مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء ضعف الحياء

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 77 من 96 · 36 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا وعونه وتوفيقه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء أذكر فيها الداء ثم أتبعه بالدواء كما جاء مبينًا في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحديثنا اليوم.

يا أيها الإخوة الكرام، عن داء خطير قد استشرى بين كثير من الناس رجالًا ونساءً إلا من رحم الله جل وعلا وهو داء ضعف الحياء نعم داء ضعف الحياء إن الإسلام دين الحياء وصدق النبي ﷺ عليه وآله وسلم حينما قال كما عند ابن ماجه وغيره من حديث أنس رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلم.

«إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ». فخلق الحياء من الخلق العظيم الرفيع الذي تميز به ديننا الحنيف. ومع ذلك فإننا نجد كثيرًا من الناس قد تخلوا عن هذا المبدأ السامي وعن هذا الخلق الرفيع. نسأل الله السلامة والعافية. الحياء له صلة بالحياة فالحياء والحياة متقاربان والحياء مأخوذ من الحياة.

وذلك أنَّ الحياء حياة القلوب فالقلب كلما كان حيًّا كان حييًّا وإذا عظمت حياة القلوب كمل حياء الناس بفضل الله عز وجل فالقلب الحي هو صاحب الحياة وصاحب الحياء أيضًا بفضل الله عز وجل لذلك جاءت النصوص الشرعية تدل على أن الحياء والإيمان قرينان وأن «الحياء لا يأتي إلا بخير». وأن الحياء جزء من الإيمان قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال صلى الله عليه وآله وسلم «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».

«وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» «وجاء في الصحيحين بلفظ: الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». وقال ﷺ كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، أنه ﷺ قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي لفظ مسلم «الحياء خير كله». وفي الصحيحين من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، أن ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء أخ يقول لأخيه: لا تستحِ، طالب بما لك.

فإنَّ الحياء قد أضر بك. فقال ﷺ: «دعه، فإنَّ الحياء من الإيمان». والحياء، يا أيها الإخوة الكرام، خلق جميل يبعث صاحبه على فعل الجميل وترك القبيح الحياء خلق جميل يحمل صاحبه على أن يفعل الفضائل، وعلى أن يتجنب القبائح وهو كذلك انقباض النفس عن الأخلاق الدنيئة. كما أنه تركها واجتنابها، وكذلك فالحياء تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُلام عليه أو يذم عليه الإنسان يتغيَّر وينكسر إذا فعل شيئًا يعلم أنَّ هذا الشيء سبب في مذمته وسبب في أن يعيبه الناس هكذا.

يا أيها الإخوة الكرام، فالحياء خلق ما أجمله وما أعظمه، إذا كان العبد حييًّا أقبل على طاعة الله، وإذا كان العبد حييًّا ترك معصية الله، إذا كان العبد حييًّا، ولم يسئ إليهم بفضل الله عز وجل لذا فالحياء رأس من رؤوس الفضائل، يدعو إلى الفضائل جميعها، ومدعاة لترك القبائح جميعها، ويا ترى هل أوفى الناس بالعهود إلا من أجل الحياء

وهل أدَّى المؤتمن أمانته إلا لأنه يستحي من أن يكون خائنًا؟ وهل تقضى الحاجات إلا بالحياء وهل يصدق الناس إلا بالحياء وإذا كان أبو سفيان رضي الله عنه وقت أن كان كافرًا لهج بكلمة جليلة عظيمة حينما سأله هرقل عن رسول الله محمد ﷺ وكان هرقل، وكان أبو سفيان معاديًا للرسول ﷺ أبو سفيان كان معاديًا للرسول ﷺ وكان يحاربه فلما سأله هرقل عن أخبار النبي محمد ﷺ صدقه.

«ثم قال والله لولا الحياء من أن يأثروا عني كذبًا لكذبت» يكره أبو سفيان إذا رجع إلى مكة وتحدث الناس أن يقول قائلهم. إن أبا سفيان قد كذب مع أنه إذا كذب فإنَّه يكذب على عدوه وهو رسول الله ﷺ لكنهم ما تعودوا الكذب فيكره، أن يُوسم بهذا الوَسْم أو أن يوصف بهذا الوصف. نسأل الله السلامة والعافية.

عباد الله. إن الناظر في واقع كثير من الناس يرى أنَّ هذه الخصلة العظيمة وأن هذا الخلق الكريم قد تلاشى من قلوب كثيرين أو كاد يتلاشى فكثير منهم لا ينظر إلى نفسه، ولا يستحي من ربه ولا من خلق الله عز وجل ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل فكم رأينا من أناس يقترفون المحرمات جهارًا بيانًا علنًا لا إسرارًا الحياء ما أجمله! يتولد من أمرين.

أما الأمر الأول فهو رؤية الآلاء رؤية نعم الله سبحانه وأما الأمر الثاني: فرؤية تقصير العبد وجنايته إذا أردت أن تكون ممن يستحيي من الله جل وعلا فتذكر نعم الله عليك. انظر إلى نفسك أنت العبد الضعيف مَنْ الذي قواك، ومَنْ الذي أنعم عليك، ومَنْ الذي أعطاك مَنْ الذي رزقك المال والأولاد مَنْ الذي علمك مَنْ الذي سددك إنه الله جل وعلا فأنت إذا نظرت إلى نعم الله جل وعلا وجدتها متكاثرة ووجدتها لا تعد ولا تحصى ثم إذا بك تنظر إلى نفسك وإلى جنايتك وإلى تقصيرك وإلى تفريطك في جنب الله سبحانه فتستحيي من الله عز وجل إذا نظرت إلى نفسك من أنت

أنت العبد المقصر أنت الذي إذا أطعت ما أكملت أنت الذي إذا صليت ما خشعت أنت الذي إذا زكيت قصَّرت أنت الذي إذا صمت ما صمت على أتم وجهه إلا من رحم الله جل وعلا فتراجع نفسك، أنت العبد المقصر والله هو المنعم المتفضل ذو الجلال والإكرام وذو المن والإحسان فتستحيي من الله جل وعلا تستحيي من عملك، أن تقدمه إلى الله مع تقصيرك وتفريطك في جنب الله ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾6.

لذلك علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن نقول في سيد الاستغفار: «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ»، أي: أعترف يا رب أبوء أي: أعترف «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» شتان شتان بين عبد يطيع الله وهو مستحي من الله وهو يعلم، أن جنايته كثيرة وأن عمله قليل وأن عمله لا يكافئ نعم الله وأن عمله يستحق الرد لا القبول فهو مع تقديمه لطاعة الله يخجل من الله ويستحيي من الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾7.

﴿أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ يخاف ألَّا يتقبله الله عز وجل لأنَّ الله قد أنعم عليه كثيرًا وهو لم يقدم إلا القليل والقليل الذي يقدمه مشوب ومخلوط بالتقصير والتفريط في جنب الله عز وجل عباد الله ما أجمل أن نتعلم الحياء وأن نكون من أهله وإذا كان الحياء غريزة في قلب الإنسان، وفي نفسه. فإنَّ العبد الصالح بقدرته أن ينمِّيها وأن يزكيها وأن يزيد منها فيكون حاله كذلك على الحياء.

وقد ضرب لنا النبي محمد ﷺ في ذلك أروع الأمثلة، كان أشد حياءً من العذراء في خدرها هذه المرأة البكر الجميلة التي تستتر في حجرتها، ولا يطلع أحد عليها لحيائها كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها. وقد تعلَّم الصحابة الكرام رضي الله عنهم هذا الحياء فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا دخل الخلاء قنَّع رأسه وستره حياء من الله عز وجل وﷺ يدخل عليه الصديق ثم يدخل عليه عمر ثم يدخل عليه عثمان رضي الله عنهم، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن ﷺ بينما هو مضجع قد كشف عن فخذيه أو ساقيه إذ استأذن أبو بكر رضي الله عنه فأذن له رسول الله ﷺ فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فلم يهشَّ له ثم استأذن عمر فدخل على رسول الله فلم يهشَّ له ولم يباله ثم استأذن عثمان رضي الله عنه فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه وغطى فخذه ثم دخل عثمان رضي الله عنه.

فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، دخل أبو بكر فلم تهشَّ له ولم تُبالِ به «﴿إِلَّا﴾ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟» إنه وسام ورب الكعبة لعثمان رضي الله عنه، أن تستحي منه ملائكة الرحمن وهو الذي تزوج من ابنتَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحياء ما أجمله وما أزينه وما أعظمه يدفع صاحبه إلى كل خير ويحول بينه وبين كل شر ما أحوجنا والله إلى أن نستحي من الله حق الحياء وها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما في الصحيحين يقول علي: «كنت رجلًا مذَّاءً» كان كثير المذي وهو شيء ينزل من ذكر الإنسان لا بغرض الشهوة وإنَّما ينزل منه في بعض الأحيان قال بعضهم: عَقِب البول، ولا يشترط فيه ذلك وحكمه حكم البول يتوضأ منه الإنسان، ولا يجب عليه أن يغتسل منه قال علي رضي الله عنه فاستحييت، وهو حياء الحشمة «فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لمكان ابنته» هو زوج ابنته فاطمة رضي الله عنها فاستحيا، يدركون ما يقولون وكيف يقولون رسولنا ﷺ معلم الناس ومعلِّمهم الهدى ومرشدهم إلى الهدى ﷺ لما أتته امرأة وسألت: كيف أتطهر؟

«قال لها: خذي فِرصةً مُمَسَّكةً فتطهَّري بها. فقالت له: كيف أتطهَّر بها؟ قال: سبحان الله! تطهَّري بها. قالت: كيف أتطهَّر بها؟ فاستحيا رسول الله» ﷺ تقول عائشة رضي الله عنها فأخذتها فاجتذبتها فقلت لها تتبعي بها أثر الدم إنه رسول الله. ثم إنها آثرت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمكان الذي أعدته لنفسها فآثرت عمر به فلما دفن عمر بجوار أبي بكر رضي الله عنهما، ودفن بجوار رسول الله محمد ﷺ كانت لا تدخل عليهم إلا وهي مغطية وهي ساترة رضي الله - تبارك وتعالى عنها الحياء من الله والحياء من الناس أن تستحي من الله عز وجل إن كثيرًا ممن يتجرأ على معصية الله عز وجل إن سبب ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ يرجع إلى قلة حيائه وإلى ضعف حيائه ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾8.

وقال ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾9. ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾10. ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾11. ولذلك علمنا النبي ﷺ حينما طلب رجل منه الوصية كما أورد الألباني في السلسلة الصحيحة وهو عند البيهقي في شعب الإيمان، وكيف نستحيي من الله؟ أقول: علَّمنا ذلك رسولنا محمد ﷺ فقال كما عند الترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال ﷺ «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» قالوا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله.

فقال ﷺ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنِ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى». «وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» إذا أردت أن تكون ممن يستحي من الله حق الحياء فاحفظ الرأس وما وعى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، الحياء الحياء، الزم الحياء في عينيك، الزم الحياء في أذنيك، الزم الحياء في سمعك وبصرك وكلامك، في أمورك كلها، في مطعمك، في شرابك، في تحركك، في كل شيء، استحِ من ربك سبحانه، تستحي من أن يراك الله حيث نهاك أو أن يفتقدك حيث أمرك. بل أنت في الأمر موجود، وفي النهي مفتقد ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾12، ومن الحياء حياء من الناس من ذلك ستر العورات وعدم كشفها.

وقد علمنا نبينا ﷺ كما في سنن أبي داود من حديث معاوية بن حَيْدة القُشيري رضي الله عنه قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ عوراتنا، ما الذي نكشف من عوراتنا وما الذي نذر؟. فقال ﷺ: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك». فقال: يا رسول الله، أرأيت إن كان مع الرجل رجلٌ آخر؟. فقال إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل.

فقال: يا رسول الله، اسمع، الرجل يكون وحده خاليًا الرجل يكون منفردًا لا يراه أحد أنت في العراء تريد أن تكشف عورتك، ولا يراك أحد. فقال ﷺ: «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ». الله أحق أن يستحيى منه، لذلك استحب أهل العلم، أن يغتسل الإنسان وهو ساتر عورته بشيء، ولينزل الماء من داخل تلك السترة حتى يبقى على الحياء من الله عز وجل الله أحق أن يستحيى منه.

فإنَّ المرأة قد أقيم أمرها على التستر، وعلى العفة، وعلى التحصن، وعلى أن تصان. فإنَّ المرأة عند الإسلام والمسلمين درة مصونة ولؤلؤة مكنونة لا يجوز لأحد أن يتجهم أو أن يتهجم عليها وإنَّما تعامل المعاملة الكريمة فإذا ما أراد رجل أن يخطب فتاة ذهب إلى ولي أمرها ولتُستأذن تلك البكر، ولما عُلم من حيائها.

فإنَّ إذنها سكوتها كما علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذلك شرع لنا الإسلام العظيم حجاب المرأة لتكون المرأة مستترة من أن تنالها يد ذئب من عبث أو من أن يتعرض لها أحد من أذى وإنَّما هي مصونة هي لؤلؤة مكنونة تصان بكل نفس ونفيس فأمرها الإسلام بالحجاب ودعاها إلى ذلك وأيًّا ما كان.

الأمر فإنَّ حديث المسلمين تدور أقاويلهم وتجتمع في قولين حديث المسلمين عن الحجاب على قولين منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن المرأة عورة ويجب عليها أن تستر جميع جسدها باستثناء. الوجه والكفَّين فيقولون. إن ستر. الوجه والكفَّين ليس بواجب لكنه مستحب وسنة. وأما سائر جسدها فيجب عليها أن تستر هذا قول والقول الثاني أن المرأة كلها عورة بما فيها.

الوجه والكفَّان. فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام، قد قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». ولما أوجب الله الحجاب على أزواج النبي محمد ﷺ قال ذلكم، أي: الحجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهم فإذا كان أزواج الرسول ﷺ بحاجة إلى الطهارة وإذا كان الصحابة بحاجة إلى الطهارة فنساؤنا من باب أولى ورجالنا كذلك من باب أولى ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهم خلاصة القول: لم يقل أحد من المسلمين، لا من السابقين ولا من اللاحقين، إن ستر المرأة لوجهها حرام لم يقل أحد بذلك إن الإسلام أباح للمرأة أن تخرج كاشفة عن مفاتنها وأن تكشف شعرها.

فإنَّ هذا ليس من الإسلام في شيء أن يدعي أحد أن ستر المرأة لوجهها حرام. فإنَّ هذا لم يقله أحد من أهل الإسلام فلا أدري لِمَ تلك المؤامرات على ديننا العظيم فيقولون مليونية ضد الحجاب ضد ماذا لا الإسلام يرتضي ذلك أقول. بل ولا النصرانية ترتضي ذلك. فإنَّ النصارى عندهم الحجاب ولولا خشية الإطالة لبيَّنت لكم من كلامهم ما يثبت ذلك ولا مصر حرسها الله ترضى لبناتها بذلك.

فإنَّ مصر بلد عريق يعرف العفة ويعرف الطهارة فلتُردَّ تلك المكايد وأقول لتلك الأخت المسلمة يا درةً حُفظت بالأمس غاليةً واليوم يبغونها للهو واللعب يا حرةً قد أرادوا جعلها أَمَةً غربية العقل غريبة النسب هل يستوي محمدٌ قائدًا وآخرُ هو أبو لهب؟ يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيرًا، واكتسبي سبيل ربك، والقرآن منهجٌ، نورٌ من الله لم يُحجب ولم يغب عباد الله صونوا أنفسكم وصونوا نساءكم وصونوا بناتكم وصونوا أولادكم استحيوا من ربكم اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلهما ملتبسين علينا فنضل اللهم آتنا في الدنيا حسنة اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 18 ↩
  7. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 60 ↩
  8. آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 14 ↩
  9. آية: ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 218 ↩
  10. آية: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 219 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 220 ↩
  12. آية: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 285 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة