لمحة في سورة يوسف (الجزء الثالث)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مكر نسوة المدينة ودهشة انبهارهن بجمال يوسف الملكي الكريم
- إيثار السجن على المعصية وضرورة الافتقار إلى الله لصرف
- إحسان يوسف في السجن وتقديمه الدعوة للتوحيد قبل تعبير
- تعبير رؤيا الفتيين ومشروعية الأخذ بالأسباب في طلب البراءة
- رؤيا الملك للبقرات وبراعة يوسف في التخطيط الاقتصادي وسنين
- ظهور براءة يوسف باعتراف امرأة العزيز وتولوليته خزائن الأرض
التفريغ النصي الكامل للدرس
مكر نسوة المدينة ودهشة انبهارهن بجمال يوسف الملكي الكريم
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾12 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة لمحة في سورة. وهذا هو المجلس الثالث في بيان سورة يوسف عليه السلام وما يتعلق بها من مقاصد وفوائد نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح توقف بنا الحديث في اللقاء السابق، يا أيها الإخوة الكرام، عند أمر النسوة التي ذكرهن الله عز وجل.
فقال. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ﴾ ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى﴾ ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ. فهذا الخبر بدأ يجري بين هؤلاء النسوة يتحدثن في أمر امرأة العزيز وما كان منها تجاه يوسف عليه الصلاة والسلام، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ﴾ إليهم وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا. ﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ﴾ وقطعن ايديهن وقلن حاش لله ما هذا بشر أن هذا إلا ملك كريم فلما سمعت بمكرهن لم يقل فلما سمعت من حديثهن أو بقولهن ﴿أَنَّمَا﴾ قال فلما سمعت بمكرهن.
فهذا من مكر النساء، وكانت امرأة العزيز علمت أن هؤلاء النسوة حينما يتكلمن في حقها. فإنَّ هذا كلام في امرأة الرجل الثاني في الدولة فأمرأة العزيز تلي امرأة الملك. وبناءً عليه فغالبًا ما يكون الحديث في شأنهن من الحديث المراد به المكر. فقالت ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ﴾ إليهم واعتدت لهن متكا في كثير من الأحوال أن المرأة تستعد بفرش البيت أو باعداد ما تعده للضيوف.
لكن الآية جاءت هكذا ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ﴾ إليهم للدلالة على المبادرة والسرعة بهذا الارسأل ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ أعدت لكل واحدة منهن المتكا الذي تجلس عليه أو تستريح فيه من الفرش أو البسط أو الوسائل وما إلى ذلك وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا قالوا لأنَّها قدمت شيئًا من الطعام أو من الفاكهة أو ما أشبه ذلك.
إيثار السجن على المعصية وضرورة الافتقار إلى الله لصرف
وقالت أخرج عليهن ويوسف عليه السلام استجاب لطلبها منه. ﴿وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ﴾ أي: عظم وقطعن ايديهن أي: من شدة جماله فشغلن بجماله عن السكين التي في يد كل واحدة منهن. وهذا لا شك لا يقع إلا إذا كان هذا الجمال جمالًا باهرا ياسر من نظر إليه حتى أنه بالنظر إليه يتناسى ويغفل عن كل شيء سواه وقطعن ايديهن ذهب كثير من المفسّرين إلى أن القطع هنا الإصابة بالجرح أو بالجرح، يعني: جرحن ايديهن وقلن حاش لله ما هذا بشر أن هذا إلا ملك كريم.
وقد أرادت امرأة العزيز من وراء ذلك أمرًا وهي أن تريهم لماذا راودت فتاها فلا ينبغي أن تظن هؤلاء النسوة، أن امرأة العزيز حينما راودت يوسف راودته لأنه فتى كاي فتى ولكنه فتى من طراز خاص جمالًا في الأخلاق وجمالًا في المنظر والجسد فأرادت أن تبين لهن عذرها فيما صنعت وقطعن ايديهن وقلن حاش لله ما هذا بشر أن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن ﴿ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾ ها أنا ذا اريتكم إياه رأيتم يوسف عيانا فانظرن ماذا صنعتن قطعتن ايديكن فكيف لو انكن تعشن لو انكن تعشن مع يوسف عليه السلام أو لو أنَّ تبقين في
هذا المنزل مع يوسف عليه السلام ماذا كنتن ستصنعن ماذا كان سيقع منكن فذلكن ﴿ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾. ولقد راودته عن نفسه، وكأنها لما رأت أن عذرها قد اتضح وظهر واستبان فما كان منها إلا أن جهرت بما كانت لا تبديه، ولا تظهره. فقالت مؤكدة. ولقد راودته عن نفسه تصرح بذلك فاستعصم أي: فامتنع امتناعًا شديدًا وابى اباء كبيرًا فاستعصم تماسك وامتنع، ولم يستجب ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ﴾ أمرهم به ليسجنن وليكونن من الصاغرين بهذا الظهور والوضوح، وكأنها بهذا تسمعه.
بل تريد اسماعه فهي تريد أن تقول هذا وذاك لتسمع النسوة حقيقة الأمر وليسمع يوسف عليه السلام أن امرأة العزيز لن تتراجع عما قررت وعما طلبت ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ فحينئذ تضرع يوسف عليه السلام إلى ربه لم يقل أنا مغلوب على امري وأنا معذور أيضًا وهي لن تتركني ﴿أَنَّمَا﴾ لجا إلى الله وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وأيضًا ايقن أنه لا بد من الافتقار إلى الله.
فإنَّ العبد مهما أوتي علمًا وذكاء وزكاء وتقوى فإنَّه لا يستغني عن الافتقار إلى الله عز وجل لأنَّ المعصوم من عصمه الله والموفق من وفقه الله والمحفوظ من حفظه الله فتضرع إلى ربه قائلًا ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾؛ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهم واكن من الجاهلين وتأمَّل! بدأ بالسجن قال ربي ﴿ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ﴾ إلى لم يقل ربي ما يدعونني إلى مكروه إلى لا أريد ه.
بل قال ربي السجن أحب إلى أي: ليس عندي إشكال في أن ابتلى ولو بالسجن. لكن لا أريد أن ابتلى بالمعصية. فإنَّ الابتلاء بالمصائب أخف من الابتلاء بالمعايب، ولأن يبتلى العبد بمصيبة يصبر عليها فيؤجر خير له من أن يبتلى بمعصية تجره إلى نار جهنم. نسأل الله السلامة والعافية. ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ وتأمَّل! لم يقل أحب إلى مما تدعونني إليه ﴿أَنَّمَا﴾ قال مما يدعونني إليه إذًا الداعية ليست امرأة العزيز وحدها ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ يدعونني إليه إذًا ليست الداعية إلى ذلك امرأة العزيز فقط قال بعض العلماء، وكأنَّه لما راين إصرار امرأة العزيز وعذرها فيما طلبت وافقنها في طلبها وافقنها في طلبها فكأنهن بموافقتهن أو بسكوت بسكوتهن عن الباطل أو الخطأ الذي تريد أن ترتكبه وتحمل يوسف عليه السلام عليه صرن كأنهن داعيات إلى هذه المراوده قال ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾، يعني: اجتمعن عليه؛ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، يعني: امل إليهم وإلى رغبتهن وإلى مراودتهن واكن من الجاهلين لأنه حينئذ سيعمل ما لا يقتضيه العلم، ومن لم يعمل بما يقتضيه العلم فهو جاهل لأنَّ الجهل كما تقدم في مناسبات كثيرة جهلان جهل علم وجهل عمل بالعلم فالذي لا يعلم يقال عنه جاهل والذي علم فلم يعمل بمقتضى ما علم فهو جاهل أيضًا.
ولذلك السفيه جاهل ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾34 وربنا ذكر المعصية وأنها جهالة ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾56 ولذلك قالوا كل من عصى الله فهو جاهل. وهذا بحسب تلك المعصية قال الله سبحانه قال ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾؛ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهم واكن من الجاهلين.
تأمَّل! قوله؛ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ﴾ فمَنْ الذي يصرف الكيد الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قولك لا حول ولا قوة إلا بالله. لكن الإنسان يقول أنا رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ورجل تقي وأنا احافظ على نفسي، ولا يهمني ذلك ولو كنا الف امرأة فأنا محافظ على ديني ما يدريك أنك ستثبت؛ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهم واكن من الجاهلين لذلك كان العلماء وأهل الفضل يخافون من فتنة النساء.
وقد جاء عن النبي ﷺ في المتفق عليه «ما تركت بعدي فتنة اضر على الرجال من النسا7ء» عطاء بن أبي رباح. وقد تقدمت ترجمته ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ونحن نتحدث عن تراجم بعض الأئمة والعلماء وهو من هو في العلم والفضل والعبادة والتقوى. ومع ذلك كان مبتلا في جده. فقالوا عنه كان اعور أفطس إلى اعرج إلى غير ذلك مما ذكروا في وصفه، ولازم بيت الله الحرام ما يزيد عن 20 عامًّا، وكان ينادى في الموسم لا يفتي الناس في الحج إلا عطاء، يعني: عطاء هو الإمام البارز ذو الشأن العالي في الفقه، وفي العلم، وفي الحديث.
ومع ذلك كان يقول «لو ائتمنوني على بيت مال المسلمين لكنت امينا ولو ائتمنوني على امرأة شوهاء ما أمنت على نفسي»8 سبحان الله يخاف على نفسه. وقد قال بعضهم في قوله ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾9 قالوا في الصبر عن النساء. وهذا يدلك على خطر هذه الفتنة وأن العبد عليه أن يلجأ إلى الله ليحفظه الله عز وجل ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾10
إحسان يوسف في السجن وتقديمه الدعوة للتوحيد قبل تعبير
فصرف عنه هذا الكيد وسلم من شر المرأة، ومن تتبعها له وتخطيطها له لأنه ماكث عندها، وكان بإمكانها أن تعاود المرة تلو المرة وتحدث مشكلات وقضايا. لكن حفظه الله من ذلك ثم مضت مدة ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا11 رَأَوُا۟ ٱلْءَايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ﴾12 قال بعضهم، وكان الخبر لما بدأ ينتشر شيئًا ما فوجد العزيز أن أفضل حل لذلك، أن يسجن يوسف عليه السلام فحينئذ سيظن، أن يوسف عليه السلام قد ارتكب جريمة أو أخطأ في حق امرأة العزيز أو ما أشبه ذلك فيداوي بسجن يوسف تلك الاشاعه التي اشيعت أو هذا الخبر الذي انتشر فسجن يوسف عليه السلام ظلمًا وهو بريء من ذلك عليه الصلاة والسلام، بريء من هذه التهمة التي وجهت إلى أو التي رمَيِّت بها.
فقال ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ الآيات كما تقدم مع أنَّ سورة يوسف فيما يبدو للرائي لأول وهلة. أنها طويلة لكنَّها في حقيقة الأمر فيها إيجاز عجيب لذلك يقول فأخذوه وادخلوه السجن وسجن كل هذا ما يذكر ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إذًا معناه: أنه سجن قال أحدهما أني اراني اعصر خمرا. وقال الآخر أني اراني ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ انتقلت بنا السورة الكريمة إلى مشهد آخر وهو ما يتعلق بيوسف عليه السلام وهو في السجن هذا مشهد آخر بعد أن كان يوسف عليه السلام في بيت أو في قصر العزيز إذًا به ينتقل إلى السجن فلما كان معه هذان الفتيان وقع لكل واحد منهما رؤيا فأراد أن يقص تلك الرؤيا على يوسف عليه السلام أو أن يقص كل واحد منهما رؤياه على يوسف عليه السلام.
فقال له أحدهما قال الله عز وجل ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. فقال اعصر خمرا، يعني: اعصر عنبا هذا العنب يصير بعد ذلك خمرا أي: أنه يرى فيما يرى النائم أنه يعصر هذا العنب الذي يصير بعد ذلك خمرا. وهذا كما ذكروا تعبير عن الشيء بما سيؤول إليه. وقال الآخر أني أرى أني ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ هنا في قوله ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما أني اراني اعصر خمرا13.
وقال الآخر أني اراني احمل فوق راسي خبزا تأكل الطير منه أي أرى أن﴾14 فوق راسي خبزا. وهذا الخبز تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ كأنَّه ما التمس في يوسف عليه السلام العلم والحكمة والإحسان وأنه لن يخطئ في هذه الرؤية، وفي تعبيرها وقوله: ما أنا نراك من المحسنين دليل على أن يوسف عليه السلام ظهرت عليه علامات الإحسان وهو في السجن وهكذا المؤمن الصادق دومًا يعرف في كل الأحوال، وفي كل الأمكنة والأزمنة لا يتغير إذًا سافر فهو على خلقه وإذا أقام فهو على خلقه وإذا كان في بيته فهو على خلقه وإذا كان بين الناس فهو على خلقه أيضًا ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ فأجاب يوسف وتأمَّلوا هنا أنا نراك من المحسنين تقدم أننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من مقاصد سورة يوسف عليه السلام بيان الإحسان وأن الإحسان فيه انفراج الكربات وتيسير الصعوبات.
ولذلك تكرر في سورة يوسف وصف يوسف عليه السلام بأنه من عباد الله المحسنين قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذلكما مما علمني ربي أني تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يأمنون ﴿بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا﴾، وعلى الناس وَلَٰكِنَّ ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ مهد يوسف عليه السلام بتمهيد وبمقدمه.
فقال لهما لا ياتيكما طعام ترزقًان إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا، يعني: إذا رأيتما في المنام رؤيا انكما ستأكلان طعام كذا وكذا فسأخبركم بهذا الطعام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ياتيكم والقول الثاني أي: إذًا أتاكما طعام من الملك أو من غيره فأنا أخبركم به ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصل إليكم فيكون هذا مما علَّمه الله ليوسف عليه السلام واطلعه عليه من العلم الغيبي الذي يطلع عز وجل على شيء منه بعض انبيّائه ورسله ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا15 إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾16 وهذا كقول عيسى عليه السلام ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾1718 فعيسى عليه السلام كان يعلم هذا أيضًا وينبئهم بهذا ينبئهم بأكلهم وبالذي يدخرونه في البيوت. ثم قال لهم أني تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يأمنون ﴿بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ أنا بريء من الشرك، ومن عبادة الاوثان فأنا تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يأمنون ﴿بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا﴾، وعلى الناس وَلَٰكِنَّ ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، أن يوسف عليه السلام يبين لهم حقيقة التوحيد فدعاهم إلى التوحيد ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفسر الرؤية ويوسف مع أنَّه سجين لم يجد غضاضة في أن يقر بالتوحيد ويعلنه ويدعو إليه ولو كان في الزنزانة ولو كان في داخل السجن لا يترك الدعوة إلى التوحيد.
بل يجهر بها ويصرح بها. ولذلك دعاهم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفسر الرؤية. فقال لهم ﴿يا صاحبي ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ1920 ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ، أن الحكم إلا لله أمر إلا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ هذا فيه فائدة عظيمة وهي البدء بالاهم البدء بالاهم دعوة المسلم أو دعوة الإنسان إلى عبادة ربه سبحانه وتعالى، فكان يوسف عليه السلام استثمرها فرصة هما يلجآن إليه ويستفتييانه ويريدان منه تفسير الرؤية فأراد أن ينبئهما بما هو أهم بما هو أهم وما هو أعظم وهو، أن يدلهما على الله وحده لا شريك له فجهر بالدعوة وبالدعوة إلى التوحيد وهكذا ينبغي للمسلم ﴿إِلَّا﴾ يجد فرصة من الفرص فيها دعوة إلى التوحيد إلا دعا يستثمرها في تبليغ دين الله سبحانه وتعالى، فدعاهما إلى التوحيد ونبذ الشرك وذكر أنه متبع لمله اباء إبراهيم واسحاق ويعقوب، وفي قوله ﴿ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا﴾، وعلى الناس، وعلى الناس لأنَّ وجود الأنبياء فضل من الله على الأنبياء، وعلى الناس لأنَّ الخير يأتي من قبلهم فالعالم يعطيه الله العلم فينتفع به العالم وينفع العالم غيره فيكون هذا من فضل الله عليه، وعلى الناس وَلَٰكِنَّ ﴿وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ ثم تمضي الآيات فأراد أن يفسر الرؤية ففسرها في جملة يسيرة موجزة واضحة يا صاحبي السجن.
تعبير رؤيا الفتيين ومشروعية الأخذ بالأسباب في طلب البراءة
أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا. ﴿وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ ۚ قُضِىَ﴾. الأمر الذي فيه تستفتيان يفسر الرؤية ويعبرها لكل واحد منهما. ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا﴾ هذا الذي رأى في المنام أنه يعصر خمرا سيخرج من السجن وسيرجع إلى عمله ويكون قريبًا من الملك فيقدم له الخمر فيسقي ربه ما المراد بربه هنا، يعني: فيسقي سيده.
وقال بعضهم المراد به الملك يسقيه خمرا، يعني: سيكون من أصحابه وسيكون من رواده وسيكون من المجالسين له العاملين عنده. وأما الآخر فيصلب هذا جزاؤه فتاكل الطير من رأسه أي: حينما يصلب تأكل الطير من رأسه من لحمه قضي. الأمر الذي فيه تستفتان. وهذا فيه أنَّ: الرؤية أحيانًا إذا فسرت فإنها تكون مما يسر الإنسان.
وقد تكون مما يكره. لكن هذه الرؤية. وهذا تعبيرها ويوسف عليه السلام عبر الرؤيا وأنت إذا قرأت سورة يوسف علمت أن للرؤيا شأنًا كبيرًا في قصة يوسف عليه السلام. ولذلك قال يعقوب ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾، وفي أول القصة ﴿إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، وبعد ذلك سيأتينا قصة الملك مع ما رأى وأن هذا كان سببًا في خروج يوسف عليه السلام من السجن ثم في آخر القصة هذا تاويل رؤيايه ﴿مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا﴾ وقول قضي.
الأمر الذي فيه تستفتيان صار مثلًا فإذا حلت مشكلة من المشكلات يقال «قضي. الأمر الذي فيه» تستفتيان. وهذا يسمونه بالمثل السائر الذي يسير بين الناس ويطلق في مواقف كثيرة. ثم قال. ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يوسف عليه السلام بما رأى علم، أن أحدهما وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا أنه سيخرج وسيمكن له وسيكون قريبًا من الملك فحينئذ وجدها فرصة.
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ أذكرني عند الملك أذكرني عند سيدك أذكرني اذكر له امري وحالي حتى يبحث فيه إلى هذا مال كثير من أهل التفسير فانساه الشيطان ذكر ربه فانساه الشيطان مَنْ الذي نسي الذي نسي هو ساقي الملك هو صاحب الرؤيا وليس يوسف عليه السلام وإن كان بعض المفسّرين قالوا:- إنَّه يوسف عليه السلام والذي دفعهم إلى ذلك قالوا: لأنَّ يوسف عليه السلام لما لجا إلى هذا الساق ابتلي بالسجن مدة بعد ذلك وكان المراد بذلك: أن يكون تعلقه بالله جل وعلا وحده.
لكن الأول أقرب وأن يوسف عليه السلام لم يخطئ فيما صنع وإنَّما الذي صنعه هو من قبيل الأخذ بالأسباب فماذا عليه وكون الإنسان يسعى في تبرئه نفسه واظهار حقيقة أمره هذا لا حرج فيه ولا إشكال. بل هو من باب الأخذ بالأسباب فانساه الشيطان ذكر ربه. ولذلك جاء بعد ذلك والذكر بعد أمة، يعني: تذكر بعد مدة لأنه لم يبلغ الرسالة التي كان يوسف عليه السلام يرغب في أن يبلغها للملك أو لسيده ﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ مَنْ الذي لبث ﴿فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ يوسف عليه السلام والبضع من ثلاثة إلى تسعة أو إلى عشر لذلك قال بعضهم مكثت سبع سنوات أو ما قارب ذلك والعلم عند الله ثم انتقلت بنا السورة إلى مشهد آخر يعقبه فرج كبير من الرب كبير ليوسف عليه السلام.
رؤيا الملك للبقرات وبراعة يوسف في التخطيط الاقتصادي وسنين
﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ﴾ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾. (يوسف: 43-44) وقال الملك في مجلس من مجالسه يقول لجلسائه أني ﴿أَرَىٰ سَبْعَ﴾ بقرأت سمان يأكلهن سبع عجاف، سبع بقرأت سمان ضخمه ثمينة يأكلهن سبع عجاف، يعني: هزيلات ضعيفات.
وهذا غريب لأنَّ القوي في الأصل هو الذي يأكل الضعيف. أما أن يأكل الضعيف القوي. فهذا غريب أرى وقول أني أرى هكذا جاء الأسلوب بالفعل المضارع كان الرؤية تجددت عليه وتكررت كما قال بعضهم ﴿سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ﴾ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسه والعدد سبعة له اسرار كثيرة يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملا افتوني في رؤيا وتأمَّل! قول افتوني إذًا تعبير الرؤيا فتيه تعبير الرؤيا فتيه لذلك لا ينبغي أن يتجرَّأ عليه بدون علم، ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ﴾ هذه تخاليط أحلام كيف يأكل الضعيف القوي بسبع بقرأت اعجاف تأكل السبع الكبيرات أو السمينات كيف
هذا ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾ ما عندنا خبره، ولا علم وكانوا صادقين في قولهم ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾ وأن لم يكونوا مصيبين في قولهم أضغاث أحلام. لكن هذا من الصدق لأنه في الغالب إذا وجد أمثال هؤلاء مع ملك أو مع صاحب قيادة فإنَّهم لا يصدقونه. بل يتكلمون بكلام يفرحه ويسره وإن كان غير مطابق للواقع فقد يقول أحدهم نعم هذه رؤية جميلة وأنت ستفعل وتفعل حتى يحل له المشكلة لكنهم ما تجرأوا على أن يتكلموا بلا علم.
﴿وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: من الفتيين ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾2122 تذكر بعد مضي زمان وهنا كلمة أمه بمعنى مدة زمنية ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾2324 يعني: إلى زمن فترة. ولذلك كلمة أمه في القرآن لها عدة معان جاءت بعده أوجه، أن إبراهيم كان أُمَّةً جامعا لخصال الخير أو قانتا عابدا. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ﴾ رسوله جماعة من الناس ﴿أن هذه امتكم امه واحدة2526،﴾ يعني: ملة واحدة.
وهذا ما يذكره العلماء في علم الوجوه والنظائر أنا انبئكم بتأويله فارسلون ساتيكم بالنبا اليقين لأنه تذكر يوسف عليه السلام والخبرة التي هو عليها ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ﴾ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ ﴿لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أيضًا هنا إيجاز واضح جدًّا كان الملك له خلط اذهب اذهب إلى هذا الذي تريد أن تذهب إليه فذهب إليه ودخل عليه السجن كل هذا حذف ﴿أَنَّمَا﴾ قال مباشرةً يوسف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الصديق وتأمَّل! قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الصديق الذي كان معه في السجن يشهد له بالصديقيه ﴿أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ﴾ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ يقول ما قاله الملك دون تصرف هذه أمانة في النقل، يعني: أنت سمعت رؤية تريد أن يقصها على غيرك حتى يعبرها لا تتصرف فيها قلها كما قيلت لك نرى دقة من هذا الناقل ﴿لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾27 فما حصدتم ﴿فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لم يأت في السورة، أن يوسف عليه السلام قال أين أنت وأين ذهبت وأين وصيتي لك لما لم تسأل عني الآن جئت لتسالني عن الرؤية لما لم تتذكرني عند الملك ما جاء في
هذه السورة شيء من ذلك ولعل يوسف لم يفعل هذا أصلًا. وهذا فيما يبدو لأنه كريم ابن كريم ابن كريم ابن كريم والكريم إذا قصد بالسؤال اعطى، ولم يمتن نع. وقد وجه إليه سؤال علمي فما كان ليترك الجواب عنه عليه الصلاة والسلام، والعجيب أن يوسف عليه السلام لم يعبر الرؤيا فقط. بل عبر الرؤية وبين ماذا ينبغي لهم أن يصنعوه وزادهم ما لم يذكر في الرؤية.
وهذا مما اعلَّمه الله به، يعني: يوسف عليه السلام عبر الرؤية وزادهم ما لم يذكر في الرؤية وبين لهم كيف يتعاملون مع الرؤية ما المخرج منها وهم لم يسألوه عن المخرج ﴿أَنَّمَا﴾ أرادوا أن يعبروا الرؤية. وهذا مهم جدًّا في تعبير الرؤية لمن رزقه الله البصيرة ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ دابه مستمرة بجد واجتهاد شيء فيه داب ودوام واستمرار وجهد وجد ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾28، يعني: سنة وراء سنة بجد واجتهاد ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾، يعني: عليكم، أن تدخروا وأن تقتصدوا فاخرجوا من الحبوب على قدر الاستعمال واقتصدوا فيها والباقي ابقوه في السنابل لأنه إذًا بقي حفظ وإذا خرج من السنابل أو مما هو فيه من السنبل يفسد ويتعرض للسوس وما إلى ذلك ﴿فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ على قدر اكلكم وحاجتكم ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ إذًا هناك سبع سنوات ستكون الأمور ميسرة فادخروا وحافظوا على محصولكم ثم ستأتي بعد ذلك سبع سنوات شداد أي: فيها قحط وجدب فماذا تصنعون
قال ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ والذي يأكل ليست السنة وإنَّما الذي يأكل الناس. لكن كان السنة هي التي تأكل من شدة الفقر والحاجة والفاقة فيها يقال اكلته السنون من شدة الفاقة ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ مما كنتم تدخرونه يبدأ يخرج كل واحد منهم أو يخرجون الاحتياطي ما كان احتياطيا وما كان مختزنا يبدؤون في اخراجه ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ مما يكون بذرا يستفيدون منه بعده ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بعد ذلك يأتي المدد وتنفرج الكربة فيكون في هذا العام الرخاء يغاث الناس تنزل الأمطار بعد قحط وجد وفيه يعصرون ما يشاؤون من عصير.
وهذا ليس مذكورًا في الرؤيا نفسها، يعني: هل الملك حينما ذكر ذكر شيئًا يتعلق بهذا العام لا ما ذكر هذا ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر ما يتعلق بالسبع سنين وما إلى ذلك لذلك قال بعضهم هذه زيادة اعلَّمه الله عز وجل بها واعلَّمهم كيف يدخرون وكيف يتعاملون مع سنين القحط، وكذلك مع سنوات السعة والرخاء بفضل الله سبحانه وتعالى، وجاء التعبير بقوله سنين ثم جاء في الأخير ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ﴾ قالوا: لأنَّ السنة يناسبها الجدب والقحط. وأما العام فيذكر في الرخاء فيقال مرت عليه سنة، يعني: فيها شده ومر عليه عام أي: فيه رخاء.
وهذا تفسير رائع وتعبير جليل من يوسف الكريم عليه السلام فيه مخرج لأزمة الأمة، لأزمة مصر كلها ومصر كانت تضخ لغيرها ففتوى يوسف عليه السلام فيها تفريج كربه لأمه فوصل هذا الرجل إلى الملك وأخبره بالخبر هذا كله أيضًا حذف في الآيات ﴿أَنَّمَا﴾ جاء بعدها. وقال الملك ائتوني به. وقال الملك ائتوني به، يعني: هكذا يقول الملك ائتوني به.
ظهور براءة يوسف باعتراف امرأة العزيز وتولوليته خزائن الأرض
وقال الملك ائتوني به أي: حينما سمع هذا الملك من يوسف عليه السلام أو سمع من الساقي الذي صار معه وذهب إلى يوسف عليه السلام سمع منه هذا التفسير طلب أن يقابل يوسف عليه السلام وأن يجاء بيوسف عليه السلام ليلقاه وليتعرف على هذه الشخصية الفذه العجيبة الذكية الألمعية التي توصلت إلى هذا الحل وإلى تعبير الرؤيا بهذه الطريقة المحكمة ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ﴾ ﴿مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾2930، أن ربي بكيدهن عليم جاء عن النبي ﷺ في المتفق عليه «لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي»31، يعني: أنت إذًا اتاك داع.
وقال لك بعد السنوات تعال اكلم الملك مش كلم فلان، ولا أخرج فرجه يوم ولا يومين لا كلم الملك الملك ينتظرك ويريدك يوسف عليه السلام كما قال كثيرون أراد أن تثبت براءته ابتداء وأنه حين يخرج يخرج لأنه بريء لا يخرج من أجل أنه عبر الرؤيا فقط فيقال: إنَّه قد تجاوز عن خطأ، يعني: أنت يا يوسف أخطأت وفعلت وفعلت ونحن نتجاوز من أجل هذا المعروف لا با ما يريد ذلك يريد أن يتبين أنه بريء عليه الصلاة والسلام.
وهذا حقه أرجع إلى ربك إلى سيدك إلى الملك ﴿فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ﴾ قطعن ايديهن والعجيب أنه قال ما بال امرأة العزيز ﴿أَنَّمَا﴾ قال ما بال النسوة فهو لا تزال حافظا لجميل العزيز، ولا يذكرها ﴿أَنَّمَا﴾ يقول هؤلاء النسوة، أن ربي بكيدهن عليم استدعاهن الملك ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ﴾، ولم يقل هل راودتن يوسف عن نفسه ﴿أَنَّمَا﴾ مباشرةً ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ﴾، وكأنَّه لما سمع ما سمع من يوسف أو من رسول يوسف ايقن، أن يوسف ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ولكنه أراد أن يُسمع إلى الطرف الآخر ليكون هذا أظهر في براءة يوسف عليه السلام ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ حاش لله حاش لله قالوها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ واليوم يقولونها فيه يقولنها في بيان براءته ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ﴾ وتأمَّل! لم يقلن ما رأينا ما علمنا، يعني: لا رأينا، ولا سمعنا في حقيقة
الأمر هذه دعوة ما علمنا عليه قالت امرأة العزيز مع أنَّها ليست المقصودة ابتداء لكنَّها وجدت أن البراءة جارية وظاهرة قالت امرأة ﴿ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٔـٰنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ قالوا حصى معناه بأن فحصحص، يعني: استبان استبأنه أو بوضوح وجلاء بحيث لا لبس فيه ولا غموض أنا راودته عن نفسه تصرح بذلك أمام الملك وأمام الجمهور، أمام هؤلاء، أمام النسوة أنا راودته عن نفسه.
وقد ذكروا أنها تابت توبة صادقة وبعض المفسرين يذكرون ما يذكرون من أمرها وأن يوسف تزوجها بعد ذلك. وهذا مما ليس لدينا دليل عليه يثبت في كتاب الله، ولا في سنة الصادق رسول الله ﷺ وإن قال به كثيرون والعلم عند الله. فهذا أمر لم يذكره الله فنسكت عنه أنا راودته عن نفسي ﴿وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ﴾ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ على من يعود هذا: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾؟ قال بعضهم يعود على امرأة العزيز، يعني: تقول حتى يعلم يوسف إنني قلت: الحقيقة في غيبته هو غير موجود وأنا الآن أبيّن أنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأنه صادق كما تكلمت في حقه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فأردتُ الإساءة إليه وأُحسن إليه هذا معنى أو أنها تقول لزوجها إنني لم اخن زوجي بمعنى أنه لم يصل.
الأمر مع يوسف عليه السلام إلى خيانة الفراش. فهذا لم يحدث هذان قولان قال بهما بعض المفسّرين إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه يعود على امرأة العزيز وقول آخر قالوا. بل المراد به يوسف، فكان المعنى: ذلك ليعلم انتقل السياق، لذلك يقولون: هو من الموصول لفظًا المفصول معنى ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي: ليعلم العزيز إنني لم اخنه بالغيب وإنني بريء كل البراءة ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ﴾ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها امرأة العزيز فالأمر واضح ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾3233. وأما من قال أنه يوسف عليه السلام فكان يوسف مع هذا كله يقول ومع هذا كله فأنا ما أبرئ نفسي ﴿أَنَّمَا﴾ الجا إلى ربي فهو الذي حماني ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾ فمن رحمة الله، فهو المرحوم المحفوظ أن ربي غفور رحيم حين اتضح الحق وظهر ما كان من الملك إلا أن قال.
وقال الملك ائتوني به لكنه المرة زاد. فقال استخلصه لنفسي ليس فقط ايتوني به حتى أتكلم معه وحتى أنس بلا هذا مثل هذا يستخلص لنفسه سأجعله في مقام رفيع، وفي منزلة عالية سيكون أقرب الناس إليه، وبعد أن كان في بيت العزيز سيصير قريبًا من الملك ذاته وسيولى أعلى المراتب في مصر ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ﴾ أنك اليوم لدينا مكين أمين مكين مكين ذو مكانه متمكن لك التمكن أمين ت ستًّا من على مصر كلها لأنه بفضل الله حفظ فرجه وغض بصره.
وقال الحق وصدق فيه ولم يفتري على الله كذبا. فقال يوسف ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ أني حفيظ عليم. وقد يقول قائل، ولما طلب يوسف عليه السلام ذلك الجواب هل طلب يوسف ذلك في وقت تكون مصر فيه في رغد، ويكون أهل مصر في رغد فيه؟ أم إنهم سيعيشون قحطا وجدبا وازمه سيعيشون ازمه فيوسف ما طلب المنصب من أجل المنصب وإنَّما طلبه ليكون سببًا في فك الحصار أو الأزمة وازاله الكربة، ولئلا يقع المصريون ثم من كان تابعا للمصريين في حرج اقتصادي حينئذ قال ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ أني حفيظ عليم، ومن كان حفيظًا عليمًا فهو أحق بأن يُولَّى ويُتوَّج وتكون له الكلمة النافذة نقف عند هذا ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — الفرقان: 63 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 17 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ — النساء: 17 ↩
- حديث: «ما تركت بعدي فتنة اضر على الرجال من النساء» — نسبة الشيخ: المتفق عليه ↩
- تعليق: ومع ذلك كان يقول «لو ائتمنوني على بيت مال المسلمين لكنت امينا ولو ائتمنوني على امرأة شوهاء ما أمنت على نفسي» — قول: «لو ائتمنوني على بيت مال المسلمين لكنت امينا ولو ائتمنوني على امرأة شوهاء ما أمنت على نفسي». الذكر في الدرس: عطاء ابن ابي رباح. ↩
- آية: ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ — النساء: 28 ↩
- آية: ﴿قال ربي السجن أحب إلى مما تدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن اصب إليهن واكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن أنه هو السميع العليم.﴾ — يوسف: 33-34 ↩
- آية: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما راوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 35 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَـٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ — يوسف: 35 ↩
- آية: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال احدهما أني اراني اعصر خمرا.﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 36 ↩
- آية: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما أني اراني اعصر خمرا. وقال الآخر أني اراني احمل فوق راسي خبزا تأكل الطير منه أي أرى أن﴾ — يوسف: 36 ↩
- آية: ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا — الجن: 26-27 ↩
- آية: ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 26-27 ↩
- آية: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 49 ↩
- آية: ﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ — آل عمران: 49 ↩
- آية: ﴿يا صاحبي السجن ارباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم واباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، أن الحكم إلا لله أمر إلا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 39-40 ↩
- آية: ﴿يا صاحبي السجن ارباب متفرقون خير ام الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم واباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، أن الحكم إلا لله أمر إلا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ — يوسف: 39-40 ↩
- آية: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 45 ↩
- آية: ﴿وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ — يوسف: 45 ↩
- آية: ﴿ولئن اخرنا عنهم العذاب إلى امه معدوده،﴾ — كما ورد في الدرس: هود 8 ↩
- آية: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ — هود: 8 ↩
- آية: ﴿أن هذه امتكم امه واحدة،﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 92 ↩
- آية: ﴿أن هذه امتكم امه واحدة،﴾ — الأنبياء: 92 ↩
- آية: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 47 ↩
- آية: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ — يوسف: 47 ↩
- آية: ﴿مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 50 ↩
- آية: ﴿مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّـٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ — يوسف: 50 ↩
- حديث: «لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» — نسبة الشيخ: المتفق عليه ↩
- آية: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 53 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — يوسف: 53 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 28
من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: ما تركت بعدي فتنة اضر على الرجال من…
- شرح حديث: لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت…
- تفسير سورة آل عمران
- تفسير سورة هود
- تفسير سورة يوسف