مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة الزلزله

لمحة في سورة · الدرس 60 من 134 · 21 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. سورة جامعة تزلزل القلوب
  2. زلزالها لا زلزال الدنيا
  3. ما لها وتحدث أخبارها
  4. يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَٰلَهُمْ
  5. مثقال ذرة خيرًا أو شرًا
التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة جامعة تزلزل القلوب

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع درس من دروس هذه السلسلة لمحة في سورة ونحن ليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع سورة الزلزلة سورة الزلزلة قال الله سبحانه ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَـٰلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾2 هذه السورة الكريمة تسمى بسورة الزلزلة.

وذلك لحديثها عن زلزلة يوم القيامة وهي أعظم الزلازل زلزلة يوم القيامة أعظم الزلازل والزلازل سواها لا تساوي أمامها شيئًا. وقد قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾3 زلزلة يوم القيامة والحديث عنها جاء بطريقه تزلزل القلوب فمقصود السورة الكريمة ذكر بعض مشاهد يوم القيامة وما يحمل الإنسان على أن يرق قلبه ويتزل ويتجه إلى الله سبحانه وتعالى، فيسأل العبد ربه، أن يثبته على الإيمان إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا.

وقد جاء عند أبي داود أن رجلًا طلب من ﷺ أن يقرأ عليه سورة جامعة فقرأ عليه هذه السورة الجليلة الفريدة أعني سورة الزلزلة إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا. بل ثبت أيضًا أن ﷺ «صلى صلاة الفجر يوما فصلى في الركعتين بسورة الزلزلة» حتى إنهم ظن بعضهم أنه وقع نسيانا من ﷺ فلا ندري أنسى ﷺ أم أنه تعمد أو قصد ذلك ﷺ سورة زلزلة على وجازة ألفاظها إلا أنها كما قلت: تزلزل القلوب وتحركها تجاه ربها فتقبل على الله اقبالا وسورة زلزلة فيها حديث عن الميزان الدقيق الذي يظهر يوم القيامة فإذا كانت سورة البينة قد بينت أقسام الناس وبينت أن من الناس ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بالبينة، ومن الناس من كفر بالبينة.

فإنَّ هذه السورة المباركة تبين جزاء الأعمال ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾4 افتتح الله عز وجل هذه السورة بأداة الشرط إذًا وتقدم معنا أن هذا نوع من أنواع استفتاحات القرآن الكريم فالقرآن الكريم له استفتاحات تقدم أنها عشره أنواع منها الاستفتاح بالشرط وتقدم الكلام في ذلك في سورة في سورة النصر ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾5 وسبق في دروس التفسير في سورة المنافقون وغالب ما ورد من البدء بالشرط كان حديثًا عن يوم القيامة ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾6 ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾7 ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾8 ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾9 إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا يستثنى من ذلك ما جاء في سورة المنافقين وسورة النصر ولهما صلة أيضًا بهذا من جهة أخرى وهنا السورة الكريمة حديث عن زلزلة القيامة وهذا يعني: أنَّ أعظم الأوقات التي عليك ﴿إِلَّا﴾ تغفل عنها وقت يوم القيامة أعظم الأوقات التي لا ينبغي للمسلم، أن يغفل عن هذا التوقيت وعن تذكره والعمل له وقت يوم القيامة.

وذلك أنه آت لا محالة فتنسُدف الحقائق، ولأن ما بعده فيه الاستمرار والدوام. فهذا يخلد في الجنان من أهل الإيمان وأهل الكفران يخلدون في النيران والعصاة قد يعذبون ثم ينجيهم الله سبحانه فنسأل الله، أن يجعلنا من الخالدين في الجنان إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا إذا زلزلت الأرض أصل مادة الزلزلة كلمة زله الزلل الزلل وهو قريب من الزلق ففلان وقع في زلل، يعني: انحرفت رجله فوقع.

زلزالها لا زلزال الدنيا

أما إذا قيل زلزل دل ذلك على شدتها على شدة وقعةا، وعلى شدة اضطرابها وهكذا الأسلوب في الأفعال المضاعفة إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، ولم يقل إذا زلزلت الأرض فحسب إنَّما إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا بالأسلوب المؤكد. فهذا تأكيد لها ولم يقل أيضًا إذا زلزلت الأرض زلزالًا فكان يكفي المفعول المطلق أن يقال إذا زلزلت الأرض زلزالًا لكنه قال إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وكأن الأرض لها زلزال يخصها.

فهذا زلزال يختلف عن الزلازل التي نعرفها في الدنيا فزلازل الدنيا أمام زلزال الآخرة لا شيء لذلك قال إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا زلزالها المضاف إليها ويدل على تمكن الزلزلة من الأرض يومئذ لذلك قالوا إن هذه الإضافة تدل على تمكن تلك الزلزلة من هذه الأرض ترتجف الأرض ترتجئ ﴿وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾10 ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾11 ففيها رجفه، وفيها زلزلة، وفيها اضطراب شديد إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا تحركت حركه شديدة واخرج ت نتج عن هذه الزلزلة، أن الأرض أخرجت اثقالها اثقالها قالوا ما اثقالها اثقالها ما في بطنها من الأموات، ومن الاثقال من الكنوز إذًا وأخرجت الأرض اثقالها من الأموات، ومن الكنوز تخرج الأرض افلاذها أو تخرج الأرض اثقالها، وكأنها كانت ثقلا في الأرض ثقل في الأرض حمل فتخرجه أو فتخرج الأرض تلك الاثقال وجاء التعبير القرآني هكذا ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، ولم يقل وأخرجت اثقالها لو قال: وأخرجت اثقالها هل علم، أن الضمير يعود على الأرض.

لكن جاء بالاسم الظاهر مرة أخرى في موضع الضمير إذا زلزلت الأرض خرجت الأرض مرة أخرى حتى تتذكر أن هذه الأرض سيكون لها حال مختلف عن الحال الذي نعرفه نحن في هذه الدنيا أخرجت الأرض اثقالها. وقد جاء النبيكم محمد ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم أخرجت الأرض واثقالها «ترفض ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أرض افلاد كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة فيجيء القاتل» فيقول: في هذا قتلت يشوف الذهب والفضة والكنوز فيقول: في هذا قتلته ويجيء القاطع فيقول: في هذا خطأ ويجيء القاطع، يعني: قاطع الرحم فيقول: في هذا قطعته، يعني: قطع رحمه ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يده في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيء الذهب بجوارهم والفضة أمثال الأسطوان عمود كامل ذهب أو فضة سبحان الله ذهب جنبك أهو تعال خده هياخده يعمل إيه ده هو تذكر في هذا قتل في هذا سرق في هذا قطع رحمة ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا ضد اثقالها.

ما لها وتحدث أخبارها

﴿وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا﴾. وَقَالَ ٱلْإِنسَٰنُ ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا﴾ مما جرى على ظهرها صار فوقها ما هذا ما الذي جرى ما لها ما لهذه الزلزلة ما لهذا الاضطراب الشديد ما لهذا الذي جرى للارض ما لها أخرجت اثقالها. وقال الإنسان متعجبًا مما جرى ومما وقع. وَقَالَ ٱلْإِنسَٰنُ ﴿مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ يومئذ، يعني: ﴿يومئذ زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض اثقالها.

وقال الإنسان ما﴾12 ﴿وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ تحدث أخبارها أي: تتحدث الأرض بما وقع عليها فتقول فعل فلان علي كذا وكذا وفعل فلان كذا وكذا. ولذلك جاء في رواية الترمذي وإن كان فيها كلام عمل عليها تقول الأرض فلان عملك عمل كذا وفلان عمل كذا تشهد الأرض لأهل الإيمان ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ وتشهد الأرض لأهل الكفران بالكفر فتشهد لهذا بالطاعة وتشهد على هذا بالمعصية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ تذكر تلك الأخبار الماضي السابق هذا مشى في ظلمات الليل من أجل أن يصلي لله رب العالمين.

وهذا مشى من أجل أن يسرق هذا أو أن يسرق ذاك هذا مشى للإصلاح بين الناس. وهذا مشى للإفساد في الأرض ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ لماذا تحدث أخبارها تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا فاما أن يقال: إنَّ الباء للتعدية هنا أو أن الباء سببية لماذا تحدث الأرض بالاخبار لأنَّ ربك أوحى لها لأنَّ الله أوحى لها بذلك قال لها ايتها الأرض تحدثي ايتها الأرض أخبري ايتها الأرض اشهدي قولي ماذا صنع عليك وماذا جرى بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا

والتعبير القرآني جاء هكذا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا لم يقل بأن ربك أوحى إليها وأوحى تتعدى بإلى كثيرًا ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ﴾13 تتعدى أوحى إلى. لكن هنا قال ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ قالوا: لأنَّ الإيحاء هنا تضمن معنى الاذن أي: بأن ربك أوحى وأذِن لها إذًا الوحي صار بمعنى الاذن فلذلك تعدى بتعديته فالمعنى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ بسبب أن ربك أوحى لها بسبب أن ربك.

إذن لها بسبب أن ربك أذِن لها ﴿وَإِذَا ٱلْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾14 فالأرض تستمع لربها وتتلقى منه. الأمر فتستجيب له لذلك تعدى الإيحاء باللام دون إلى بأن ربك تعدى الإيحاء باللام وليس بإلى. فقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾. إذن لها وأمرها والله يأمر ما يشاء ويامر بما يشاء ويامر ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ سبحانه وتعالى.

وهذا عن الوحي الذي نعرف. فهذا يفيدنا أنه ليس كل وحي جاء في القرآن يراد به الوحي إلى الأنبياء والمرسلين لأنَّ الأرض ليست نبيه، ولا رسوله فالوحي أنواع وأصل مادة الوحي تدل على الاعلام الخفي السريع كما يقولون. ولذلك لما استدل بعضهم على إثبات نبوه أم موسى بقوله ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾15 رد عليه بأن هذا ليس بلازم والأصل أن الأنبياء رجال ذكور ﴿أَنَّمَا﴾ هو وحي إلهام أو أن يكون عن طريق ملك.

يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَٰلَهُمْ

لكن ليس على سبيل الرسالة وليس على سبيل النبوة ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ فانظر إلى عبد الله كم عليك من الشهود كم عليك من الشهود الجوارح تشهد والأرض تشهد وكثير وكثيرة هي تلك الشهود التي تشهد على الإنسان ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا يَوْمَئِذٍ﴾ مرة أخرى يومئذ لأنك حينما تسمع يومئذ هذا التنوين نسميه تنوين العوض عوض عن جمل تتذكر كل الماضي يومئذ، يعني: يومئذ تزلزل الأرض يومئذ زلزالها وأخرجت الأرض تتذكر كل الجمل السابقة فأعادها مرة أخرى، يعني: لم يقل يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ويصدر الناس اشتاتا لا يومئذ مرة أخرى يومئذ اللي هو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ اللي هو سبق الحديث عنه يخرج الناس من قبورهم فيصدرون مصادر شتى

هذا راكب. وهذا ماشي. وهذا ماشي على رأسه سبحان الله العظيم ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾16 قال الله ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين مختلفين طرائق شتى كما إنهم في الدنيا اشتات ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾17 قال الرسول عليه الصلاة والسلام، «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ أي: ليريهم الله أعمالهم ليرى إذًا هناك من يريهم يوقفهم والملائكة أقرأوا، وكذلك ينظرون في الكتب ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾18 ليرى لِّيُرَوْا۟ أَعْمَٰلَهُمْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ يرى مثقال ذرة قالوا الذرة النملة الصغيرة يطلق عليها ذرة في عالم في علم اللغة أو في كلام العرب إذًا لو كان شيئًا دقيقا.

مثقال ذرة خيرًا أو شرًا

فإنَّ الله يحاسب عليه وأن من عمل الخير ولو كان قليلًا. فإنَّ الله سبحانه وتعالى، يكافئه عليه، ومن عمل الشرع ولو كان حقيرًا فإنَّه يستحق العقوبة والله يغفر لمن يشاء. ولذلك ﷺ لما سُئل عن زكاة الخير لما سُئل في بعض المواضع فأجاب ﷺ بهذه الآية الكريمة.

فقال: ما أنزل الله عليّ في الزلزلة شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة الآية الجامعة الفاذّة، يعني: هي آية جامعه فاذة عجيبة حينما تستحضرها تقبل على الطاعة اقبالا وتدبر عن المعصية ادبارا فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يرى وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ لذلك جاء عن النبي ﷺ لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أنَّ تلقى أخاك بوجه طلق أو طليق كما جاء في بعض الألفاظ، وكذلك قال النبي ﷺ: «اياكم وم فقرًات الذنوب فانهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنا اياكم محقرات الذنوب يعني: تقول يا عم ده ذنبي يسير ما يدريك وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يرى إذا مهما ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخير أو الشر فان العبد سيراه يوم القيامة أن خيرًا فخير وان شرا فشر إلا أن تتداركه رحمة الله سبحانه وتعالى هكذا يا أيها الإخوة الكرام ختمت هذه السورة ا»الكريمة الجليلة بعد الحديث عن الزلزلة الشديدة التي تقع يوم القيامة، وبعد ذكر أحوال الناس، وبعد بيان، أن الناس يخرجون من القبور بينت أن الناس ينقسمون إلى عامل بالخير وعامل بالشرع.

فهذا يرى. وهذا يرى وصدق الله إذ قال ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾19 وكما قال الله سبحانه وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ ﴿فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ﴾ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادره صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا هذا معنى يرى يرى وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.

نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يهدينا وأن يثبتنا على الإيمان وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَـٰلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 1-8 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ۝ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 1-2 ↩
  4. آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7-8 ↩
  5. آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ — كما ورد في الدرس: النصر 1 ↩
  6. آية: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 1 ↩
  7. آية: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانفطار 1 ↩
  8. آية: ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانشقاق 1 ↩
  9. آية: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: التكوير 1 ↩
  10. آية: ﴿وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَٰحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 14-15 ↩
  11. آية: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 14 ↩
  12. آية: ﴿يومئذ زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض اثقالها. وقال الإنسان ما﴾ — الزلزلة: 1-4 ↩
  13. آية: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 68 ↩
  14. آية: ﴿وَإِذَا ٱلْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانشقاق 3-5 ↩
  15. آية: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 7 ↩
  16. آية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا ۝ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 85-86 ↩
  17. آية: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الليل 4 ↩
  18. آية: ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 14 ↩
  19. آية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 30 ↩

من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة