مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء ضعف تقوى الله فى القلوب

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 78 من 96 · 26 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ (النساء: 1 (تكرار جزئي للآية الملفوفة قبلها في نفس الفقرة)) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا وعونه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء ونحن اليوم بإذن الله جل وعلا على موعد مناسب لهذا المقام الذي نحن بصدده من كوننا في شهر رمضان.

نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا فيه بالخيرات والبركات وهو داء ضعف وازع التقوى في القلوب نعم ضعف وازع التقوى في القلوب كثير من الناس ضعف وازع التقوى في قلوبهم إلا من رحم الله جل وعلا. وقد قال الله ذلك ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾6. وقد قال النبي ﷺ: «﴿إِلَّا﴾ إن التقوى ها هنا». يشير إلى صدره ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ صلى الله عليه وآله وسلم تقوى الله عز وجل خلف عن كل شيء، وليس شيء يكون خلفًا عن تقوى الله جل وعلا فتقوى الله عز وجل رأس كل خير.

وقد قيل لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه أوصني. فقال له سألت رسول الله ﷺ عما سألتني. فقال لي «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل خير». «وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بذكر الله وقراءة القرآن فإنه روح لك في السماء وذكر لك في الأرض» وحسنه الألباني بشواهده فتقوى الله جل وعلا رأس كل خير. وقد أمرنا الله جل وعلا بالصيام وبين لنا أن الغاية العظمى والحكمة العليا من هذه الفريضة تحقيق تقواه.

فقال عزَّ من قائلٍ: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾7. وهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾8. وشرع الله عز وجل لنا العبادات من أجل تحقيق التقوى. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾9. أما تقوى الله عز وجل فلا غنى لمسلم عنها يفوز المتقون ويخسر الفجار المذنبون المستمرون على ذلك قال سبحانه ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾10. لا يستوي الأتقياء مع الفجار كما لا يستوي البررة مع الفجرة عباد الله التقوى من مادة وقاء وهي تدل على دفع شيء عن شيء بشيء آخر فكونك تتقي الشيء، أي: تدفع شيئًا عنك بشيء آخر.

وقد جاء. الأمر بتقوى الله، وجاء. الأمر باتقاء يوم القيامة، وجاء. الأمر باتقاء نار جهنم أعاذنا الله منها بمنه وكرمه، فنحن مأمورون، يا أيها الإخوة الكرام، بأن نتقي الله وأن نتقي يوم القيامة هذه الأهوال العظيمة وأن نتقي نار جهنم سلمنا الله وإياكم واتقاؤنا لذلك، أن نتخذ وقايا نحتمي بها ونتعزز ونتقوى فنحفظ بسببها بفضل الله جل وعلا.

وهذا الذي أتقي به ربنا. وهذا الذي أتقي به هذا اليوم الشديد. وهذا الذي أتقي به نار جهنم ﴿أَنَّمَا﴾ يتمثل في طاعة الله وترك معصيته فأعظم ما يتق الإنسان به ربه وأجل ما يتق الإنسان به عذابه وناره، أن يلزم طاعة الله وأن يترك معصية الله عز وجل ولما سُئل بعض الصحابة الكرام عن تقوى الله عز وجل.

«فقال هل مررت بطريق ذي شوك قال أجل تقوى الله، أن تتخذ وقايا من طاعة الله سبحانه، ومن ترك معصيته ولزوم حدوده» تتقوى بها ويعينك الله فتسلم من سخط الله عز وجل عباد الله، إن الذي يتقي ربه سعيد في الدنيا والآخرة، سعيد لأنه أطاع الله، ولم يعص الله عز وجل وسعيد في الآخرة، لأنه يكون ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾.

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، قد وعد الله عز وجل المتقين بوعود كثيرة وبشارات عديدة من شأنها أن تدفع المسلم نحو تقوى الله عز وجل دفعًا. جعلنا الله وإياكم من المتقين قال الله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾11. في جنات وعيون. وقال ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ﴾ ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ﴾. وقال إن المتقين في جنات وعيون(الحجر: 45 (مرتان) + القمر: 54-55).

وقال ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ﴾. وقال ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ﴾ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّآءٍ غَيْرِ آس ﴿وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ (المرسلات: 41 + محمد: 15 (بصيغة منقولة؛ «للشاردين» خطأ تفريغ — الأصل: للشاربين)) ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن﴾ الذي يتقي ربه، الله يعينه، ويؤيده، وينصره، ويوفقه، ويسدده، ولا يخذله، ألم يقل الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾12.

ألم يقل الله الذي يتقي الله يحبه الله وإذا أحبك الله عز وجل فلا يهمك أحد آخر كيف والله إذا أحب عبدًا حبب الخلق في هذا العبد ووضع له القبول في الأرض قال عز من قائل ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾13. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وعد الله المتقين بتكفير السيئات وزيادة الأجر والمثوبات، ومَنْ يتقي ﴿ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعْظِمْ لَهُۥٓ أَجْرًا﴾.

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه عباد الله تقوى الله مفتاح كل خير جملة واحدة، أن تفهم معنى اتق الله اتق الله، كلمة غالية، كلمة نفيسة، كلمة ثمينة، أمر الله بها نبينا محمدًا ﷺ إمام الأتقياء. فقال الله عز وجل له، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾14. تقوى الله مفتاح كل خير، اتق الله، أن تلزم حدود الله، أن تتعرف على ما يرضي الله عز وجل فتفعله، وأن تعلم ما يسخط الله عز وجل فتتوقاه وتتركه، لا تكن ممن تغره نفسه وتعلو عليه نفسه فيكون متكبرًا على تلك الوصية الغالية.

وقد ذمّ الله قومًا. فقال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾15. ﴿فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ إنَّ العبد العاقل هو الذي يتذكر تلك المقالة دومًا وهي اتق الله فتحركه نحو طاعة الله وتحجمه عن معصية الله عز وجل «إن هذا الرجل الذي كان يحب ابنة عمه وتقرب إليها» وتزلف منها وأراد أن يصل إليها فما وصل إليها إلا عند حاجتها إلى المال، «ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه» اتق الله، «ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه» «فما كان منه إلا أن انصرف عنها وخلّى سبيلها وتركها وترك المال».

«وقال حين من طبقت عليهم الصفرة اللهم. إن كنت قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه» تحجبك عن الشرور، تدفعك إلى الخيرات، إلى طاعة رب الأرض والسماوات، الله الله. يا عباد الله، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾، وإلى الله المصير. «ابن مسعود أبو عبد الرحمن رضي الله عنه له تعريف جيد للتقوى» ثبت عنه وجاء مرفوعًا لكنه لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ لكنه من قول ابن مسعود قال في معنى: التقوى أن يطاع الله «فلا يعصى، تقوى الله، أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر»، أن تطيع الله وأن لا تعصيه، وأن تذكره، ولا تنساه، وأن تشكره، ولا تكفره جل وعلا وليس معنى ذلك.

يا أيها الإخوة الكرام أن الذي يتقي ربه معصوم كلا فالذي يتقي ربه يقع في المعاصي ويذل ويزل كيف. وقد قال الله عز وجل ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134-135 (جزآن منقولان)) والذين إذا فعلوا فاحشة المتقى قد يفعل فاحشة ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾16 فالذي يتقي ربه قد يزل.

وقد يخطئ. وقد يعصي الله لكنه لا يستمر على المعصية سرعان ما يتوب وما يرعوي ويرجع عن غيه ويتوب إلى ربه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾17. فإذا هم مبصرون يتذكر فيتوب إلى الله عز وجل «أن يطاع الله فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى» أن تذكر الله دومًا أن يعينك الله عز وجل على ذكره فتذكره لا تغفل عن ذكره «إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ عليَّ رقيب، ولا تحسبن الله يغف» فأين الله

فأين الله ماذا أقول لربي غدًا لذلك قال ﷺ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». عباد الله إننا في صومنا نتقي الله عز وجل أمرنا الله بالصوم فصمنا أمرنا الله بترك الطعام والشراب فامتثلنا نطيع الله ونتقيه. بل الواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ يحرص كل الحرص على أن يصح صومه، وعلى أن يقبل الله صومه فإذا ما أوذي أو سب أجاب قائلًا اللهم إني صائم إني امرؤ صائم كل ذلك ليحقق تقوى الله عز وجل فكذلك كن في سرك وعلنك في مالك اتق الله في حركاتك اتق الله في مقالك اتق الله في أفعالك اتق الله مع زوجتك اتق الله مع أولادك اتق الله في عملك اتق الله في كل أمرك وشؤونك اتق الله.

جعلنا الله من المتقين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، إن نار جهنم شديدة وإن عذاب الله عذاب أليم فاتقوا الله في أنفسكم فاحموا ضعفاءكم لا نقوى على نار جهنم. إن رب العزة سبحانه قد قال واسمع الآية وتدبرها وتأمَّلها قال الحق سبحانه ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾18. يوم القيامة أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ من المعروف، يا أيها الإخوة الكرام أن ضررًا إذا جاء ليقترب منا فإننا نتقيه بأيدينا إذا جاءك أذى أراد أن يصيبك أذى أو جاء أذى وأقبل عليه فإنَّك تتقيه بيدك لِمَ تتقيه بيدك

لئلا يصل إلى وجهك فوجهك أرفع مكان في جسدك تُحفظه بمالك وتُحفظه بدنياه فكيف بمن يكون وجهه هو الوقاية من عذاب الله فهل سيتقي به عذاب الله أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يأتي العذاب يوم القيامة لأناس لم يتقوا الله عز وجل فتكون وجوههم هي التي يتقى بها هذا العذاب. نسأل الله السلامة والعافية.

تقوى الله تكون بامتثال أمره واجتناب نهيه. إن النبي ﷺ قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». أن نتقي الله في أمورنا كلها ورحم الله طلق بن حبيب حينما قال: «تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو رحمه الله». «وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله» لا ينبغي هذا للمتقين لا ينبغي للمتقي أن يلبس الحرير لا ينبغي للمتقي أن يغضب الله، أن يسخط الله عز وجل جدير بنا عباد الله، أن نعلم أننا لله عباد وأن الله ربنا مالك الملك ذو الجلال والإكرام بيده أزِمّة الأمور كلها يأمر وينهى، ونحن نسمع ونطيع فإذا قال لنا فعلوا فعلنا وإذا قال لنا اتركوا تركنا إذا قال لنا تكلموا تكلمنا إذا قال لنا اسكتوا سكتنا إذا قال لنا أنفقوا أنفقنا إذا قال لنا امتنعوا منعنا هكذا يكون المتقي أن يعمل بطاعة الله وأن يترك معصية الله عز وجل فإياك ثم إياك، أن تتكبر عن هذه الوصية الغالية الوصية التي أوصى ﷺ بها أصحابه في الحضر والسفر ها هو رجل يقول له يا رسول الله إني أريد السفر أن أبرك الناس أكثر الناس خيرًا وأيسرهم عليك تكلفة ومؤونة وأكثرهم لك معونة الأتقياء.

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه قال الله سبحانه: ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾19. الصداقات التي تقوم على المعصية تتفرق «يتكلمون من أجل إخوانهم فيقول الله اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه» فالبركة تمتد من المتقي إلى غيره. وقد قال الله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾20. عبد الله اتق الله مهما كان اتق الله في عملك ولا يضرك أن ضُيِّق عليك في باب من أبواب الرزق إياك، أن تكون يومًا من المختلسين أو أن تكون يومًا من الغاشين أو الخائنين أو السارقين قال الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾21 وقنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 32 ↩
  7. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 183 ↩
  8. آية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 131 ↩
  9. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 21 ↩
  10. آية: ﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 28 ↩
  11. آية: ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 133 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 128 ↩
  13. آية: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 76 ↩
  14. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 1 ↩
  15. آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 206 ↩
  16. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 135 ↩
  17. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 201 ↩
  18. آية: ﴿أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّـٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 24 ↩
  19. آية: ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 67 ↩
  20. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 63 ↩
  21. آية: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 2-3 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة