الرسول صلى الله عليه وسلم معلمًا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مقدمة الخطبة وفضل المعلم الأول «صلى الله عليه وسلم»
- فضل العلم وصلاة الملائكة والحيتان على معلم الناس الخير
- معالم الرفق النبوي في التعليم: قصة معاوية والأعرابي بالمسجد
- تعليم النساء والصبيان وهدي النبي في التكرار والبيان
- مراعاة أحوال السائلين والصبر على جفوة ضمام وعتاب عبس
- أسلوب جواب الحكيم وفضل أهل العلم الأحياء بعلمهم
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة وفضل المعلم الأول «صلى الله عليه وسلم»
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا بهذه السلسلة هكذا كان النبي ﷺ عليه وآله وسلم أو.
إن شئت فقل وقفات مع قول الله جل وعلا ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾5. حديثنا إليكم اليوم. إن شاء الله جل وعلا عن الرسول ﷺ معلِّمًا كيف كان يعلم صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الذين علَّمهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا نتعرف عليه في هذا اللقاء بإذن الله جل وعلا عباد الله. إن الذي علم رسوله محمدًا ﷺ هو الله ربه الذي خلقه وأكرمه وأنعم عليه فاصطفاه وجعله رسولًا صلوات الله وتسليماته عليه.
فضل العلم وصلاة الملائكة والحيتان على معلم الناس الخير
وقد امتن الله عز وجل عليه. فقال ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾6. ﴿وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. وقال عز من قائل ووجدك ضائعًا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾7. وبين الله جل وعلا أن تعليمه للنبي ﷺ فضل كبير من الله عليه قال ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾8. ﴿إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾9 فضل الله عليه ﷺ كبير، ومن فضله عليه ورحمته به أن علَّمه وجعله معلِّمًا للبشرية صلوات الله وتسليماته عليه فأدى الرسول ﷺ أمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة أتم نصح وأبين نصح صلوات الله وتسليماته عليه فكان خير معلم لخير متعلم صلوات الله وتسليماته عليه علم فأحسن في التعليم حث الناس على العلم والتعلم والتعليم سيأتيكم أناس يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم مرحبًا مرحباً، بوصية رسول الله ﷺ وقنوهم أي: علموهم كما فسر أحد رواة الحديث يقول ﷺ «سيأتيكم أناس يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم مرحباً، بوصية رسول الله ﷺ وقنوهم أي علموهم.»
وقال ﷺ كما عند ترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وحسنه الألباني أيضًا أنَّ النبي ﷺ قال: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالمًا أو متعلمًا». حث ﷺ الناس على العلم ورغبهم فيه وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه عند الترمذي وغيره، أن ﷺ ذكر عنده عالم وعابد.
فقال ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضل الشمس على أدناكم». ثم قال ﷺ: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحيتان، ليصلون على معلم الناس الخير». ليصلون يثنون على معلِّم الناس الخير، وفي قول الله وجعلني مباركًا في حق عيسى عليه السلام ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾10. قال سفيان بن عيينة رحمه الله، أي: جعله معلِّمًا للناس الخير وفسر ابن مسعود رضي الله عنه أمة قال الأمة: معلِّم الناس الخير فالذي يعلم الناس الخير يثني الله عليه وتثني عليه ملائكته وتستغفر له ملائكته ويستغفر له من في السماوات، ومن في الأرض فالله الله في مثل هؤلاء.
نسأل الله جل وعلا ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا الخير والفضل عباد الله علم ﷺ الناس فأحسن في تعليمه كان مثالًا عظيمًا يقتدى به ويحتدى به في هذا الأمر. فإلى المعلمين والمدرسين أقول لهم تعلموا يحتمل أنه سمع القصة كلها من رسول الله ﷺ كيف كان يعلم أصحابه وكيف كان يعلم عامة الناس كيف كان يعلم الصبيان كيف كان يعلم الشيوخ كيف كان يعلم النساء صلوات الله وتسليماته عليه كان ﷺ أرفق الناس بالناس فكان في تعليمه رفيقًا بأمته صلوات الله وتسليماته عليه ها هي عائشة رضي الله عنها زوجه حينما يخيرها النبي ﷺ عليه وآله وسلم في أن تبقى معه مع شظف العيش وبين، أن تختار ما تختار من المفرضة واختارت ﴿ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ كما تقدم في الحديث عن الرسول ﷺ زوجًا تقول له كما في مسلم يا رسول الله إني أختار ﴿ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾، ولا تخبر أحدًا من أزواجك بذلك لا تخبر أحدًا من أزواجك بذلك.
معالم الرفق النبوي في التعليم: قصة معاوية والأعرابي بالمسجد
فقال لها ﷺ لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها «إن الله لم يبعثني معنّتاً، ولا مُتعنِّتًا وإنما بعثني معلمًا ميسرا» صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجاء في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال بينما أنا أصلي مع النبي أو بين أنا أصلي مع ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله أي: وهو في الصلاة قال فرمت الناس بأبصارهم فقلت: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ ما شأنكم تنظرون إلي يقول هذا في الصلاة لأنه لا يعلم، أن الكلام في الصلاة لا يجوز وإنَّما في الصلاة ذكر الله والتسبيح وقراءة القرآن.
فقال ما شأنكم تنظرون إلي قال فجعلوا يضربون بأيادهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكتُّ قال فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته فبأبي هو وأمي والله «ما رأيت قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه». جاء في رواية أبي داود «ما رأيت معلمًا أرفق يحتمل أنها سمعت القصة كلها من رسول الله صلى الله عليه وسلم». فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ﴿أَنَّمَا﴾ هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم فأن مررحمك الله الرسول صلوات ربي وتسليماته عليه قد علم الناس أن الكلام لا يسوغ في الصلاة.
لكن هذا المتكلم خفي عليه الحكم فلم يقابله الرسول ﷺ بشدة، ولا بعنف وإنَّما عامله برفق صلوات الله وتسليماته عليه. وها هو مالك بن الحويرث رضي الله عنه كما في الصحيح يقول أقمنا عند ﷺ عشرين ليلة ونحن شباب متقاربون فظن اشتياقنا أو شوقنا إلى أهالينا وسألنا عمن خلفنا من أهالينا يسأل كل واحد منهم يقول له من تركت من أهلك
ومن جئت وتركت فيخبره فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، وكان رحيمًا رفيقا. فقال لهم «ارجعوا إلى أهاليكم فكونوا فيهم، ومروهم وعلموهم». «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» وليأمكم أكبركم، وكان رحيمًا رفيقًا أقاموا عنده عشرين ليلًا وهم شباب متقاربون رأ النوم مشتاقون إلى أهل أهاليهم فأمرهم بالرجوع إلى أهاليهم ليكونوا فيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك جاء في الصحيح أنَّ ﷺ قام يصلي فقام رجل.
وقال اللهم ارحمني وهو أعرابي اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا وجاء في رواية ابن ماجه أنه دخل على النبي ﷺ وهو جالس. فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا فضحك النبي ﷺ وقال كما في رواية البخاري «لقد حُجِرت واسعة». وقال في رواية ابن ماجه «لقد احتُضِرت واسعة».
لماذا تحجر واسعة إن رحمة الله واسعة ثم قام الرجل ليبول في المسجد وجاء في رواية ففضى بوله أي: أنه فرج ما بين رجلي وبال في المسجد فأمر ﷺ بتركه قال فلم يؤنبني، ولم يشتمني ﴿أَنَّمَا﴾ قال لي إن هذه الصلاة أو «إن هذا المسجد لم يُجْعَل لمثل هذا». يراعي حاجات الناس ومدى حاجتهم إلى العلم والتعلم هاهو ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي رفاعة رضي الله عنه قال انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يعرف ما دينه قال فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدًا فقعد عليه وظل يعلمني مما علَّمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها ﷺ يترك الخطبة ﷺ حينما يقول له الرجل رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه يريد أن يتعرف ما الإسلام وما أركان الإسلام نزل ﷺ إليه وانتهى إليه وأقبل عليه وعلَّمه مما علَّمه الله ثم أتى الخطبة وأكملهكأنَّه م ويذكر ناسيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتوقف هذا عند الرجال.
تعليم النساء والصبيان وهدي النبي في التكرار والبيان
بل كان يعلم النساء ﷺ لما خطب خطبة العيد وظن، أن النساء لم يسمعن خطبة أتاهن ومعه بلال رضي الله عنه فوعظهن النبي ﷺ بل جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال من حديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فتعلمنا مما علمك الله.
فقال لها ﷺ اجلسنا في مكان كذا في يوم كذا وكذا أو كذا فذهب ﷺ ووعظهن ﷺ فكان فيما قال لهن ما من كن من امرأة تقدم بين يديها ثلاثة إلا كن حجابًا لها من النار. فقالت امرأة أو اثنين ثم كررت أو اثنين. فقال ﷺ واثنين واثنين واثنين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك لما ركب خلفه ابن عباس رضي الله عنهما، كما عند الترمذي وغيره قال له ﷺ يا غلام، إني أعلمك كلمات: «احفظ الله يحفظك».
«احفظ الله تجده تجاهك» «إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ» «وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» واعلم، أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروا لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك «رفعت الأقلام وجفت الصحف». يعلم ﷺ ابن عباس وهو غلام يا غلام إني أعلمك كلمات، وكذلك عمر بن أبي سلمة كان يقول كانت يدي تطيش في الصحفة.
فقال لي النبي ﷺ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». قال فما زالت تلك طعمته بعد كما في الصحيحين نعم إنه ﷺ يراعي كل الأمور ويترقبها ﷺ ويتفقد أحوال الناس ﷺ فمن يحتاج إلى مصح النصحة، ومَنْ يحتاج إلى تنبيه النبهة، ومَنْ يحتاج إلى تحذير حذرة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان في طريقة تعليمه يعلم الناس بطريقة حسنة مناسبة يسع الناس فهمها، ولا يخفى عليهم أمرها فكان ﷺ إذا تكلم بالحديث «أعاد الحديث ثلاثاً».
كما في حديث أنس في البخاري «أعاد الحديث ثلاثاً». حتى يفهم عنه ﷺ بل وتقول عائشة رضي الله عنها لم يكن أو كان ﷺ يتكلم بالكلام لو عاده العاد لأحصاه يتكلم بالكلام لو عدة العاد لأحصاه الذي يريد أن يعد الكلمات التي يتكلم بها ﷺ يتمكن من إحصائها لقلة كلامه مع فصاحتها وبلاغتها صلوات الله وتسليماته عليه.
وقالت «لم يكن يسرد الحديث كسردكم هذا». أي: كما نسرد صلوات الله وتسليماته عليه كان فريدًا في تعليمه، وفي تربيته لأصحابه، وفي تعليمه للناس صلوات الله وتسليماته عليه أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد.
مراعاة أحوال السائلين والصبر على جفوة ضمام وعتاب عبس
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، كما كان ﷺ يراعي الأحوال فقد كان يراعي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقدار المخاطبين، وكذلك من يتحدث إليه، ومَنْ يسأله فربما أجاب هذا بإجابة وأجاب الآخر بإجابة أخرى لأنَّ هذا يحتاج إلى هذا الجواب ولأن الآخر يحتاج إلى جواب آخر وكذلك كان يعلم من طلب منه التعلم فها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في الصحيحين يقول للرسول ﷺ يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فيقول له ﷺ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وفي لفظ كبيرًا، «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» وجاء في الترمذي أن العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ قال له: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله ربي عز وجل.
فقال له النبي ﷺ: «سل الله العافية». سأل الله العافية قال فمكثت أيامًا لا أسأله ثم أتيت «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» علمني شيئًا أسأله الله عز وجل. فقال له ﷺ يا عباس يا عم رسول الله ﷺ: «سل الله العافية». في الدنيا والآخرة وجاء في حديث أبي برزة عند مسلم أنه قال: يا رسول الله علمني شيئًا أن تفع به.
فقال: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين». ويأتيه الآتي فيقول له علمني شيئًا أو دلني على شيء يدخلني الجنة فيجيبه بإجابة ويقول له الآخر نفس السؤال فيجيبه بإجابة أخرى لأنَّه يعلم أنَّ هذا بحاجة إلى تلك الإجابة وأن الآخر بحاجة إلى إجابة أخرى أو أن الوقت نفسه يستدعي عملًا دون عمل أو فوق عمل هكذا كان النبي صلوات ربي وتسليماته عليه كان ﷺ يصبر على جفوة السائل فإذا سأله سائل واشتد عليه احتمل منه ذلك ﷺ حينما أتاه ضمام بن ثعلبة كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له.
وقال له: يا رسول الله أو قال بداية أين محمد أين محمد. فقال له هذا المتكئ الأبيض بين ظهراني الناس. فقال له: يا ابن عبد المطلب. فقال له الرسول قد أجبتك. فقال له إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي. فقال له ﷺ بصدر رح سل عما بدى لك سل عما بدايته هكذا كان النبي صلوات الله وتسليماته عليه يصبر على جفوة السائل حرص حرصًا شديدًا على تعليم الناس وتبليغ الدعوة صلوات الله وتسليماته عليه.
ومع ذلك كله عتب عليه ربه عز وجل حينما أتاه عبد الله بن أم مكتوم يطلب منه علمًا والرسول ﷺ نظر إلى مصلحة أعمى فوجد صناديد المشركين أو عددًا منهم يجلسون إليه وهو يسمعهم ويدعوهم إلى الله الله أكبر. مع أنَّ ﷺ قصد بذلك نفع الدعوة إلا أن الله عتب عليه في طريقة تعليمه ﷺ أو في تقديمه هؤلاء على ابن أم مكتوم مع ما رأى النبي ﷺ من مصلحة.
فهذا يدل دلالة واضحة على أن ﷺ كان في تحركه، وفي تعليمه موافقًا لما يريد رب العباد أن يكون الرسول عليه كيف. وقد أثنى الله عليه. فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾11. ﷺ فتعلم منه الجاهلون وأرشد الغافلين ونبه الناسين صلوات الله وتسليماته عليه فتعلم على يديه خلق كثير وصار على يديه أو تعلم على يديه خلق طيبون من أصحاب النبي الكريم ﷺ كان النبي ﷺ في بعض الأحيان يخص بعض الناس بشيء من العلم بما لا يذكره لغيره لما يعلم من مكانة هذا الشخص، وكذلك ربما أعرض عن السائل حتى يتم حديثه للمصلحة الكبرى فها هو ﷺ كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو جالس يحدث الناس قال له أعرابي ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ الساعة
أسلوب جواب الحكيم وفضل أهل العلم الأحياء بعلمهم
فلم يرد النبي عليه ﷺ ومضى في حديثه. فقال بعض القوم سمع المقالة فكرهها. وقال بعضهم: بل لم يسمعها فلما قضى ﷺ حديثه قال له ﷺ أين أراه السائل عن الساعة قال أنا يا رسول الله قال إذًا ضيعت أمانة فانتظر الساعة قال وكيف إضاعتها
قال إذًا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة هكذا كان ﷺ ربما سأله سائل عن سؤال فإجابة عن غيره أو إجابة بإجابة أشمل من سؤاله. وهذا ما يسميه أهل العلم بجواب الحكيم فلما سُئل ﷺ كما عند أصحاب السنن من حديث أبي هريرة أنا توضأ بماء البحر قال ﷺ نعم «هو الطهور» ماءه هو الطهور ماءه الحل مَيِّتته وهم يسألون وقت العطش يحتاجون إلى ما لديه من ماء فإنَّ توطأنا به عطشنا أفنتوطأ بماء البحر ما يلبس المحرمات من الثياب فقال ﷺ «لا يلبس القميص ولا العمام ولا السراويل ولا البرنس ولا شيئًا مسه الورس أو الزعفران فأجاب النبي ﷺ عن الذي».
لا يلبس، ولم يجبه عما يلبس لأنَّ الماء مفتوح والحلال كثير. وأما الماء الممنوع فهو قليل فذكر الممنوع لأنه منضبط محصور صلوات الله وتسليماته عليه علم فأحسن التعليم وحث على العلم والتعلم وبين، أن مكانة العلماء مكانة عظيمة ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء، «وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ» ففز بعلم تعش حيا به أبدًا الناس موتى وأهل العلم أحياؤه عباد ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كان هذا تعليم ﷺ للمسلمين فكيف علّم المشركين وكيف دعاهم وكيف انتشرت الدعوة هذا بإذن الله جل وعلا سيكون له لقاء آخر مع الرسول ﷺ داعيًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾12.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾13. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك الهدى والتقى اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرج كرب المسلمين في فلسطين اللهم أيدهم بتأييدك وقوهم بقوتك يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
- آية: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 113 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 52 ↩
- آية: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 86 ↩
- آية: ﴿إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 87 ↩
- آية: ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 30 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 45 ↩
- آية: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 46 ↩
من سلسلة: سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (45 درسًا)