجم: 3-4 ↩
  2. آية: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ — كما ورد في الدرس: النجم 3-4 ↩
  3. حديث: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
  4. حديث: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقًا» — نسبة الشيخ: الترمذي وغيره ↩
  5. حديث: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق» — نسبة الشيخ: الترمذي ↩
  6. حديث: «تقوى الله وحسن الخلق» — نسبة الشيخ: الترمذي وغيره ↩
  7. حديث: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» — نسبة الشيخ: أبي داود ↩
  8. آية: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
  9. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — القلم: 4 ↩
  10. آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
  11. حديث: «﴿أَنَّمَا﴾ الناس كالإبل المئة، لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد فيها راحلة» — نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
  12. آية: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩
  13. آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — الأعراف: 199 ↩
  14. آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩
  15. آية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — الزمر: 10 ↩
  16. آية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
  17. آية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ — الشورى: 40 ↩
  18. آية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ فأجره على الله — كما ورد في الدرس: الشورى 40 ↩
  19. آية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرَهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 40 ↩
  20. حديث: «البر حسن الخلق» — نسبة الشيخ: الإمام مسلم ↩
  21. آية: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالله واليوم الآخر والملائكة — كما ورد في الدرس: البقرة 177 ↩
  22. آية: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ — البقرة: 177 ↩
  23. آية: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 177 ↩
  24. آية: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ﴾ — البقرة: 177 ↩
  25. آية: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 54 ↩
  26. آية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — المائدة: 54 ↩
  27. آية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 54 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿أَنَّمَا﴾ يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب — كما ورد في الدرس: الزمر 10
  • آية: ولكن البر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 177

من سلسلة: سلسلة شرح الأربعين النووية (35 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة