مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تفسير سورة القمر جزء 6 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة التفسير · الدرس 26 من 61 · 19 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين؛ اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» وعلى آل إبراهيم…. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة القمر.

وقد توقف بنا الحديث عند قول الله جل ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾2 (القمر: 33) ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾3 (القمر: 34) ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾4 (القمر: 35) ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ﴾5 (القمر: 36) ﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾6 (القمر: 37).

فبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى لنا طرفًا مما جرى لثمود، وكيف أن الله عز وجل أهلكهم وقضى عليهم حينما رفضوا دعوة نبي الله ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام وكذبوا بنذر الله جل وعلا؛ أتبع الله ذلك بالحديث عن قوم لوط.

وقد ذكر بعض العلماء أن الله سماهم أو ذكرهم بهذا الوصف «قوم لوط» بخلاف ما ذكر ثمود — قال ثمود — وقال كذلك عاد؛ وأما في قوم لوط لم يسمّهم باسم؛ قالوا: لأنهم لم يكونوا معروفين بقبيلة معينة لدى العرب، وإنَّما المشتهر أنهم قوم نبي الله لوط عليه السلام؛ فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 33). وكما تقدّم، فالسورة الكريمة تقوم على بيان أن هذه الأمم قد كذّبت برسل الله وأن الله قد أهلكها بسبب تكذيبها.

وفي هذا إنذار واضح للمشركين من أن يوافقوا الأمم السابقة في التكذيب فيقع لهم من الهلاك ما وقع لمن سبقهم؛ فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 33).

ولم يرد التفصيل في هذه القصة في هذا الموضع؛ فلم يذكر ماذا قال لقومه وماذا قالوا له؛ ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر الله العاقبة مباشرةً فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ (القمر: 34).

وقد ذكر الله في مواضع أخرى أنهم قالوا: ﴿أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ أي: يريدون الطهارة والعفة، ونحن لا نريد عفة ولا طهارة؛ وهذا عجيب: لم يقلوا إنهم أناس على ضلال أو أناس على باطل، ﴿أَنَّمَا﴾ جهروا وصرّحوا وقالوا إنهم يتطهرون؛ ومع طهرهم فهؤلاء ليس لهم إلا الطرد.

وقالوا أيضًا: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ﴾؛ أكذا يقولون لنبي الله لوط عليه السلام هنا ربنا قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ (القمر: 34).

والحاصب قال بعض العلماء: الريح الشديدة التي كانت ممتلئة بالحجارة فحصبتهم بالحجارة؛ كما قال الله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾7 (هود: 82) ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾8 (هود: 83).

فأنزل الله عليهم حجارة؛ هذه الحجارة حجارة شديدة تقضي عليهم ولا تُبقي لهم ذكرًا ولا أثرًا؛ وقال بعضهم: بل المراد بالحاصب الحجارة نفسها؛ وقال آخرون: بل هو الملك الذي وكّله الله عز وجل بإلقاء الحجارة عليهم؛ قال الله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾9 (القمر: 34).

﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ (القمر: 34)، أي: نجيناهم في الساعة من آخر الليل؛ وذلك حينما قالت الملائكة للوط عليه السلام: ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾10 (هود: 81).

الملائكة قالوا للوط عليه السلام: أخرج من هذه القرية فنحن سنقضي عليها، وستكون هذه القرية قرية هلاك ودمار؛ فاخرج في ساعة السحر — وهي آخر ساعات الليل — اخرج ولا تلتفت وراءك ولا تنظر إلى مَن خلفك؛ ولن يلتفت إلا امرأتك التي ستكون في جملة الغابرين الهالكين؛ لأنَّها لم تكن مؤمنة بالله رب العالمين.

وهذا معنى قوله: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَـٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾؛ وهي خيانة العقيدة؛ فكانت كافرة بالله العظيم؛ وقال بعضهم: كانت تدلّ هؤلاء على أضياف لوط عليه السلام؛ لكن المشهور كفرها بالله سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ (القمر: 34) وكم في السحر من خير، وكم في السحر من نصر، وكم في السحر من فرج.

ولذلك جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا في ثلث الليل الآخر — أو حين يبقى ثلث الليل الآخر — فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيبه؟» فهي ساعة إجابة وساعة قرب وأنس من ملك الملوك سبحانه وتعالى.

قال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ (القمر: 34) ولم يستثنِ الله في هذه الآيات امرأة لوط كما ذكر في الآيات الأخرى؛ وهذا يبيّن لنا طريقة القرآن الكريم؛ ففي بعض الأحيان يأتي في موضع من مواضع القرآن الكريم الإجمال ويأتي البيان في موضع آخر، أو يأتي اللفظ عامًا في موضع ويأتي خاصًّا في موضع آخر؛ فالذي يقرأ هذه الآيات ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ (القمر: 34) يحسب أن آل لوط كانوا من الناجين أجمعين، مع أنَّ الواقع أن امرأة لوط لم تكن من الناجين؛ لأنَّها وافقت قومها في الكفر بالله رب العالمين.

إذا سألت وقلت: لِمَ أرسل الله الحاصب على قوم لوط ولِمَ أنجى الله آل لوط؟ فالجواب: ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ (القمر: 35)؛ فالله أنعم على لوط المبارك الذي دعا إلى الله وصدق في دعوته إلى الله فكان من الناجين؛ ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ (القمر: 35).

أي: مثل ذلك الإنعام أو مثل ذلك الإنجاء أو مثل ذلك الجزاء نجزي من شكر؛ فجزاء الله دومًا للشاكرين جزاء حسن، وهو يكافئ الشاكرين؛ ولذا قال: ﴿وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾.

وهذا يبيّن لنا أن قصص القرآن الكريم حينما ترد في القرآن الكريم لا يراد منه أن نعرف الحدث فحسب، وإنَّما نعلم أن الأحداث تتكرر وأن ما وقع قد يقع؛ فالله يكافئ المتقين الشاكرين ويهلك الجاحدين الظالمين.

ولذلك لما ربنا قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: 83) قال: ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ؛ يبقى الهلاك مش بعيد عن الظالمين، والنعمة ليست بعيدة عن الشاكرين؛ ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ (القمر: 35) ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 36).

﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر: 36)، أي: والله لقد أنذرهم بطشتنا — بطش الله وعقاب الله وعذاب الله — فتماروا بالنذر؛ والتماري في أصله معناه: الشك؛ يعني: شكّكوا في الإنذارات لم يبالوا بها؛ والتماري هنا بمعنى التكذيب؛ ولذلك تعدّى بالباء؛ فلم يقل: فتماروا في النذر؛ فأنت تقول: شككت في الشيء، لا شككت بالشيء؛ والله لم يقل: فتماروا في النذر، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: فتماروا بالنذر؛ أي: شكّكوا وكذبوا.

﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 37).

ولقد راودوه عن ضيفه؛ نبي الله لوط عليه السلام قد أنذر قومه، وقد كانوا يرتكبون أفحش الفواحش كما ذكر: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾11 (الشعراء: 165) ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾12 (الشعراء: 166).

فكانوا يأتون ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وأنذرهم نبي الله لوط عليه السلام هذا الفعل الخبيث الذي لا يفعله إلا منتكس الفطرة؛ نسأل الله السلامة؛ لم يكتفوا بذلك؛ لم يقلوا: نحن لن نستجيب لك؛ بلغهم أن لدى لوط عليه السلام ضيوفاً، وهؤلاء الضيوف كانوا من الملائكة.

جاءوا ضيوفًا إلى مَن؟ إلى لوط عليه السلام؛ وتكتَّم لوط عليه السلام على أمره ولم يرد أن يخبر قومه ﴿وَلَآ أَن﴾ يعلم قومه بذلك، لكنهم علموا؛ وقد ذكر عدد من المفسرين أن امرأته كانت وراء ذلك؛ فجاءوا إلى لوط عليه السلام؛ ماذا يريدون من لوط

يريدون الضيوف؛ ضيوف جاءوا لنبي مبارك؛ يريدون أن يفعلوا بهم الفاحشة؛ ﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 37)؛ وهو يحذّرهم ويقول لهم: ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾؛ قالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، قال: ﴿هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ﴾.

والمقصود بالبنات هنا أزواجهم؛ يقول لهم: لكم أزواج؛ لأنَّ النبي أب لمن يتبعه أو أب لقومه؛ فهو بمثابة الوالد للأجمعين؛ يقول لهم: أنتم عندكم بناتكم عندكم زوجاتكم؛ كل منكم عنده زوجته؛ ما لكم ولهؤلاء

وقال أيضًا: هؤلاء بناتي؛ قال: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ ﴿قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.

أنت تعلم الهدف؛ إحنا ما لنا وللنساء؛ إحنا كل هدفنا الرجال؛ معاذ الله؛ قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ قالوا: يا لوط، إنا رسل ربك.

لن يصلوا إليك؛ ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ إلى آخر الآيات الكريمة؛ قال جبريل ومن معه من الملائكة: إنا رسل ربك؛ لا تقلق؛ أنت الآن ليه هيعمل كده مع جبريل؟ طب إذا كانوا يصنعون هذا مع البشر ماذا سيصنعون مع جبريل

قال العلماء في قوله ﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 37): استأذن جبريل ربه — أو كان ذلك بإذن من الله — فقدِم عليهم جبريل بجناحه فضربهم على أعينهم فطمس الأعين فصاروا عُمْيًا لا يبصرون؛ وقال بعضهم: بل غارت الأعين في الوجوه فلم يصر لها أثر؛ دخلت العيون في الوجوه؛ فصاروا لا يبصرون بجوار الحائط أو الحوائط لا يبصرون شيئًا؛ يريدون أن يصنعوا ماذا ﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ (القمر: 37) حاولوا مراودته ومدافعته حتى يصلوا إلى ضيوفه؛ فطمسنا أعينهم ﴿فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾؛ ذوقوا عذاب الله؛ فالله على كل شيء قدير.

﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾13 (القمر: 38)، إذن هذا كان في البداية: أن طُمست الأعين؛ صاروا لا يبصرون؛ غارت الأعين في الوجوه؛ كل ما حولهم ظلام؛ وهم ينتظرون بقية العذاب وبقية الوعيد؛ ولذلك هذه القرى يقال لها: المؤتفكات؛ قال كثير من أهل التفسير: حملهم جبريل عليه السلام على جناحه — حمل القرية — فرفعها ثم قلبها؛ أو أيًّا ما كانت طريقة القلب، الله أعلم؛ على كلٍّ ربنا قال — وهذا ما صرّح به القرآن —: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82).

﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82)، وهذا معنى أن السافل صار في علوّ فانقلب؛ وهي المؤتفكات؛ وأرسل الله عليهم الحجارة؛ فجمع الله لهم بين طمس الأعين وبين الانقلاب بأن قلبهم وبين الحجارة التي أُمطروا بها؛ قال بعض العلماء: وإنَّما جعل الله عاليها سافلها وقلبهم لأنهم قلبوا الفطرة.

انتكست فطرتهم وقلبوا الفطرة وجعلوا الحلال في الحرام؛ جعلوا ما أحلّ الله لم يجعلوه في المصرف الشرعي وإنَّما صرفوه في الحرام؛ ودائماً الجزاء من جنس العمل؛ جزاء وفاقًا كما قال رب العباد سبحانه وتعالى؛ قال: أليس ﴿مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ إن موعدهم الصبح؛ وهنا قال: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: 38)، يعني: في أول البكور في أول النهار؛ عذاب مستقر يعني: دائم؛ قضى عليهم فلم يبق لهم أثر.

فلم يبق لهم أثر؛ ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: 38) ﴿فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾14 (القمر: 39) ثم قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾15 (القمر: 40)؛ القرآن ميسّر ومسهّل في حفظه وفي فهمه وفي معانيه؛ ليتدبّر من يتدبّر؛ هذا الموضع الثالث يكرّر الله فيه الآية ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 40) ليتذكر من شاء الله له أن يتذكر؛ ولذلك من أسماء القرآن الذكر؛ لأنَّ القرآن مصدر العز والشرف، ولأن القرآن مذكّر للعباد بالله، ولأنه أفضل ما يُذكر به العبد ربه؛ قال الله سبحانه: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾16 (ق: 45)؛ نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يهدينا سواء السبيل وأن يصلح أحوالنا وأن يحفظ بلادنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

اللهم طهّر قلوبنا وطهّر ألسنتنا وأصلح نياتنا وأخلص أعمالنا؛ هذا والله أعلم؛ سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 33 ↩
  3. آية: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 34 ↩
  4. آية: ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 35 ↩
  5. آية: ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا۟ بِٱلنُّذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 36 ↩
  6. آية: ﴿وَلَقَدْ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِۦ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 37 ↩
  7. آية: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 82 ↩
  8. آية: ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 83 ↩
  9. آية: ﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَـٰهُم بِسَحَرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 34 ↩
  10. آية: ﴿قَالُوا۟ يَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 81 ↩
  11. آية: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 165 ↩
  12. آية: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 166 ↩
  13. آية: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 38 ↩
  14. آية: ﴿فَذُوقُوا۟ عَذَابِى وَنُذُرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 39 ↩
  15. آية: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 40 ↩
  16. آية: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 45 ↩

من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة