مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء الطيش

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 41 من 96 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. داء الطيش وخفة العقل وفضيلة الحلم والأناة المحبوبتين لله
  2. حلم إسماعيل عليه السلام ونموذج الصبر والرزانة
  3. طيش الخوارج حدثاء الأسنان في التكفير وإراقة الدماء ومخاطر
  4. الحلم النبوي وبركة الرفق والتحذير من آفات اللسان
  5. تهذيب طيش اليد في الأكل والضرب ورفق الراعي بالرعية
  6. فضائل عشر ذي الحجة وصيام عرفة وأحكام الأضحية
التفريغ النصي الكامل للدرس

داء الطيش وخفة العقل وفضيلة الحلم والأناة المحبوبتين لله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. وخلق منها زوجها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم [تُراجع الزيادة من التسجيل] وإياكم ومحدثات الأمور. فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله ومنَّته بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء. أسأل الله تبارك وتعالى أن يشفي قلوبنا وصدورنا وأن يجعلنا ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ حديثي إليكم اليوم.

يا أيها الإخوة الكرام، عن داء. بل عن مجموعة من الأدواء يجمعها جامع مشترك وهو خفة العقل. نسأل الله السلامة والعافية. فالحديث عن داء الطيش داء الطائش نعم ما أكثر الطائشين وما أكثر أولئك الذين يتسمون بخفة العقل والتهور وعدم الرزانة وعدم الحلم هم من السفهاء. نسأل الله جل وعلا أن يعافينا، يا أيها الإخوة، من ذلك يقابل ذلك كله الحلم والأناة نعم خصلتان جليلتان عظيمتان قال ﷺ لأشجِّ عبد القيس «إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل: الحلم والأناة».

أن يكون العبد حليمًا أن يكون ذا أناة، أن يكون عاقلًا لا يكون طائشًا، ولا متهورًا وكما قال ابن فارس رحمه الله تعالى الحلم خلاف الطيش فالإنسان الطائش الذي ليس لديه حلم ولا صبر. بل هو عَجِل متسرع في أقواله، وفي أفعاله، وفي تصرفاته كلها وإذا كان الطيش مشهورًا في الصبيان والشباب، وفي النساء بكثرة.

فإنَّ الأمر لا يقف عند هذا الحد. بل نجد طيشًا كثيرًا من رجال كبار. بل ومن شيوخ كذلك، ومن أناس قد بلغوا من الكبر عتيًا كما نرى كذلك هذا الطيش في أناس لديهم من العلم والتقدم ما عندهم، فتتعجب غاية العجب كيف تهوروا، وكيف قالوا هذا الكلام، وكيف فعلوا هذا الأفعال، ولو أنَّهم راجعوا أنفسهم لعلموا أنها السفاهة التي أنطقتهم.

حلم إسماعيل عليه السلام ونموذج الصبر والرزانة

نسأل الله السلامة والعافية. عباد الله، المؤمن دأبه أن يكون حليمًا لا أن يكون متهورًا. وقد أوقفني قول الله أو استوقفني قول الله جل وعلا في شأن الذبيح إسماعيل عليه السلام ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾5. نعم في قصة الذبيح التي نتذكرها في هذه الأيام المباركات كيف أنه تقبل كلام والده الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بصدر رحب.

وقال مقولته الخالدة ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾6 غلام حليم، ما أعز هذا الوصف، لا في الغلمان فحسب. بل في كبار السن، فيمن أدرك ورشد، فيمن علم وتعلم، وصار لديه ما لديه من علوم كثيرة، ومن ثقافات عديدة، الأب يقول لابنه الغلام الذي جاءه بعد كِبَر سنه ووهَن عظمه يقول له يا بني ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ ماذا يقول

هذا الغلام أبوه يخبره بأنه رأى رؤيا فيها ذبحه، ماذا يسمع يا أبتي، يقول له يا بني ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ ماذا سيقول الغلام يقول له يا أبتي ماذا تقول أجننت أتقول هذا الكلام الغريب ألم آتك بعد كِبَر سنك ووهن عظمك أنسيت أنني ولدك أنسيت أنني فلذة كبدك أنسيت أنني قد جئتك بعد كِبَر السن، وبعد وبعد

يقول له ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ لله دره كيف كان هذا الحلم وما أقدر هذا الحلم. وقد حاولت جاهدًا أن أبحث عنه عما جرى لهاجر عليها السلام ورضي الله عنها في هذا الأمر فلم أعثر على دليل صحيح في ذلك الأمر أو خبر يدل على موقفها لكنني أجزم بأنه موقف عجيب كذلك ماذا تصنع هذه الأم التي فرضها زوجها وهو الخليل إبراهيم عليه الصلاة

والسلام، وولدها صغير تقوم برضاعته في هذا المكان الذي لا زرع فيه ولا ماء ولا إنس ولا أنس وبعدما يصير غلامًا يسعى يؤمر إبراهيم أو يرى رؤيا فيها ذبح ولدها ماذا تصنع تلك المرأة وماذا يصنع الأب الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وماذا يصنع الولد إنه الحلم في أسمى صورة يعلمنا هذا الحلم كيف نطرد عن أنفسنا التهور

طيش الخوارج حدثاء الأسنان في التكفير وإراقة الدماء ومخاطر

والطيش إن كثيرًا من البيوتات ﴿أَنَّمَا﴾ تتهدم بسبب هذا الطيش وبسبب هذا التهور إن كثيرًا من البلاد تتأخر بسبب هذا التهور وبسبب هذا الطيش وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، قد قال كما في صحيح الإمام البخاري من حديث علي رضي الله عنه أنه ﷺ قال يكون في آخر الزمان أقوام حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، «يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، من لقيه منكم أو من لقيهم منكم فاقتلوه.

فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة. سيكون في آخر الزمان أقوام حدثاء الأسنان حديث السن، يعني: شباب هذا هو التهور غالبًا يقع من الشباب حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يعني: يتسمون بخفة العقل سفهاء الأحلام عندهم خفة في عقولهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. لذلك كثير من التهور يأتي من الشباب حينما يفكرون فيما لا ينبغي لهم أن يفكروا به أو فيه ويصدرون أحكامًا ليس لهم أن يصدروها.

ومن ذلك تكفير الأمم وتكفير الشعوب وتكفير البلاد وتكفير العباد وإراقة دمائهم. فهذا من سفاهة الأحلام. لكن الذي يؤرق الإنسان مع أنَّ هؤلاء الشباب سفهاء الأحلام. فإنَّ كثيرًا كذلك من كبار السن يتسمون بسفاهة الأحلام إلا من رحم الله رب العباد لذا نرى كثيرًا من المشكلات سببها سفاهة الأحلام فنقول للشباب تعلموا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلموا، ولا تتعجلوا، ولا تتسرعوا فكم من حكم صدر منكم ستندمون عليه وقتَ ألَّا ينفع الندم وإن إراقة الدماء ليس بالأمر الهين وإن تكفير المسلمين ليس بالأمر الهين وإذا قال النبي ﷺ: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». ترجع عليه إن لم يكن أخوه كذلك. نسأل الله السلامة والعافية. لكن أيضًا في واقعنا نرى هذا التهور وهذا التعجل، يقف معي بعض الآباء يقول ماذا أصنع أنا كتبت لابني الكبير فقط أو حرمت فلانًا فحسب ليه؟ لماذا؟ ابني قسا عليَّ، ابني أهانني وشتمني فما كان مني

إلا أن كتبت ورقة وانتهت المسألة وأريد أن أقطع الأوراق فلا أملك ذلك. وكان وصار من الأمر ما صار ما الذي جعلك تتعجل ما الذي جعلك تتهور هذا الذي يوصي قبل وفاته فيجور في وصيته ما سبب ذلك أليس التهور حد الله وشرع الله كما حدثتكم حينما تكلمنا في الخطبة السابقة عن داء أكل المواريث الذي صار وانتشر وفشا بين الناس.

نسأل الله جل وعلا السلامة من ذلك كله فلا تتعجل لا تجر في الوصية، ولا تجر في العطية، ولا تجر في أحكام المواريث ﴿أَنَّمَا﴾ اتق الله عز وجل في هذا الأمر، الرجل والمرأة في البيت الرجل سمع من امرأته كلمة اذهبي أنت طالق مباشرةً ثم يأتي نادمًا باكيًا ماذا أصنع لي منها الأولاد ولي ولي وأنا أريد أن أراجعها.

وقد تكون الطلقة طلقة ثالثة لا رجعة فيها فماذا نصنع أليس هذا من التسرع أليس هذا من التهور الإنسان الذي يصدر قرارات، والذي يشتم ويسب ويعطي ويمنع بسبب كلمة خارجة، إن هذا من التسرع، هذا من التعجل، المؤمن لديه الحلم،

الحلم النبوي وبركة الرفق والتحذير من آفات اللسان

النبي صلوات ربي وتسليماته عليه، حينما جذبه الرجل جذبة شديدة حتى أثرت هذه الجذبة في صفحة عنقه ﷺ

وقال له الرجل «مُرْ لي من مال الله الذي عندك»، وفي بعض الروايات. فإنَّ المال ليس مالك، ولا مال أبيك فنظر إليه الرسول ﷺ متبسمًا وأمر له بعطاء ابتسم. وقال أعطوه سبحان الله! بالله عليك لو أنَّ شخصًا جذبك أو شتمك أو قال لك كلمة نابية ماذا أنت صانع هل تستطيع أن تمتلك أعصابك

هل تستطيع أن تتصرف ببرود وأناة؟ بل حتى بين الأساتذة والتلاميذ. انظر إلى التصرفات التي تجري بين التلميذ وبين أستاذه ربما أساء أستاذ إلى تلميذه بكلمة فلم يتمالك التلميذ نفسه فضرب أستاذه ما هذا وربما كان العكس يقوم الأستاذ بضربه ضربًا ليس له أن يصنعه وإنَّما اعتدى عليه بسبب خطأ وقع من التلميذ يمكن أن يُعالج، بين الأب وابنه تحدث جنايات وأمور متطورة.

نسأل الله جل وعلا أن يهدينا ويهدي أولاد المسلمين كل ذلك سببه التهور سببه التسرع سببه العجلة مع أنَّه ما من شيء إلا له وقته وغاية المستعجلين فواته الإنسان الذي قتل لا يرث لأنه استعجل كان سيكون له حق في هذا المال. لكن لما استعجل موت هذا الشخص الذي سيرثه عوقب ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ من ذلك شيء عقابًا له لأنه استعجل الشيء قبل أوانه فعوقب بحرمانه. أقول:

يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوجنا إلى أن نتسم بالحلم والوقار والرفق. فإنَّ النبي ﷺ قال كما في مسلم من حديث جرير رضي الله عنه «من يحرم الرفق يحرم الخير». وقال ﷺ «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه». وقال ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق». ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق نعمة عظيمة، أن يدخل الله على بيت من البيوت الرفق تجد الأب عنده رفق يعرف كيف يتعامل مع أولاده يحتويهم لا يصرفهم عنه يعلِّمهم ويؤدبهم لا يباعدهم ويكرههم الزوج مع زوجه

والزوجة مع زوجها لا تطيش آفة كثير الآن من طلب كثير من النسوة الطلاق حتى صار أمر الطلاق هينا وصار أمرًا يسيرًا فكم من بيت خرب وكم من بيت هُدَّ. وهذا يحتاج إلى وقفات صدق من أولياء الأمور، ومن الأب، ومن الأم، ومن الزوج، ومن الزوجة، ومن الأولاد، ومن المجتمع كم من أولاد تشردوا بسبب هذه العجلة علمنا ﷺ الأناة والحلم في الكلام أيضًا قال ﷺ: «وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ».

«لا تتكلم بكلام تعتذر منه»، ما الذي يحوجك إلى أن تتكلم بكلمة تعتذر منها تقول أنا آسف لا أدري كيف خرجت من فمي أنا غلطان مش عارف هل كنت نائمًا وأنت تتكلم هل كنت غير عاقل وأنت تتكلم هل كنت هل كنت لماذا لم تتعقل، ولم تترو ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم إذا خرجت الكلمة من فمك فقد ملكتك، وقبل ذلك فأنت مالكها فأمسك عليك لسانك كما علم ﷺ بعض الصحابة رضي الله - تبارك وتعالى عنهم إياكم والعجلة، إياكم والتسرع، إياكم والتهور، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تفعل، تروَّ، كن حليمًا، كن ذا أناة، كن ذا عقل، لا تكن سفيهًا، وأعظم ما على المرء أن يُعنى به تصحيح معتقده.

فإنَّ أعظم السفاهة، سفاهة العقيدة، لذلك قال الله سبحانه، ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾7. وقال الله سبحانه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾8. ولكن لا يعلمون

تهذيب طيش اليد في الأكل والضرب ورفق الراعي بالرعية

علم ﷺ عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه كما في الصحيحين إذ قال عمر كانت يدي تطيش في الصحفة أمامه الصحفة فيده تطيش يأكل ﴿مِنْ أَىِّ﴾: مكان من هنا وهناك فعلَّمه النبي ﷺ

فقال له «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». قال عمر فما زالت تلك طعمتي بعده فما زالت تلك طعمتي بعده، مما يليه لا تكن يدك طائشة كذلك إذا كان هذا من الطيش في الأكل فهناك طيش في الضرب يضرب وتطيش يده وينسى أن الله سبحانه أقدر عليه لذلك قال النبي ﷺ لأبي مسعود: «اعلم أبا مسعود، لله أقدر عليك منك على هذا». يعني: هذا الغلام. وقد قال: «اعمل واحتسب الأجر عند الله، وأحسن إلى مَن أساء إليك». وقال الله: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾9 وأثنى الله على عباد الرحمن فقال: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾10 يخاطبني السفيه بكل قبح.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، إذا كنت قد وجهت النصيحة للجميع بأن يكونوا متسمين بالحلم والوقار والأناة فالمدير في المدرسة، وشيخ المعهد في معهده، والأستاذ في فصله، والزوج في بيته، والأب في بيته، وكذلك القائم على شؤون المسلمين عمومًا من وال أو محافظ أو نحوهما، كل هؤلاء يلزمهم الرفق أكثر وأكثر فإنَّ النبي ﷺ قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه» كن ميسرًا الإسلام دأبه التيسير ودأبه السماحة علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام، وتبسم في وجه أخيك صدقة هذا المدرس الذي يبتسم لطلابه.

وهذا الأب الذي يبتسم لأولاده. وهذا الزوج الذي يحسن لزوجته، وفي كل المجالات إذا وجدنا هذا الرفق. وهذا الحنان. وهذا الصبر زالت المشكلات وأقول لك: لا تغضب لأقل شيء، وإنَّما اغضب لما يستحق أن يغضب منه لا نقول إن المرء لا يغضب. فإنَّ «من استُغفِل فلم يغضب فهو حمار، ومن استُرضِ فلم يرضَ فهو شيطان» كما قال الإمام الشافعي رحمه الله، ولكن ما كل شيء يغضب منه ولا كل شيء يعتدى فيه كلا.

بل ولا ينبغي الاعتداء ﴿أَنَّمَا﴾ يكون لرده لا للبدء به كما علمنا الله سبحانه وتعالى فإذا كنا ذوي حلم وذوي وقار وذوي أناة سعدنا وسعدت بلادنا وسعدت بيوتنا وخلت أو قلَّت المشاكل. نسأل الله السلامة والعافية،

فضائل عشر ذي الحجة وصيام عرفة وأحكام الأضحية

يا أيها الإخوة الكرام، نحن مقبلون على أيام فاضلة أخبر النبي ﷺ عنها. فقال: «أفضل أيام الدنيا العشر من ذي الحجة».

كما عند النسائي من حديث جابر رضي الله عنه أفضل أيام الدنيا. وقال ﷺ «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ»، يعني: العشر من ذي الحجة قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ذهبت روحه وأزهقت لإعلاء كلمة لا إله إلا الله هذا الذي يربو ويزيد على العمل في هذه الأيام الفاضلة فأكثر في هذه الأيام من الأعمال الصالحة.

انظر إلى اجتهادك في رمضان كن أشدّ اجتهادًا أو كن في مثل الاجتهاد الذي كنت تجتهد فيه في شهر رمضان المبارك فصم ما استطعت من هذه الأيام وأعظم هذه الأيام من حيث الصيام لغير الحجاج والمعتمرين صيام يوم عرفة وهو الذي سيوافق إن شاء الله يوم الأحد بعد القادم قال النبي ﷺ فيه «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».

كذلك إن استطعت من هذه الأيام إذا كنت قد تركت قيام الليل فراجع نفسك وتب إلى الله بأداء الفرائض والنوافل وفعل القربات والصدقات والإحسان ثم كذلك يقال لمن رغب في الأضحية ما علمنا إياه رسولنا ﷺ: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن شيئًا من شعره». ولا من بَشَره ولا من أظفاره فالذي يرغب في الأضحية لا يأخذ شيئًا من شعره، ولا من أظفاره من أول ليلة من ليالي شهر ذي الحجة إلى أن يأتي يوم النحر أو إلى أن يضحي كما يقول أهل العلم اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم آمن أوطاننا اللهم وحّد كلمة المسلمين وأصلح ذات بينهم يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم ﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم اللهم اهد أزواجنا اللهم اهد أولادنا اللهم اهد أولادنا اللهم أصلح أحوالنا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 101 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  7. آية: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 130 ↩
  8. آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 13 ↩
  9. آية: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 34 ↩
  10. آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة