مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

عبر وفوائد قصة الخليل إبراهيم عليه السلام الجزء الخامس (وقفات مع قصة الخليل إبراهيم وولده الذبيح)

في قصصهم عبرة · الدرس 56 من 64 · 23 دقيقة · قصص الأنبياء

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

الهجرة في سبيل الله من سنن الأنبياء

﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة: «في قصصهم عبرة»، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع قصة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وما زلنا كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، مع قصة الخليل إبراهيم من خلال سورة الصافات، حيث إن رب العزة سبحانه وتعالى ذكر في هذه السورة المباركة موقفين جليلين من مواقف الخليل إبراهيم عليه السلام. موقفه الأول كان مع أبيه وقومه حينما دعا أباه ودعا قومه إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وقد عرفنا ذلك في اللقاء السابق، وكيف أن الله عز وجل أنقذه من شرهم وجعلهم الأسفلين. قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾1 (الصافات: 99-102).

﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾2 (الصافات: 99). الخليل إبراهيم عليه السلام لما رأى العناد والإصرار من قومه على الكفر والتكذيب والعناد، لم يجد مناصًا من الهجرة في سبيل الله، فهاجر وتركهم وفرض البلاد. ومن قبل تقدم أن أباه توعده وقال له: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾3 (مريم: 46). فحينئذ اعتزلهم الخليل إبراهيم عليه السلام، وهاجر إلى ربه عز وجل.

الهجرة إلى الله ونشر دعوة التوحيد

وتأمَّل! التعبير القرآني: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99). لم يقل: إني ذاهب إلى بلد آخر، ﴿أَنَّمَا﴾ جاء التعبير هكذا: ﴿إِلَىٰ رَبِّي﴾؛ لأنَّ المقصود ليس البلد بالدرجة الأولى، ﴿أَنَّمَا﴾ المقصود أن يتمكن الخليل إبراهيم عليه السلام من عبادة الله عز وجل. فحيثما وجد البلد الذي يستطيع فيه عبادة الله والدعوة إلى توحيد الله، فإنَّه يقيم فيه عليه الصلاة والسلام. ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99)، والآية الأخرى: ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾4 (العنكبوت: 26). فقد هاجر الخليل إبراهيم وترك وطنه ابتغاء مرضاة الله، ليعلِّم التوحيد وليدعو إلى الله عز وجل.

وأنت إذا تأمَّلت في القصة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، تجد أن الله عز وجل قبلها ذكر نجاة الخليل إبراهيم. والمعنى أن الخليل إبراهيم حينما أُلقي في النار، وأنجاه الله منها وخرج سالمًا: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (الأنبياء: 69). كان المتوقع أن يؤمن قومه. هؤلاء رأوا الخليل إبراهيم عليه السلام وهو يسلم من النار يسلمه الله من النار ويخرج سالمًا معافًى. كان هذا وحده كافيًا في أن يتوبوا إلى ربهم، وفي أن يوحدوا الله عز وجل لكنهم مع ذلك عاندوا واستكبروا. فكثر الأعداء على الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو فكثر الأعداء على الخليل إبراهيم. فحينئذ آثر السفر والرحيل والهجرة في سبيل الله.

مع أنَّه لو بقي بين ظهرانيهم لكان في حفظ الله عز وجل ومعيته. لكن رب العزة سبحانه أراد أن يقيم الخليل إبراهيم في مواضع أخرى وفي بلاد أخرى، حتى ينتشر دينه، وحتى يعمَّ الخير في البلاد بفضل الله عز وجل. وقد جاء في الآيات الأخرى: ﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ﴾5 (الأنبياء: 71). فدلنا ذلك على أن الخليل إبراهيم حينما ترك وطنه في العراق، توجه إلى بلاد الشام أو إلى القدس. وإن كان للخليل إبراهيم عليه السلام رحلة أخرى إلى مصر، كما دل على ذلك حديث الرسول الكريم ﷺ، وجرى فيه ما وقع لسارة، وكيف أن الله عز وجل أخدمها هاجر في قصة الملك المعروفة.

الثقة بوعد الله من أعظم صفات إبراهيم

الشاهد من ذلك أن الخليل قال: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99). استفاد العلماء من ذلك أنه إذا وجد الصد عن سبيل الله في موضع من المواضع، وكثر الأعداء والمحاربون لدين الله، فيحسن بالمرء أن يترك هذا المكان، حتى وإن كان يقيم دينه في نفسه. لكن كثرة الأعداء تتعب النفس وتقلق الفؤاد، وتجعل الإنسان في فضلًا عنلاة والسلام وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99). هكذا بالجزم والتحقيق: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99). يعني: ما عنده احتمالية في ﴿إِلَّا﴾ يهديه الله، بل عنده قطع وعنده إيقان بأن الله سيهديه؛ لأنه رسول الله ونبي الله، وهو الذي هداه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فلن يتركه الله سبحانه وتعالى.

ولذلك فرق بعض العلماء بين هذا التعبير وبين تعبير الكليم موسى عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾6 (القصص: 22). فقال: «عسى»، فذكر «عسى». وهنا قال: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ مباشرةً. قالوا: لأنَّ موسى عليه السلام وقتئذٍ جرى منه ما جرى، لم يكن رسولاً. ولذلك حينما ذهب إلى مدين، وبعد مكثه المدة التي مكثها — وهي عشر سنوات، كما سيأتينا في قصة موسى عليه السلام — ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا﴾، وحينئذ أوحى الله عز وجل إليه، وصار موسى عليه السلام رسولاً لله رب العالمين. لذلك في آخر قصة موسى حينما جاء الغرق لفرعون، وقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: 61). قال: ﴿قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾7 (الشعراء: 62). فقال: نفس العبارة: ﴿قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62)؛ لأنه صار رسولاً. فالله لن يخذل رسوله الله سبحانه وتعالى.

وتقدم أن الخليل إبراهيم عليه السلام كان عنده ثقة، ثقة عظيمة في وعد الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: ﴿قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾8 (مريم: 47). عنده ثقة في أن الله حفي به. هذه حفاوة من الله بالخليل إبراهيم عليه السلام. والحفاوة: اللطف والبر والإحسان. ما وجد الخليل إبراهيم من ربه إلا لطفاً، ما وجد إلا حفاوة إلا برًّا وإحسانًا عليه الصلاة والسلام.

﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: 99). لكن الخليل إبراهيم عليه السلام بشر، والبشر يحتاج الولد، يحتاج سندًا وعونًا له. فطلب الخليل إبراهيم عليه السلام من الله أن يرزقه الذرية الصالحة. ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾9 (الصافات: 99-100). وإذا كان الإنسان في بعض المواضع قد يستغني بصديق لله، أو يستغني بصاحب، أو بحبيب، أو بأخ له في الله، فكيف بالخليل إبراهيم عليه السلام، وقد وجد الحرب من أقرب الناس إليه، وقد حاربوه وآذوه، أرادوا صده عن سبيل الله. فحينئذ أراد من الله سبحانه وتعالى أن يهب له الولد الصالح. ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾10 (الصافات: 99-100). ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100).

البشارة بالغلام الحليم

وتأمَّل! قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100). وهذا قيد لا بد منه؛ أنَّ الإنسان إذا أحب ورغب في الذرية، أن يرغب في أن تكون الذرية ذرية صالحة. ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100). وزكريا عليه السلام قال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآ11ءِ﴾ (آل عمران: 38). وقال أيضًا: ﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾12 (مريم: 6). والخليل إبراهيم عليه السلام تقدم معنا في الدعوات التي تقدمت في سورة الشعراء أنه دعا ربه قائلًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾13 (الشعراء: 83). فإذا كان الخليل نفسه يسأل ربه أن يلحقه بالصالحين، فكذلك هو يسأل ربه أن يرزقه بولد من الصالحين.

ويوسف عليه السلام قال: ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾14 (يوسف: 101). ولذلك نعمة كبيرة، ومِنَّة كبيرة، أن يرزقك الله الصلاة، وأن يرزق أولادك الصلاة، وأن يرزق زوجك الصلاة، وأن يجعلكم من المرضيين؛ أن تكونوا ممن يرضى الله عز وجل عنهم. هذا خير عظيم لا يعدله شيء من متاع الدنيا ولذاتها؛ أن ينشأ الإنسان على الصلاح، وأن ينشئ أولاده على الصلاح، وأن تكون هذه رغبته، وأن يكون هذا هدفه. فحينئذ يوفقه الله ويسدده. ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100). ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾15 (الصافات: 101). ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101). ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101).

هذا الغلام وقع اختلاف كبير بين العلماء في تحديده. والذي عليه الجمهور من المحققين أنه إسماعيل عليه السلام؛ لأنَّ إسماعيل هو المتفق عليه بين أهل التاريخ في أنه الأكبر، فهو ابن إبراهيم البكر. فلذلك هو المراد؛ لأنَّ المناسب في هذا المقام أن يطلب الخليل إبراهيم من يؤازره، وليس له ولد. قال: ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101). ومن دلائل ذلك أن الله قال بعد ذلك في سياق السورة: ﴿وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾16 (الصافات: 112). فهذه بشارة غير البشارة السابقة. وأيضًا يدل على ذلك أن الله عز وجل لما ذكر قصة سارة في سور أخرى كهود والذاريات، قال الله عز وجل في سورة هود: ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾17 (هود: 71). فإذا كانت سارة قد بشرت بإسحاق، وأن إسحاق سيولد له يعقوب، فلا يتصور حينما يكون إسحاق غلامًا أن يؤمر الخليل إبراهيم بذبحه. كيف يؤمر بذبحه وقد علم أنه سيرزق منه بحفيد فهذا يدل على أن الذبيح هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام.

﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: 101). وقد ذكروا أنَّ صفة الحلم مشهورة في العرب. ولذلك لما وصف الله إسحاق في سورة الذاريات، قال: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ﴾18 (الذاريات: 28). أما وصف الحلم، فجاء في حق إسماعيل عليه الصلاة والسلام. وقد وصفه الله في القرآن في موضع آخر بالصبر، وهو قريب من الحلم. وهذا يشهد لهذا الترجيح أيضًا. ﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾19 (الأنبياء: 85). والصبر له صلة وثيقة بالحلم؛ لأنَّ الحليم هو الذي لا يتعجل في عقاب من آذاه، بل عنده صبر وتحمل، وأنه يتحمل المرات والمرات.

ابتلاء إبراهيم بذبح ابنه وامتحان التسليم لله

﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾20 (الصافات: 101-102). ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ﴾21 (الصافات: 102). وقدم قوله «معه»؛ هو ظرف. لم يقل: فلما بلغ السعي معه، لكن «معه». قالوا: لأنَّ الأب يحب ولده، لا سيما إذا كان هذا الولد قد أتاه بعد كِبَر سنه، وبعد وجاءه، ولم يكن قد سبق بآخر. يعني: أول ولد بكره. البكر عنده هذا الولد الذي جاءه. حينما يبلغ معه السعي، من المعلوم أن الأب يحرص عليه حرصًا شديدًا. فإذا كان الطفل لا يتمكن من السعي، فإنَّ أباه لا يحمله على السعي، لا يستسعيه. بخلاف غير الأب؛ يعني: ممكن واحد منا يقسو على غيره،

يقول له: يلا يا ابني، قوم، اتحرك، اذهب، ويرسله في بعض الطلبات أو في بعض الرغبات. لكن الأب الذي يأتيه الولد بعد أمد طويل، يحرص عليه كل الحرص. فإذا بلغ الولد معه السعي، وبلغ هذا السن، فمعناه: أنه بالفعل قد وصل إلى هذه المرتبة على أكمل ما يكون. وحينئذ يتعلق الفؤاد به أكبر.

لذلك تجد بعض الآباء حينما يكون الطفل يعني: طفله أو ولده رضيعاً، لا تجد له تعلقًا به. بعض الآباء في أولاد ما شاء الله، أو في آباء من أول الطفولة أو من أول الرضاع. لكن هناك بعض الآباء ربما لا تجد له تعلقًا بولده في بداية أمره، في أول سنة واثنين وثلاث. كلما كَبِرَ الولد، وبدأ يشب، وبدأ يقوى عوده، تجد تعلق الأب به أكبر وأكثر. فقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ﴾22 (الصافات: 102)؛ يعني: بدأ يجد منه ما يريد، ما يصبو إليه. إذا خرج، خرج معه، وإذا دخل، دخل معه، وإذا تحرك، تحرك معه. يأنس به، ويراه جليسه، ويراه صاحبه وصديقه.

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾23 (الصافات: 102). هذا ابتلاء، وأي ابتلاء! لذلك إبراهيم عليه السلام — ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾، خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام — ابتلاء شديد جدًّا يأتيه هذا الابتلاء في رؤيا منامية. ورؤيا الأنبياء وحي. جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وجاء من عدة مراسيل، لكنَّها ثابتة؛ لأنَّ هذا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه ثبت عن ابن عباس، فهو لا يقوله من قبيل الرأي، كما هو معلوم. فرؤيا الأنبياء وحي. ويشهد لهذا هذه الآيات؛ لماذا؟ لأنه لا يجوز لأحد إذا رأى في المنام مثل هذا الفعل أن يفعله. يعني: أنت لو وجدت في المنام أنك أنت تقتل ابنك، تهم تقتل ابنك، وتقول: طاعة لله! لا، هذا لا يصح ولا يجوز ألبتة. لا يمكن أن يرى الإنسان رؤيا تخالف الحكم الشرعي، ثم يأتي بما في الرؤيا ويقول: لأنني رأيت فيها. هي ليست حكمًا شرعيًّا، ﴿أَنَّمَا﴾ هي بشارات. أما رؤيا الأنبياء فوحي، فلا يقدم على ذبح ولده إلا إذا كان هذا وحياً من الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال الله أيضًا للرسول: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾24 (الفتح: 27).

إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كمال التسليم لأمر الله

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ25 فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102). وهذا فيه أنَّ: هذا النبي المبارك والرسول المختار — أعني الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام — استجاب لربه بهذه الطريقة، وبهذا النوع من أنواع الوحي. يعني: ما قال: انتظر حتى يأتي الأمر الصريح، ويأتي الكلام عن طريق الملك، أو لا. جاء بأي طريق من طرق الوحي يقبله. ثم قوله: ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ﴾ (الصافات: 102). هذا التعبير القرآني. وقلنا إن الإعجاز يأتي في طريقة عرض القرآن للقصص. طريقة القرآن كيف عرض هذا فهو يقص علينا ما قاله الرسول، وما يمكن أن يقوله الرسول، وما يختلج في صدره، بأسلوب غاية في البلاغة؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ﴾. يقولون: التعبير بالفعل المضارع يصور الحال، كأنَّك تتصور الرؤيا الآن. ﴿إِنِّىٓ﴾. لم يقل: إني رأيت، إني. يعني: كأنه وهو يكلم ابنه، يرى. ولذلك قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾26 (البقرة: 127). ﴿يَرْفَعُ﴾؛ لم يقل: وإذ رفع، مع أنَّه رفع وانتهى. ﴿يَرْفَعُ﴾؛ كأنه يشهد الموقف. فهنا: ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ﴾؛ يعني: كأنه وهو يكلم ابنه يستحضر الرؤيا التي رآها. ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ﴾ (الصافات: 102). وهذا شديد جدًّا؛ أن يرى الأب ابنه وهو يذبح، وأنه هو الذي يقوم بذبحه. والذبح كما هو معلوم يستغرق وقتًا. فمعناه: أنها مرحلة، يراه وقد تلّه للجبين، ويمسك بالسكين. سبحان الله!

لكنه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اتخذه الله خليلًا. ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن معاذ بن جبل رضي الله عنه حينما صلى باليمن صلاة الفجر، وقرأ قول الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾27 (النساء: 125). لم يتمالك الرجل حتى قال: «قرت عين أم إبراهيم!» «قرت عين أم إبراهيم!» رب العزة يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ (النساء: 125). من هذا الذي يتخذه الله عز وجل خليلًا؟ لذلك ذهب كثير من العلماء إلى أن ذلك ليصفو قلب الخليل إبراهيم لربه سبحانه وتعالى. وما من شك أنه صافٍ. لكن هذا كمال في الابتلاء. ولذلك سماه الله فقال: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ﴾28 (الصافات: 106). ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾29 (الصافات: 102).

إبراهيم عليه السلام لا يستشير ابنه بمعنى أن ابنه إذا رفض فإنَّه لن يقدم. لا، ليس كذلك. ﴿أَنَّمَا﴾ يريد الخليل إبراهيم أن يشارك إسماعيل معه في هذا العمل برضا واختيار، لينال ثوابًا كما ينال الخليل إبراهيم عليه السلام. قالوا: ولتزداد قرّة عين إبراهيم بولده إسماعيل؛ أنه يجد فيه تمام الاستجابة. وهذا جميل وجليل؛ أن هذا الابن يرى منه كمال الطاعة وكمال الانقياد. وهذا أيضًا من أشدّ البلاء؛ أن ابنك — يعني: الأب يتعلق قلبه بابنه. ولو كان ابنه عاصياً، فكيف لو كان ابنه مطيعاً وكيف لو كان مطيعاً على أمر يتعلق بنفسه ليس بنفسه. يبتلى أي: ابتلاء: ده بذبحك! ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾30 (الصافات: 102).

ولذلك القراءة المتواترة الأخرى: ﴿فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ (الصافات: 102). ﴿مَاذَا تَرَىٰ﴾؛ يعني: ماذا تُرِي ربك سبحانه وتعالى؟ تُرِيه منك الخير والاستجابة والطاعة. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102). ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102). بهذا الثبات، بهذا الثبات، بقوة الجأش والثبات في هذه الشدائد. يا أبتِ! فأنت مهما صنعت، فأنت أبتِ، ولن أتخلى عن هذا الوسم لك، وعن هذا الوصف لك، وعن هذا النداء لك. فأنت أبي، وإن ذبحتني، أنت أبي. وإن قتلتني؛ لأنك لا تصنع شيئًا من تلقاء نفسك. ولذلك قال له: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102).

لم يقل له: يا أبي، يا أبتِ، اذبحني! لا، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102). هذا أمر الله، وأنت تنفذ. وفيه أيضًا تقوية لعزيمة الخليل إبراهيم؛

يعني: يقول: ليس هناك مجال إلا الطاعة. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102). وتأمّل هنا قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102). وأيضًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (الصافات: 100).

وهناك فرق في التعبير. حينما يقال: صابراً، صالحًا؛ يعني: أكون صابرًا وصالحًا. وهذا اسم فاعل. لكن ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الصافات: 102)؛ يعني: أدخل في زمرة الصابرين. ولذلك إسماعيل عليه السلام بهذا الموقف وحده يدخل في زمرة الصابرين. ولذلك قال الله: ﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (الأنبياء: 85). يعني: هذا الموقف وحده يعده رب العزة به من الصابرين. فكيف وله مواقف أخرى؛ لأنه عاش يطيع ربه. ولذلك قال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ31 عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: 55). وهذا أيضًا من الصبر على طاعة الله، وفي الأمر بطاعة الله سبحانه وتعالى.

الابتلاء طريق الصبر ورفعة الدرجات

إذًا معناه: أنَّ هناك ابتلاءات شديدة. إذا ثبت العبد فيها، رفعه الله بها الدرجات، وعُدَّ في عداد الصابرين. لذلك الإنسان لا بد أن يفهم هذا: قد تكون الابتلاءات التي تمر بها ابتلاءات يسيرة، وربما كان في مستقبل الأيام سيبتليك الله بابتلاء أشدّ. لكن هذا الذي أنت فيه ما هو إلا تمهيد. فاصبر واستعد وأثبت؛ فهذا يؤدي إلى ما بعده. ثم إنك إذا صبرت، فإنَّ الأجر بفضل الله سبحانه: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾32 (الزمر: 10). الصبر مثل اسمه: مر مذاقته، لكن عواقبه أحلى من العسل.

قال الله: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ قَدْ33 صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الصافات: 103-105). تقدَّم يا أيها الإخوة الكرام أن القصة القرآنية حينما ترد في سورة من سور القرآن، فإنَّها ترد مناسبة لمقصود السورة. لذلك قصة الذبيح لم ترد في القرآن إلا في سورة الصافات. وسورة الصافات قائمة على قضية الاستسلام لله. أصلًا سورة الصافات تقوم على قضية الاستسلام وقضية تنزيه رب العزة عن الشريك والولد، من الملائكة أو غير الملائكة. وهذا متكرر في السورة من البداية إلى النهاية. فناسب هذا أن يذكر من قصة الخليل ما يتعلق بقصة الاستسلام. ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا﴾. ولذلك رب العزة ذكر في سورة الصافات استسلامًا آخر: ﴿بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾34 (الصافات: 26). فمن لم يستسلم في الدنيا، استسلم في الآخرة.

﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾35 (الصافات: 103). وكلمة ﴿تَلَّهُۥ﴾، سبحان الله! أصل التلّ يكون هناك تراكم من التراب، تراب كثير، يقال: هذا تل. فقوله: ﴿وَتَلَّهُۥ﴾؛ بعض المفسرين يقولون: صرعه. لكن ليس صرعه فقط؛ يعني: صرعه وأوقعة حتى وصل إلى التراب. يعني: التصق بالتراب التصاقًا. وهذا يدل على أن الخليل إبراهيم عليه السلام حينما نفذ أمر الله، نفذه وهو موقن. ماذا يصنع؟ فلم يجد طريقًا إلى حسن تنفيذه لأمر ربه سبحانه وتعالى إلا وفعله عليه الصلاة والسلام. ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا﴾؛ أسلم يعني: من الخليل وولده. ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات: 103). ونقف عند هذا؛ لأنَّ القصة فيها بعض الفوائد، فنكملها — بإذن الله — في الدرس المقبل.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وسلم تسليمًا كثيرًا

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ * فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 99-102 ↩
  2. آية: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 99 ↩
  3. آية: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 46 ↩
  4. آية: ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 26 ↩
  5. آية: ﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 71 ↩
  6. آية: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 22 ↩
  7. آية: ﴿قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 62 ↩
  8. آية: ﴿قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 47 ↩
  9. آية: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 99-100 ↩
  10. آية: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 100 ↩
  11. آية: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 38 ↩
  12. آية: ﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 6 ↩
  13. آية: ﴿رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 83 ↩
  14. آية: ﴿۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 101 ↩
  15. آية: ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 101 ↩
  16. آية: ﴿وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 112 ↩
  17. آية: ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 71 ↩
  18. آية: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 28 ↩
  19. آية: ﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 85 ↩
  20. آية: ﴿فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 101-102 ↩
  21. آية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  22. آية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  23. آية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  24. آية: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفتح 27 ↩
  25. آية: ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  26. آية: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 127 ↩
  27. آية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 125 ↩
  28. آية: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 106 ↩
  29. آية: ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  30. آية: ﴿فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 102 ↩
  31. آية: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ مَرْضِيًّا — كما ورد في الدرس: مريم 55 ↩
  32. آية: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
  33. آية: فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ — كما ورد في الدرس: الصافات 103-105 ↩
  34. آية: ﴿بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 26 ↩
  35. آية: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 103 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: قُلْنَا يَـٰنَارُ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 69
  • آية: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ لَمُدْرَكُونَ — كما ورد في الدرس: الشعراء 61

من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة