مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء النفاق الجزء الخامس

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 64 من 96 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وخصلتا خيانة الأمانة ونقض العهد
  2. المفهوم الشامل للأمانة والتحذير من الخيانة
  3. صور الأمانة في المشورة والوظائف وفضل التاجر الأمين
  4. الوفاء بالعهد وموقف النبي مع حذيفة بن اليمان يوم بدر
  5. لواء الغادر يوم القيامة وحرمة الغدر بالكافر المستأمن
  6. أمانة رعاية الأولاد وشؤم قسوة القلب بنقض العهد
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وخصلتا خيانة الأمانة ونقض العهد

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ1 وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾2

المفهوم الشامل للأمانة والتحذير من الخيانة

صور الأمانة في المشورة والوظائف وفضل التاجر الأمين

الوفاء بالعهد وموقف النبي مع حذيفة بن اليمان يوم بدر

لواء الغادر يوم القيامة وحرمة الغدر بالكافر المستأمن

أمانة رعاية الأولاد وشؤم قسوة القلب بنقض العهد

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زلنا بفضل الله سبحانه وتعالى مع سلسلة الداء والدواء ومع داء النفاق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنّبنا هذا الداء وسائر الأدواء، يا أيها الإخوة الكرام، ما زلنا مع خصال المنافقين لنتجنب تلك الخصال. نسأل الله أن يسلمنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى تحدثت إليكم في اللقاء السابق عن خلف الوعد كصفة من صفات المنافقين، ومن صفات المنافقين أيضًا، يا أيها الإخوة الكرام، ما بينه ﷺ بقوله «إذا اؤتمن خان». من خان وبقوله أيضًا «إذا عاهد غدر» فمن صفات المنافقين الغدر وعدم الوفاء بالعهد، ومن صفات المنافقين أيضًا خيانة الأمانة. نسأل الله سبحانه، أن يجعلنا من الأمناء «إذا اؤتمن خان». خان «إذا اؤتمن خان». هذا الإنسان على أمانة من أمانات، فإنَّه يخون، ولا يؤدي الأمانة كما أمره الله بتأديتها. وقد قال الله عز وجل ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾6. والأمانة في مفهومها العام تشمل الأحكام التكليفية كلها فطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ أمانة. بل هي أعظم الأمانات وهي الأمانة المقصودة بقوله جل ذكره ما هذه أمانة ثم ينبثق عن تلك الأمانة أمانات بين الناس إذا أعطى آخر وديعة أو استأمنه على سر أو على أمر من الأمور فيجب عليه أن يحفظ تلك الأمانة وأن لا يضيعها. وقد استعاذ النبي صلوات ربي وتسليماته عليه «اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك من الجوع فإنَّه بئس الضجيع إذا كان الإنسان جائعًا ربما حمله الجوع على الظلم والبغي وأكل أموال الناس بالباطل، وكذلك يستعيذ بالله من الخيانة فإنَّها بئسة البطانة. وقد أثنى الله على عباده المؤمنين قد أفلح المؤمنون إلى أن قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾7 فأهل الإيمان يحفظون الأمانات ولا يضيعونها. أما تضييع الأمانات والخيانة فهذه صفة من صفات المنافقين، وكذلك من صفات اليهود قال الله جل ذكره ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾8. أي: أن الخيانات متكررة من اليهود. كما أنها متكررة كذلك من المنافقين. وقد بين الله سبحانه أنه لا يحب الخيانة وأهلها فالله لا يحب الخائن، إذا اؤتمنت على أمانة فأدِّ تلك الأمانة وأعظم أمانة، أن الله أعطاك بدنًا صالحًا وأعطاك جسدًا ووفقك فهداك للإسلام ولِاتِّباع الرسول عليه الصلاة والسلام، فأدِّ تلك الأمانة واحفظ تلك التكاليف، ومن أعظم الأمانات سمعك وبصرك ولسانك وبطنك وفرجك ويداك، وقدماك هذه أمانات، يا أيها الإخوة الكرام، ومن الأمانات أيضًا التي على المسلم، أن يجتنب خيانتها وترك أدائها من هذه الأمانات ما يتعلق بالنصيحة. فإنَّ «الدين النصيحة» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: «ومن أشار على أخيه بأمر وهو يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه». إذا استشارك مسلم. وقال لك أشر علي أشتري هذا الشيء أو لا أشتريه وأنت تفهم في هذا الأمر أخطب لابنتي من فلان، أخطب بنتي لفلان، أو أخطب لابني من فلانة مثلًا وما أشبه ذلك مما يؤتمن عليه الناس فإذا استُشِرت فكن أمينًا. فإنَّ «المستشار مؤتمن» كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد حدثنا النبي عليه الصلاة والسلام. فقال «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة» قالوا وما الرويبضة يا رسول الله قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». نسأل الله السلامة والعافية. فكثير من الناس ربما يظهر أمام الناس بأنه أمين حافظ لنفسه وحافظ لغيره لكنه في حقيقة الأمر يخون، ولا يؤتمن. نسأل الله السلامة والعافية. وقد قال الله جل ذكره ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾9. ثم قال ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾10. إن كثيرًا من الخيانات التي يقع فيها بعض الناس سببها الحرص على الأموال والخوف على الأولاد فمن أجل أولاده يخون ويفرط في أمانات ويضيعها من أجل المال، ومن أجل الشهوة فإذا به يأكل أموال الناس بالباطل. نسأل الله السلامة والعافية. ومن الأمانات العمل الذي كُلِّفت به أيًّا كائنًا ما كنت فإذا كلفت بعمل وكنت قائمًا على أمر من الأمور. فإنَّ هذه أمانة في عنقك فالتدريس أمانة، وكذلك الزراعة أمانة والصناعة أمانة وكل المجالات التي يعرف الإنسان فيها أمرًا من الأمور ويناط به تكليف من التكاليف هي من الأمانات التي لا يجوز لأحد أن يخون فيها. نسأل الله - تبارك وتعالى أن يجعلنا من المأمونين الأمناء. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يكون نبيًّا، وقبل أن يكون رسولًا يعرف بين الناس بأنه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم وإن من أعظم الصفات وأجل الخصال أن يكون الرجل أمينا. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام، «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»، هذا التاجر الذي يربح ويعمل ويكسب والذي يتاجر وربما اشتغل بذلك عن بعض المستحبات وعن بعض النوافل إذا كان أمينًا فإنَّه يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فانظر إلى نفسك، أين أنت من أداء الأمانة أنت أمانة، وعملك الصالح أمانة، والتكاليف الشرعية أمانة، ووعود الناس أمانة، وما ائتمنك الله عليه من أمانات، فالتزم بتلك الأمانة، ولا تمتنع عن أدائها، فتقبل الله عز وجل منه عمله، يا أيها الإخوة الكرام، لا أريد أن أستطرد في ذلك لأدخل على الخصلة التي تليها وهي كذلك إذا عاهد غدر، أي: من صفات المنافقين لأنه قد سبق بفضل الله في خطبة مستقلة الحديث عن داء الخيانة والداء الآخر والصفة الأخرى من صفات المنافقين «إذا عاهد غدر» المنافق يعاهد لكنه يغدر لا يوفي بعهده كم يعاهد لكنه يغدر في كل مرة أو في أكثر المرات. نسأل الله السلامة والعافية. وفي البداية فالفرق بين الوعد والعهد أن العهد وعد موثق فالإنسان قد يعد غيره فإذا وعده واشترط على نفسه، أن يفعل كذا وكذا ووثق ذلك. فهذا يُسمَّى عهدًا، ومعنى ذلك، أن العهد أوثق من الوعد فإذا كان خلف الوعد مما لا ينبغي فكذلك الغدر مما لا ينبغي وليس من صفات عباد الله الصالحين «إذا عاهد غدر» وكذلك من صفات اليهود الغدر وعدم الوفاء بالعهود قال الله جل ذكره ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾11 ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾ يعاهد المرة تلو الأخرى لكنه لا يفي بوعده، ولا ينفذ العهد الذي عليه أن ينفذه إذ قد عاهد عليه. أما أهل الإيمان فإنَّهم يوفون بالعهود وبالمواثيق إذ الله أمرهم ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾12. وقال ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾13. وأثنى الله على المؤمنين. فقال ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ﴾14. فهذا من صفات أهل الإيمان، إنهم ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ﴾، ولا ينقضون وإمامهم في ذلك رسولنا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه اسمع هذا الموقف الذي وقع لحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما. وقد تقدم، أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هو صاحب سر رسول الله ﷺ وقد أعلمه الرسول بأسماء المنافقين حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسأل حذيفة عن نفسه هل سماني رسول الله في المنافقين يقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، كما في صحيح مسلم ما منعني أن أشهد بدرا ما الذي منعه من أن يشهد غزوة بدر يقول ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حُسَيْل، فأخذنا كفار قريش. فقالوا لنا. وقد أخذونا ماذا تريدون مشركو قريش أمسكوا بحذيفة وأمسكوا بأبيه وهما يريدان نصرة رسول الله ﷺ تقدموا إلى الأمام يرحمكم الله رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام فأمسك مشرك قريش بحذيفة وبأبيه. فقالوا لهما تريدون قالوا نريد المدينة لا نريد إلا المدينة قالوا أنتم تريدون محمدًا يقول لهم المشركون أنتم تريدون أن تصلوا إلى محمد ﷺ فقال لهم لا نريد محمدًا ﴿أَنَّمَا﴾ نريد المدينة فأخذوا عليهما العهد والميثاق ألَّا ينصرفا إلا إلى المدينة وألَّا يقاتلا مع محمد ﷺ فلما قدم حذيفة وأبوه على رسول الله ﷺ أخبراه. وقال يا رسول الله فعل بنا المشركون كذا وكذا ماذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام، المسلمون قلة قال الله. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾15 المسلمون قلة هل قال لهم الرسول المشركون ليس لهم عهد وليس لهم ميثاق لا يضركم هذا لا قال الرسول ﷺ لهما «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم هو يقاتلهم وهم يقاتلونه لكنهم ما داموا أو. لكن حذيفة وأباه قد أعطيا الميثاق للمشركين فيقول: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» لأنه رسول الله ﷺ الذي يفي بعهد الله، ولا ينقض الميثاق لذلك قال ميمون بن مهران رحمة الله تعالى «ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء» «ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء، إذا أعطيت رجلًا عهدًا فأوفِ له بعهده» مسلمًا كان أو كافرًا وإذا كان لك رحم فصل رحمك سواء أكان مسلمًا أم كان كافرًا «وإذا ائتمنك رجل على شيء فأدِّ له أمانته، سواء أكان مسلمًا أم كان كافرًا». هكذا نتعلم من كتاب الله، ومن سنة رسول الله ثم من كلام الأئمة الأعلام أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فيا عباد الله، هكذا. الأمر المسلم لا يخون والمسلم لا يخلف وعده والمسلم المؤمن لا ينقض عهده هكذا يعلمنا الله سبحانه وبحمده قال في حق المنافقين ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾16. وقال ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾17. لكن لما ذكر الخيانة قال ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾18. لم يقل فخانهم الله قال وهو خادعهم قال يمكرون ويمكر الله. وقال الله يستهزئ بهم. لكن لما ذكر الخيانة لم ينسبها لنفسه لأنَّها مذمومة في كل وقت. فقال فأمكن منهم، ولم يقل فخانهم، وكذلك نقض العهد لا يتصف به أهل الإيمان ﴿أَنَّمَا﴾ يتصف به أهل النفاق كما يتصف به اليهود. نسأل الله السلامة والعافية. فإذا عاهدت رجلًا على شيء فأوف بعهدك، ولا تكن ممن يغدر. فإنَّ الغادر كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، «يُنصب للغادر لواء يوم القيامة عند استه، يقال: هذه غدرة فلان». إذن فلان الغادر تنصب له راية يقال هذا هو الغادر هذه غدرة فلان بن فلان فلا تكن من الخائنين، ولا تكن ممن يغدر. وقد علمنا ديننا كذلك أننا إذا عاهدنا غيرنا ولو كانوا من غير المسلمين فإننا نفي لهم بعهدهم لذلك قسم العلماء كما مر ونبهت على ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أيضًا أن الكفار ينقسمون إلى أربعة أقسام فمنهم الكافر الحربي الذي يعلن الحرب على الإسلام. فهذا يحارب، ولا كرامة، ومنهم المستأمن، وهو القسم الرابع وهو من دخل بلدنا بأمن أو بتأشيرة ونحو ذلك. فإنَّ هذا لا يجوز الاعتداء عليه أيضًا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أمَّن رجلًا على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا» «من أمَّن رجلًا على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا» كذا يعلمنا ﷺ لذلك نقول للناس أجمعين ولأمم الأرض اسمعوا وعوا هذا ديننا. وهذا إسلام لا خيانة فيه ولا نقض فيه للعهود لا يعرف الإسلام نقضًا للعهد. لكن إذا رأينا منهم نقض تلك المعاهدة وأنهم يتلاعبون بنا وأنهم يريدون المكيدة لنا ماذا نصنع هل ننقض العهد لا، ﴿أَنَّمَا﴾ نقول لهم نحن نحذركم ونحن نطرح العهد الذي بيننا وبينكم لأننا نتخوف منكم فنعلن ذلك أولًا يخون في أكبر منها وأن نقض العهد والخيانات سبب في جملة كبيرة من الأخلاق المذمومة ألم يقل الله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾19. وجعلنا قلوبهم قاسية لقسوة القلوب، إنهم نقضوا العهد فلما نقضوا العهد قسا القلب فإذا اشتكى الواحد منا قسوة قلبه فليراجع نفسه وولدك أمانة، أنت مؤتمن على ولدك أن ترعاه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا20 ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾. وقال النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فأنت مسؤول عن رعيتك كذلك الأستاذ في فصله والمحافظ في محافظته والرئيس في دولته وكل في ميدانه مسؤول عن رعيته فليُعِدَّ لله سبحانه الجواب إذا سأله عما قدم في تلك الحياة هكذا يا أيها الإخوة الكرام بقي لنا من صفات المنافقين إذا خاصم فجر فالمنافق إذا خاصم فجر في خصومته، نتعرف على ذلك. إن شاء الله في الخطبة المقبلة اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم آمِنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 58 ↩
  7. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 8 ↩
  8. آية: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 13 ↩
  9. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 27 ↩
  10. آية: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التغابن 15 ↩
  11. آية: ﴿ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 56 ↩
  12. آية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 34 ↩
  13. آية: ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 40 ↩
  14. آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 20 ↩
  15. آية: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 123 ↩
  16. آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 142 ↩
  17. آية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 30 ↩
  18. آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 71 ↩
  19. آية: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 13 ↩
  20. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 6 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة