مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الواقعة جزء 6 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 41 من 61 · 25 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الواقعة، وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾2 (الواقعة: 63) ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾3 (الواقعة: 64).

﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾4 (الواقعة: 65) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾5 (الواقعة: 66) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾6 (الواقعة: 67).

﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63) ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) — بعد أن حدّثنا الله جل وعلا عن خلق الإنسان فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾7 (الواقعة: 58) ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾8 (الواقعة: 59)، ذكرنا بنعمة الطعام؛ فذكرنا الله ابتداءً بنعمة الخلق بأن الله خلقنا وأوجدنا.

وهذا فيه امتنان وفيه استدلال على عظيم قدرته وبديع صنعه، وأنه سبحانه كما خلقنا قادر على إعادتنا؛ فكان البدء بخلق الإنسان مناسبًا.

ثم إن الإنسان بعد أن يُخلق ويخرج إلى هذه الحياة يحتاج إلى طعامٍ يطعمه؛ فمنّ الله عز وجل علينا بالطعام فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63) ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾9 (الواقعة: 64). ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾: أخبروني قولوا لي: هل هذا الذي يُقال لكم أليس حقًّا وصدقاً فلماذا لا تعملون بمقتضاه ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63) أي: ما تحرثون الأمر من أجله فقوله: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63)، أي: ما تحرثون الأرض لأجله وهو النبات.

وإلا فليس المراد هنا ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63)، أي: الأرض فقط، ﴿أَنَّمَا﴾ تحرثون الأرض له وهو النبات؛ لأنَّ الحديث هنا عن النبات أصالةً. ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63) والحرث تقليب الأرض للزراعة.

فهو يقلبها من أجل أن يبذر فيها البذر الذي سيصير نباتًا يؤكل ويستفاد منه بإذن الله سبحانه وتعالى؛ فتقليب الأرض ووضع البذر فيها هذا حرثٌ.

فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63)، أي: تحرثون الأمر من أجله، من أجل أن تضعوا فيه البذر الذي سيصير نباتاً. ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) وقوله: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ﴾، أي: أأنتم تنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64)، أي: المنبتون له

لأن الزرع يأتي بالمعنيين؛ فتقول: زرعتُ، والمقصود بقولك زرعتُ أنك وضعت البذر أو الحب، وهذا يُضاف إلى الإنسان؛ فالإنسان هو الذي وضع البذر والحب، وهذا لا إشكال فيه.

لكن من الذي أنبت وأخرج الزرع وصيّر هذا البذر نباتًا وثمراً يؤكل ويستفاد منه إنه الله سبحانه وتعالى. فما على الإنسان إلا أن يبذر بذره، ويضعه في تربة خصبة صالحة، ثم إن عليه أن يتعهد ما فعل بالسقي والرعاية وما إلى ذلك؛ لكن التحويل والتصيير ﴿أَنَّمَا﴾ هو إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ﴾.

لأنه إذا قال قائل: أأنتم تزرعون؟ طب ما نحن نزرع! لا؛ ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ﴾، يعني: أأنتم تنبتون، يعني: تستخرجون ما دخل من بذر حينما صار زرعاً؛ فحينئذ خرج الشجر وخرج الثمر. فمن الذي أنبت ذلك إنه الله سبحانه وتعالى. وفي هذا أيضًا تذكير بخلق الإنسان، وتذكيرٌ بالبعث؛ فالله قال: ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾10 (نوح: 17-18). فهذا تذكيرٌ أيضًا بحقيقة الإنسان. ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) فالذي منّ على العباد بأن يخرج هذا الحب ويصير إلى ما يُراد من هذه المحاصيل المتعددة المتفاوتة — مع أنَّها تُسقى ﴿بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْأُكُلِ﴾ كما علّمنا الله سبحانه وتعالى — فترى هذا الزرع يميل إلى الحلاوة والآخر إلى المرارة وما أشبه ذلك؛ كل ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى.

فقال: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) وكما تقدم في قوله ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ (الواقعة: 59) فعلى نفس المواضع: هناك من يرى أنَّ أم هنا متصلة، وهناك من يراها منقطعة؛ فيقولون إن الهمزة للتسوية: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) والجواب: أنت يا ربنا الزارع له. أو أن يكون المعنى: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ﴾ وتكون الهمزة للإنكار؛ يعني: راجعوا أنفسكم: أنتم وضعتم الحبة لكنكم لستم الذين يُنبتون. ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ﴾ ثم بعد ذلك جاء الاستئناف ﴿أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64)، أي: بل نحن الزارعون؛ فتكون أم بمعنى بل. لكن القول الأول أولى وأوجه كما تقدم.

﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67).

لو أنَّ الله سبحانه وتعالى شاء أن يصير هذا الحب الذي وُضع في الأرض لا يُستفاد منه فيصير حطامًا لصنع ذلك وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65)، أي: لصيرناه حطاماً؛ فمعنى ﴿لَجَعَلْنَـٰهُ﴾، أي: لصيرناه حطاماً، أي: فتاتًا يابسًا لا يُستفاد منه ولا يُنتفع به. فالحطام كالجذاذ والفتات وزنًا ومعنىً؛ فيصير فتاتًا حطاماً. وقال بعضهم: يصير تبنًا بلا قمح. ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) صيّرناه تبنًا بدون قمح.

وليس المعنى أن هذا يؤول إليه الأمر؛ لأن هذا أمر موجود معروف، أن الزرع يُستفاد منه وبعدين يتحول للحطام. لا؛ المراد: لو نشاء لجعلناه قبل الانتفاع به حطاماً.

فالمعنى: لو نشاء لجعلناه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تنتفعوا به، وقبل أن تستفيدوا من حبه، وقبل أن تستفيدوا من بذره؛ قبل ذلك الله قادر على أن يصيّره حطامًا؛ يعني: بدل ما تنتظر أنت القمح ما تلاقيش قمح؛ يجي واحد يفتح المحصول يقلب فيه يلاقي بس تبن فقط.

﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67).

وقوله: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ أصل التفكه الفرح والسرور؛ يقال: رجل فَكِهٌ يعني: فرح ومسرور؛ فأصل المادة تدل على هذا المعنى. ولذلك قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ﴾11 (المطففين: 29) ﴿وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾12 (المطففين: 30) ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ﴾13 (المطففين: 31).

ينقلب كذا فرحان ومبسوط أنه ضحك على فلان من المؤمنين وسخر منه واستهزأ به.

طيب هنا ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ هما سيفرحون حينما تزرعوا زرعًا ويصير حطامًا أين التفكه حينئذ والآية تقول ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. فقال بعضهم: المراد بالتفكه هنا التعجب؛ يعني: صرتم متعجبين؛ لأنَّ على خلاف المعهود: رجل زرع زرعًا ولم يحصد حصاداً.

وهناك كلمات في اللغة العربية يقال لها: كلمات الأضداد — وإن كانت المسألة محل بحث بين أهل العلم كما هو معروف — يعني: هناك كلمات بعض العلماء يقول: تأتي بالمعنى وضد المعنى؛ المعنى والضد. فهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: تفكّه تأتي بمعنى فرح، وتأتي بمعنى السرور، كما أنها تأتي بمعنى الحزن والتأسف؛ فمعنى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، يعني: تندمون تحزنون، وليس المراد السرور. ومنهم من نفى ذلك وقال: بل إن المادة هنا تفكّه: تفعّل أي: أزال السرور؛ فالمراد هنا إزالة السرور.

يعني: عندنا كلمات تأتي بمعانٍ؛ فإذا تغيّر وزنها تحوّل معناه. ولذلك يقال مثلًا همزة الإزالة؛ فيقال مثلًا: قَسَط، يعني: ظلم وجار؛ وَأَمَّا ٱلْقَٰسِطُونَ ﴿وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾؛ يعني: القاسط في جهنم ظالم. طب: أقسطوا؛ إن الله يحب المقسطين؛ أقسط يعني: أزال الظلم.

شفى: يقال شفى الله فلانًا شفاءً يعني: هذا من الشفاء؛ لكن أشفى يعني: أزال عنه العافية أهلكه. ولذلك كما قلت: مراراً: من الأخطاء الشائعة أن يدعو لغيره فيقول له: «الله يشفيك» بمعنى يُذهب عنك العافية — خطأ شائع.

ما معنى تحرّج أزال عن نفسه الحرج. فلان تأثّم يعني: أزال عن نفسه الإثم؛ يقول لك: أنا متأثم من هذا الأمر، يعني: أنا خائف أن أقع في الإثم. ولذلك تحدّث بها معاذ عند موته تأثّماً، يعني: خوفًا من الوقوع في الإثم، وليس واقعًا في الإثم رضي الله تعالى عنه. فقالوا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، أي: زال فرحكم، وزال سروركم؛ بذرتم البذور ووضعتم الحبوب وانتظرتم المحاصيل، فلا محاصيل خرجت ولا شيء من هذا الذي تنتظرونه وُجد، وإنَّما وُجدت الحسرة والندامة. ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) قالوا أي: إنا لهالكون؛ فقالوا: الغرام الهلاك. أو ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ إنا لمعذّبون؛ نحن خلاص يعني: إذا حدث لنا ذلك. فهذا إيذان بالعذاب وإيذان بالهلاك. أو ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾، يعني: إنا لمثقلون؛ لأننا أنفقنا ودفعنا ولم نربح شيئًا.

ولذلك منه إنسان يَغرَم يكون عليه شيء من الغرم بسبب ما دفع؛ فصارت عليه ديون تراكمت عليه. فمعنى ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾، يعني: مثقلون؛ أنفقنا ولم نستفد شيئًا.

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67) حقيقة الأمر أننا محرومون؛ حُرمنا من هذا الخير وحُرمنا من هذا الزرع أو من هذا النبات. ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67). وهذه الآية الكريمة جدير بمن يزاول عمل الزراعة أن يتدبرها حق التدبر، وأن النتائج لرب الأسباب سبحانه وتعالى. فأنت تزرع أو تضع البذرة والحبة وتختار أرضاً معينة خصبة لدى رجل تعرفه وتعرف نظافته وتعرف حرصه على أرضه وما إلى ذلك؛ لكن هل تضمن أن يخرج المحصول كما تريد أو أن يخرج كما تشتهي لا تأمن شيئًا من ذلك.

فحينئذ تتذكر هذه الآيات: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67). ولعلك أخي الكريم تتذكر بهذه الآيات قصة أصحاب الجنة التي ذكرها الله في سورة القلم، وكيف أن هؤلاء لما منعوا حق الله وذهبوا إلى زرعهم لم يجدوا شيئًا؛ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. كل منهم يقول: لا، نحن سنذهب في الصباح الباكر ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾؛ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ ﴿فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ﴾.

فهذا يحملك على أن تُخرج الزكاة طيبةً بها نفسك وأنت راضٍ وأنت مقبلٌ على الله سبحانه وتعالى. ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65).

﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67) ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ﴾14 (الواقعة: 68) ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾15 (الواقعة: 69) ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾16 (الواقعة: 70).

بعد أن ذكر الله الطعام ذكر الشراب، وهذا أمر معتاد؛ فالواحد منَّا، يا أيها الإخوة، يميل أولًا إلى الأكل؛ فهل من غنى عن الماء؟، بس أنت دايماً بتدور على إيه يعني: حتى لما ذكر الأكل والشراب قدّم الأكل: كلوا واشربوا. والإنسان يحتاج غالبًا إلى الشراب عقب الطعام؛ يعني: يدفعه للشراب. فقدّم الطعام ثم جاء ذكر الشراب مع مكانته وأهميته وعدم استغناء الإنسان عنه. ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ﴾ (الواقعة: 68).

وخصّص هذا المعنى ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ﴾ (الواقعة: 68) لأنَّ الماء الذي نشربه هو الماء العذب؛ وإلا فليس كل ماء نشربه. والماء الذي يكون فيه نعم أعظم وأجل وأوضح. وهذا الماء — وإلا فالماء بجميع صنوفه وأنواعه فيه خير ونفع — وهذا من فضل الله عز وجل عليكم. ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69). والمزن اسم جمع لمزنة وهي السحابة. أأنتم أنزلتموه من السحب كما قال الله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَٰتِ مَآءً ثَجَّاجًا لِّنُخْرِجَ بِهِۦ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّـٰتٍ أَلْفَافًا﴾17 (النبأ: 14-16).

وهذا أيضًا فيه تذكير بالدار الآخرة؛ ولذلك في كثير من الآيات جاء التذكير بذلك: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً﴾ ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69). هذا من فضل الله سبحانه وتعالى.

لذلك ترى هذه السحب في السماء ثم تتساقط الأمطار، بل يتساقط الغيث النافع الذي ينتظره الناس وهم في حاجة ماسة إليه. ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69). حينما يمسك الله المطر عن الناس ماذا يصنع الناس حينئذ انظر إلى الناس مع غناهم ومع ما لديهم حينما يُصابون بقحط وامتناع الأمطار: ماذا لديهم لكنهم يصلّون ويتضرّعون إلى الله بصلاة الاستسقاء ودعاء الله: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69). وما قيل فيما سبق قالوا فيه ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) على نفس الوجه.

﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69). نعمة عظيمة والله الماء. لو أنَّ الماء انقطع عنا ماذا نصنع لو حُرمنا من الماء — وكما قالوا: الماء أرخص موجود وأعز مفقود؛ أرخص موجود لما تلاقيه موجود بيترمى على الأرض ما في حد لما يقع الماء على الأرض بيجمعه عشان يبوس يقبله؛ لكن قطعة الخبز أو اللقمة من العيش يأخذها من أجل أن يعني: يرفعها لا يتركها. الماء حينما يكون موجودًا لا يلتفت إليه أحد.

﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70). يتحول هذا المعنى العذب إلى ماء أجاج ملح لا يُطاق ولا يُتحمّل ولا يُستمر ولا يُستعذب؛ لا يستطيع الإنسان أن يتذوقه. كيف يكون الحال لو أنت الآن ما عادش في مية عذبة خالص وقال لك: خذ مية بملحة كذا ما فيش إلا مية بملحة. ماذا ستصنع هل تتذكر هذا حينما تمسك هذا الكوب وتشرب ماء عذبًا تتذكر أن هذا من نعم الله عز وجل علينا التي لا تُعد ولا تُحصى ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍۭ﴾18 (الملك: 30). إنه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

فقال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70). ولولا على ما تقدم أيضًا: فلولا تتصدقون، فلولا تذكرون، فلولا تشكرون؛ يعني: هلّا؛ ففيه تحضيض وحثّ على الشكر. وإنَّما قال هناك ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ لمناسبة ما سبق هناك لذكر البعث، وذكر الماء هنا في مقام الامتنان يناسبه ذكر الشكر؛ فقال: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. وقد ذكر أهل العلم أقوالًا عديدة في وجه الفرق بين اللفظين في قوله سبحانه: ﴿لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا﴾ و﴿جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا﴾.

فأنت حينما تنظر في الآيتين: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) ربنا ما قالش لو نشاء جعلناه؛ قال ﴿لَجَعَلْنَـٰهُ﴾. لكن لما ذكر الماء قال ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70) بدون لام. فقالوا: ما وجه دخول اللام في الأولى وعدم دخول اللام في الثانية كلام طويل. أهل العلم الذين يتدبرون القرآن يعيشون الساعات الطويلة بل الأيام العديدة يتدبرون كيف جاءت اللام هنا وما سرّها ولِمَ لم تجئ هنا؛ وقد يصل أحدهم إلى شيء وقد لا يصل، ويبحث ما يبحث وفي النهاية يقول: الله أعلم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هذا ما استطاع أن يصل إليه؛ لأنَّ القرآن فيه من الكنوز ما لا يقدر أحد على الإحاطة به.

فمن أهل العلم من قال: المذكور الأول يتعلق بالطعام، وأمر الطعام أشدّ، فناسبه التأكيد؛ فقال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) لأنه يتعلق بجانب الطعام فجاء التأكيد معه. وقال آخرون: ﴿أَنَّمَا﴾ أكّد أولًا؛ فلما أكّد أولًا استُغني بالتأكيد الأول عن التأكيد الثاني. وقال آخرون: إن صيرورة الطعام أو إن صيرورة الزرع إلى الهشيم اليابس المتفتت أمر متوقع؛ يعني: الواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ممكن بالفعل الزرع بتاعه يتحول إيه لحطام؛ حتى ممكن واحد يقول إيه: أنت يمكن قصّرت في الزرع، أنت يمكن لم تتعهد بالنبات؛ ممكن يقول كده. فأكّد أن هذا سيكون من الله ﴿لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا﴾. أما في صيرورة الماء العذب إلى الملح الأجاج فليس فيه مجال لمدخل؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هو بتصريف قدرة الله سبحانه وتعالى؛ فلم يُحتج إلى تأكيد.

يعني: ما ربنا يقول ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا﴾؛ ما هي عذبة تجد بصمة ليهاش عذبة طب ضميني ليه يدخل فيها كذا قال عدد من المفسّرين. وقال بعضهم: بل إن الأمر الثاني: في قوله ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70) لم يُحتج إلى تأكيد؛ لماذا لأنَّ الأجاج يُستفاد منه في أمور أخرى. أما إذا صيّر الله النبات حطامًا من أول الأمر فلا يُنتفع به من كل وجه؛ فكان في الأمر الأول التأكيد بخلاف الثاني. على كل هي وجوه عديدة أو أوجه عديدة ذكرها أهل العلم في التوجيه في ذكر اللام في الآية الأولى دون الثانية.

﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70). فجدير بنا يا أيها الإخوة الكرام أن نشكر الله على ما أنعم علينا من الطعام وما أنعم علينا من الشراب وما أنعم علينا من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، وأجلّها وأعظمها أن هدانا للإسلام؛ ونسأل الله أن يثبّتنا عليه إلى أن نلقاه.

ونكمل تفسير الآيات بإذن الله في الدروس المقبلة. وفّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 63 ↩
  3. آية: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 64 ↩
  4. آية: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 65 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 66 ↩
  6. آية: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 67 ↩
  7. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 58 ↩
  8. آية: ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 59 ↩
  9. آية: ﴿أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 64 ↩
  10. آية: ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 17-18 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 29 ↩
  12. آية: ﴿وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 30 ↩
  13. آية: ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 31 ↩
  14. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 68 ↩
  15. آية: ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 69 ↩
  16. آية: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 70 ↩
  17. آية: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَٰتِ مَآءً ثَجَّاجًا ۝ لِّنُخْرِجَ بِهِۦ حَبًّا وَنَبَاتًا ۝ وَجَنَّـٰتٍ أَلْفَافًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبأ 14-16 ↩
  18. آية: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِينٍۭ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 30 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة