تربية الأولاد في الإسلام
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- التربية والتزكية في بعثة النبي ودعاء الأنبياء بالذرية الصالحة
- مفهوم التربية التدرجي وهدي النبي في تأديب الصغار كابن
- التدريب على الصلاة والتفريق في المضاجع وثمرة التربية في
- علاقة الأب بالابن في قصة يوسف وبث الأمل والعدل
- أثر صلاح الآباء في حفظ الأبناء ومنهج وصايا لقمان
- عبرة نوح مع ابنه والمسؤولية المجتمعية في نصح الأجيال
التفريغ النصي الكامل للدرس
التربية والتزكية في بعثة النبي ودعاء الأنبياء بالذرية الصالحة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾1 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾3 (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، بين الله جل وعلا أن نبينا محمدًا ﷺ قد أرسل من أجل أن يرسي أمورًا عظيمة بينها الله جل وعلا.
فقال ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة: 2) وامتن الله عز وجل علينا بذلك. فقال ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ4 رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: 164). وقال ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو5ا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151) فالله أرسل رسوله محمدًا ﷺ من أجل أن يعلمنا تلاوة القرآن من أجل أن يعلمنا الكتاب العزيز من أجل أن يدلنا على سنته وهديه من أجل أن يزكينا، واسمع قوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم إلى أن تتزكى إلى أن تتهذب إلى أن تسمو أخلاقك لتكون من المفلحين في الدنيا والآخرة جاءنا رسول الله ﷺ ليربينا ويزكينا.
وهذا ما ينادي به كثير من أهل العلم حينما يقولون التربية التربية والتربية نوع من التزكية أو إن شئت فقل هي التزكية. نسأل الله أن يزكي نفوسنا وأن يطهر قلوبنا وأن يصلحنا وأن يجعلنا هداةً مهتدين وإني متحدث إليك اليوم عن جانب من جوانب التربية متحدث إليك اليوم عن جانب من جوانب التربية هو جانب عظيم ينبغي لنا أن نعيه وأن نعيد النظر فيه المرة بعد المرة ﴿إِلَّا﴾ وهو تربية أولاد المسلمين تربية أولادنا أن نربي أولادنا وأن نزكيهم حتى يصيروا من الصالحين، ثم يصيروا بفضل الله من المصلحين جعلهم الله عز وجل كذلك والله قد ذكر لنا دعاء عباد الرحمن والذين يقولون ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾6 (الفرقان: 74) أن يكون ولدك قرة عين لك، أن يكون ابنك أو ابنتك قرة عين لك تراهم فتقر عينك بهم تسعد عند رؤيتهم لأنك ترى فيهم كل خير تعتقده أو تتوقعه أو تنتظره بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، إن أنبياء الله ورسله طلبوا الولد لكنهم لما طلبوا الولد طلبوا الولد الصالح وشتان بين، أن يرزقك الله أولادًا وبين، أن يجعل الله أولادك من الصالحين دعا الخليل إبراهيم عليه السلام.
فقال ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100)7 ودعا زكريا عليه السلام. فقال أجعله ﴿ربي رضيا. وقال رب هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذريه طيبة أنك سميع الدعاء﴾ (آل عمران: 38) التربية أعظم ما يقدمه الوالدان لأولادهما أعظم ما تقدمه لولدك، أن تربيه أعظم ما تسديه إليه، أن تربيه، إن الله علمنا، إن الله علمنا أن ندعو لآبائنا وأمهاتنا. فقال فيما قال ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾8 ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24) رباك أبوك صغيرًا فذكرته كبيرًا ودعوت له كبيرًا وقت حاجته إلى دعائك وقت حاجته إلى رعايتك، أن تربي ولدك هكذا يُعلِّمنا ديننا.
مفهوم التربية التدرجي وهدي النبي في تأديب الصغار كابن
يا أيها الإخوة الكرام، إن التربية معناها تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا أو هي إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد كماله كما قال الراغب ما معنى هذا الكلام التربية، أن ترتقي بالشيء شيئًا فشيئًا إلى أن يصل وينمو ويكبر ويصير كما تريد بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ ترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إننا كنا في بطون أمهاتنا ثم أُخرجنا من بطون أمهاتنا بفضل الله وكنا صغارًا أطفالًا نرضع ثم فُطمنا ثم لم نزل في هذه المراحل حتى صرنا شبانًا كهولًا ثم كبارًا ثم صرنا شيوخًا ودخل منا من دخل في الهرم وهكذا الإنسان يترقى شيئًا فشيئًا.
كما أن البدن يترقى يكون ضعيفًا فإذا غُذِّي الإنسان بالطعام والشراب تقوَّى كذلك نفس ولدك تحتاج إلى رعاية تحتاج إلى تربية عقله ناقص وفكره ناقص وروحه ناقصة تحتاج إلى رعاية تحتاج إلى تفقد مَن الذي سيسديها؟ ما أحد أحق بتلك النصيحة من الأبوين المخلصين لأبنائهم لأولادهم ذكورًا كانوا أو إناثًا إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه علَّمنا ذلك وأرشدنا إليه لذلك كان ﷺ لا يعلم أولاده الذين ولدوا من صلبه فحسب وإنَّما كان يعلم أولاد الأمة لأن الرسول أب للجميع أي: كما قال: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ» ﷺ وإن كان رب العزة قال: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ أي: في باب النسب والا.
فإنَّ الرسول ﷺ اب للأمة وهو بمنزلة الوالد لها وصدق الله إذ قال ﴿ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾9 (الأحزاب: 6). ولذلك لما رأى هذا الغلام ويده تطيش في الصحفة وهو يأكل مع رسول الله ﷺ ما سكت الرسول ﷺ عنه. بل قال له الرسول «سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» يعلم ﷺ هذا الصبي عمر بن أبي سلمة يعلِّمه وهو صبي صغير فيقول له: «سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» حينما رأى يده تطيش في الصحفة لم يقل أنه صبي صغير لا يعقل، ولا يدرك فتركه وليصنع ما يشاء.
بل علَّمه الرسول صلوات ربي وتسليماته عليه، وكذلك لما ركب ابن عباس رضي الله عنهما، خلف النبي ﷺ قال له الرسول يا غلام يا غلام إني أعلمك كلمات «احفظ الله يحفظك». «احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» هكذا يعلِّمه الرسول ﷺ وهو غلام أعني ابن عباس يقول له إني أعلمك كلمات فأين الكلمات التي علَّمها أحدنا لولده أين تلك الكلمات التي تجلس فيها مع ولدك لتقول له يا بني اسمع مني
هذه النصيحة إني حريص عليك، يا أيها الإخوة الكرام، إن إهمال تربية الأولاد يؤدي إلى فساد كبير إلى فساد مستطير لا حصر له وأن الذي نجده في الطرقات، وفي الشوارع، وفي المدارس، وفي المعاهد، وفي كل الأماكن، إلا من رحم الله راجع في كثير من الأمور إلى الخلل في تربية هؤلاء. بل إن الصالح منهم إذا خرج إلى الطريق فسد بإفساد غيره له لأنَّ الصاحب ساحب فلربما كان في بيته طيبًا حسنًا مؤدبًا فما إن يخرج إلى الطريق إلا ويجد هذا وذاك ممن يعبثون وممن يشتمون وممن يسبون فنسأل الله السلامة والعافية.
التدريب على الصلاة والتفريق في المضاجع وثمرة التربية في
ما أحوجنا إلى أن نعرف هذا كله، يا أيها الإخوة الكرام أنك إذا تأمَّلت في قصص الأنبياء والمرسلين تجد أنهم عليهم الصلاة والسلام قد راعوا ذلك وكذلك في قصص الصالحين من السابقين كما ذكر الله لنا في قصة لقمان نعم، أن الله عز وجل لما ذكر لنا الخليل إبراهيم عليه السلام ذكر فيما ذكر عنه دعاءه وهو يقول ﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ10 دُعَآءِ﴾ (إبراهيم: 40) يدعو الخليل إبراهيم عليه السلام أن يجعله الله ممن يقيم الصلاة وأن يجعل ذريته كذلك أو أن يجعل من ذريته كذلك فهل دعوت لولدك بهذه الدعوة؟، أن يجعل الله ولدك من مقيمي الصلاة وواجب على الولي الشرعي أن يعلم ابنه الصلاة لسبع يجب عليه إذا وصل ولده إلى سبع سنوات أن يعلم ولده الصلاة.
ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام، «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» قال أهل العلم أو قال كثير منهم إن هذا الأمر ليس متوجهًا إلى الطفل؛ لأن الطفل ليس مكلفًا فلو أن الطفل لم يصلِّ لم يعاقب وليس بآثم لأنه مرفوع عنه القلم «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ»، منهم عن الصبي حتى يحتلم فهو غير مكلف.
لكن الأمر موجه إلى أبيه موجه إلى وليه حتى يعلِّمه حتى يربيه حتى يدربه على الصلاة منذ أن كان طفلًا صغيرًا فينشأ هذا الناشئ وينشأ هذا الطفل على سماع الله أكبر على الاستجابة لقول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح فإذا كبَّر الولد اعتاد المساجد وعرف حقها وعظم الله وعظم شعائر الله سبحانه وتعالى، وتأمَّل! قول ﷺ وفرقوا بينهم في المضاجع تفرق بينهم في المضاجع فلا ينام هذا الولد بجوار أخيه، ولا ينام هذا الولد بجوار أخته لأنهما ربما صنعا أشياء لا تليق أثناء النوم وكم حدثت من حوادث.
بل من كوارث ومصائب بسبب عدم التفريق بين الأولاد في المضاجع يعلمنا الرسول ﷺ ماذا نصنع مع أولادنا حتى في المضجع حتى في النوم ماذا نصنع في الفُرُش هكذا يعلمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما وقع ما وقع من أمر الله جل وعلا له بذبح ولده ماذا صنع ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ11 يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102)
تأمَّل! قوله فانظر ماذا ترى يقول الخليل إبراهيم عليه السلام لولده إسماعيل فانظر ماذا ترى والقراءة الأخرى: فانظر ماذا تُري، ماذا تُري ربك منك يا إسماعيل؟ أنت لا شك مذبوح أني ذابحك لأنَّ الله أمرني بذلك. بل لأنني رأيت رؤيا ورؤيا الأنبياء وحي ورؤيا الأنبياء صدق لكن الأمر كما ذكر بعضهم أراد الخليل إبراهيم، أن يشارك إسماعيل معه في الأجر، وفي الاحتساب عند رب الأرباب عند ملك الملوك جل وعلا.
فقال له: ﴿فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ حتى يستحضر لابنه هذا المعنى انظر إلى هذا الغلام إلى هذا الفتى حينما يقول له أبوه أني ذابحك والله أمرني بذلك فيقول له ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ لم يجادله ولم يشاكس. بل قوى عزيمته حينما قال له: ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ستجدني إن شاء الله يتوكل على الله ويفوض أمره إلى الله ﴿سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ لأنه تربى على يد الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم إذا نظرت إلى يعقوب عليه السلام قال الله ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ12 قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 133) هذه وصية إبراهيم هذه وصية إسماعيل وصية إسحاق وصية يعقوب لأولاده يوصية بتوحيد الله جل وعلا لا يوص لولد دون ولد لا يقل أو لا يقول أن هذا المال لفلان وليس لفلان لا تعطوا أختكم، لا تعطوا أخاكم كذا أو كذا لا ﴿أَنَّمَا﴾ يوصيهم بتوحيد الله جل وعلا هذه وصية الوالد لأولاده هكذا نتعلم.
علاقة الأب بالابن في قصة يوسف وبث الأمل والعدل
يا أيها الإخوة الكرام، لما ذكر الله إسماعيل قال ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾13 (مريم: 55) صلوات الله وتسليماته على أنبياء الله ورسله ثم انظر إلى قصة يوسف عليه السلام التي قصها الله عز وجل علينا في هذه السورة المباركة سورة يوسف، قال الله فيما قال ليبين لنا كيف يتعامل الوالد مع ولده حينما قال له يوسف عليه السلام ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـٰجِدِينَ﴾ (يوسف: 4) هذا فيه فائدة عظيمة الابن من أبيه حينما رأى يوسف رؤيا على من يقصها يقصها على أبيه كم مع أولادنا من أسرار لا نعلم عنها شيئًا كم لدى أولادنا من أسرار يكتمها الأولاد عن الآباء. لكن يوسف عليه السلام وجد ما يريد أن يجده من رقة ورحمة ورأفة وحنان وشفقة وعلم وحكمة عند والده يعقوب عليه السلام فقص عليه الرؤيا لم يخفها عنه.
فقال له يعقوب عليه السلام قال: ﴿يَـٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5) أنه الأب المشفق أنه الأب الناصح الأب الأمين الذي ينصح ولده لئلا تقع له العداوة أو لئلا يقع الحساد فيه ولو كانوا إخوته فما أحوجك إلى أن تذكر ولدك بهذا إذا وجدت في ولدك نباهة فقل له يا بني احمد الله، اشكر الله، وارقه كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يرقي الحسن والحسين ويعوِّذهما ثم بعد ذلك ترى الناس في غفلة ثم يأتون يقولون أولادنا يتعبون وأولادنا يمرضون وأولادنا يحسدون فأين تعليمك لولدك وأين رقيتك له وأين وأين مما يغفل عنه كثير من الناس مما أرشدنا إليه القرآن وعلَّمَناه رسولُنا عليه الصلاة والسلام، ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ14 نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (يوسف: 6) استفاد بعض العلماء من ذلك فائدة عظيمة وهي بث الأمل في الأولاد أن تبث الأمل في أولادك تقول لهم: أبشروا، سيكون لك شأن أنت ولد ذكي أنت ولد طيب أنت ولد ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أريدك، أريدك على التقوى أريدك على الخير، ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: مثل ذلك الاجتباء يجتبيك ربك، إن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه من تتمة قول يعقوب عليه الصلاة والسلام، لولده يوسف عليه السلام حتى يبث فيه الأمل ليعلم، أن المستقبل بفضل الله فيه الخير الكثير بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
أما أن يقول الأب لابنه لن لن تجد في حياتك طعامًا، ولا شرًّا أبا كل و غدًا لن تجد أشرب وغدًا لن تجد المستقبل أمامكم لن تجدوا عيشًا، ولن لا ليس كذلك بثَّ فيه الأمل، بثَّ فيه الأمل لعل ولدك يجد ما لم تجده ولعله يسعد بما لم تسعد به وأن سعادة ولدك سعادة لك لو كنت تعلم. نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا ثم تمضي معنا الآيات المباركة تعرفون.
يا أيها الإخوة الكرام، إن إخوة يوسف حسدوا يوسف عليه السلام حين ظنوا أن أباهم يعقوب عليه الصلاة والسلام، يؤثر يوسف عليهم ويعقوب نبي مبارك نبي مبارك لا يظلم وإنَّما كان يعطيهم حقوقهم لا يفضِّل ولدًا على ولد. لكن يعقوب وجد في ولده النجابة ووجد في ولده يوسف النباهة وعلم أن له شأنًا. وقد اصطفاه الله وجعله رسولًا نبيًّا مباركًا فكان هذا.
الأمر ربما ظهر ورآه إخوة يوسف مع أنَّ يعقوب لم يظلمهم لا في طعام، ولا في شراب، ولا في عطاء، ولا في هدية، ولا في هبة. ومع ذلك كرهوا يوسف عليه الصلاة والسلام، وأرادوا قتله وأرادوا القضاء عليه ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾ يريدون أن يخلو وجه الأب أن يكون الأب لهم لا يلتفت إلى يوسف.
وهذا فيه فائدة عظيمة إياك ثم إياك أن تفضِّل ولدًا على ولد، أن تقدِّم ولدًا على ولد أن تقدم ذكرًا على أنثى أو أنثى على ذكر «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» علمنا ذلك رسولنا محمد صلوات الله وتسليماته عليه وحينما طلب إخوة يوسف عليه السلام من يعقوب عليه السلام أن يذهب يوسف عليه السلام معهم من أجل أن يرتع ويلعب لم يرفض يعقوب ﴿أَنَّمَا﴾ خاف عليه.
تأمَّل! هذا فيه فائدة، لم يقل يعقوب: اللعب ممنوع، المرح ممنوع لا يذهب ليلعب لا ﴿أَنَّمَا﴾ تخوف عليه ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ15 غَـٰفِلُونَ﴾ (يوسف: 13) هذا معناه: أن يترك الوالد لولده فسحة من الوقت من لعب ومرح لا بأس لكنَّها المراقبة، أن تتابعه وأن تراقبه قدر استطاعتك ثم اترك النتائج لربك سبحانه وتعالى فلربما أخذت بالسبب، ولم يحقق لك، ولم يحقق لك الناتج أو لم تحقق النتيجة لكنك أمام الله قدمت ما عليك والله قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾16 (التحريم: 6) قال كثيرون: ما معنى ﴿قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾؟ علِّموهم وأدِّبوهم هذه التربية هذه هي التزكية، أن تعلم ولدك وأن تؤدبه بعض الناس يعلمون، ولا يؤدبون وبعض الناس يؤدبون، ولا يعلمون والمطلوب أن تؤدِّب، أن تربِّي وأن تعلِّم قدر استطاعتك وسل الله جل وعلا الإعانة أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
أثر صلاح الآباء في حفظ الأبناء ومنهج وصايا لقمان
فيا عباد الله، إن صلاحكم صلاح لأبنائكم، أن الله جل وعلا لما ذكر لنا حال هؤلاء في سورة الكهف. فقال. ﴿وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا﴾ (الكهف: 82) فلما كان الأب صالحًا حفظ الله الكنز. وقد ذكر بعضهم أنه كان جدهم، أو أنه كان الجد السابع أيًّا ما كان ولو كان الأب القريب المهم، أن الله حفظ عليهم المال والكنز بسبب صلاح الأب فإذا كنت من الصالحين سيحفظ الله عليك أولادك ولو غابوا مدة سيعودون لكنك كن صالحًا وكن م صلحًا وخذ بالأسباب وسل الله جل وعلا الإعانة والتوفيق.
يا أيها الإخوة الكرام، إنَّ الله جل وعلا قص علينا في القرآن قصة لقمان. وقد تقدم بيانها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في مواضع. والشاهد من ذلك. انظر إلى هذه الوصايا الحكيمة الجليلة العظيمة التي يوصي بها لقمان ابنه. ومنها قوله يا بني ﴿يَـٰبُنَىَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَوْ فِى ٱلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾17 (لقمان: 16) يا بني، إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِى صَخْرَةٍ هذه الحبة إذا كانت في داخل صخرة هذه الحبه إذا كانت في السماوات إذا كانت في الأرض يأتي ﴿بِهَا ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ يعلِّمه مراقبة الله علموا أولادكم مراقبة ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ راقبوا الله لم يسبُّوا إذا راقبوا الله لم يكذبوا إذا راقبوا الله لم يغشوا إذا راقبوا الله لم يخونوا إذا راقبوا الله سعدوا وأسعدوا وصلحوا وأصلحوا، وكانوا بفضل الله جل وعلا منارة لأنفسهم ولأمتهم.
نسأل الله الكريم من فضله ما أحوجك إلى أن تربي ولدك على أن يراقب الله، أن يراقب الله في سرِّه وعلنه ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ له الله يعلم الله مطلع عليك هب إنني لا أراك. لكن الله يراك هب إنني لست بموجود هنا. لكن الله لا تخفى عليه خافية هكذا ينبغي أن نعلم أولادنا هذا ثم انظر إليه وهو يوصي ولده كما بين الله ﴿يَـٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾18 (لقمان: 17) وانظر إليه وهو يوصيه: ﴿وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾، ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ واقصد في مشيك يعلِّمه كيف يمشي أن يمشي مقتصدا معتدلًا لا أن يمشي متضعِّفًا، ﴿وَلَآ أَن﴾ يمشي بسرعة شديدة تكون سببًا في ألَّا يكون معتدلًا في مشيته، ولربما آذى الناس حتى المشية تعلَّمها لولدك واغضض من صوتك واغضض من صوتك يعلِّمه، أن يخفض من صوته لا أن يكون صوته مرفوعًا أو رفيعًا حتى لا يؤذِ الناس.
ثم قال له: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ ونهاه قبلها: ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ينهاه عن الكبر ينهاه عن الاختيال هذه تربية عظيمة ما أحوجنا إلى أن ننشئ أولادنا عليها «وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ» فإذا عودته على الخير استقام وإذا عوَّدته على الشر كان منحرفًا.
نسأل الله السلامة والعافية. لا يخفى عليكم لا يخفى عليكم، يا أيها الإخوة الكرام أن نوحًا عليه السلام دعا ولده، ولم يؤمن ولده، وكان من الكافرين المكذبين لكنه أدَّى ما عليه فلم يضره شيء لكنه أدَّى أمانة وبلغ الرسالة وصدق عليه الصلاة والسلام. فهذا هو الأصل أن تدعو ولدك وأن تزكيه وأن تربيه حتى يكون قرة عين لك بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ثم اعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أن كثيرًا من الفساد الذي يستشري وينتشر ويفشو بين الناس راجع إلى هذا الإهمال والتفريط في حق هؤلاء الأولاد الذين ينشؤون تنشئة غير سوية ولا مستقيمة إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، إن بعض الآباء حينما يجد ولده الصغير بدأ يشتم ويسب ويقول، يضحك ويفرح لِمَ؟ لأن ولده صار يتكلم لأن ولده صار يسب، لأن ولده صار يصنع إذًا أساء ولده إلى عمه أو إلى رجل كبير أو إلى امرأة عجوز فرح هذا الأب سبحانك ربي سبحانك ربي ما أحوجك إلى أن تراجع نفسك أين هؤلاء الذين كانوا يربون أولادهم على الفضيلة كان يستحيي الولد من الجلوس مع عمه يعرف قدره ويعرف حق خاله وعمه وكبيرة يعظم حق الكبير ما أحوجنا إلى أن ننشئ أولادنا على ذلك.
عبرة نوح مع ابنه والمسؤولية المجتمعية في نصح الأجيال
يا أيها الإخوة الكرام، تربية تحتاج إلى جهد جهيد تحتاج إلى ثمن كبير. وهذا أعظم ما تقدمه أعظم من الأموال التي تجمعها لتفرق عليهم ثم إذا بهم يبذِّرون وينفقون في الحرام ما الفائدة إذا جمعت مالًا ثم فرَّقوه في سخط الله؟ سبحانه تركك للمال أفضل من أن تجمعه ثم يُفرَّق في معصية الله سبحانه وتعالى، التربية التربية ثم نصيحة أخرى إلينا جميعًا إذا وجدنا ولدًا من الأولاد يسيء في تصرفه فلنصبر عليه، ولنتحمَّل، نعلِّمه ونرفق به لا يقول أحدنا: ليس ولدي، ما لي وله؟ فليبحث عنه أبوه.
بل يوصي بعضنا بعضًا وينصح بعضنا بعضًا هكذا «الدين النصيحة» فتنصح لأبيه وتنصح لأهله وتنصح أنت لهذا الولد فإذا نصحت ونصحته استقام الجيل بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وأن إساءة الأولاد راجعة إلى غفلة المجتمع عنهم إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ سبحانه وتعالى، «اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74) اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم وفق أولادنا اللهم وفق أولادنا اللهم اكتب لهم النجاح والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين اللهم اغفر ﴿لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم فرج الكرب عن أهل فلسطين اللهم فرج كربهم وأزل غمهم واحقن دماءهم وتولَّ أمرهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ﴿وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة — كما ورد في الدرس: آل عمران 164 ↩
- آية: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 151 ↩
- آية: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 74 ↩
- تعليق: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100) — آية: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾. كما ورد في الدرس: الصافات 100. ↩
- آية: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا﴾ ربياني صغيرا — كما ورد في الدرس: الإسراء 24 ↩
- آية: النبي ﴿أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 6 ↩
- آية: ﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء — كما ورد في الدرس: إبراهيم 40 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ﴾ يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
- آية: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 133 ↩
- آية: وكان ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ﴾ وكان عند ربه مرضيا — كما ورد في الدرس: مريم 55 ↩
- آية: وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم — كما ورد في الدرس: يوسف 6 ↩
- آية: ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ﴾ وأنتم عنه غافلون — كما ورد في الدرس: يوسف 13 ↩
- آية: يأيها الذين آمنوا قوا ﴿أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ﴾ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون — كما ورد في الدرس: التحريم 6 ↩
- آية: ﴿يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 16 ↩
- آية: يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ إن ذلك من عزم الأمور — كما ورد في الدرس: لقمان 17 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 4
- آية: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 82
من سلسلة: خطب (342 درسًا)