روائع قرآنية ولطائف تفسيرية - من روائع أسلوب التضمين في القرآن الكريم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
يشرب بها تضمين التلذذ والري
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 «هذا كتاب الله أعذب منهل، أنعم به من مورد لمن استقى، قد صانه رب العباد بحفظه، وحماه حتى لا يضيع ويخلق». الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة روائع قرآنية ولطائف تفسيرية. من لطائف القرآن وروائعه أننا نجد في القرآن أسلوبًا يقال له: أسلوب التضمين. هذا الأسلوب قال به كثير من الحذاق والأئمة الأعلام. والمراد به أن الفعل قد يُشرَب معنى فعل آخر ويدل عليه الحرف الذي ذكر معه.
وحتى يستبين الأمر نضرب لذلك أمثلة. نقرأ قول الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾2 فقد يقول قائل هل العين يُشرب بها أم أن العين يشرب منها لم يقل الله عينًا يشرب منها ﴿أَنَّمَا﴾ قال عينًا يشرب بها. فقال بعضهم: بالتناوب بين الحروف قالوا: إن الباء بمعنى من.
لكن أولى من ذلك، أن يقال بأسلوب التضمين فيكون معنى يشرب قد تضمن معنى فعل آخر وهو يرتوي ويتلذذ أو يلتذ فيكون المعنى عينًا يلتذ بها عباد الله لا يشربون فحسب لأنك قد تشرب، ولا تتلذذ بالشرب. وقد تشرب، ولا ترتوي من الشرب فحينما قال الله جل ذكره ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ عرفنا أنهم يشربون وأنهم يتلذذون وأنهم يرتوون فاستفدنا المعنيين استفدنا الشرب من قوله يشرب واستفدنا الري والتلذذ من الباء في قوله عينًا يشرب بها وكذلك في قول الله سبحانه.
تحيد منه تضمين الفرار
﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾3 كان المتوقع أن يقال: ذلك ما كنت عنه تحيد، فيقال: حاد عن. لكن التعبير القرآني جاء هكذا ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قالوا أيضًا إن الفعل تحيد قد تضمن معنى الفرار أي: ذلك ما كنت تفر فأنت تحيد وتفر منه، فالذي يناسبه هو «من» لذلك قال ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ، ولم يقل عنه تحيد، وكذلك في قول الله سبحانه ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾4 كان المتوقع أن يقال ونصرناه على القوم لكنه قال ونصرناه من قالوا: لأن النصر هنا معناه النجاة والخلوص، أي: وخلَّصناه منهم وأنجيناه منهم فقد ينتصر شخص على آخر لكنه مع انتصاره عليه يصاب بضرر شديد وإصابات كثيرة.
نصرناه من تضمين النجاة
لكن الله لما قال: «ونصرناه من»، أي: خلَّصناه منهم وأنجيناه منهم فسلم منهم سلامة كاملة بفضل الله سبحانه وتعالى. ولهذا الأسلوب نماذج كثيرة في القرآن الكريم هذه بعضها ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 5-6 ↩
- آية: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 19 ↩
- آية: ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 77 ↩
من سلسلة: روائع قرآنية ولطائف تفسيرية (26 درسًا)