تفسير سورة الواقعة جزء 5 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فنعاود، يا أيها الإخوة الكرام، سيرنا في تفسير القرآن الكريم ومع تفسير سورة الواقعة. وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾2 (الواقعة: 57). ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾3 (الواقعة: 58-59). ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾4 (الواقعة: 60-61). ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾5 (الواقعة: 62). ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57). يقرر الله سبحانه وتعالى، في هذه الآية الكريمة برهانًا واضحًا ودليلًا ساطعًا على أن البعث حق وعلى أن الله عز وجل الذي خلق الإنسان قادر على إعادته وقادر على بعثه. فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57). وهذا بمثابة التعليل والدليل. بل هو كذلك لقوله جل وعلا ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾6 (الواقعة: 49-50). ما الدليل
الله قادر على أن يجمع الخلق يوم القيامة وأن يبعثهم من قبورهم. الدليل أنه خلقنا والذي خلقنا قادر على بعثنا قادر على إعادتنا لا يعجزه شيء سبحانه عز وجل. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57)، يعني: فهلا تصدقون، ولولا حينما تدخل على الفعل كما هنا تكون بمعنى هلا، فهلا تصدقون. وهذا على خلاف ما تأتي مع الجمل الاسمية كقوله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾7 (النور: 21).
فيقال لها: حرف امتناع لوجود. فإنَّ تزكية الله عز وجل كانت ستمتنع لو امتنع فضل الله عز وجل ووجدت بوجود فضل الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه: فلولا تصدقون، ومن المعروف أنَّ المشركين يقرون بأن الله هو الخالق ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾8 (الزخرف: 87). لَكِنَّ الَّذِي يُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الْخَالِقُ وَلَا يَعْتَقِدُ فِي أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى البعث كَأَنَّمَا أَنْكَرَ أَنَّ اللَّهَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الْخَالِقُ لأنَّ الخالق لا يعجزه شيء فالذي يزعم، أن الله هو الخالق عليه أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله قادر على بعثه وقادر على إعادته، فلولا تصدقون.
وهذا فيه إهابة بمشاعرهم وتشجيع لهم على أن يصدقوا بما يأمرهم الله به وبما يخبرهم الله عز وجل عنه ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57). أو أن المعنى: فلولا تصدقون بأن البعث حق ما الذي يحملكم على أن تنكروا قضية البعث وما الذي يحملكم على أن تقولوا ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ والله قادر على كل شيء ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57).
كما قال أيضًا ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. ثم إنَّ الله جل ذكره استدل على قدرته على البعث بأمور عديدة هي عدمٌ صار موجودًا فالذي أوجد من العدم قادر على إعادة من صار موجودًا فإنَّه كذلك قادر على إعادته كان عدما ثم وجد ثم ذهب فالذي أوجده أول مرة قادر على إعادته مرة ثانية والأمر كما قال الله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾9 (الروم: 27).
فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾10 (الواقعة: 58). ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾11 (الواقعة: 63). ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ﴾
﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ﴾ كلها أدلة تدل بوضوح وجلاء على أن الله قادر على كل شيء وأن الله لا يعجزه شيء وأن البعث حق وصدق ولكن الله بدأ بخلق الإنسان. فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ (الواقعة: 58). أخبروني ما تمنونه ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ (الواقعة: 58-59). أي: أأنتم تخلقون هذا المني الذي يُقذف وهي نُطَف في أرحام النساء من الذي يُقِرُّه في الأرحام فيجعله مستقرًّا في هذا القرار المكين ثم يمر بمراحل فتصير النطفة علقة وتصير العلقة مضغة ويجري ما يجري من كسوة العظام لحمًا من الذي يصنع ذلك ومن الذي يخلق ذلك
أحد غير الله عز وجل
فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ (الواقعة: 58). أي: ما تقذفونه في أرحام النساء من النطف ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ ومن المعلوم أنهم لا ينازعون الله في الخلق ما ادعى أحد منهم أنه هو الخالق. لكن الله جل وعلا يريد أن يبين لهم سخافة عقولهم كيف أنهم يتطرقون لما تطرقوا له مع اعتقادهم، أن الله هو الخالق أأنتم تخلقونه
هل هذه النطفة التي تستقر في الرحم وتمر بتلك المراحل ثم يخرج من هذا البطن أو من هذا الرحم خلقًا يخرج الله خلقًا آخر له يدان ورجلان وعينان ولسان وشفتان ثم ينطق ويتكلم من الذي صنع ذلك من الذي خلق ذلك إنه الله ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ﴾ ٱلْخَٰلِقُونَ، ولا شك، أن الجواب أنت يا ربنا الخالق ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾
فجعلهم في معادلة مع أنَّهم لا يستطيعون، أن يزعموا ذلك ولم يقلوا به. ولذلك بعض المفسّرين ذهب مذهبًا آخر. فقال: أأنتم تخلقونه المراد بذلك الإنكار ثم جاء أسلوب الإضراب أم نحن الخالقون أي: بل نحن الخالقون هذه النطفة التي هي مهينة وضعيفة أخرج الله منها حياً فالأصل أن هذا المني الذي يخرج من الإنسان بمثابة مَيِّت يخرج الله عز وجل منه الكائن الحي فهو القادر كذلك على أن يُميت هذا الحي وأن يحييه مرة ثانية ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا﴾ ﴿فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. فقال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾12 (الواقعة: 60). يبقى المرحلة الأولى إنك أنت كنت عدمًا ومن هذا العدم أوجدك الله سبحانه وتعالى، وما كنت لتتصور ولتتخيل أن تخرج بهذه الصورة من هذا المني المهين. ثم إنَّ الله قدر بيننا الموت والتعبير القرآني جاء بهذا الأسلوب الفريد ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ الموت قسمة، قسمة يوزعها الله عز وجل على الخلق كما تقول نحن قدرنا بينكم المال الرزق لا قدرنا بينكم الموت الموت مقدر بيننا والتعبير القرآني قدرنا بينكم لم يقل قدرنا عليكم الموت كأن الموت معنا أصلًا بنا في وسطنا بس إيه اللي بيحصل
الموت بيننا ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ كأن الموت قسمة تقسم فلكل أجله ولكل موعده ووقته والقراءة الأخرى ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (الواقعة: 60). إذن المرحلة التانية أنت كنت عدمًا ثم أوجدك الله ثم بعد ذلك يُميتك الله ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (الواقعة: 60). ما معنى وما نحن بمسبوقين، يعني: وما نحن بمغلوبين وما نحن بعاجزين لأنَّ المسبوق مغلوب لما يكون في حد سبق حد بنقول الغلب لمَن؟ للي سبق يبقى المسبوق نقول عليه مغلوب أو نقول عليه عاجزًا فتغلَّب عليه غيره فسبقه فقول وما نحن بمسبوقين، يعني: وما نحن بمغلوبين وما نحن بعاجزين ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فيما لا تعلمون الذي أماتكم بعد أن كنتم أحياء ليس بعاجز على أن يبدل أمثالكم ما معنى ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾
فيها أقوال للمفسرين منهم من قال ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾، يعني: على أن نبدل بكم أمثالكم، يعني: أنت تصير عدمًا يوم ربنا ينشئك نشأةً أخرى يبقى صرت مثيلًا بعدما صرت عدم ربنا أوجدك تاني يبقى هذا بمثابة المثيل لأنك أوجدت من عدم وكذلك صرت إلى عدم ثم أوجدك الله. ثانيًا، أو إن المعنى ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾، يعني: على أن يهلككم الله ويأتي بقوم آخرين فتكون الآية كقوله سبحانه.
إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ فيكون المعنى ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ﴾ أَمْثَٰلَكُمْ. وقال آخرون: ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾ على أن نمسخكم الأمثال اللي هي الصورة والصفة ربنا يبدل صورتكم خالص، يعني: ربنا قادر على المسخ على أن يمسخ الإنسان فيصير قردًا أو خنزيرًا أو أي: شيء من المخلوقات ربك على كل شيء قدير.
لكن الأقوال التي قبله أقوى منه ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾، يعني: يهلككم الله ويأتي بقوم آخرين أو على أن يعيدكم ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنتم تموتون ويأتي الله بقوم آخرين ثم سيبعثكم فالله قادر على الإهلاك وقادر على البعث والإحياء ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، يعني: فيما لا تعلمون تفاصيله.
ولذلك الإنسان يجهل نفسه فضلًا عن، أن يدرك حقيقة ربه سبحانه وتعالى، لذلك جاء التعبير ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ اللي أنت ما تعرفوش، يعني: أنت حفظ نفسك كويس إنك أنت طولك كذا وعرضك كذا وزنك كذا عينك شكلها كذا لا، هناك خفايا في جسدك لا تعلمها أنت وَلِذَلِكَ رَبُّنَا قَالَ ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، يعني: أنت فيه كثير جدًّا من جسمك ما تعرفوش.
ولذلك تصور لو أنَّ جسمك فُتِّت وقسم غيرك فتت لو أنت اللي بتحكم وتقول ده قسمي أو مش قسمي أنت ستتردد، ستخفى عليك معالمك. أما الله فلا يخفى عليه شيء ولا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾، ولا في الأرض. فقال: وننشئكم نوجدكم فيما لا تعلمون، يعني: فيما لا تعرفون حقيقة وصفه على سبيل التفصيل. ولذلك الآية التي بعدها مباشرةً.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تذكروا فواحد يقول طب ما الآيتين كده إزاي نفهمهم ربنا يقول وننشئكم فيما لا تعلمون، أي أنتم ما تعرفوش، وبعدهم يقول. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ﴾ نحن علمنا نشأتنا على سبيل الإجمال، ولا نعلم نشأتنا على سبيل التفصيل.
إحنا عارفين إننا مرينا بمراحل وبقينا إنسان سوي ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ اوصفك. لكن دقائق الأمور وتفاصيل الاجزاء في الاجسام، وفي جسمك أنت لا تدركها، ولا تعرفها.
فقال. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ﴾، أي: الخلق الأول فلولا تذكرون، يعني: لماذا تستبعدون قدرة الله على البعث والنشور والذي خلقكم أول مرة قادر على إعادتكم هذا الدليل والبرهان القرآني تكرر كثيرًا في القرآن الكريم لأنَّ هناك محاور كثيرة أو رئيسة كما تقدم مرارًا ركز عليها القرآن الكريم لا سيما في السور المكية، منها قضية البعث المشركون لا يقرون بالبعث القضية البعث دي غاية في الأهمية ليه
الذي ينكر الآخرة هيعمل ليه، يعني: لو واحد معتقد ما فيش جنة، ولا نار إذًا هي الدنيا بس إذًا ما يحصله دنيا إذًا هو لن ينتظر أجرًا، ولا ثوابا، ولا يخاف عقابا فلذلك همه الدنيا وحسب فلما يجي الإسلام ويقولوا ده في بعث وفي جزاء، وفي جنة وفي نار ده معناه أنك أنت، يعني: هذِّب أخلاقك، آمن بربك خف من الله اتق الله لا تظلم أحدًا لا تبغي على أحد طب هو مش معتقد الكلام فيقرر القرآن ذلك بأعظم الأدلة وأجلها.
ولذلك ربنا قال ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. وقال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾
فكان من أعظم الأدلة التي أثبت الله بها البعث والنشور خلق الإنسان. إن ربنا خلقك أول مرة لذلك قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾13 (يس: 77) ﴿أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ زي ما أنت بعد ما بقيت إنسان طويل وعريض وبقى عندك قوة وقدرة بيحصل لك بتموت، وبعد ما بتموت بيحصل لك إيه؟ بتتفتت وإنت كنت في الأول أيضًا من ذلك من نطفة فما يمنع الله وما يحول بينه وبين، أن يبعثه ما خلقكم، ولا بعثكم إلا كنفس واحدة.
إن الله سميع بصير. وقال: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ هو الإنسان نسي نفسه أنت لم تنس نفسك. وقد خلقت، ولم تكن شيئًا ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾. فقال الله عز وجل هنا ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الواقعة: 62). وقد استدل العلماء بهذه الآية على إثبات صحة القياس وهو باب مشهور ومعروف في أصول الفقه.
إن في قياس ممكن تقيس حاجة على حاجة فنحن نقول ربنا قادر على خلق الإنسان أول مرة فالذي خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته، وعلى خلقه مرة ثانية. وهذا يقال له: قياس صحيح فالقياس الصحيح لا شك أنه مقبول وربنا قال ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾14 (الحشر: 2). ثم إنَّ الله ذكر برهانًا ثانيًا يتعلق بزرع الأرض وبحرث الأرض وكيف أن الله يحيي هذه الأرض بعد مماتها.
فقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾15 (الواقعة: 63-67). لكننا نرجع الحديث عنه إلى الدرس المقبل بإذن الله. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 57 ↩
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 58-59 ↩
- آية: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 60-61 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 62 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 49-50 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 21 ↩
- آية: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 87 ↩
- آية: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الروم 27 ↩
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 58 ↩
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 63 ↩
- آية: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 60 ↩
- آية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يس 77 ↩
- آية: ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 2 ↩
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 63-67 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)