مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة الواقعة جزء 4 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 39 من 61 · 22 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29). مرحبًا بكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الواقعة وكنا قد انتهينا في اللقاء السابق من الحديث عن أصحاب اليمين بعد الحديث عن المقربين. نسأل الله الكريم من فضله. ثم إنَّ الله جل ذكره ذكر الصنف الثالث. فقال: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾2 (الواقعة: 41-50).

﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ﴾3 (الواقعة: 41) أصحاب الشمال هؤلاء هم المنحرفون عن الصراط المستقيم، الناكبون عن الحق، فهؤلاء هم أصحاب الشمال نعوذ بالله من حالهم، ما أصحاب الشمال

حالهم شديد ومصيرهم أليم فعجبنا الله عز وجل من حالهم. فقال: ما أصحاب الشمال هل تريد أن تتعرف عن طرفٍ من أحوالهم هل تريد أن تعرف شيئًا عن مآلهم

فقال: ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾4 (الواقعة: 42). هؤلاء أين هم ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾5 (الواقعة: 42-44). هذه عاقبتهم. وهذا جزاؤهم في سموم والسموم الريح الحارة أو الحرارة نفسها التي تأتيهم من لهب النار فلهب النار وسعيرها يأتيهم بحرارةٍ شديدة أو هي أمثال الريح شديدة الحرارة التي تدخل إلى المسام فتحرقها وَكَأَنَّهَا سُمٌّ، لِذَلِكَ قِيلَ لَهَا سَمُومٌ فهي أشبه ما تكون بالسم القاتل أي: من شدة الحرارة تأتيهم تلك الحرارة إلى الجسد فتدخل إلى المسام فتحرق هذه المسام.

نسأل الله السلامة. ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ (الواقعة: 42). وأما الحميم فهو الماء الذي يغلي من شدة حرارته كما قال الله: ﴿وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ فهو ماءٌ قد اشتدت حرارته وهو ماء قد ازدادت حرارته فإذا شربوه أحرق الأمعاء وقطع الأمعاء. نسأل الله السلامة ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ (الواقعة: 42). فريح حارة وماء شديد الحرارة والغليان ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ﴾ ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾.

فقال: سبحانه وتعالى، ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ (الواقعة: 42). ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾6 (الواقعة: 43). هذا الظل الذي يريدون أن يستظلوا به من الحرارة فأنت حينما يكون الجو حار تريد أن تستظل من الحرارة فهل هناك ظل؟

الله لما وصف أصحاب اليمين ذكر جزاءهم وأن لهم الظل الممدود وظل ممدود. أما هؤلاء. فقال الله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ (الواقعة: 43). ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾7 (الواقعة: 44). واليحموم هو الدخان الأسود الذي يرتفع نتيجة شدة الحرارة فالشيء الحار حينما تزداد الحرارة ويرتفع الغليان يصدر عنه الدخان الأسود. فهذا الدخان الأسود هو اليحموم فقوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ (الواقعة: 43)، يعني: وظل هو اليحموم فمن هنا للبيان، يعني: لبيان نوع الظل ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ (الواقعة: 43).

كما قال الله ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ﴾ لا ظليل، ولا يغني من اللهب فهو دخان أسود من شدة الحرارة فلا يستفيدون منه بشيء لذلك قال ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (الواقعة: 44). فأنت تستفيد من الظل إذا كان ظلا باردًا سيحميك من الحرارة سيحميك من النار سيحميك من هذا الذي يؤذيك. أما هذا الظل فهو ظل لا فائدة منه.

بل هو مضر بهم. فقال: ﴿لَّا بَارِدٍ﴾ ليس باردًا فحينئذ يبرد أجوافهم أو أرواحهم أو نفوسهم كلا ولا كريم وليس فيه نوع من أنواع الفوائد فبعد أن خصَّ عمَّ. فقال: ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (الواقعة: 44). بأي نوع من أنواع الكرم. وقال بعضهم، ولا كريم المنظر، يعني: لا يستفاد من ريحه، ولا يستفاد من لونه، ولا يستفاد من منظره فهو سواد في سواد دخان يعلو عليهم في سواد والحرارة تأتيهم، وكذلك يشربون من ماء مشتد في غليانه.

نسأل الله السلامة قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ (الواقعة: 43). ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (الواقعة: 44). لِمَ هذا كله؟

هل ظلمهم الله الجواب لا الله ما ظلم أحدًا. بل هو الكريم سبحانه وتعالى. لكن هؤلاء هم الذين أودوا بأنفسهم وهم الذين أهلكوا أنفسهم وأوبقوها. فقال: جل وعلا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾8 (الواقعة: 45). ﴿وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾9 (الواقعة: 46). إنهم كانوا قبل ذلك في الدنيا كانوا قبل ذلك قبل الحشر والنشر قبل الحساب قبل العذاب قبل الجنة قبل النار كانوا قبل هذا في الدنيا مترفين أي: متنعمين بالدنيا بنعيمها وزخارفها دون شكر لله سبحانه وتعالى، الترف في حد ذاته إذا كان بمعنى النعمة فصاحبه لا يُلام عليها إذا شكر الله عليها.

لكن غالب المترفين أو المنعمين لا يشكرون الله عز وجل. ولذلك الغنى كثيرًا ما يطغي صاحبه ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾، وكذلك قال بعضهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45). أي: هم في ذلك أي: في بطر كانوا قبل ذلك في بطر وفي كِبْر وفي بعد عن الله سبحانه وتعالى، فترفهم، وبعدهم عن الله كان سببًا في هلاكهم ودخولهم النار ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45).

أين ترف الدنيا وأين متاعها وأين زخارفها وأين ملكها وأين سؤددها وأين سلطانها وأين أموالها وأين متاعها كل ذلك ذاهب كل ذلك فانٍ، كل ذلك لا يبقى منه شيء، ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، دنيا ذهبت، ذهبت هذه الأشياء التي قد أترفوا فيها. لكن بقيت الأعمال، بقي العمل ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾10 (الزلزلة: 7-8) ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45).

﴿وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 46). وكانوا يصرون دليل على ديمومة هذا الأمر منهم وجاء بقول يصرون يستمرون فهم على إصرار واستمرار على الحنث العظيم قال بعضهم: الحنث العظيم هو الشرك بالله كانوا يُصِرُّون على الشرك أو على التكذيب بآيات الله عز وجل. وقال بعضهم: الحنث في الأصل عدم الأبرار فالإنسان مثلًا، إذا حلف بالله عليه أن يبر بيمينه، ولا يحنث فإذا لم يبر بيمينه وأوقع أو وقع فيما حلف عليه.

فإنَّ هذا يقال له: حنث يقال حنث فلان. فقال بعضهم: كانوا يقسمون أنه لا بعث ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ كانوا يقسمون ويقولون يا محمد أنت تقول هناك يوم القيامة ليس هناك قيامة والله يقسمون على أنه لا بعث ويصرون على هذا. القسم معتقدين أنه لا دار إلا الدهر التي عاشوا فيها وهي الدار الدنيا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45).

﴿وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 46). على الكذب على الشرك على التكذيب بالبعث على الإقسام على عدم البعث والنشور، وكانوا يقولون مستخفين بالمؤمنين منكرين عليهم قولهم ومعتقدهم يقولون للرسول وللأصحاب رضي الله عنهم، وصلى الله على نبينا وسلم يقولون أئذا متنا

أئذا متنا سؤال تعجبي استنكار ينكرون على الرسول، وعلى الصحابة أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ بعد أن نصير ترابًا وعظاماً بالية مفتتة أئنا لمبعوثون؟ أنُبعث؟ أيعيدنا الله؟ أيقدر الله على إعادتنا؟ هكذا يتوهمون لم يعرفوا قدر الله، ولا عظمة الله، ولا قدرة الله عز وجل ثم يقولون: أوَآباؤنا الأولون؟ يعني: نبعث، وكذلك يبعث آباؤنا الأولون، يعني: هل نحن سنبعث وسيبعث الأب وسيبعث الجد وسيبعث الأمم التي قبلنا

فرد الله عز وجل ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾11 (الواقعة: 49-50). ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ﴾12 (الواقعة: 49). الأولين ممن سبق والآخرين ممن لحق لمبعوثون لمجموعون الكل مجموع ﴿إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ وهو الميقات الذي حدده الله ووقته فهو العليم بوقته سبحانه وتعالى، كما قال الله: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾13 (هود: 103). ﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾.

فقال: إن الأولين والآخرين ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. ولذلك قال ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ﴾ فهو يجمع الأولين والآخرين. وهذه العبارة التي قالوها رددوها كثيرًا وَأَثْبَتَهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ بُطْلَانَهَا ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ فربنا يرد عليهم ﴿قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ﴾ ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ يُمِلُونَ إِلَيْكَ الرُؤُسَ وَيُحَرِّكُونَ مُسْتَخِفِّينَ مَتَى هُو

إن تكلم يا محمد، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا؟ ﴿قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقال الله عز وجل ذاكرًا قولهم وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ صَٰدِقِينَ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تكررت تلك العبارة لماذا؟ لأنهم لا يؤمنون بالدار الآخرة ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم﴾ بغتا وهم لا يشعرون ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ المؤمن يخاف من الآخرة ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ﴾ ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ (الواقعة: 49-50).

يعلِّمه الله سبحانه وتعالى، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾14 (الواقعة: 51). ﴿لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾15 (الواقعة: 52). ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ ﴿فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ ﴿فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾16 (الواقعة: 56). ثم يراد بها هنا التراخي الرتبي، يعني: أن الله عز وجل رتب الكلام بعضه على بعض والأحداث بعضها على بعض ولا يلزم أن يكون هذا المذكور قبل ذاك ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 51). أو يقال إنه على بابه أي: ثم إنكم من كفار مكة ومن سار على دربهم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 51).

لأن المكذب ضل فلما ضل وقع فيما يقع فيه أهل الضلال من التكذيب فهم ضالون عن الحق منحرفون عن الصراط المستقيم مكذبون يكذبون بالله يكذبون باليوم الآخر يكذبون بالكتب ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 51). ﴿لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ (الواقعة: 52). وهذا من جزاء أهل النار ﴿لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ (الواقعة: 52). ﴿وَقِيلَ﴾ لها زقوم لأنه يعسر ابتلاع طعامها فأصل مادة التزقوم تدل على صعوبة في الابتلاع فهو يحتاج إليها.

ومع ذلك يجد غصة من أكلها ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ فيجد غصة وتعب. لكن لا مندوحة عنه شخص جائع جدًّا يريد أن يأكل وهو يعلم أنَّ هذا الأكل سيتعبه، ولا يجد مناصًا عنه فيأكله وهو يتزقم ويتأذى ويحتاج إلى الشرب فيأتي ليشرب فيشرب من الحميم. نسأل الله السلامة فلا أكل يريد، ولا أكل يبتغي من ورائه نفعًا مع اضطراره إليه ثم يضطر كذلك إلى الشراب ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 51).

﴿لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ (الواقعة: 52). ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ يملأ بطنه. ومع ذلك لا يرعوي، ولا يشبع لأنه يأكل شجرًا هو شجر الزقوم الذي ذكره الله سبحانه وتعالى، قال فمالئون منها أي: من شجر الزقوم ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ ﴿فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ إذًا ملأ بطنه من الزقوم احتاج إلى الشراب فيأتي ليشرب فيملأ كذلك بطنه بالشراب ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ ﴿فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ وقوله: فمالئون منها يعود على شجر الزقوم وقوله: ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ فشاربون عليه أي: على شجر الزقوم فباعتبار اللفظ قال عليه وباعتبار.

المعنى قال منها فهي منها وهي عليه أيضًا ﴿فَشَـٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ الماء الذي يغلي ﴿فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ والهيم هي الإبل العطاش التي أصيبت بداء عضال في معدتها فلم تجد مساغا إلا الشراب تلو الشراب تجد مغصا وألمًا شديدًا في المعدة ﴿فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ هذا نُزُلهم، النُّزُل في الأصل الضيافة ما يقدم للضيف دا الكرم، يعني: ده الجزاء، كالضيافة التي تُقدَّم للضيف.

فهذا على باب التهكم كما كانوا يسخرون في الدنيا من المؤمنين ويتهكمون من المؤمنين فيقول الله لهم: هذا نُزُلهم هذا هو النزل ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ (الواقعة: 56)، يعني: يوم القيامة يوم الجزاء يوم الحساب. فهذا هو النزل. والمراد به هنا: كما قلت: التهكم كما قال سبحانه وتعالى، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ وهل هو عزيز أو كريم

﴿أَنَّمَا﴾. المعنى ذق إنك أنت الذليل المهان لكنك في الدنيا كنت تزعم أنك العزيز وأنك الكريم فأين عزتك وأين كرمك وأين مالك وأين طعامك وأين شرابك ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ (الواقعة: 56). ثم إنَّ الله جل وعلا بين ببراهين ساطعة وأدلة قاطعة، أن البعث حق وأنه لا ينبغي لأحد أن ينكر البعث لأنَّ الذي خلقنا أول مرة قادر على إعادتنا فذكر عدة براهين في الآيات التي جاءت بعد من قوله سبحانه: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾17 (الواقعة: 57).

﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾18 (الواقعة: 58-59). ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾19 (الواقعة: 60). إلى آخر الآيات وسيأتي بيانها بإذن الله تعالى في الدروس المقبلة. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وبإذن الله سيكون الدرس بعد ذلك بعد عصر الجمعة بإذن الله في أيام شهر رمضان ولعلَّه يكون هناك يوم آخر بإذن الله ننتهي من سورة الواقعة ونأخذ سلسلة أخرى ثم بعد ذلك بعد شهر رمضان نستأنف دروس التفسير بإذن الله ولعل السلسلة تكون بعنوان.

تأمُّلات. تأمُّلات فنتأمَّل! في بعض الآيات أو في بعض الأحاديث أو في بعض المواقف بإذن الله تعالى. وأما السلسلة في المسجد الكبير بإذن الله تعالى فتكون كما لفت النظر أمس بإذن الله تعالى إلى أنها تكون آية ورسالة نتكلم عن آية وعن رسالة نوجهها قد أوجهها لمدرس أو لطبيب أو للقلب أو للعقل أو للأب أو للولد أو ما إلى ذلك.

نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص وأن يبلغنا شهر رمضان وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 41-50 ↩
  3. آية: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 41 ↩
  4. آية: ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 42 ↩
  5. آية: ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 42-44 ↩
  6. آية: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 43 ↩
  7. آية: ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 44 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 45 ↩
  9. آية: ﴿وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 46 ↩
  10. آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7-8 ↩
  11. آية: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 49-50 ↩
  12. آية: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْـَٔاخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 49 ↩
  13. آية: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 103 ↩
  14. آية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 51 ↩
  15. آية: ﴿لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 52 ↩
  16. آية: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 56 ↩
  17. آية: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 57 ↩
  18. آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 58-59 ↩
  19. آية: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 60 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة