المجلس السادس عشر - شرح وتقريب تحفة الأريب - مادة (أذن- أمن)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
فأذنوا: قراءتان وبلاغة بحرب من الله
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فهذا هو المجلس السادس عشر من مجالس التعليق على كتاب تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأثير الدين أبي حيان الأندلسي رحمة الله تعالى رحمة واسعة وما زلنا مع مادة أذن ومع التعليق على القراءتين المتواترتين الواردتين في قوله سبحانه وتعالى، ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ عرفنا أن في قوله فأذنوا قراءتين القراءة الأولى ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ والقراءة الأخرى ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ وَرَسُولِهِۦ وعرفنا مدلولي كلتا القراءتين وأن هاتين القراءتين قد أفادتا أن المسلم عليه أن يعلم وأن يعلم غيره بأن آكل الربا مستحق لهذا الوعيد الشديد والتهديد الأكيد من الرب المجيد سبحانه وتعالى، ولفت النظر إلى بعض ما يتعلق ببلاغة هذا النظم القرآني في هذه الجملة الجليلة ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ، ولم يقل بحرب الله ورسوله وذلك أنَّ بحرب الله الحرب أضيفت إلى الاسم الأحسن الله سبحانه وتعالى، فتكون معرفة بالإضافة. وأما قوله ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فقوله: بحرب جاءت منكرة.
وهذا التنكير يفيد معنى التعظيم والتفخيم وهو مقصود ومراد هنا هذا من جهة ومن جهة أخرى ذكرت ما لفت النظر إليه أبو حيان في البحر المحيط حين قال: ﴿أَنَّمَا﴾ كان أبلغ لأنَّ فيها نصًّا بأن الحرب من الله لهم فالله تعالى هو الذي يحاربهم ولو قيل بحرب الله لاحتمل أن تكون الحرب مضافة للفاعل فيكون الله هو المحارب لهم وأن تكون مضافة للمفعول فيكون هم المحاربين لله فكون الله محاربهم أبلغ وأزجر في الموعظة من كونهم محاربين الله عز وجل ومعنى ذلك، أن قوله ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ نص في أن الحرب المتوعد عليها من الله سبحانه وتعالى، ومن رسوله محمد ﷺ
لكن إذا قيل «بحرب الله» فيكون «حرب» مصدرًا مضافًا. وهذا المصدر قد يضاف إلى الفاعل. وقد يضاف إلى المفعول فيحتمل احتمالين، أن يكون المعنى فأذنوا بحربكم الله أو فأذنوا بحرب الله لكم يحتمل هذا وذاك بحربكم الله أو بحرب الله إياكم. لكن لما جاء التعبير ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ علم، أن الحرب من الله سبحانه وتعالى.
وهذا فيه معنى لطيف وهو، أن القرآن الكريم إذا عرَّف فإنما يعرِّف لمقصد وفائدة تتم بالتعريف لا بالتنكير وإذا نكَّر فإنه أيضًا ينكِّر لفائدة هذه الفائدة ﴿أَنَّمَا﴾ تتحقق بهذا التنكير وأن تكثير المعاني قد يكون مرادًا في مواضع وكثرة الاحتمالات قد تكون مقصودة وأنه في بعض المواضع لا يحسن إلا احتمال أو إلا قول أو معنى واحد فمثلًا في قول الله جل ذكره ﴿لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾2 دعاء أضيف إلى الرسول ﴿لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ﴾ فهل قوله دعاء أضيف إلى الرسول على أن الرسول في موضع الفاعل أم أنه في موضع المفعول
كلاهما محتمل يحتمل أن يكون المعنى لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم أي: إذا دعاكم الرسول ﷺ فلا تسووا بين دعاء الرسول إياكم وبين دعاء غيركم لكم والمعنى إذا دعانا الرسول ونادانا الرسول ﷺ فعلينا أن نبادر بالاستجابة إليه ويكون هذا في معنى: قوله سبحانه وتعالى، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾3 فيكون الدعاء هنا من الرسول ﷺ وهناك احتمال آخر لا تجعلوا دعاء الرسول أي: لا تجعلوا دعاءكم الرسول فيكون قوله دعاء قد أضيف إلى الرسول على أنه في موضع المفعول، أي: الرسول ويكون معنى الآية حينئذ إذا دعوتم الرسول ﷺ وناديتموه فدعوه ﷺ بأحسن وألطف خطاب فلا تسووا بينه وبين غيره.
وهذا يكون معناه: إذا نادينا أو دعونا الرسول ﷺ أن نقول يا رسول الله يا نبي الله لا أن نقول له: يا محمد. وبناءً عليه فالآية الكريمة تحتمل هذين الاحتمالين الاحتمال الأول والاحتمال الثاني ساعد على ذلك، أن التعبير القرآني جاء هكذا لا تجعل دعاء الرسول. إذن حينما قُصد أن يأتي المصدر مضافًا وأن تكون هذه الإضافة تحتمل أكثر من وجه جئ بالتعبير القرآني على هذه الطريقة التي سمعتموها وإذا قصد تحديد.
المعنى وألّا يكون محتملًا لأكثر من معنى حينئذ لم يجئ على هذه الطريقة. وهذا من بديع أسلوب القرآن الكريم أردت أن لا يفوتنا الوقوف عليه ونسأل الله سبحانه وتعالى،
أذنت لربها: سمع وطاعة وأذان
أبو حيان رحمه الله تعالى: أذنت لربها، سمعت. وذلك في سورة المطففين في الموضعين ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾4 فمعنى قوله وأذنت، يعني: سمعت والسماع هنا ليس المراد به مجرد الاستماع وإنَّما هو استماع مقرون بطاعة فهو سمع وطاعة لذلك قال بعضهم: وأذنت أي: استمعت استماع المطيع.
وقال أبو حيان في البحر المحيط وإذنها انقيادها لله تعالى حين أراد انشقاقها فعل المطيع إذا ورد عليه أمر المطاع أنصت وانقادت كما قال الله سبحانه وتعالى، كقوله تعالى ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾5 يقال أذن لكذا أي: استمع له وفي حديث الصحيحين عنه ﷺ «ما أذن الله لشيء كإذنه»، وفي بعض الألفاظ «كما أذن لنبي يتغنى بالقرآن»، وفي بعض الروايات يجهر به قالوا معنى ما أذن الله لشيء قال عدد من الشراح أي: ما استمع الله لشيء والله لا يشغله سمع عن سمع.
إذن من معاني الإذن الاستماع والاستجابة والطاعة والانقياد قال أبو حيان بعدها وأذان إعلام وأذان إعلام ففسر الأذان بالإعلام. وذلك في قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾6 فقوله: وأذان أي: إعلام. وقال أيضًا ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾7. لكن يفرق بين الأذان والإعلام بأن الأذان إعلام مجهور به معلن لذلك بعضهم قال أعلم بأن أعلنه بينهم فالإعلام هنا إعلام معلن وظاهر وبارز.
وقال الزبيدي في تاج العروس الأذان اسم يقوم مقام الإيذان وهو المصدر الحقيقي حينما ننظر إلى المادة آذن فيكون المصدر إيذانا وأذن تأذينا. لكن الأذان في معناهما فيسمى باسم المصدر. وقد تم التفريق بين المصدر واسم المصدر قبل ذلك في مواضع أخرى. إذن هو بمعنى المصدر. لكن يختلف عنه أو يقل عنه في بعض الحروف فالأذان اسم مصدر.
وقال الفيومي: وأذنت للشيء أَذَنًا من باب تعب، استمعت وأذنت بالشيء علمت به ويعد بالهمزة فيقال آذنته إيذانا وتأذنت أعلمت وأذن المؤذن بالصلاة أعلم بها قال ابن بري: وقولهم «أذَّن العصر» بالبناء للفاعل خطأ، والصواب «أُذِّن بالعصر» بالبناء للمفعول مع حرف الصلة والأذان اسم منه والأفعال بالفتح، الأذان على وزن إفعال قال والأفعال بالفتح يأتي اسما من فعل بالتشديد فعل مصدرها المشهور تفعيل هنا يقول والأفعال بالفتح يأتي اسمًا من فعل بالتشديد مثل: وادع وداعًا، وسلَّم سلامًا، وكلَّم كلامًا، وزوَّج زواجًا، وجهَّز جهازًا ابن بري لفت أنظارنا إلى أننا لا نقول أذن العصر أو أذن المغرب ﴿أَنَّمَا﴾ نقول أذن بكذا، ومن أهل اللغة المشهورين المعروفين.
إذن عرفنا أن الأذان هنا معناه: الإعلام المعلن الفعل أذن جاء في القرآن الكريم كما سمعنا ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ وجاء أيضًا تأذن قال الله تعالى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾8. فقالوا تأذن تفيد أيضًا معنى الإعلام. وقال في تاج العروس وأذن تأذينا أكثر الإعلام بالشيء قاله سيبويه.
وقالوا أذنت وآذنت فمن العرب من يجعلهما بمعنى، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: أذنت للتصويت بإعلان وآذنت أعلمت. وقال أيضًا والتأذين مخصوص في النداء إلى الصلاة والإعلام بوقتها. وقالوا وتأذن ليفعلن أقسم من عبارات. القسم علم الله. إذن هناك من جعل قوله سبحانه وتعالى، تأذن تدل على معنى الإعلام المعلن المؤكد ففيه معنى الإقسام ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ9 لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ قالوا قضى وكل المواد أذن وتأذن مؤذن أذان فهي من معنى الإعلام هذا.
وقال الخليل التأذن من قولك لأفعلن كذا تريد به إيجاب الفعل أي: سأفعله لا محالة. وهذا قول وأوضح منه قول الفراء تأذن ربكم أعلم ربكم وربما قالت العرب في معنى: أفعلت تفعلت ومثله أوعدني وتوعدني وهو كثير. إذن هناك من يرى أنَّ تأذن وأذن بمعنى واحد وأن العرب تقول في معنى: أفعلت تفعلت وهناك من يرى أنَّ تأذن أوكد وأبلغ.
وقد قال البيضاوي: تأذَّن بمعنى آذن يقولون، أن تأذن بمعنى آذن قال وتأذن بمعنى آذن كتوعد وأوعد. غير أنه أبلغ، أي: التعبير بتأذن أبلغ لما في التفعل تأذن تفعل لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة وبين الشهاب المراد بذلك قال لأنَّ ما يتكلف فيه يكثر إظهاره ويبالغ فيه. وهذا من حيث الاصطلاح اللغوي؛ وإلا لن نقول إن الله سبحانه وتعالى، تكلف أو ما أشبه ذلك.
لكن المقصود أن الصيغة تدل على ذلك في أصل مدلولها وإنَّما المراد منها والذي يليق بمقام القرآن الكريم المراد بذلك التأكيد على هذا المعنى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: أعلم إعلامًا مؤكدًا ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾10. وأما المصطفوي في كتابه التحقيق في كلمات القرآن الكريم قال والإيذان مثل التأذين إلا أن النسبة في الأفعال في المرتبة الأولى، وفي قصد المتكلم إلى الفاعل بخلاف التفعيل.
فإنَّ التوجه والقصد فيه في المرتبة الأولى إلى المفعول به أي: محل الوقوع فباب الأفعال ناظر إلى الصدور، يعني: حينما تقول آذن. إذن أنت تنظر في بداية الأمر إلى مَنْ الذي آذن ومَنْ الذي أعلم فتلتفت فيه إلى آذن وفي التأذين إلى مَن يبلغهم قال وفي التأذين إلى الإبلاغ والإعلام إلى الناس وبهذا نكون بفضل الله سبحانه وتعالى، وتوفيقه قد انتهينا من التعليق على هذه المادة لكنني أذكر بما ذكرت في الدرس الماضي من أن ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى، بإذن الله بإذنه للعلماء فيها أقوال وتحريرات وأنه لا بد لنا أن نعي وأن ندرك الخلط الذي يقع في مثل التفسيرات المتعلقة بهذه الكلمة وأن الأكثر من أهل العلم يفسرون «بإذن الله» بمشيئته وإرادته.
بإذن الله: إذن قدري وتمكين الشفاعة
وقد يكون المراد بإذن الله بأمره سبحانه وتعالى. وذلك أنَّ الإذن إذنان. كما أنَّ الإرادة إرادتان فهناك. إذن كوني قدري وهناك. إذن شرعي وأن من فسر من أهل العلم الإذن بالإعلام فحسب. فهؤلاء أحد رجلين: منهم من فسره مع أنَّه على الاعتقاد الصحيح يثبت مشيئة الله سبحانه وتعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن وأنَّ كلَّ شيء يقع ﴿أَنَّمَا﴾ هو بقضاء الله أو بقدر الله سبحانه وتعالى، ولكنه فسرها بالمعنى المقارب وهناك من يفسر المشيئة بالعلم أو بالإعلام حذرا من أن يثبت مشيئة الله سبحانه وتعالى.
وذلك لأنه لا يثبتها فهو يحاول بذلك التهرب من إثبات. المعنى الصحيح. ولذلك في الأصول الخمسة المنسوبة إلى القاضي عبد الجبار فيها: «فأما المعاصي والكفر» فمعاذ الله، أن يكون عز وجل خلقها وقضاها، وقدرها إلا بمعنى أنه أعلمنا وأخبرنا عنها كما قال عز وجل ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾11 بمعنى أعلمناهم وكيف يصح أن يكون قد قضى الكفر ثم يعاقب عليه.
ولذلك تقدم أنهم يفسرون الإذن بالإعلام. لكن بعض العلماء كالطبري وغيره حينما فسروا بإذن الله بعلم الله فهم أيضًا يعتقدون الاعتقاد المعروف من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولذلك نبه بعض العلماء على الخطأ أو خطأ من يعبر بهذا التعبير دون أن يدرك بعده وما يتعلق به فأحمد القصاب صاحب كتاب النكتة الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام وهو من مُحدِّثي القرن الرابع قال «لو كان الإذن علمًا ما بأن سلطانه في إطلاق الشفاعة ولكان كل من شاء شفعا إذ علمه بشفاعتهم لا يحجز على شافع شفاعة إذا أرادها».
وقد أخبر قبل هذا عن يوم القيامة بأنه لا شفاعة فيه حيث يقول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ﴾12 ثم استثنى منهم أي: من الشافعين في هذه الآية من يأذن له فيها أن يطلق له ومن جعل الإذن هنا بغير معنى الإطلاق فقد جعل لله شريكًا في سلطانه إذ جعل إذنه لعباده مرفوعًا واستئذانهم له في الشفاعة عنهم موضوعًا رب العز سبحانه قال ﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾13 فالقصاب يقول لو فسرنا إلا بإذنه، كيف والله عز وجل قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ﴾ هل العلم وحده كاف في أن يشفع الشافعون. إذن هناك من سيشفع دون إطلاق الله سبحانه وتعالى، له الإذن فيقول: «لو كان الإذن علمًا ما بأن سلطانه في إطلاق الشفاعة ولكان كل من شاء شفع إذ علمه بشفاعتهم»، يعني: هو يعلم لأنَّ فلانًا حينما يشفع فهو قد علم.
لكن المراد أنه علم وأذن وأطلق له. ولذلك ابن عطية قال وحقيقة الإذن التمكين مع العلم بقدر ما مكن منه فهو سبحانه وتعالى، يعلم ويمكن ويطلق السراح لمن شاء سبحانه عز وجل ومن طريف ما يذكر في هذا المقام ما نقله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري من أنه يقال: إنَّه جئ بعالم من أئمة السنة ليناظر إمامًا من أئمة المعتزلة، ولم يسم لنا الحافظ ابن حجر الإمامين.
لكن بعض المعاصرين سماهما، ولم أقف على أحد سماهما من السابقين قالوا إنه الأستاذ أبو إسحاق السفراييني والقاضي عبد الجبار المعتزلي الشاهد أنَّ هذا الإمام من أئمة المعتزلة لما رأى هذا الإمام من أئمة السنة قال «سبحان من تنزه عن الفحشاء» يقول المعتزلي «سبحان من تنزه عن الفحشاء»، يعني: كيف تنسبون الفحشاء لله سبحانه وتعالى، خلقا وتقديرًا كيف يقدر الله الفحشاء فيقول: «سبحان من تنزه عن الفحشاء» فرد عليه «سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء».
فقال: أو يشاء ربنا أن يعصى قال أو يعصى قهرًا قال «أرأيت إن منعني الهدى، وقدر على الردى أحسن إلي أم أساء» قال: إن منعك ما لك فقد أساء وإن منعك ما له فهو يختص برحمته ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ وقريب من ذلك ما ذكره الإمام الطبري في تاريخه من أن هشام بن عبد الملك أحضر ميمون بن مهران لمناظرة غيلان المعتزلي.
وقال له ميمون سل فإنكم أقوى ما تكونون عند السؤال أقوى ما تقدرون على أن تطرحوا الأسئلة والمعضلات والمشتبهات. فقال له أيشاء ربنا أن يعصى. فقال: أفعُصيَ كارهًا؟ فسكت وحار، ولم يستطع جوابه. وهذا فيه إثبات أن كل شيء بقدر والكلام في ذلك يطول. لكن لعل فيما قلت كفاية وغنية وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح بعد هذا.
آمن: أمانة وتصديق وتعدية المادة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، ننتقل إلى مادة جديدة وهي مادة أمنة قال: آمن، صدَّق، وأَمِنَ، أَمْنًا هذه المادة مادة الأمنة تكررت في القرآن الكريم أعني أنها تكررت بمواردها واشتقاقاتها كثيرًا في كتاب الله عز وجل ففي القرآن أمن وأمنة وإيمان المؤمنون والمؤمنات إلى غير ذلك من الاشتقاقات والتصاريف المتعددة. لكن الإمام أبا حيان اقتصر هنا على مادتين قال: آمن، صدَّق، وأَمِنَه، أمَّنه.
وقد قال ابن فارس الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب والآخر التصديق والمعنيان كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ متدانيان. إذن مادة الأمن تأتي على معنيين. المعنى الأول أمانة التي هي ضد الخيانة ومعناه سكون القلب. إذن الأمن فيه معنى الطمأنينة وسكون القلب.
والآخر التصديق آمنته أو آمنت به أو آمنت له، يعني: صدقته. قد يأتي تارة متعديًا بنفسه كأن تقول آمنته آمنت فلانًا إيمانًا وأمنته تأمينًا فيكون هذا بمعنى التأمين الذي هو إعطاء أمان، ومنه قوله تعالى ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾14. ولذلك من أسماء الله سبحانه وتعالى، المؤمن قالوا المؤمن سمي بذلك لأنه أمن عباده عز وجل من أن يظلمهم أمنهم.
إذن إذا جاء الإيمان متعديًا بنفسه آمنته بمعنى أمنته وأعطيته أمان. وقد تأتي المادة متعدية بالباء أو اللام آمن به أو آمن له فيكون معناه: التصديق كما في قوله سبحانه وتعالى، ﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾15 وكما في قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾1617 وفي قوله ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ﴾18 إلى غير ذلك، يقول الدكتور دراز في المختار من كنوز السنة، قال أهل الاشتقاق.
وهذا المعنى الثاني راجع إلى الأول معنى التصديق راجع إلى معنى إعطاء أمان والطمأنينة لأنَّ من صدقك فقد أمنك من التكذيب والمخالفة. وقد قال البيضاوي والإيمان في اللغة عبارة عن التصديق مأخوذ من الأمن، يعني: عاد بالتصديق إلى معنى الأمن كأن المصدق أمن المصدق من التكذيب والمخالفة وتعديته بالباء آمن به لتضمنه معنى الاعتراف.
وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق بالشيء صار ذا أمنه. ولذلك بعضهم يقول آمن به، يعني: وثق به. وقال النسفي تعديته بالباء لتضمنه معنى أقر واعترف. وقال بعض المحققين الإيمان يتعدى بنفسه كصدقه وباللام باعتبار معنى الإذعان وبالباء باعتبار معنى الاعتراف إشارة إلى أن التصديق لا يعتبر بدون اعتراف وهذا ذكره الزبيدي في تاج العروس.
وقال السمين الحلبي والإيمان لغةً التصديق، وعند كثير من أهل العلم اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، ولم يشترط الأشاعرة عمل الأركان وأمن يقال باعتبارين أحدهما أمن غيره أي: حصل له الأمن، ومنه وصفه تعالى بالمؤمن والثاني أنه صار ذا أمن فيكون قاصرًا هذا الكلام كله يدور في هذا الفلك وهو، أن هذه المادة قد تتعدى بنفسها أي: آمنه أعطاه أمان والأمن فيه معنى الطمأنينة والمعنى الثاني آمن به أو آمن له فيها معنى التصديق المقرون بالاعتراف والإذعان وما أشبه ذلك وكثير من أئمة اللغة يقتصر على تفسير الإيمان بمعنى التصديق فيقول: معنى آمن به، يعني: صدقه.
إجماع اللغة: الإيمان تصديق لا محض
وقد قال أبو منصور الأزهري الهروي في كتابه تهذيب اللغة. وأما الإيمان فهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن يقول: الأزهري الهروي وهو من مُحدِّثي القرن الرابع يقول واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم، أن الإيمان معناه: التصديق فأنت ترى أنه نقل الاتفاق على أن الإيمان معناه: التصديق. وقال أيضًا في قوله تعالى ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ قال أي: بمصدق لنا قال لم يختلف أهل التفسير أن معناه: وما أنت بمصدق لنا قال والأصل في الإيمان الدخول في صدق أمانة التي ائتمنه الله عليها فإذا اعتقد التصديق بقلبه كما صدق بلسانه فقد أدى أمانة وهو مؤمن، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤد للأمانة التي ائتمنه الله عليها وهو منافق، ومن زعم، أن الإيمان هو إظهار القول دون التصديق بالقلب فإنَّه لا يخلو من وجهين اللهم آمين.
وقد نقل الإجماع على أن الإيمان بمعنى التصديق أيضًا أبو بكر الباقلاني. وذلك في كتابه تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل قال إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة ﷺ هو التصديق لا يعرفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك. إذن هناك من العلماء من نقل الاتفاق على أن الإيمان في اللغة نحن نتكلم على معنى الإيمان في اللغة يقولون الإيمان في اللغة معناه: التصديق وممن نقل ذلك الأزهري الهروي وأبو بكر الباقلاني.
لكن بعض العلماء كما سمعتم منذ قليل لم يقصر الإيمان على معنى التصديق وإنما هو تصديق مقرون بغيره مقرون بطمأنينة وإقرار وإذعان واعتراف ومما يدل على ذلك تعديته بالباء وباللام على خلاف مادة صدق. فإنَّ مادة «صدق» تتعدى بنفسها فتقول صدقته وتقول آمنت به وله. وأما آمنته فمعناه أعطيته أمان.
إذن صدق تتعدى بنفسها ومادة آمن التي هي بمعنى التصديق تقترن أو تتعدى بحرف. فقالوا: هذا يدل على أنه تصديق مخصوص، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن هذا الكلام وهو، أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق هو من باب التفسير المقارب، يعني: تفسير الكلمة بكلمة مقاربة لها في. المعنى لا تؤدي تمام معناه. وقد سبق لنا مرارًا أن القول بالترادف لا يصار إليه إلا عند التعذر عن وجود فرق بين الكلمتين وربما عجز الإنسان عن الوصول إلى هذا الفرق، ولم يعجز غيره والأصل أن تكون لكل كلمة معناه الخاص بها فمن أجل ذلك ذهب بعضهم إلى أنه هناك فرق بين التصديق والإيمان وأنا أقول في الحقيقة.
إن هذا الذي ذكروه لا ينافي الإجماع المنقول الذي نقله الأزهري الهروي والباقلاني وغيرهما. وذلك أنهم لا ينفون أن الإيمان من معانيه التصديق لكنه تصديق مقرون ومصحوب بغيره والعلم عند الله تبارك وتعالى وبهذا تكون المسألة قريبة دون أن يظن سوءًا بمن خالف في ذلك. وذلك أنَّ بعض الأئمة الكبار الأجلاء يقتصرون في تفسير الإيمان لغةً على معنى التصديق كما جرى على لسان الإمام الطبري وغيره من أئمة العلماء والعلم عند الله.
وقد قال ابن كثير. أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض. وقد يستعمل في القرآن. والمراد به ذلك كما قال تعالى ﴿يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾19 وكما قال إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾20، وكذلك إذًا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾. فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا يتكلم هنا ابن كثير على الإيمان في الشرع، يعني: هم يفرقون بين الإيمان في اللغة والإيمان في الشرع فالإيمان في اللغة يقولون هو التصديق، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾.
بل هو تصديق مصحوب بسكون النفس وطمأنينة النفس وإقرارها لذلك اختار بعضهم، أن يفسر الإيمان في اللغة بمعنى الإقرار وممن انتصر لذلك بشدة أبو العباس ابن تيمية ورأى أنه لا يصح أن يفسر الإيمان بالتصديق. وقال أين هذا الإجماع لكننا نقول قد ثبت هذا الإجماع ويمكن الجمع بين هذه الأقوال والله تعالى أعلم.
فرق الإيمان والتصديق في اللغة
على أنه لو فرضنا أن. المعنى اللغوي للإيمان ليس إلا التصديق. فإنَّ المعنى الشرعي يكون أخص من. المعنى اللغوي، ولا إشكال في ذلك أو يزيد عليه إذا وجدت قرينة، ولا إشكال في ذلك والمعتبر في النصوص الشرعية الحقائق الشرعية إلا إذا جاء اللفظ وأريد به معناه: اللغوي في الأصل فلا مانع حينئذ من أن نقول إن الشرع نقله إلى ما هو أخص منه والمعتبر في ذلك هو الحقيقة الشرعية ولكنه استدل ببعض الأدلة على التفريق بين التصديق والإيمان.
ومن ذلك ما تقدم ذكره وهو، أن بينهما فرقا من جهة التعدي وهو فرق في اللغة فيقال للمخبر صدقه، ولا يقال آمنه. بل آمن به وآمن له فالصدق يتعدى بنفسه بخلاف الإيمان فلا يقال آمنته إلا من أمان الذي هو ضد الإخافة، ومن الفروق بين الإيمان والتصديق أن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له: في اللغة صدقت كما يقال كذبت. وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب.
وذلك أنه مشتق من الأمن فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب. إذن الإيمان يتعلق بالأمور الغيبية. ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في هذا. النوع، ومن الأوجه أيضًا أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق. بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال هو مؤمن أو كافر والكفر لا يختص بالتكذيب، يعني: هناك كفر تكذيب وكفر إباء وكفر عناد وما إلى ذلك.
بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق. لكن لا أتبعك. بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، ولا أوافقك لكان كفره أعظم لو أنَّ شخصًا قال للرسول ﷺ أعلم أنك صادق. إذن هو صدقه في هذا. لكن لا أتبعك. بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفره أعظم فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم، أن الإيمان ليس هو التصديق فقط وذكر أيضًا من هذه الأوجه، أن الإيمان في اللغة مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق بخلاف التصديق الذي لا يتضمن هذا.
وحاصل القول أن الإيمان بمعنى التصديق على وصف مخصوص.
ولذلك الدكتور محمد داود في معجم الفروق الدلالية ذكر هذا الكلام وأيده. ثم قال ونخلص مما سبق إلى أن الاستعمال القرآني لكلمتي الإيمان والتصديق يجعلهما متقاربتين في الدلالة. إذن بينهما تقارب. لكن أيضًا هناك فرق قال يجعلهما متقاربتين في الدلالة حيث يشتركان في معنى: عام هو التصديق بالقلب.
إذن الإيمان والتصديق يشتركان في معنى: عام. لكن هناك فرق بين الكلمتين ويختص الإيمان بملامح دلالية تميزه هي أولًا أنه يختص بالغيب دون الشهادة ثانيًا أنه يجمع بين التصديق وأمانة والأمن ثالثًا أنه يتضمن مع التصديق الموافقة والموالاة والانقياد رابعًا أن له لوازم ومظاهر على نحو ما تقدم. فهذا كله من الفرق بين مادة الأمن ومادة التصديق على أن بعض العلماء يقول لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الإيمان معناه: التصديق فالتصديق لا يكون بالقلب فقط وإنَّما التصديق يكون بالقلب ويكون كذلك باللسان وبالعمل.
التصديق عند العرب يشمل العمل
فقالوا حتى لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الإيمان معناه: التصديق فلا يلزم أن يكون هذا التصديق تصديقًا قلبيًّا فحسب.
ولذلك أورد محمد بن نصر المروزي «أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ» كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل فإجابة «سألت عن الإيمان فالإيمان هو التصديق أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل الله من كتاب وما أرسل من رسول وباليوم الآخر». تأمَّل! وسألت عن التصديق والتصديق أن يعمل العبد بالله. إذن فسر التصديق بالعمل «والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن وما ضعف عن شيء منه وفرط فيه عرف أنه أذنب وأستغفر الله وتاب منه ولم يصر عليه. فذلك هو التصديق.» وقال أيضًا محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة. وقد وجدنا العرب في لغتها تسمي كل عمل حققت به عمل القلب واللسان تصديقا. ولذلك في حديث ﷺ «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». إذن حتى على تفسير الإيمان بالتصديق لا ينبغي أن يُتَّكأ عليه ويقال الإيمان ليس إلا التصديق في اللغة، وفي الشرع الذين يقولون من جماهير أهل العلم من المحدثين، ومن نحوهم من سلف الأمة قبلهم، ومن بعدهم يقولون إنه أشمل من ذلك وسيأتي إشارة إلى هذا بإذن الله تعالى في الدرس المقبل على كل حال حاصل القول أن تفسير الإيمان بالتصديق هذا قال به كثير من أهل اللغة ونقل اتفاقًا، ومن أهل العلم من يقيِّده، هذا عن الإيمان في اللغة إذ يرون أن الإيمان معناه: الإقرار وأنه يتعدى بالباء وباللام ليفيد هذه المعاني وذكرنا بعض الفروق بين مادة الإيمان ومادة التصديق وبقي أن نلفت النظر إلى بعض ما وقع من خلاف بسبب ذلك فيما يتعلق بالمعنى الشرعي الذي جاء في معنى: الإيمان وحقيقته الشرعية.
وهذا ما سنبدأ به بإذن الله تعالى في الدرس المقبل. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والله أعلم و
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ — كما ورد في الدرس: النور 63 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 24 ↩
- آية: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الانشقاق 2 ↩
- آية: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 11 ↩
- آية: ﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 3 ↩
- آية: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 44 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 7 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 7 ↩
- آية: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 7 ↩
- آية: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 4 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 254 ↩
- آية: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 255 ↩
- آية: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ — كما ورد في الدرس: قريش 4 ↩
- آية: ﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 136 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 17 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ — يوسف: 17 ↩
- آية: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 75 ↩
- آية: ﴿يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 61 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 17 ↩
من سلسلة: شرح وتقريب تحفة الأريب (21 درسًا)