وقفات مع قوله تعالى «ولنبلونكم بشيء من الخوف» - الجزء 2 - خطبة الجمعة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ... ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا أما بعدُ، فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة
يا أيها الإخوة الكرام لا يزال حديثنا موصولًا بفضل الله عز وجل بهذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع آيات من سورة البقرة قال الله وهو أصدق القائلين ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾
﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ورحمة ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾
توقفنا يا أيها الإخوة الكرام في اللقاء السابق مع الآية الأولى من هذه الآيات وتبين لنا أن الآية الكريمة ذكرت لنا أهم صنوف البلاء وأكثرها ظهوراً وانتشارًا نسأل الله السلامة والعافية
وتعلمنا أن المؤمن مُبتلًى ولا بد، إذ إن النبي ﷺ عليه وآله وسلم قال كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من يُرِد الله به خيرًا يُصِب منه أن يبتليه وكذلك قال النبي ﷺ عليه وآله وسلم ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الله بقومٍ خيرًا ابتلاهم
فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ وقال الله جل وعلا ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ فالله جل وعلا يبتلي عباده
وأقسم على ذلك ولنبلونكم وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ إذا كان الأمر كذلك فماذا علينا قال الله ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)
إذن يبشر الله عباده الصابرين إذن إذا وقع لنا بلاء من الابتلاءات ماذا علينا أن نفعل أن نصبر وقوله: سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ أي: قالوا مباشرةً
لا أن يؤخروا هذا القول، فالذي على المؤمن إذا ابتُلي أن يثبت عند أول صدمة وهذا ما علَّمه الرسول عليه الصلاة والسلام حينما رأى امرأة تبكي عند قبر كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام لتلك المرأة التي تبكي على صبيها قال لها: اتقي الله واصبري
(«اتقي الله واصبري») فقالت («إليك عني، فإنَّك لم تصب بمصيبتي») ولم تعرف أنه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فلما أخبرت أنه النبي «صلى الله عليه وسلم» أتت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
فلم تجد عنده بوابين وقالت يا رسول الله لم أعرفك فقال: «صلى الله عليه وسلم» «﴿أَنَّمَا﴾ الصبر عند الصدمة الأولى»2 وفي لفظ («﴿أَنَّمَا﴾ الصبر عند أول صدمة») لِمَ؟
لأن الإنسان إذا وقع له ابتلاء ليس بإمكانه أن يدفعه إلا أن تكون إزالته ممكنة وسيكون ذلك بإذن الله جل وعلا لكن الشيء الذي ذهب وليس بالإمكان أن يعيده فلا يسع الإنسان إلا أن يصبر إمَّا أن يصبر حامدًا وإما أن يصبر كارهًا بمعنى
إذا مات للإنسان قريب له أو حبيب صبر أو جزع ماذا سيكون؟ هل سيعود هذا المَيِّت؟ لن يعود إذا أصيب الإنسان بمصاب قد وقع فماذا بإمكانه أن يصنع المصيبة قد وقعت فالعبد العاقل هو الذي يقول إذا وقعت المصيبة فلا أحرم أجرها وثوابها
فإذا تذكر ذلك فإنَّ أجرها سينسيه ألمها فإنَّ ثوابها سينسيه حرارتها لأنه يعلم أن الأجر والمثوبة من الله عظيمة وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وربنا قال ﴿أَنَّمَا﴾ يوفى الصابرون أجرهم
بغير حساب لذلك إذا سألت ما أجر الصابرين نقول أجر الصابرين بغير حساب أجر عظيم أجر جسيم لا يعلم مقداره لا يعلم قدره ولا يعلم عظمته إلا الله العظيم وهو إذًا أعطاه فهو يعطي وهو الرزاق الكريم سبحانه وتعالى إذن العبد إذا أصيب بمصاب
فإنَّه بعد فترة قد يصبر مات له مَيِّت أو فقد شيئًا أو هدم دار نسأل الله السلامة والعافية ماذا بإمكانه أن يصنع وقعت المصيبة الفرق بين المؤمن وغيره بين العاقل وغيره أنه يصبر عند بداية الصدمة لما يتذكر من الثواب الجسيم ومن الحكم الجليلة في هذا الابتلاء
فقال الله مبشرًا عباده الصابرين ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ وجاء التعبير بقول «إذا»
دون أن يقول: الذين إن أصابتهم لأنَّ المصائب نعم الإنسان غالبًا ما يكون أمره محمودًا بفضل الله لذلك جاء في مواضع أخرى وإن تصبهم سيئة وأما في إذاقة الرحمة قال وإذا أذقنا الناس رحمة ففي الغالب النعم تعمنا لكن مع ذلك الإنسان يتعرض للابتلاءات المتنوعة
فربما خرج من ابتلاء إلى ابتلاء قد يبتلى في جسده، قد يبتلى في ولده قد يبتلى في وظيفته قد يبتلى في زوجه قد يبتلى في جيرانه قد يبتلى في أقاربه قد يبتلى في صديقه قد يبتلى في أمور كثيرة قال الله ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ وهي مطلقة
ففي أي: مصيبة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا القول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ كثير من الناس لا يتذكر هذه المقالة إلا عند الموت عند فقد الأحباب بالموت فقط
إذا مات له مَيِّت ربما قال ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ لكن إذا أصيب بمصيبة أخرى لا يتذكر هذا الأمر مع أنَّ الآية مطلقة ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) هذا موضعها وهذا موطنها مع كل مصيبة ومع كل ابتلاء
وكذلك إذا استمعت إلى مصيبة أو إلى ابتلاء فقل هذا فهذا هو المشروع وكثير منا ربما يقول لا حول ولا قوة إلا بالله كنز عظيم من كنوز الجنة بيّنها الرسول «صلى الله عليه وسلم» من كنوز الجنة لكن ليس هذا المقام مقام قولها ﴿أَنَّمَا﴾ المقام ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾
وقد علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم ما من مسلم تصيبه مصيبة
فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ3 وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أجَرَه الله في مصيبته وأخلف الله خيرًا منها إذا قلتها فإنَّ الله يأجرك ويثيبك في مصيبتك ويخلف عليك ما هو أفضل
فتذكرت هذا أم سلمة رضي الله عنها حين مات زوجها أبو سلمة فقالت ومن هو خير من أبي سلمة
من هو خير من أبي سلمة أول بيت هاجر في سبيل الله بيت مبارك ورجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ صحابي جليل أبو سلمة لكنَّها وفقت فقالت ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها فلما انقضت عدتها جاء الرسول ليخطبها
وقالت فأخلف الله لي خيرًا من أبي سلمة رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فمن تزوجها بعد أبي سلمة إنه الرسول محمد صلوات ربي وتسليماته عليه إذن أنت قد تصاب بمصيبة بفقد شيء نفيس عليه فتقول هذه المقالة فيعطيك الله العوض والأفضل وهو أفضل مما كان معك فتحمد الله عز وجل على ذلك
وهذا معنى الحمد والاسترجاع أن تقول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إذن من الآن لا تُصاب بمصيبة عظيمة أو قليلة إلا قلت تلك المقالة فسترى العوض والخلف في الدنيا والأجر والمثوبة من الله في الآخرة نسأل الله الكريم من فضله
لكن لا يحسن بك أن تقولها بلسانك دون أن تعيها بقلبك ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ جملتان عظيمتان جليلتان ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ ما أعظمهما وما أجلهما إنا لله
أي: إنا مِلك لله يتصرف فينا حيث يشاء وإني سائلك هل المالك يفسد مملوكه إذا كنت مالكًا لبيت من البيوت
هل من الحكمة أن تأتي لإفساد بيتك؟ تقول لا إذا كانت لديك سيارة من السيارات هل من الحكمة أن تفسد سيارتك؟ ليس ذلك من الحكمة تقول إن المالك يتصرف فيما يملك بحسن تصرف ويتصرف فيه بحكمة
هذا تصرف مالك في الدنيا فيما يملك فكيف بتصرف مالك الملوك جل وعلا حينما تقول إنا لله يعني: يا ربنا أنت تملكنا تتصرف فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ وأنت ما تتصرف فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ إلا بما يصلحنا فلك الحمد والمنة
فكم تغفل عن خيرات في الابتلاء وأنت لا تدري أن الله يربيك بهذا الابتلاء إن هذا الابتلاء بمثابة الدواء لربما كان في قلبك مرض
لا يُحرِّكه ولا يُزيله إلا أن يبتليك الله بالابتلاء ﴿إِلَّا﴾ ترى أن بعض الناس إذا أعطاه الله كل شيء اغتر
اغتر وتكبر، فيبتليه الله في شيء فينكسر ويرجع ويقول من أنا عبد ضعيف الله الذي يعطيني الله الذي يقويني الله الذي يرزقني فيرجع إلى ربه ويهرول إلى ربه مسارعا تائبًا إلى الله عز وجل
كم من عبد كانت فيه أمراض لم يكن العلاج إلا بالابتلاء فربما صحت الأجسام بالعلل ولذلك قالوا أن الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
هو في بدايته مر لكن عواقبه أحلى من العسل لذلك ربنا قال ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يغلب عسر يسرين إنا لله إنا ملك لله
الذي أعطاك العينين هو الله والذي أعطاك اللسان والشفتين هو الله الذي أعطاك الصحة والعافية هو الله الذي أعطاك الزوجة هو الله الذي أعطاك المال هو الله فإذا سلبك الله شيئًا فهذا ملكه وهو يتصرف كيف يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه إنا لله إذًا جدير بك وأنت تنطق الجملة أن تفهمها
إنا لله كأنَّك تقول يا رب افعل ما شئت بي فأنا راضٍ بقضائك افعل بي ما شئت فأنا مستسلم لأمرك فأنت ربي وخالقي وأنا عبدك المقهور المربوب أستجيب لك طواعيةً واختيارًا وإنا إليه راجعون وإنا إليه راجعون
أي: أنت في النهاية راجع إلى الله مهما عشت في هذه الدنيا فلست بمخلد فيها فكل ما شئت واشرب ما شئت وارتد أو البس ما شئت لكنك عما قليل ستفرضه إنك مَيِّت لا محالة فتقول و﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾
سنرجع إلى الله وكما تقدم معنا في الخطبة السابقة أن أهل العافية يودون لو أنَّهم قُرِضوا بالمقاريض حينما يرون أهل الابتلاء فيما هم فيه من أجر وثواب فتحمدوا الله
وتقول الحمد لله أن جعلت لي ما ينفعني في الآخرة فإذا سلبك الله شيئًا ليكون عونًا لك على آخرته فالحمد لله على تلك المنة والنعمة
إذا فقد شخصٌ ولدًا له وهو عزيز عليه فليحمد الله فإنَّه يسبقه إلى جنات النعيم ولذلك جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم» فيما رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي وحسنه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قال إذ إن الله عز وجل يقول لملائكته إذا قبضوا ولد عبدٍ من عباده المؤمنين
قبضتم ولد عبدي المؤمن يقولون نعم قبضتم ثمرة فؤاده؟ يقولون نعم يقولون فماذا قال يقولون حمدك يا ربنا واسترجع فيقول الله عز وجل: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد لِمَ؟ لأنه حمد الله لأنه استرجع لأنه قال إنا لله
﴿وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ هم قالوا جملتين ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ كافأهم الله فقال: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَبِّهِمْ
ورحمة ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ لذلك لما قرأها عمر بن الخطاب الملهم رضي4 الله عنه قال نعم العدلان ونعم العلاوة
العِدلان، في الأصل يُطلق العِدل على الحمل الذي يكون على جانب البعير هذا حمل وهذا حمل يعني: أعطاهم الله مكافأة ومكافأة وزادهم علاوة ومع أنَّ ذلك كله ﴿مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ﴾ هو الذي يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ أولئك عليهم صلوات لم يقل صلاة ﴿أَنَّمَا﴾ قال صلوات
ما معنى صلوات الله عز وجل قال بعض العلماء ثناء الله على عبده يثني على عبده أمام ملائكته يقول لهم اشهدوا أنني راضٍ عن عبدي فلان اشهدوا أن عبدي فلانًا من الحامدين
أن عبدي فلانًا من الشاكرين يثني الله عليه في الملأ الأعلى وقال بعضهم: بل معناه وهذا أصل مادة الصلاة التحنن والتعطف أن يعطف الله عليه ويُثني عليه ويُيسِّر له أموره فيوفِّقه في الدنيا ويُثيبه في الآخرة
فلربما ابتليت في شيء أعطاك الله بعد هذا الشيء أشياء كنت ترجو أمورًا كثيرة كانت معطلة لا تقضى لك حتى ابتليت بابتلاء فصبرت على الابتلاء ونجحت ووفقت فتيسرت لك الأمور وسهلت بإذن الله بسبب الصبر على الابتلاء ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ تزكيات وتوفيق وثواب
ورحمة خصها الله بالذكر لمزيد فضلها رحمة من الله ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ إذا أردت أن تكون من المهتدين فلا تغفل عن الصبر
﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ من المهتدي من الموفق من المسدد من المبارك من الذي أعطاه الله فشكر من الذي منعه الله فصبر من المهتدي أولئك الذين قالوا ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم
وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ أَمَّا بَعْدُ فَقَرِّبُوا بَيْنَ الصُّفُوفِ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ رحم الله رجلًا تقدَّم للأمام الصبر يا عباد الله
الله عز وجل ذكر جزاء الصابرين في هذه الآيات فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ وبين ممن تكون من ربهم ورحمة ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ أي: حق الهداية الهداية الحقة الهداية الكاملة الهداية الشاملة لمن صبر واحتسب عند الله سبحانه وتعالى لماذا نصبر؟
لأن الله أمرنا بالصبر فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾5 (آل عمران: 200) واسمع صبروا وصابروا المصابرة تحتاج إلى مجاهدة نفسك قد تدعوك إلى الجزع لكنك تجاهد نفسك حتى تصبر ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا﴾
﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ إلا المصلين ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ لماذا نصبر؟ لأنَّ الله أمرنا بالصبر لماذا نصبر؟ لأنَّ الله يحب من صبر قال عز وجل والله يحب الصابرين
إذا أردت أن يحبك الله فاصبر لماذا نصبر؟ لأنَّ الله مع الصابرين قال ﴿وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ﴾ ٱلصَّٰبِرِينَ أما تحب أن يكون الله معك؟
وإذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله معك فمن يحول بينك وبين الخير وإذا كان الله معك فمن يستطيع أن يوصل إليك شراً نصبر لأنَّ الله بشر الصابرين فقال: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ نصبر لأنَّ الله يدخل الصابرين الجنات وجزاهم بما صبروا
جنة وحريرة وقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ ويلقون فيها تحية وسلام وقال ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ لماذا نصبر؟ لأنَّ قضاء الله نافذ
وهذا من مقتضى الإيمان بالقضاء والقدر الله عز وجل قدر هذا الابتلاء لذلك جاء في حديث النبي «صلى الله عليه وسلم» حينما علم ابن عباس رضي الله عنهما وقال له يا غلام إني أعلمك كلمات جاء في الحديث واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك
وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك إذا جاء المرض لمن بجوارك لم يكن ليأتيك لأنَّ الله قدره عليه إذًا أتاك أنت الابتلاء لم يكن ليقع لغيرك لأنَّ الله قدره عليه قدر الله عليه ما أصابك لم يكن ليخطئك ما أخطأك
لم يكن ليصيبك قال الله ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ﴾ ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ نصبر حتى يهدي الله قلوبنا ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ يهدي ﴿قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ نصبر ليرفعنا الله الدرجات نصبر ليكفر الله عنا السيئات
فالذي يصبر يرفعه الله الدرجات ولذلك قد يرتفع العبد بصبره درجات لا يصل إليها بعمله فلربما قصرت الأعمال لكن فضل الله واسع فقد يبتليك فتصبر وتثبت فتنال الأجر والمثوبة من الله تكفير السيئات
أما تذكر قول الله ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ هل الذي نعمل قليل هل الذي يقع منا قليل تفريط في الصلاة إلا من رحم الله
قلة خشوع فيها قلة ذكر لله غفلة عن ذكر الله ابتعاد عن كثير من طاعات الله أكل للحقوق عند عدد كبير من الناس واعتداءات إلا من رحم الله ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾
لأن تُصاب في الدنيا، لأن تُصاب بمصيبة في الدنيا خير من أن تُعجَّل أو أن يعاقبك الله في الآخرة نسأل الله السلامة والعافية عباد الله قال الله ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) إن الشيء قد يكون صغيرًا
وبعد فترةٍ يعظم ويكبر إلا المصيبة تبدأ كبيرة ثم بعد ذلك تتصاغر ولذلك أنظر إلى أقرب الناس إليك وأحب الناس إليك ومن كنت لا تتحمل فراقه وبكيت عليه مُرَّ البكاء بعد وفاته بعد فترة ماذا وقع؟ سهلت المصيبة فالمصيبة قد تبدو كبيرة
لكنَّها تتصاغر، وأجرها وإن بدأ قليلًا فهو عما قريب يكبر ويعظم لأنه لدى الله الكبير العظيم سبحانه وتعالى فاصبر فاصبر ولا تكن من اليائسين ولا تكن من الجازعين وقد قال عليه الصلاة والسلام ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر
إذا وسع الله صدرك فكنت من الصابرين فاحمد الله وربك علمك إذ قال نبيك عليه الصلاة والسلام لا أحد أصبر على أذًى يسمعه من الله «إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ»
الله عز وجل يدعى له الولد يقال له: ولد ويقال له: شريك ومع ذلك رزق الكافر رزق المؤمن والكافر والبار والفاجر وهو الرحيم الرحمن تاب إليه تاب عليه فلا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله فإذا أذيت فقل الحمد لله
اللهم ألهمني الصبر ووفقني للأجر والمثوبة يا أيها الإخوة الكرام مسجد أبي بكر الصديق بمنطقة شهاب بحاجة إلى تبرعاتكم حتى يتمم الله هذا البناء ويكون بناء خير وبركة
﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (سبأ: 39) اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله يلتبس علينا فنضل اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم ارزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال
اللهم ارزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم
اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام وسائر بلاد المسلمين أصلح ولاة أمرنا وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم
وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- حديث: «﴿أَنَّمَا﴾ الصبر عند الصدمة الأولى» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩
- حديث: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها» — نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
- تعليق: لذلك لما قرأها عمر بن الخطاب الملهم رضي الله عنه قال نعم العدلان ونعمة العلاوة — قول: «نعم العدلان ونعمة العلاوة». الذكر في الدرس: عمر بن الخطاب. ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 200 ↩
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول إنا لله…
- شرح حديث: إنما الصبر عند الصدمة الأولى
- تفسير سورة آل عمران