مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

سلسلة صفات عباد الرحمن · الدرس 1 من 24 · 37 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. صفة الحلم في ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ واقترانها
  2. تحرير معنى الجهل في الآية بين السفاهة ومخالفة مقتضى العلم
  3. نقض العصبية الجاهلية وتأسيس المبدأ القرآني وقولوا للناس حسنا
  4. دلالة قالوا سلاماً بين سلام المتاركة اللفظي ودفاع الملك
  5. نماذج السلف في الحلم كالأحنف وضبط القوة الغضبية بميزان
  6. تجليات اسم الله الحليم واقترانه بالغفور والشكور والعليم والغني
  7. كمال حلم الرب على من افترى عليه الولد وعتاب
التفريغ النصي الكامل للدرس

صفة الحلم في ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ واقترانها

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، كنت قد حدثتكم في خطب سابقة عن أول صفة من صفات عباد الرحمن الذين ذكرهم الله جل وعلا في خواتيم سورة الفرقان إذ قال عز من قائل ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾4 إلى أن قال الله جل وعلا: أولئك ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾5.

نسأل الله الكريم أن نكون منهم بمنِّه وكرمه فأولى صفات عباد الرحمن صفة التواضع: ﴿يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا﴾ حدثتكم عن التواضع وأنواعه وكيف يكون التواضع لله وكيف يكون التواضع لدينه كيف يكون التواضع لخلق الله واليوم، يا أيها الإخوة الكرام، نعيش مع الصفة الثانية التي وصف الله بها عباد الرحمن وإن كان بعض العلماء يراها مع الصفة الأولى صفة واحدة.

وهذه الصفة مذكورة في قوله جل شأنه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ ولعلك تلحظ أخي الكريم حينما تقرأ تلك الصفات الجليلة، أن رب العزة سبحانه صدَّر معظم تلك الصفات بقوله والذين فهو يصفهم يقول ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾. وقال ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾. وقال والذين يقولون ﴿رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾6.

وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟﴾. وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ﴾ لكنَّه لمَّا ذكر تلك الصفة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ لم يفصلها عن الصفة التي قبلها فلم يقل: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ والذين إذا ﴿خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ للدلالة والله أعلم على الصلة الوثيقة والعلاقة الوطيدة بين الصفتين أعني صفة التواضع وصفة الحلم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ الذي يحلم على الناس ويتغاضى عن أخطائهم وهفواتهم ﴿أَنَّمَا﴾ هو المتواضع حقًا الذي لا يتكبر على خلق الله، ولا يستطيل على عباد الله وإنَّما يستكين لربه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ كذلك الذي ينظر في تلك الآيات المباركة يجد أن صفتا التواضع والحلم حديثٌ عن حال أولئك في نهارهم ثم حدثنا الله عن وصفهم وحالهم في ليلهم.

تحرير معنى الجهل في الآية بين السفاهة ومخالفة مقتضى العلم

فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ فحال عباد الرحمن أنهم في النهار لا يؤذون أحدًا. وهذا معنى أنهم يتواضعون سلم الناس من أذاهم فماذا إذا أُوذوا؟ وماذا إذا قُدِّمت إليهم الإساءة؟ قابلوا الإساءة بالإحسان ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ فجمعوا بين كفِّ الأذى واحتمال الأذى. وأما عن ليلهم فكما سيأتي إن شاء الله ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾.

وهذا ما يعنيه قيام الليل. نسأل الله أن نكون من أهل قيام الليل بمنه وكرم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾، قال بعض العلماء: إذا خاطبهم الجاهلون حلموا وعفوا وصفحوا، ولم يقابلوا الإساءة بالإساءة لم يقابلوا إساءة الجاهل بإساءة مماثلة لها وإنَّما قابلوا ذلك بالعفو والصفح وبقولهم سلاما، وقبله سبحانه وإذا خاطبهم الجاهلون من الجاهل

الجاهلون جمع جاهل، فمن الجاهل؟ الجهل، يا أيها الإخوة الكرام، يرد بمعنيين؛ فيُراد به أولًا ما يقابل العلم. وهذا معنى مشهور لدينا فنقول مثلًا فلان عالم وفلان جاهل فيكون الجهل مضادًا أو مناقضًا للعلم والجهل يأتي بمعنى عدم العمل بمقتضى العلم فمن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فهو جاهل وإن علم كل شيء يمكن لإنسان أن يتعلَّمه فمهما تعلم العبد من علوم لم يقم بمقتضى تلك العلوم فهو جاهل وإن زعم أنه عالم.

إذن الجهل جهلان جهل علم وجهل عمل بالعلم، ومن ثم فإنه يُطلق على السفيه جاهل لأنه سفيه لا يعي ماذا يصنع ولا كيف يعمل. ولذلك أيضًا يُطلق على العاصي جاهل لأنَّ الذي عصى الله غفل عن قدر الله وعظمته هو يعلم جلال الله وعظمة الله لكنه ﴿أَنَّمَا﴾ اجترأ على المعصية حينما غفل عن ذلك. وهذا معنى قول الله جل وعلا ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ7 ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فقد يقول قائل هل الذي يعصي هو الجاهل ماذا عن العاصي الذي عصى وهو يعلم أنه ارتكب المعصية؟ نقول: إذا تاب تاب الله عليه لذلك قال العلماء كل من عصى الله فهو جاهل كل من عصى الله فهو جاهل كلٌّ على قدر معصيته وجهله فمن استكثر من المعصية فله نصيب أكبر من الجهل وهكذا إذًا، فالعاصي جاهل بسبب معصيته لأنه لو عظم الله حق التعظيم، وقدره حق قدره ما تجرأ على معصيته.

ولذلك نبي الله موسى عليه السلام ماذا قال لقومه حينما قالوا له ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ إلهًا قال إنكم قوم تجهلون وماذا قال الكريم يوسف عليه الصلاة والسلام، ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾8 ما معنى ﴿مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾؟ أي: من العاصين البعيدين عن طاعة الله لو ارتكب المعصية واستجاب لمراودة امرأة العزيز له عن نفسه.

لكن الله حفظه وعصمه بفضله جل وعلا وهكذا الجهل جهلان جهل علم وجهل عمل بعلم، ومن هنا دخلت السفاهة في معنى: الجهل وهي المقصودة في الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ المقصود بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ﴾، هل الجاهلون هم الذين لا يعلمون؟ لو أنَّ شخصًا كلمك بالكلام الحسن الطيب وهو جاهل ليس لديه علم كثير هل هو المقصود بالآية الكريمة

لا ﴿أَنَّمَا﴾ المقصود بالجاهل في الآية الكريمة هو السفيه الذي يتعالى على الناس ويستطيل على أعراضهم ويقول كلامًا بذيئا. فهذا هو الجاهل وإن كان لديه من الشهادات أو كان لديه من العلوم ما عنده ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ والجهل الذي هو نقيض العلم داء خطير وعلاجه في التعلم وسؤال أهل العلم ﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وكما قال ابن القيم رحمه الله، «وَالْجَهْلُ دَاءٌ قَاتِلٌ وَشِفَاؤُهُ أَمْرَانِ فِي التَّرْكِيبِ مُتَّفِقَانِ: نَصٌّ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ سُنَّةٍ، وَطَبِيبُ ذَاكَ الْعَالِمُ الرَّبَّانِي» الجاهل بالعلم يحتاج إلى أن يتعلم إما أن يتعلَّم بنفسه أو يتعلَّم من غيره وأن يسأل أهل العلم ﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وقد قال النبي ﷺ عليه وآله وسلم «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» شفاء الجاهل السؤال، فالإنسان الذي عنده جهل، ما الذي يشفيه؟، أن يسأل ويستكشف، فيقال له: هذا حلال فيأتيه، وهذا حرام فيتركه ويجتنبه وليس المقصود هنا الحديث عن هذا وإن كان داء خطير فتاك ﴿أَنَّمَا﴾ الحديث عن الجهل الذي هو بمعنى السفاهة وبمعنى ترك العمل بمقتضى العلم وهو المقصود في قوله ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ وحينما تتتبَّع آيات القرآن التي ذكرت الجهل والجاهلين تجد أن أكثر الآيات التي ورد فيها ذكر الجهل قُصد به ترك العمل بالعلم أو السفاهة وليس الجهل الذي هو نقيض العلم وإن كان الآخر معليا أيضًا وجاء في القرآن الكريم كقوله ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾9 فالجاهل هنا الذي لا يعلم فأنت قد تظن فلانًا غنيًّا وهو ليس كذلك بسبب عفته وبسبب أنه لا يسأل الناس.

فهذا جهل بمعنى عدم العلم قال الله سبحانه وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سل

نقض العصبية الجاهلية وتأسيس المبدأ القرآني وقولوا للناس حسنا

لم يقولوا مقولة أولئك: «أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا، فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا» يقول بعض الشعراء مقولةً تُعبِّر عن المنهج الذي سار عليه أهل الجاهلية ﴿إِلَّا﴾ لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: فلان يحترمني أنا أحترمه فلان يقدرني أنا أقدره فلان يعظمني أنا أعظمه فلان يجهل علي أجهل عليه لا ليس هذا منطق القرآن، ولا أسلوب الشريعة الإسلامية ﴿أَنَّمَا﴾ علمنا الله ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ وإذا كانت هذه هي المعاملة مع الجاهل، فكيف بغيره؟

إذا كنا نقابل السفيه بقولنا: سلامًا فماذا نقول لمن احترمنا ولمن قدَّرنا، ولمن لم يؤذنا، ولمن لم يَعِبْنا جدير بنا أن نُحسن إليه، والله علَّمنا فقال قولًا عامًّا ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾10. وهذا أصل من الأصول القرآنية العظيمة، ومن تتبع القرآن الكريم وجد في ذلك ما ينتفع به في كل حياته بفضل الله عز وجل ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

إذن المبدأ العام كيف نتعامل مع الناس ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقوله: وقولوا يشمل الأمرين وقولوا ابتداء وقولوا في الرد، يعني: نبدأ الناس بالقول الحسن، وكذلك نرد على الناس بالحسن. بل بالأحسن ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾11 وأكثر ما يأتي نزغ الشيطان نتيجة الكلام؛ فقد يبدأ بكلمة ينزغ بين هذا وذاك لأن فلانًا استطال على فلان بالكلام أو اعتدى عليه بالمقال فأدى ذلك إلى الفرقة والشحناء والعداوة وإلى الأخلاق المذمومة إلى ما لا نهاية ثم علَّمنا الله ماذا نصنع مع من أساء إلينا.

فقال: جل وعلا ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾

دلالة قالوا سلاماً بين سلام المتاركة اللفظي ودفاع الملك

وما معنى قوله: ﴿قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾؟ هل قالوا سلامًا بمعنى أنهم يردُّون قائلين: سلامًا؟ فإذا شتمك أحد أو بغى عليك وقال لك: يا كذا، أترد عليه وتقول: سلامًا؟ أو تقول: سلام، بأن تنطق بهذه اللفظة؟ أو أن معنى قوله: ﴿سَلَـٰمًا﴾، أي: سلام متاركة لا مقابلة بالإساءة، وليس سلام تحية؟ كذلك كما قال بعض العلماء: بمعنى أن تقول: أنا أبتعد عنك وأنأى عنك، ولن أؤذيك أنت في طريق وأنا في طريق الآية تحتمل هذا وتحتمل هذا فأنت إذا خاطبك الجاهل بإمكانك أن ترد عليه قائلًا: سلام أو أن تقول: سلامًا، أي: أسلم منك سلامًا، أو أمري معك سلام ومتاركة.

ولذلك قال الله ﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾12 ويدل على أن لفظة السلام مقصودة ما جاء عند الإمام أحمد في مسنده وحسن إسناده الحافظ ابن كثير رحمه الله، في تفسيره من حديث النعمان بن مقرن رضي الله عنه، أن رجلين كانا عند ﷺ فسب أحدهما الآخر.

فقال: له الآخر ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ﴾. فقال له النبي ﷺ أما إن بينكما ملكا يذب عنك أي: عن هذا المشتوم المسبوب كلما قال صاحبك: أنت كذا وكذا، ردَّ الملك قائلًا: بل أنت، وأنت أحقُّ به وكلما قلت له: عليك السلام، قال الملك: لا، بل لك أنت، أنت أحقُّ به. فهذا يدل على أن لفظة السلام مقصودة فإذا أتاك آتٍ واعتدى عليك، فارْدُدْ عليه بهذا الكلام وأحيانا.

بل في كثير من الأحوال يكون الجهر بالكلمات الطيبة سببًا في قطع الكلمات النابية لذلك علمنا النبي ﷺ في شأن الصائم «وإن امرؤ سابه أو شاتمه أو قاتل في بعض الروايات فليقول إني صائم، إني امرؤ صائم» لأنك حينما تقول إني صائم كأنَّك تقول له بإن كان، أن أرد عليك لست عاجزًا عن الرد.

لكن الذي يمنعني ويحول بينني وبين أذاك أنني صائم وأُقدِّر الصيام الذي أطعت الله عز وجل به كذلك من آذاك رد عليه جهرًا وقل له سلام ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ﴾ أنا لن أرد عليك ليس مني إلا السلام ليس مني إلا التسليم، ولمَّا له وديننا دين الإسلام هو دين السلام والله جل وعلا من أسمائه السلام وسمى الجنة بدار السلام ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾13 والمعنى الثاني ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ أي: نسلم سلامًا نتركك وإن لم يتلفظ بمعنى أنهم أعرضوا عنه، كما في الآية الأخرى، أي: أعرضوا عنه وقالوا سلامًا، يعني: لم يلتفتوا إليه، ولم يردوا السوء بالسوء وإنَّما تغاضوا عن هذا الكلام السيء كأنهم لم يسمعوه، كأنهم لم يسمعوا شيئًا.

نماذج السلف في الحلم كالأحنف وضبط القوة الغضبية بميزان

ولذلك لما قال رجل لي الأحنف بن قيس رحمه الله، والله لئن تكلمت بكلمة لا أردن عليك بعشر كلمات. فقال له الأحنف وأنت إن تكلمت بعشر كلمات لم تسمع مني واحدة وأنت إذا تكلمت بعشر كلمات لم تسمع مني واحدة لست بصدد الرد عليه. وهذا لا شك علاج حسن أيضًا لأن هذا السفيه ﴿أَنَّمَا﴾ يزداد استفزازًا حينما تزيد في الرد عليه فإذا قال كلمة فرددت بأخرى رد عليك بعشر كلمات لذلك قالوا «إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت.

فإنَّ كلَّمته فرَّجتَ عنه وإن خليته كمدا يموته.» إن كلمته فرجت عنه هو يرجو ويطمع في أن تتكلم وإن خلَّيته وأعرضت عنه، كمدًا يموت. وقال الإمام الشافعي رحمه الله، «يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره، أن أكون له مجيبًا يزيد سفاهتك فأزيد حلمك عود زاده الإحراق طيبًا» أنت إذا كان لديك عود هذا العود كلما ازداد اشتعاله ازداد طيبًا وظهرت الرائحة الطيبة منه فكذلك أنت حينما تزداد إغضاءً للطرف وعدمَ ردٍّ عليه فأنت تزداد طيبًا بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ كم من مشكلة نشأت، وكم من مصيبة وقعت، وكم من معركة قامت كم من أمور منكرة كثيرة وقعت بسبب كلمة والرد عليها ولو أن الشخص لم يردَّ وأعرض عن هذا السفيه لانتهت المشكلة بفضل الله سبحانه وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰمًا.

يا أيها الإخوة الكرام، هذه الصفة هي صفة الحلم لذلك قال الحسن البصري رحمه الله، حلماء هذا معنى قولي ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ عندهم حلم والحلم، كما يُعرِّفه بعض العلماء، ضبط النفس عند هيجان الغضب الحلم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يقع ومتى يتحقَّق؟ عند الغضب الحلم ﴿أَنَّمَا﴾ يظهر حينما يوجد ما يسبب لك الغضب فأنت تحلم رغم وجود الغضب معك فالإنسان حينما يمسك بزمام نفسه ويضبطها عند هيجان الغضب.

فهذا هو عين الحلم، ومن المعلوم أن الله قد رزق الإنسان القوة الغضبية. وهذه نعمة لأنَّ الإنسان إذا لم يغضب بحال من الأحوال لم يغضب على عرضه امتهكت الحرمات ووقع ما يقع من خراب فالقوة الغضبية التي أعطانا الله إياها هذه نعمة لكنها تكون نقمة إذا لم تُستعمل في موضعها الصحيح. ولذلك قال الشافعي أيضًا «من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استغضب، ومن» استرضي فلم يرض فهو شيطان من استغضب فلم يغضب فهو حمار إنسان ضربك شتمك كيف لن تغضب ستغضب.

لكنك ستحلم وتمسك بزمام نفسك قال النبي ﷺ: «كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ليس الشديد بالصرعة ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ليس الشديد الذي يصرع الناس ويقول: لن يستطيع أحد أن يقف لي أو يتصدَّى لي ﴿أَنَّمَا﴾ الشديد القوي الذي يملك نفسه عند الغضب وماذا كانت وصية رسول الله ﷺ لهذا الرجل الذي». جاء النبي ﷺ وقال يا رسول الله أوصني كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه ردَّد مرارًا، وفي بعض الروايات: «وَأَقْلِلْ عَلَيَّ»، أي: أريد وصية جامعة مختصرة موجزة بليغة. فقال له: «لا تغضب» فردد مرارًا: «لا تغضب» وهنا السؤال كيف لا أغضب

المعنى إذًا غضبت فتمالك نفسك فلا يقع منك إلا ما يرضي الله عز وجل كقوله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾14. فقد يقول قائل، ومنى لا يرجو، أن يموت على الإسلام كل منا يرجو، أن يموت على الإسلام والله ينهانا عن، أن نموت إلا على الإسلام. المعنى أثبت على الإسلام فإذا ثبت توفقك الله فإذا مَيِّت ستموت على الإسلام.

نسأل الله أن يثبتنا على دينه أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله،

تجليات اسم الله الحليم واقترانه بالغفور والشكور والعليم والغني

هكذا الحلم صفة جليلة وصفة عزيزة، يكفيها فخرًا أن الله اتصف بها فالله جل وعلا من صفاته الحلم، ومن أسمائه الحليم. وقد تكرَّر اسمُه الحليم في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة وجاء معه أربعة أسماء من أسماء الله الحسنى فالله جل وعلا وصف نفسه بقوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.

وقال: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فاقترن اسمه الحليم باسمه الغفور واقترن اسمه الحليم باسمه الشكور واقترن اسمه الحليم باسمه العليم واقترن اسمه الحليم باسمه الغني. وهذا له مدلول عظيم فالله حليم وغفور أنت قد تحلم عن شخص. لكن في نيتك، أن تعاقبه بعد حين أنت الآن عفوت لم تنتقم.

لكن تقول سيأتي يوم آخر سأنتقم فيه. أما الله فهو غفور حليم، لا يعاجل بالعقوبة، ويغفر ويعفو سبحانه وتعالى، كذلك والله شكور حليم حليم علينا مع كثرة معاصينا والله جل وعلا قرر. فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ15 عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهذا هو الحلم. وقال ﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًا﴾16 وقال ولو ي. إذن هو الحليم الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم. بل جعل لكل شيء مقدارًا وأجلًا ينتهي إليه. وهذا حلمه فماذا عن أعمالنا الصالحة ذنوبنا كثيرة وسيئاتنا عديدة. نسأل الله العفو والمغفرة ففي جانب التقصير حليم غفور وإذا أحسنَّا ولو قليلًا فهو شكور وهو الذي يعطي الكثير من الثواب والجزاء على القليل من العمل أعمالنا إذا أحسنَّا فيها قليلة، وهو شكور يعطي ويزيد ويرزق ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بغير حساب.

وقال: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أنقق أنت قد تحلم عن غيرك لأنك لا تعلم كيف تستطيع الفتك به وكيف تستطيع الثأر لنفسك فتفكر وتقول. إذن سأحلم أنا لا أدري قد أحاول الرد عليه فلا أتمكن. وقد يكون أقوى مني. وقد يكون له حاشية تزأر له أو تثأر له وما إلى ذلك. أما الله فهو عليم حليم، هو سبحانه عليم لو أراد أن يُهلك لأهلك، ولو أراد أن يقضي على هؤلاء لقضى عليهم.

وقد قال ﷺ: «كما في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لا أحد أصبر على أذًى يسمعه من الله لا أحد أصبر على أذى يسمع من الله إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ هل منع الله رزقه عمن اتخذ له ندة؟ هل منع الله رزقه عمن اتخذ له ولدة؟ إن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو الموصوف بالحلم وصفة الحلم من». الصفات العزيزة جدًّا في البشر كما يقول العلماء حتى إن بعض العلماء سمَّى الحلم سيِّد الأخلاق وفسر بعضهم قوله جل وعلا في حق يحيى بن زكريا عليهم السلام ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾17 قال بعض المفسّرين سيدًا أي: حليمًا وصف الله الخليل إبراهيم. فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾18.

كمال حلم الرب على من افترى عليه الولد وعتاب

وقال ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾19. ومع ذلك ماذا قال الخليل إبراهيم عليه السلام قال لله جل وعلا ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ المؤمنين فقط فرد الله قائلًا، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ قال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ الخليل الحليم يقول لرب العزة ﴿رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا﴾ ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ فيجيب الله قائلًا: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: إذا لم يتب إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لذلك أولى بك وجدير بك أن تتعرَّف على حلم الله فإذا عرفت شيئًا عن حلم الله فقل ربي هو الحليم وهو العليم القادر فأنا أحلم لعل الله أن يحلم عليَّ وأنا أعفو لعل الله أن يعفو عني وكذلك اقترن اسمه الحليم باسمه الغني ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾20 بعض الناس يحلم عن الآخر.

لكن لماذا؟ لأنه ليس صاحب غنى ليس صاحب قدرة، ولا سلطة، ولا قوة فيقول: أنا إذا تصدَّيت له، ربما عاقبني، وربما استعان عليَّ بماله الله غني هو حليم وهو غني سبحانه وتعالى، لا يحتاج إلى أحد أنت قد تحلم عن بعض الناس تقول لعل أحتاج إليه يومًا عندي حاجة إليه ومصلحة منه فأنا لا أرد عليه الإساءة لأنني قد أضطر إليه يومًا أما الله فهو الغني الحليم سبحانه وتعالى.

يا أيها الإخوة الكرام، صفة الحلم صفة عزيزة الله جل وعلا وصف بها نفسه ووصف بها أنبياءه ونبينا ﷺ قد ضرب في الحلم أروع الأمثلة ثم كيف نتعرَّف على الحلم؟ وكيف نحقِّق أسباب الحلم؟ وما فوائد صفة الحلم وثمراتها؟ هذا يكون إن شاء الله تعالى في الخطبة القادمة في الشهر المقبل بإذن الله.

اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليقين ما تُهوِّن به علينا مصيبات الدنيا ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا»، وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى يا أيها الإخوة الكرام لا يخفى عليكم وأن النبي ﷺ أخبر أنه يكفر السنة التي قبلها، ومن تمكن من صيام تاسوعاء مع عاشوراء.

فهذا حسن وطيب تقبل الله منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۝ وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا ۝ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ۝ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63-66 ↩
  5. آية: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 75 ↩
  6. آية: ﴿رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 65 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 17 ↩
  8. آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 33 ↩
  9. آية: ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 273 ↩
  10. آية: ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 83 ↩
  11. آية: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 53 ↩
  12. آية: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 55 ↩
  13. آية: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 127 ↩
  14. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — آل عمران: 102 ↩
  15. آية: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 45 ↩
  16. آية: ﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 58 ↩
  17. آية: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 39 ↩
  18. آية: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 75 ↩
  19. آية: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 114 ↩
  20. آية: ﴿۞ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 263 ↩

من سلسلة: سلسلة صفات عباد الرحمن (24 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة