مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

صفة الاستجارة من النار من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة صفات عباد الرحمن · الدرس 14 من 24 · 37 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مدخل إلى استجارة عباد الرحمن بالله من عذاب جهنم
  2. باعث الخوف من خزي النار على قيام الليل ونَفَسَي جهنم
  3. معنى «غراما» والفرق بين المستقر والمقام في وصف جهنم
  4. وجل المؤمنين من عذاب الله وأثر الخوف في صلاح العمل
  5. أهوال سعة جهنم وعظم جسد الكافر وهبوط الحجر فيها
  6. طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم وظلال العذاب
  7. الافتقار إلى رحمة الله وسؤال العتق من النار
التفريغ النصي الكامل للدرس

مدخل إلى استجارة عباد الرحمن بالله من عذاب جهنم

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله ومِنَّته، بالحديث عن صفات عباد الرحمن كما بيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في خواتيم سورة الفرقان.

باعث الخوف من خزي النار على قيام الليل ونَفَسَي جهنم

فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ إلى أن قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.

نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه. وقد توقف بنا الحديث، يا أيها الإخوة الكرام، عند قول الله جل وعلا ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ عرفنا أن عباد الرحمن حالهم في النهار تواضع وسكينة ووقار لا يؤذون الناس، ولا يقدمون لهم إلا كل خير. وأما عن ليلهم فليلهم ليل عظيم وليل مبارك ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾، ثم ماذا بعد يا ربنا؟ قال الله

﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ من صفات عباد الرحمن الخوف من النار، من صفات عباد الرحمن الاستجارة بالله عز وجل من عذاب النار يدعون ربهم ويسألونه ويطلبون منه أن ينجيهم من نار جهنم وأن يرزقهم الجنان. نسأل الله أن يرزقنا جنته، ونعوذ بالله من ناره ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾.

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ يحتمل أن هذا هو السبب الكبير الذي حملهم على قيام الليل وأعانهم على أن يكونوا في الليل ما بين السجود والقيام لماذا؟ أنهم خائفون من الله خائفون من نار جهنم، فأيقظهم الخوف من سباتهم ليسألوا الله المغفرة وليسألوا الله الجنة والنجاة من النار «إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم وأهل الأمن في» الدنيا هجوع أهل الأمن في الدنيا ينامون كيف يشاءون.

أما الخائفون من مكر الله والخائفون من عذاب الله فيقومون، يصلون لله رب العالمين وإذا كانوا يصلون بالليل والناس نيام فليس مخصوصًا بوقت القيام صحيح أنَّهم في قيامهم يستعيذون بالله من نار جهنم. لكن تلك الدعوة لا تفارقهم دومًا، يقولون: ﴿رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، ولِمَ لا؟ والرسول محمد صلوات ربي وتسليماته عليه كان أكثر دعائه ﷺ أن ﴿يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾.

وقد أثنى الله على هذا الفريق الطيب المبارك، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ ذلكم، أن نار جهنم هي الخزي العظيم، وأي خزي فوق هذا الخزي؟ وأي خزي أكبر من ذلك الخزي؟ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ﴾4 (التوبة: 63)

نسأل الله أن ينجينا من هذا الخزي ﴿وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: 33). وقال ﴿أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾. فهذا هو الخزي الكبير والخزي العظيم لذلك قال الحق سبحانه ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾5 (آل عمران: 185) وذكر الله قول أولي الألباب الذين يتفكرون في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، ماذا يقولون؟

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ اللهم آمين خزي كبير أن يكون العبد في نار جهنم، حق لهم أن يستعيذوا بالله من النار وأن يستعيذ بالله من أن يكون مأواهم ومصيرهم إلى جهنم.

نسأل الله السلامة والعافية. وقد قال ﷺ كما عند أحمد وغيره من حديث أنس رضي الله عنه وصححه الألباني أنَّ النبي ﷺ قال تُراجع العبارة في التسجيل لاستكمال الحديث الجنة نفسها تدعو لطالبيها، والنار نفسها تسأل الله أن يُجير المستعيذ منها وتسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يكون هذا المستعيذ منها من أهلها لأنَّها تعرف ماذا فيها من العذاب، ولِمَ لا؟. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربِّ، أكل بعضي بعضًا» اشتكت النار، النار تشكو إلى ربها، ما الذي تشكو إليه ما الذي تشتكيه النار ما شكواها أكل بعضي بعضا، فأذن لها ربها بنفسين، نفس في الشتاء «وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ»، فهو أشدّ ما تجدون من الحر في الصيف، وأشد ما تجدون من الزمهرير في الشتاء، هذا من التنفيس عن نار جهنم.

نسأل الله السلامة والعافية. ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ كما قال الله ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ كما قال ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾6 (الأنعام: 16) ﴿رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، إن عذابها كان غرامًا. يحتمل أن القائلين: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ هم المؤمنون أنفسهم عباد الرحمن.

معنى «غراما» والفرق بين المستقر والمقام في وصف جهنم

فهذا من تتمة كلامهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ وهم يقولون أيضًا ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أو أن يكون هذا الكلام معترضًا من كلام رب العزة سبحانه فهم قالوا ﴿رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ فعقَّب الله قائلًا ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ إن عذابها كان غرامًا وأصل الغرام بمعنى الملازمة فمادة غرم أو غرم تدل على اللزوم، ومنه الغارمون كما قال الله ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ﴾، ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ فالغارم هو الذي عليه دين يلازمه، يجب عليه أداؤه وسداده ودائنه يلزمه، ولا يفرِّط فيه حتى يقضي الدين الذي عليه الغرام يدل على معنى اللزوم، أي: إن عذابها كان ملازمًا لأصحابها.

وقال بعضهم: إن عذابها كان مُهلكًا، فالغرام بمعنى الهلاك أو بمعنى الشدة. إن عذابها كان شديدًا، وكلها أوصاف لعذاب جهنم بيد أن الوصف الأول هو الأقرب للمعنى اللغوي، إلا أنه بحسب من يدخلها فعصاة الموحدين لا يخلدون فيها. وأما الكافرون فيخلدون فيها وهم أصحاب النار. نسأل الله السلامة والعافية. ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ساءت مستقرًا هي ساءت مقامًا، فبئس المقام هذا المقام، وبئس المستقر هذا المستقر ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أي: دار استقرار ودار إقامة.

وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أن المستقر في حق العصاة من الموحدين والمقام في حق الكافرين لأنَّ الإقامة تدل على الدوام. فمن يدخلها من عصاة الموحدين تكون مستقرًا له فترة. لكن الكافر مقيم بها وفيها لا يغادرها فجاءت الآية بالوصفين، إنها ساءت مستقرًّا لمن دخلها ثم يخرج منها حينما يقدر الله عز وجل له ذلك إذ لا يخلد في النار إلا من حبسه كفره فيها قال: ومقامًا لمن يقيم بها ولا يغادرها رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ.

وجل المؤمنين من عذاب الله وأثر الخوف في صلاح العمل

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ خصلة عظيمة وصفة جليلة، أن يكون قلبك ممتلئًا بالخوف من الله سبحانه وتعالى، والخوف من مقامه والخوف من عذابه. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾. ﴿فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾. وقال، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ. وقال ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ ﴿أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾.

وقال ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. تُراجع العبارة في التسجيل والله قال ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾7 (الأعراف: 97-99) نسأل الله ألَّا نكون من الآمنين مكرَه وإنَّما الذين يعملون ويجتهدون ويتقبلهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، ومن خاف هنا أمن هناك، ومن بكى هنا من خشية الله فرح هناك وربنا لما ذكر أهل الجنة قال.

وقال الحمد ﴿وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 34، الطور: 26-28) أذهب عنا الحزن، قد كان في الدنيا في حزن، على ماذا؟ على دنيا زائلة؟ لا، على مال؟ لا ﴿أَنَّمَا﴾ كان يحزن إذا فرَّط في الطاعة أو إذا وقع في المعصية يجد في نفسه غُصَّةً وفقرًا وفاقةً لماذا لم يأنس بذكر الله؟ ولماذا لم يتلذذ بطاعة الله عز وجل؟ ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾8 (فاطر: 34، الطور: 26-28)، وفي القراءة المتواترة الأخرى: ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾ يا برُّ يا رحيم، ارحمنا وأعطنا ولا تحرمنا، رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ جهنم دار أعدها الله للعصاة من الكافرين، ومن سواهم ممن عصى الله.

لكن الكافر يخلد فيها ومرتكب الكبائر دون الشرك لا يخلد فيها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾9 (النساء: 48) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ والذي يتأمَّل القرآن الكريم ويقرأ آيات القرآن الكريم يرى ذكر النار في القرآن الكريم كثيرًا جدًّا. وذلك من أجل التخويف حتى يخاف العبد كما قال الله ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾10 (الزمر: 16)

وقال ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾. وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾11 (التحريم: 6) ولذا لا عجب أن ذكر الله بعض أوصاف النار في سورة الرحمن وهي السورة المتحدثة عن النعم والتي تكرر فيها قول الله جل ذكره ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

يذكرنا الله ويخوفنا من النار ويقول ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾12 (الرحمن: 43-44) فبأي آلاء ربكم تكذبان لأنك حينما تخاف من النار تعمل، فهذه نعمة حينما تخاف من النار تنزجر عن المعصية. وهذه نعمة حينما تخاف من النار تُقبل على الطاعة. وهذه نعمة. نسأل الله ألَّا يحرمنا نعمة الخوف من النار. ونار جهنم واسعة وشاسعة، وبعيدٌ قعرها كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة الواضحة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الدليل على ذلك، أن النار يدخلها كثير من الكافرين وعددهم كثير.

أهوال سعة جهنم وعظم جسد الكافر وهبوط الحجر فيها

انظر منذ أن خلق الله أولئك البشر وهم من ذرية آدم عليه السلام كم يقع منهم من عصيان وكم يقع منهم من كفران. ومع ذلك يقول الله ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾. وقد بين النبي ﷺ عليه وآله وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه لا تزال جهنم تقول: «هل من مزيد؟» يقال «لها هل امتلأتي وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط» حسبي حسبي وعزتك، حينئذ تكتفي النار نقول لجهنم هل امتلأتي وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ مع أنَّ الله قال ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

وقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ وليس هذا فحسب، ﴿إِلَّا﴾ تعلم أن الله عز وجل يعظِّم جسم الكافر؟ من أهل النار يوم القيامة هذا الجسم الذي عليه هذا الإنسان في الدنيا إذا كان من أهل النار لا يبقى على حاله. بل يعظم ويكبر ويكبر هكذا بين النبي ﷺ عليه وآله وسلم يقول ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ» بين منكبي بين هذا المنكب وذاك مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع.

وقال ﷺ: «كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال صلى الله عليه وسلم: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد13 ضرس الكافر هذا ضرس يصير مثل الجبل هكذا يبين النبي ﷺ والحديث صحيح في صحيح الإمام مسلم ضرس الكافر أو نابه مثل أُحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث أي ثلاثة أيام يُغلِّظ الله جسمه حتى يشعر بالعذاب ويكون أشد وأنكى عليه قد كان يتلذَّذ في الدنيا لذة بعد لذة ومتاعًا بعد متاع هذا الجسم يعظم لينال من العذاب ما الله به عليم. نسأل الله السلامة والعافية. نسأل الله أن يسلمنا من نار جهنم. وأما عن جنودها وخزنتها فقد بين الله واصفا إياهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾14 ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، ولما قال الله في خزنة جهنم ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾15 كان هذا الكلام فتنة لبعض الكفار إذ قالوا إذا كان خزنة جهنم تسعة عشر، فنحن قادرون على هؤلاء التسعة عشر وحينئذ سنسلم من نار جهنم.

فقال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةً﴾ أولئك الملائكة لا يقدر البشر كلهم عليهم ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾. ومع ذلك قد قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا16 والأمر كما قال الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله النار قعرها بعيد قد ثبت في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن النبي ﷺ بينما هو مع أصحابه إذ سمع وجبةً، أي صوت سقوط شيء. فقال ﷺ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قال الله ورسوله أعلم قال «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا» [تُراجع إعادة «منذ سبعين سنة» في التسجيل؛ قد تكون شرحًا من الشيخ] حجر يرمى به في نار جهنم منذ سبعين سنة حتى يصل إلى قعرها لأن النار عذاب من؟ عذاب الله العظيم عذاب الله الكبير وهو الرحمن الرحيم والله ثم والله خاسر، ثم خاسر، ثم خاسر من يصل نار جهنم مع سعة رحمة الله، سبحانه وتعالى، هو الرحمن الرحيم لكنه حينما يغضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله قد وصل بالخلق ما وصلوا إليه.

طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم وظلال العذاب

نسأل الله السلامة والعافية. واستحقوا من المقت ما استحقوا ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل أخبرنا الله عن طعامهم وعن شرابهم وعن لباسهم والذي يستقرئ القرآن الكريم يجد شيئًا كثيرًا من ذلك. الإنسان وقت الحرارة إلى ماذا يحتاج؟؟ إلى شراب يبرد جوفه يحتاج إلى ظلٍّ يظلُّه ويستظل به يحتاج كذلك في هذه الحرارة، يحتاج إلى هواء يذهب عنه تلك الحرارة أخبرنا الله عن حال أهل النار.

فقال: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾17 (الواقعة: 41-44) اسمع، قال: ﴿فِى سَمُومٍ﴾، ما معنى في سموم؟، يعني: في هواء حارٍّ قاسٍ شديد الحرارة لا يأتيهم هواء طلق أو هواء يحبونه أو يرغبون به أو فيه ﴿أَنَّمَا﴾ هو من سموم وحميم وهو الشراب الحار الذي يغلي غليانًا شديدًا. وقد انتهى، وقد بلغ من الحرارة مبلغًا عظيمًا ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ هذا الظل من قِطَع الدخان التي تتصاعد نتيجة شدة نار جهنم وعذاب أصحابها فيها.

نسأل الله السلامة والعافية.

وقال ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾18 إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌ صُفْرٌ(المرسلات: 29-33) يقول الله ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ﴾ هذا الدخان الذي يتصعد من عذاب أهل النار كأنه مثلث أو ذو جهات ثلاث، في ثلاث شعب [يُراجع التسجيل] لا ظليل ظل من دخان لكنه لا يظل أصحابه، ﴿وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ﴾، لا يغني من العذاب ﴿إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ﴾ هذه الشرارة التي تخرج من نار جهنم مثلها مثل القصر، الحصن المنيع الكبير هذا عن الشرارة فكيف عن العذاب نفسه كيف عمن ينغمس فيها ﴿كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌ صُفْرٌ﴾. وأما عن طعامهم، فذكر الله لنا من أطعمتهم الضريع، وذكر لنا من أطعمتهم الزقوم وما الزقوم ﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا﴾19 (الصافات: 62) أن شجرة الزقوم ﴿إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ﴾ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ ﴿تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ ﴿فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا﴾ ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾.

﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ حينما يأكلون الزقوم تغلي أجوافهم وتغلب طوله من شدة ما في الزقوم من ألم وشدة يريدون أن يذهب عنهم هذا الألم فماذا يصنعون يشربون من الحميم ظنا منهم أن الحميم حينما يخالط الزقوم يذهب ألمه وحرارته فماذا يجري قال ﴿فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ يشربون شرب الإبل العطاش يشرب ويشرب حتى يبرد جوفه وهو لا يدري أن.

الأمر كما قال الله ﴿وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾. نسأل الله السلامة. فراشهم ولباسهم ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. نسأل الله السلامة. إلى غير ذلك من أنواع الوعيد الذي بيَّنه الله سبحانه وتعالى، وبينه رسوله المصطفى محمد ﷺ هذا غيض من فيض من أوصاف نار جهنم وحسبك أن تقرأ القرآن ختمة واحدة وأنت تضع نصب عينيك نار جهنم وأوصاف النار اقرأ القرآن ختمة وأنت تتأمَّل كيف وصف الله جهنم، كيف وصفها وبما سماها سماها لظى، وسماها سقر، وسماها السعير، وسماها الحطمة راجع القرآن اقرأ كتاب ربك اعلم أن عذاب الله شديد.

﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ ما كنا لنقنط أحدًا من رحمة الله، ﴿أَنَّمَا﴾ الأمر كما قال الله، ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾، ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾، وبإذن الله في آخر صفات الرحمن، سنصل بإذن الله إلى قوله، ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾، وحينها نتحدث عن الجنة وعن غرفها.

الافتقار إلى رحمة الله وسؤال العتق من النار

نسأل الله أن نكون من أهلها بمنِّه وكرمه عباد الله، من نحن؟ نحن العباد الضعفاء الفقراء لا نقوى على عذاب الله، ولا ينبغي لنا أن نُغضب الله. فقال: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾. وقال النبي ﷺ كما عند الحاكم في المستدرك وغيره، قال: «لا والله، لا يُلقي الله حبيبه في النار» لا والله، لا يلقي الله حبيبه في نار20 جهنم اللهم أحبنا وحببنا فيك، وارضَ عنا واجعلنا هداة مهتدين اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ «اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ.

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام، وسائر بلاد الإسلام وأصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ حرماتنا واحفظ قدسنا ومقدساتنا يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدًا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 63 ↩
  5. آية: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 185 ↩
  6. آية: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 16 ↩
  7. آية: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝ أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 97-99 ↩
  8. آية: ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِىٓ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ۝ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ۝ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر: 34، الطور: 26-28 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 48 ↩
  10. آية: ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 16 ↩
  11. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 6 ↩
  12. آية: ﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 43-44 ↩
  13. حديث: «ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد» — الذكر في الدرس: أبو هريرة. نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
  14. آية: ﴿عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 6 ↩
  15. آية: ﴿عليها تسعة عشر﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 30 ↩
  16. حديث: «يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» — الذكر في الدرس: ابن مسعود. نسبة الشيخ: صحيح مسلم ↩
  17. آية: ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ ۝ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ۝ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ۝ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 41-44 ↩
  18. آية: ﴿ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ۝ ٱنطَلِقُوٓا۟ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ ۝ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ ۝ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ ۝ كَأَنَّهُۥ جِمَـٰلَتٌ صُفْرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المرسلات 29-33 ↩
  19. آية: ﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 62 ↩
  20. حديث: «لا والله لا يلقي الله حبيبه في نار» — نسبة الشيخ: الحاكم ↩

من سلسلة: سلسلة صفات عباد الرحمن (24 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة