اللهم رحمتك نرجو
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- سعة الرحمة الإلهية في الأجزاء المائة
- الفرق بين الرحمة العامة للخلق والرحمة الخاصة بالمؤمنين
- رقة القلب وتقبيل الصبيان كأمارة للرحمة واقتران رجائها بالإيمان
- أسباب جلب الرحمة: طاعة الوحي والإنصات للقرآن وموالاة المؤمنين
- دعوات المكروب في اللهم رحمتك أرجو والجوامع الأربع لخير الدنيا والآخرة
- دمعة النبي الرحيمة وسؤال فتية الكهف لنشر الرحمة عند الفتن
التفريغ النصي الكامل للدرس
سعة الرحمة الإلهية في الأجزاء المائة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102).
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، اللهم رحمتك نرجو هذا هو موضوع خطبتنا في هذا اليوم وأسأل الله سبحانه، أن يرحمنا وأن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾.
يا أيها الإخوة الكرام، قال نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم كما أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، «إن الله جعل الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا» فمن هذا الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس، وفي لفظ: الدابة، حافرها عن ولدها حتى لا تصيبه فالرحمة التي تصلنا في هذه الأرض مع اتساعها واختلاف أماكننا وأزماننا إن هي إلا جزء واحد من مئة جزء من رحمة الله، جل وعلا فما أرحم الله وما أعظمه.
الفرق بين الرحمة العامة للخلق والرحمة الخاصة بالمؤمنين
نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يجعلنا من المرحومين، يا أيها الإخوة الكرام، ومع هذا. فإنَّ الرحمة التي تصيب الخلق على نوعين هناك رحمة عامة تعم الخلق كلهم بَرِّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم والخلق أجمعين وهناك رحمة خاصة يختص بها أهل الإيمان. نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه هناك رحمة عامة تشمل الخلق كلهم فالله يرفع عنا من البلاء ويعطينا من العطاء ويرزق الجميع، ولا يمنعهم رزقه وإن كفروا به عز وجل.
وهذا من رحمته العامة وهناك الرحمة الخاصة التي ينبغي لنا ﴿إِلَّا﴾ نغفل عنها وأن نسعى إلى تحقيقها وأن نرجو الله عز وجل إياها فمن صفات المؤمنين حقًّا وصدقًا أنهم يرجون رحمة الله عز وجل فربك إذا رحمك هداك، وربك إذا رحمك كفاك، وربك إذا رحمك أعطاك، وربك إذا رحمك أوصلك إلى مرضاته. نسأل الله أن يرضى عنا وأن يرضينا.
يا أيها الإخوة الكرام، الرحمة وردت في القرآن الكريم على أوجه كثيرة فربما أطلقت الرحمة على الجنة قال الله عز وجل ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾5 (آل عمران: 107) فرحمة الله جنته. نسأل الله أن نكون من أهل جنته، ومن المعلوم، أن الكافرين لا يدخلون جنة رب العالمين فتلكم الرحمة رحمة مخصوصة اختص الله عز وجل بها المؤمنين، ومن رحمة الله النبوة فالنبوة يطلق عليها رحمة قال الله ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾6 (الدخان: 5-6).
وقال ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن يُلْقَىٰٓ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾7 (القصص: 86) وقال الله في حق الرسول ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾8 (الأنبياء: 107). وقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾9 قال عدد من المفسّرين معنى قوله ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (الزخرف: 32) أي: أهم يقسمون النبوة فيعطونها لمن شاءوا ويمنعونها ممن شاءوا إن الذي يجعل هذا نبيًّا ولا يجعل هذا نبيًّا ﴿أَنَّمَا﴾ هو ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، ومن المعلوم، أن رحمة النبوة خاصة لا يصل إليها عموم الناس وإنَّما يعطيها الله لمن شاء من عباده ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ﴾ فرسولنا ﷺ أعطاه الله تلك الرحمة العظيمة وصيره نبيًّا مرسلًا وجعله رحمة للعالمين ودين الإسلام رحمة نعم فإذا جعلك الله من المسلمين فأنت مرحوم بتلك الرحمة الخاصة.
ولذلك قال الله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ أي: على الإسلام، وعلى الإيمان ﴿وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ﴾ ما المراد برحمته هنا أن يدخل ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ في الإسلام ثم في الجنة في الآخرة لذا قال بعدها ﴿وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾10 (الشورى: 8) الظالمون بذنوبهم وكفرهم وشركهم ﴿مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فنسأل الله، أن يجعلنا من المؤمنين حقًا وصدقًا فإذا رحمك الله جعلك من المؤمنين وجعلك من المسلمين والإسلام رحمة وديننا رحمة ونبينا رحمة وربنا الرحمن الرحيم العفو الغفور سبحانه جل وعلا.
رقة القلب وتقبيل الصبيان كأمارة للرحمة واقتران رجائها بالإيمان
يا أيها الإخوة الكرام، مما على المسلمين أن يراعوه أن يسألوا الله دومًا رحمته وأن يكون العبد ممن يرجو رحمة الله، جل وعلا قال الله ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾11 (الإسراء: 57). وقال ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾12 (الزمر: 9) نعم، ترجو رحمة الله، تتذكر تلك الرحمة [تُراجع العبارة في التسجيل؛ اختلط الكلام عن سؤال الله الرحمة والتحلي بالرحمة مع الخلق] لم تكن فظًّا ولا غليظًا ولا عنيفًا وإنَّما كنت رفيقًا للرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ وثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ: أتقبِّلون الصبيان؟ أنتم تقبِّلون الصبيان، فما نقبِّلهم فقال ﷺ: «أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» فلو كان في قلبك رحمة لقبلت الصبيان، ولرحمتهم، ولرفقت بهم وكذلك ثبت في الصحيحين أنه ﷺ كان قد قبل الحسن بن علي رضي الله عنه وعنده الأقرع بن حابس التميمي.
فقال للرسول إن لي عشرة أولاد، إن لي عشرة من الأولاد، ما قبَّلت منهم أحدًا. فقال الرسول ﷺ «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»، وفي لفظ: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس»، عز وجل. فتأمَّل! ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إذا شكوت قسوةً في قلبك وجمودًا في عينك وانصرافًا عن الخلق وكراهية الخلق لك فانظر أين أنت من رحمة الله، التي توضع في القلوب فاسأل الله أن يلين قلبك وأن يرحمك [تُراجع العبارة في التسجيل؛ يبدو أن المقصود «والرسول الأكرم ﷺ قال أيضًا»] «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» فنسأل الله، أن يرحمنا برحمته الواسعة.
يا أيها الإخوة الكرام، تقدموا إلى الإمام رحمكم الله رحم الله من تقدم إلى الإمام رحمه الله رحمة واسعة والله عز وجل ذكر من كلام الملائكة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾13 (غافر: 7). وقال الله ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ14ءٍ﴾ (الأعراف: 156) لكنك إذا أردت الرحمة الخاصة الرحمة التي تهدى بها أردت أن يرحمك الله رحمةً يهديك بها يصرف عنك الضرر ويجعلك تقبل على الطاعة وتؤمن بالله جل وعلا هل رجاء رحمة الله يتحقق بالسؤال فحسب أن تقول: يا رب أرجو رحمتك أقول لك: ، إن سؤالك الله الرحمة مطلوب، إن دعاءك ربك بالرحمة مطلوب بيد أن هذا وحده لا يكفي وإنَّما عليك، أن تأخذ بالأسباب التي يعطيك الله بها الرحمة الخاصة.
جعلنا الله عز وجل أهلًا لرحمته فاسمع يا رعاك الله قال الله سبحانه، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾15 (البقرة: 218) هذا الذي يرجو رحمة الله، آمن وهاجر ﴿وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فهو يرجو رحمة الله. أما الذي يقول: أنا أريد رحمة الله، دون عمل ودون إيمان ودون سعي فإنَّه واهم فيما يصنع ﴿أَنَّمَا﴾ عليه أن يؤمن وأن يتقي الله وأن يعمل الصالحات.
أسباب جلب الرحمة: طاعة الوحي والإنصات للقرآن وموالاة المؤمنين
فإنَّ قلت: وكيف أنال تلك الرحمة الخاصة فأقول لك: اقرأ القرآن. فإنَّ الله قد ذكر في القرآن أسبابًا تجلب لك رحمة الله، جل وعلا والله هو الرحمن الرحيم. نسأل الله الكريم من فضله فاسمع يا رعاك الله واحفظ تلك الأسباب حتى تكون مرحومًا في الدنيا، وفي الآخرة. جعلنا الله من المرحومين بمنه وكرمه طاعة الله وطاعة الرسول قال الله ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تريد أن تكون مرحومًا في حياتك الناس يصابون بالفقر وبالفاقة وبالمرض وبالقنوط وباليأس وبالهم وبالغم وبالكرب وأنت يسلِّمك الله لأنك قد رُحمت من ذلك، أن تطيع، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال سبحانه ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ من ذلك ما قال الله جل وعلا في سورة التوبة، في سورة براءة ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ16 عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ (التوبة: 71) إذا أردت أن يرحمك الله في الدنيا والآخرة اسمع: ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾.
وهذه أوصاف في مقابلة أوصاف المنافقين. فإنَّ الله وصف المنافقين في سورة التوبة وهي الفاضحه. فقال: ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ﴾. تأمَّل! قال في المؤمنين بعضهم أولياء بعض لأن ولاية المؤمنين ولاية دائمة وولاية متصلة لا يقطعها ابتعاد بعضهم عن بعض لا يقطعها ابتعاد بعضهم عن بعض ولا غنى أحد وفقر أحد لأنَّها، ولاية قائمة على ولاية الله ورسوله ﷺ قال في المنافقين: ﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ﴾.
أما المؤمنون فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [تُراجع العبارة في التسجيل؛ وصف المنافقين بإيتاء الزكاة يخالف سياق المقابلة، وتحتمل العبارة سقوط كلمات] قال في المنافقين: ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. وقال في المؤمنين ويقيمون الصلاة لأن الصلاة أُقيمت لذكر الله، ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾. وأما قوله في المؤمنين ويطيعون الله ورسوله فأين مقابلها في صفات المنافقين؟ قالوا في قوله ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَـٰدًا﴾ والمعنى أنهم يشابهون الكفار فمن شابه الكفار ترك طاعة العزيز الغفار وحينئذ وقع في النفاق والمخالفة.
نسأل الله السلامة والعافية. إذا أردت أن يرحمك الله، فما نصيبك من القرآن؟ ما حظك من القرآن؟ قال الله الرحمن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فالاستماع إلى القرآن والإنصات إليه سبيل أيضًا وطريق إلى رحمة الله، جل وعلا. وقال. ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ﴾، فاتَّبعوا الكتاب العزيز قال الله ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الاستغفار سبيل لرحمة العزيز الغفار ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فسألت وقلت: كيف أرجو رحمة الله؟، أقول لك: بالإيمان بالله بطاعة الله ورسوله بإقامة الصلاة بإيتاء الزكاة بتقوى الله بالاستغفار باتباع القرآن بقراءة القرآن بالاستماع إلى القرآن بهذا ننال رحمة العزيز الغفار أن النبي الكريم ﷺ علمنا كما عند أبي داود وغيره من حديث أبي بكر رضي الله عنه، أنَّ النبي ﷺ قال [تُراجع العبارة في التسجيل؛ يوجد اضطراب قبل نقل دعاء المكروب] الرسول يقول دعوات المكروب «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» فتعلم هذا اللهم رحمتك أرجو وأصلح لي شأني كله «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» فإنَّك إذا قلت: ذلك.
دعوات المكروب في اللهم رحمتك أرجو والجوامع الأربع لخير الدنيا والآخرة
نسأل الله أن يرحمنا وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، ما أحوجنا إلى رحمة الله، جل وعلا أمام فتن الشهوات والشبهات، وأمام الصعوبات والكربات، وأمام الهموم والأحزان، وأمام الكربات إمام هذا كله ما أحوجنا إلى أن يرحمنا الله عز وجل فاتجه إلى رحمة الله، سل الله رحمته، إن الرسول الكريم ﷺ كما في صحيح مسلم كان يعلم من أسلم كان يعلِّمه الرسول كلمات يسيرة بعدما يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويؤدي ما عليه يعلِّمه الرسول «كان يعلِّم من أسلم أن يقول: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني» ولا تنساها اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني.
بل جاء عنه عليه الصلاة والسلام، أيضًا أن رجلًا قال له كما في صحيح مسلم يا رسول الله، كيف أدعو ربي؟ إذا سألته أو إذا أردت أن أسأله ما الذي أدعو به ربي سبحانه وتعالى. فقال له الرسول ﷺ: «﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني» جاء في الرواية جمع أصابعه إلا الإبهام، يعني: جمع الرسول الأصابع الأربع.
ثم قال: «فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك»، أن تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فنسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يهدينا وأن يعافينا وأن يرزقنا وجمع الرسول ﷺ بين هذه الدعوات الأربع بين السجدتين فجاء في سنن أبي داود من حديث ابن عباس رضي الله عنه وحسنه بعض أهل العلم، أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني».
تأمَّل! اللهم اغفر لي وارزقني فلا تغفل عن هذه الدعوات أنها دعوات مباركة بها تنفرج الكربات وتتيسر الأمور بفضل العزيز الغفور، ولما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للرسول الأكرم ﷺ علمني دعاءً أدعو به [تُراجع تتمة العبارة في التسجيل] قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وفي لفظ كبير، «وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» فاغفر مغفرة من عندك «وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» ما أحوجك والله إلى أن يرحمك الله كثير من الناس يشكو قسوة القلب يشكو جفاء العين، أن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما أرسلت إليه ابنته زينب وأقسمت عليه أن يأتيها، وابنها يتقعقع وهو في النزع الأخير فلما رآه الرسول ﷺ دمعت عيناه.
دمعة النبي الرحيمة وسؤال فتية الكهف لنشر الرحمة عند الفتن
فقال له سعد بن عبادة رضي الله عنه: ما هذا يا رسول الله؟ تبكي؟ الرسول القوي الشجاع، الرسول الإمام، يبكي؟ وتدمع عيناه قال: «هذه رحمة»، «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» إن الدمعة رحمة، إن الرفق رحمة، إن وضعك يدك على اليتيم رحمة فتصلي وتطيع الله رحمة فإذا اطعت الله فاحمد الله فقد رحمك الله جل وعلا ما أعظم هذه الرحمة التي يحتاج إليها الناس في أمورهم كلها لذلك.
فإنَّ الراسخين في العلم أمام الفتن ماذا يقولون؟ قال الله ذاكرًا قولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ ماذا صنع الفتية ﴿إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾17 (الكهف: 10) قال الله في حقهم: ﴿وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ ﴿فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ﴾18 (الكهف: 16) فنسأل الله سبحانه وتعالى، أن ينشر لنا من واسع رحمته وأن يجعلنا من المرحومين بمنه وكرمه اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وعافنا وارزقنا واجبرنا يا ذا الجلال والإكرام اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 107 ↩
- آية: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 5-6 ↩
- آية: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن يُلْقَىٰٓ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 86 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
- آية: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 32 ↩
- آية: ﴿وَٱلظَّـٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 8 ↩
- آية: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 57 ↩
- آية: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 9 ↩
- آية: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 7 ↩
- آية: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 156 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 218 ↩
- آية: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 71 ↩
- آية: ﴿إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 10 ↩
- آية: ﴿فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 16 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)