مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

القدوة الحسنة والحال أبلغ من المقال

خطب · الدرس 93 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. حاجة الأمة إلى القدوة الحسنة والاعتبار بسير الأنبياء
  2. قاعدة الحال أبلغ من المقال وذم مخالفة القول للعمل
  3. أثر قدوة التجار في نشر الإسلام وخطورة تناقض القول والعمل
  4. القدوة العملية في الأحداث الكبرى صلح الحديبية وخندق المدينة
  5. وجوب إشاعة القدوة الصالحة في المجتمع واستشعار المسؤولية الفردية
  6. فضل شعبان وصيامه ورفع الأعمال استعدادا لرمضان
التفريغ النصي الكامل للدرس

حاجة الأمة إلى القدوة الحسنة والاعتبار بسير الأنبياء

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل خير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، حاجة الأمة إلى القدوة الحسنة ما أحوج الأمة إلى مَن يأخذ بنواصيها إلى الخير والبركة إلى سبيل الحق والرشاد إلى صراط الله المستقيم ما أحوج إلى مَن يأخذ بيديها إلى بر الأمان وينأى بها عن مواقع الهلكة والعصيان.

نسأل الله الكريم من فضله، أن رب العزة سبحانه قص علينا في القرآن الكريم قصصًا كثيرة من قصص الأنبياء والمرسلين لأهداف كثيرة وحكم غالية ثمينة جليلة، ومن أجلها وأعظمها أخذ العبرة والعظة وأن نقتدي بهؤلاء الأنبياء والمرسلين فيما قص الله عز وجل علينا من أمرهم قال الله سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾5 (يوسف: 111).

وقال الله جل وعلا: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾6 (الأنعام: 90) يأمر الله النبي محمدًا ﷺ ونحن له تبع فهو إمامنا، وقدوتنا يقول له ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ﴾ اقتده سر على درب بهم واقتفي أثرهم واقتدي بهم يا رسول الله ويقتدي الناس بك وبهم. فإنَّ في أتباعهم السعادة في الدنيا والآخرة، أنَّ الإنسان يفتقر إلى أن يجد من يقتدي به فإنَّه حينما يراه تقوى عزيمته وتعلو همته ويحرص على العمل بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

قاعدة الحال أبلغ من المقال وذم مخالفة القول للعمل

ولذلك كان الحال أبلغ من المقال، وكان الأثر الفعلي أبلغ من الأثر القولي ولربما سمع الإنسان مواعظ كثيرة وكلامًا كثيرًا بيد أن فعل رجل يؤثر فيه تأثيرًا بالغا لا حدود له ولا حصر فيه ورب العزة سبحانه قد ذكر من يتعلم، أن عليه أن يعمل بما علم لأنه إذًا خالف قوله بعمله. فهذا معناه: أنه يدعو إلى شيء ويعمل شيئًا آخر كأنما يدعو الناس إلى الجنة وعمله يدعوهم إلى النار.

نسأل الله السلامة. وقد قال سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾7 (الصف: 2-3) وقال ﴿أتأمرون الناس بالأفلا تعقلون﴾ (البقرة: 44) عنه قال لقومه ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ﴾، أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾8 (هود: 88).

فاسمع يا رعاك الله قول شعيب عليه السلام وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ إذًا نهيتكم عن شيء فأنا أول الناس ابتعادًا عنه اجتنبه ابتداء وابتعد عنه ثم أدعوكم إلى تركه فإذا التفتت وجدتموني أول الناس ابتعادًا عنه وهكذا كان رسول الله ﷺ بين أصحابه رضي الله - تبارك وتعالى عنهم وأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم راع في بيتك ومسؤول عن رعيتك وأنت في عملك مسؤول عن عملك فهل أنت قدوة في بيتك وهل أنت كذلك قدوة في عملك هذا ما نحتاج إليه.

أثر قدوة التجار في نشر الإسلام وخطورة تناقض القول والعمل

يا أيها الإخوة الكرام، ﴿إِلَّا﴾ تعلمون، إن كثيرًا من الناس الذين لم يكونوا على الإسلام دخلوا الإسلام وفتحت بلاد دون غزو وإنَّما ببركة القدوة الحسنة حينما كان يسافر التجار الصالحون المصلحون من أهل الإسلام يبيعون ويشترون فيرى غير المسلمين من أخلاقهم ما يحملهم على أن يسألوا من هؤلاء وما دينهم فإذا عرفوا دينهم اعتنقوا اختيارًا لا قسرًا واضطرارًا وما ذلك إلا لأنَّ هؤلاء قد عرفوا الإسلام قولًا وفعلًا فطبق في سلوكهم، وفي حياتهم فكان سببًا في انتشار الإسلام بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ولذا لا غرو، أن قال النبي ﷺ: «كما عند الترمذي وحسنة من حديث أبي سعيد وله شواهد التاجر الصدوق وفي لفظ الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء هو تاجر يربح مالا يحصل أموالا لكنه مع النبيين والصديقين والشهداء هذا الذي يربح الأموال ماذا صنع ليصل إلى تلك المراتب العالية وإلى هذه المنازل السامقة الرفيعة إنه قدوة حسنة في حياته يبيع».

ويشتري فتراه سمحًا لا يظلم، ولا يغش ولا يغدر، ولا يخون، ولا يفعل محرَّمًا وإنَّما يتقرب إلى الله عز وجل فيما يصنع فيبارك الله عز وجل له في المال الذي حصله «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى» قاله نبيكم محمد ﷺ فإذا شكوت سوء أخلاق أولادك فانظر إلى أخلاقك الرسول قال «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» كثير منا يفرط في هذا الجانب فتراه في خارج منزله على حال وفي داخلة على حال وأولاده وأسرته وزوجه لا ترى منه إلا ما كان في داخل البيت.

فهذا الذي يتكلم عنه لا يرونه في منازلهم أو في بيوتهم والحري به أن يكون أحسن الناس خلقا في داره ومع أهله الذين ائتمنه الله عز وجل عليهم فهم أمانة في عنقه والله قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾9 (التحريم: 6).

انظر إلى حاله إذا كان في عمله الناس يعلمون عنه أنه المصلي المحافظ على الصلاة الذي يصوم النوافل ينتظر شعبان ليكثر من الصيام فيه ويصوم ويفعل الطاعات ويتقرب بالصدقات فإذا ما عملوه وجدوا شدة وقسوة وغلظة وشتما وسبا وغيبة إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ما هكذا ما هكذا علمنا، ولا هكذا أراد منا ربنا أو علمنا نبينا ﷺ

وقد قال الله جل وعلا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾10 (الأحزاب: 21)

القدوة العملية في الأحداث الكبرى صلح الحديبية وخندق المدينة

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ حسنة أي: قدوة حسنة قالوا هذا أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله لذلك كان الصحابة الكرام أحرص ما يكونون على الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام حين يرونه يفعل فعلًا صلوات الله وتسليماته عليه.

بل لربما بلغهم من الفعل ما لم يبلغهم من القول كما جرى في الحديبية حينما أمر ﷺ أصحابه رضي الله عنهم، أن يحلقوا رؤوسهم وأن ينحروا بدنهم أو ما معهم فسكتوا، ولم يتكلموا ذلكم إنهم رضي الله عنهم، خرجوا مع رسول الله ﷺ من أجل أداء العمرة. وقد بشرهم الرسول بالرؤيا التي رآها وأنه رأى أنه يطوف ببيت الله الحرام والنوم يطوفون معه محلقين رؤوسهم ومقصرين، وبعد هذا كله يصدهم المشركون عن العمرة لا عمرو لن تعتمر، ولن تطوف بالبيت ار العام طوفوا من العام المقبل ويعقد الرسول عليه الصلاة والسلام معهم هدنة يعقد معهم صلحًا ويرضى بتلك الشروط مع أنَّ في ظاهرها الإجحاف لكنه في حقيقة

الأمر فتح من الله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾11 (الفتح: 1) والصحابة الكرام يغيظهم هذا وهم المعروفون ببذل النفس والنفيس إذا قال لهم الرسول نخرج للجهاد خرجوا معه نقاتل قاتلوا معه أنفقوا أموالكم أنفقوا أموالهم وبذلوا كل ما لديهم والآن يقول لهم احلقوا رؤوسكم انحروا بدنكم كيف نفعل كيف نرجع بلا عمرة بلا طواف بلا سعي فأمرهم فلم يتكلم أحد ولم يقم أحد ولم ينحر أحد ولم يحلق أحد

ثم كرر. الأمر فلم يفعل أحد وهكذا كرر الرسول عليه الصلاة والسلام فدخل بيته بأبي هو وأمي فرأته أم سلمة رضي الله - تبارك وتعالى عنها وأخبرها الخبر. فقالت: يا رسول الله أخرج، ولا تكلم أحدًا منهم، ولا تكلم أحدًا منهم ثم انحر انحر بدنك وادع حالق ليحلق لك ولا تكلم أحدًا منهم وفعل الرسول ﷺ ذلك فنحر بدنه وهديه ﷺ وحلق رأسه فلما رآه الصحابة رضي الله عنهم، أسرعوا وبادروا ونحر هديهم وحلقوا رؤوسهم في بعض الروايات حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا غمًّا كيف يتأخرون عن أمر رسول الله ﷺ ولعله كان من عذرهم في

ذلك إنهم ظنوا أن الأمر سيتُغير وأن الحكم سينسخ وأن الرسول عليه الصلاة والسلام، ربما سيأذن لهم فلما فعل الرسول علموا أن هذا الفعل، يعني: أنه لا بد من تطبيقه، ومن امتثاله كما أمرهم به رسول الله محمد ﷺ أنه الفعل الذي يؤثر في الناس ما أحوجك إليه، أن تكون حقيقة لا صورة، أن تكون فعلًا لا قولًا أن تكون حالًا لا مقالا هذا ما تحتاج إليه الأمة اليوم حينئذ يعرف الإسلام ويعرف أهل الإسلام يعرف ديننا بمنهجه الصحيح بمنهجه القويم بصراط الله المستقيم يسير الناس عليه ويسير الناس فيه يعرفون أنَّه بفضل الله لا دين إلا هو أعني لا دين حق إلا هو ليس تعصبا وإنَّما هو الحق المبين والله قال ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾12 (آل عمران: 19) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أن ﷺ كان يشارك أصحابه في كلما يأمرهم به ويدعوهم إليه ها هو ﷺ في الخندق ينقل الحجارة مع أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم يصيبه من الجوع ما يصيبهم ﷺ ويخبر بطنه الشريف عليه الصلاة والسلام وهو يقول «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الإقدام أن لاقينا» أن الولى بغوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا، أبينا والصحابة الكرام يقولون نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام ما حيينا أبدًا أو ما بقينا أبدًا بايعوا ﷺ نعم رأوا فيه الصدق رأوا فيه أمانة رأوا فيه القدوة الحسنة ﷺ لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل كيف نقعد عن العمل

والرسول يُقوِّم ليعمل صلى الله عليه وآله وسلم هذا أمر غاية في الأهمية فأرجع إلى نفسك في بيتك لتكون قدوة، وكذلك في خارج منزلك لتكون قدوة حسنة فإذا كثر فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ذلك فإنَّه بفضل الله يسود الخير والبركة ترى الشرع ترى الشرع في تلاش، وفي تناء، وفي تباعد بفضل ل وترى الحق ظاهرًا وبادي، ومنتشرًا على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وجوب إشاعة القدوة الصالحة في المجتمع واستشعار المسؤولية الفردية

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، ينبغي أن يكون هذا هو الأصل الذي نسير عليه ونقترح وننهي فكلما نظرنا إلى باب من الأبواب وجدنا القدوة الحسنة هي المنتشرة وليس العكس كما يجري اليوم حينما نرى هؤلاء فنراها عملة صعبة ونادرة فإذا نظرنا إلى صفوف الأطباء فوجدنا طبيبًا رفيقًا رحيمًا تكلمنا عنه وقلنا ما شاء الله هذا طبيب ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يتقي الله، وكأنَّه لا يوجد إلا هو المفترض العكس أن يكون الأطباء رحماء رفقاء وإذا وجد من بينهم الشاذ فهو النادر والقليل إذا نظرنا إلى معلم من المعلمين فق ك فلان مربينا ومعلمنا الذي أسدى إلينا المعروف، وكأننا لا نجد إلا معلِّمًا أو معلمين والمفترض العكس أن المعلمين كذلك فإذا وجد من بينهم شاذ فليكن نادرًا فليكن قليلًا.

أما أن ينظر إلى بلد بأكمله أو إلى قطر بأكمله أو إلى حي بأكمله فيقال القدوة فيهم فلان وفلان وفلان سنعد على أصابع اليد ما هكذا ينبغي ينبغي أن، أن ينتشر فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الخير أن تنتشر فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ القدوة فإذا وجد ما يخالف ذلك فهو القليل وهو النادر وهو خلاف القياس الذي لا يقاس عليه هكذا ينبغي أن ينتشر فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الخير وأن يعم فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الخير ويعينك على ذلك، أن تعلم أنك أنت المحاسب لا غيرك أنت إذا كنت في مهنة أنت المحاسب عليها وليس غيرك لا تقول فلان بيننا رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ويقضي للناس مصالحهم وأين أنت من قضاء مصالحهم، ﴿ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها﴾ (فصلت: 46) وهكذا كل مسؤول عن نفسه ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾13 (الإسراء: 84).

فضل شعبان وصيامه ورفع الأعمال استعدادا لرمضان

نسأل الله أن يصلح أعمالنا، يا أيها الإخوة الكرام، تداركوا ما فاتكم وها هو هلال شعبان هل علينا بالخير والبركات ها هو شهر مبارك كان ﷺ يتقرب إلى الله عز وجل فيه بالصيام، ولما سُئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك كما في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عند الترمذي والنسائي وغيرهما حينما قال له: يا رسول الله لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان.

فقال ﷺ: «ذاك شهر بين رجب ورمضان يغفل الناس عنه وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فاحب أن يرفع عملي وأنا صائم صلوات الله وتسليماته عليه فكان يكثر من الصيام في هذا الشهر وجاء في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها ما استكمل رسول الله ﷺ صيام شهر قط إلا شهر رمضان وما رأيته ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، وفي بعض الروايات كان يصومه كله وفي بعضها إلا قليلًا فقد كان يصوم أكثر شهر شعبان صلوات الله وتسليماته عليه، ومن بيان الأسباب في ذلك قال شهر يغفل الناس عنه. تأمَّل! هذا ما نتكلم عنه شهر يغفل الناس عنه المتوقع أنك حينما ترى الناس في اجتهاد فإنَّك تجتهد كما يجتهدون كما نرى الناس في رمضان فالناس في رمضان يجتهدون وأنت تراهم على ذلك فتجتمع منك واللائق بك، أن تشعر بهذا أيضًا وقت غفلة الناس فإذا غفل الناس فلا تكن من الغافلين وإذا فرط الناس فلا تكن من المفرطين وإذا تكاسل الناس فلا تكن من المتكاسلين وإنما تدارك ما فاتك تدارك ما فاتك لأن الله جل وعلا سيحاسبك وحدك لن يقال اجمعوا عمرا وزيدا ول نجمع حسناتهم ول نقتسم عليهم لا كل مسؤول عن نفسه ﴿كل رئ بما كسب رهين كل نفس بما كسبت رهينه﴾ (المدثر: 38) قال الله ﴿لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾14 (لقمان: 33) لذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام، العبادة في الهرج كهجرة إلى قال بعض الشراح، أي: العبادة في زمان الفتنة كهجره إلى رسول الله محمد ﷺ فإذا كنت في مكان والناس في غفلة عن الطاعة يقولون محرَّمًا ويفعلون محرَّمًا وأنت لم تغفل كما يغفلون فأنت على خير عظيم فكن من المتيقظين المنتبهين العاملين غير الكسالى.

نسأل الله السلامة والعافية. قال ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين استفاد من ذلك بعض العلماء أن شهر شعبان بمثابة ختام العام. بل هو ختام العام فبداية السنة في هذا الرفع في هذا التقرير أوله رمضان وآخره شعبان فكان التقرير السنوي أن صح ذلك يكون في شهر شعبان لأنَّ هناك رفع للمقادير أو لأعمال الناس في كل يوم وليلة، وكذلك في هذا التقرير السنوي فضلًا عن الأسبوعي في شهر شعبان فانظر بما تختم صحيفتك في هذا الشهر الجميل الجليل تدارك ما فاتك بالإقبال على الله عز وجل بالطاعات أن بعض العلماء كانوا يسمون شهر شعبان بشهر القراء بشهر القراء لأنَّ كثيرًا منهم كانوا إذا دخل شهر شعبان يقبلون على القرآن يتفرغون لقراءة القرآن الكريم.

وقد قدم كثير من العلماء صيام شهر شعبان على صيام غيره من النوافل التي وردت فيها بعض الأحاديث كشهر الله المحرم فقد ثبت في مسلم، أن الرسول قال أفضل الصيام بعد المكتوبة أو بعد صيام رمضان صيام شهر الله المحرم. ومع ذلك قالوا أن صيام شهر الله المحرم هو أفضل من حيث النفل المطلق. وأما شهر شعبان فإنَّه يقدم لأنه بمثابة الراتبة القبلية فرمضان قبله شعبان، وفيه صيام، وبعده شوال، وفيه صيام ست من شوال كأنَّه تقدمة لشهر رمضان مقدمة ترتاد بها نفسك وتتعود على الطاعة وتسهل عليك الطاعة فإذا جاء رمضان سهل عليك.

الأمر بفضل الله. وقد قالوا أن شهر رجب هو شهر الزرع وأن شهر شعبان هو شهر السقي وأن شهر رمضان هو شهر الحصاد فمن لم يزرع، ولم يسقي ماذا ينتظر من الحصاد. وقالوا: إنَّ شهر رجب بمثابة الرياح وأن شهر شعبان بمثابة الغيم والسحاب وأن شهر رمضان بمثابة المطر والغيث فمن أراد الغيث فأين هو من السحب في شهر شعبان بالاقتراب من طاعة الرحمن اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم بارك لنا في شهر» شعبان وبلغنا شهر رمضان على الخير والبركة يا أرحم الراحمين اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومن اليقين ما تهون علينا به مصيبات الدنيا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا واجعله الوارث منَّا وانصرنا على من ظلمنا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ بلادنا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 111 ↩
  6. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 90 ↩
  7. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصف 2-3 ↩
  8. آية: ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 88 ↩
  9. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 6 ↩
  10. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 1 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 19 ↩
  13. آية: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 84 ↩
  14. آية: ﴿لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 33 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة