مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

06 دخول بعض الناس في الإسلام استجابة لدعوة الرسول ﷺ

في رحاب السيرة النبوية · الدرس 6 من 10 · 20 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة المجلس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة، وما زلنا بفضل الله تبارك وتعالى مع نزول الوحي على رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في بدايات بعثته «صلى الله عليه وسلم»، عرفنا، يا أيها الإخوة الكرام أن الوحي انقطع عن النبي «صلى الله عليه وسلم» مدةً ثم عاد إليه بعد الانقطاع، وأنزل الله على نبيه «صلى الله عليه وسلم» قوله عز وجل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾1 (المدثر: 1-7)،

ووقفنا مع هذه الآيات في اللقاء السابق، فقام النبي «صلى الله عليه وسلم» داعيًا إلى الله كما قال الله عز وجل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾2 (الأحزاب: 45-46)، وقال الله سبحانه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾3 (الشعراء: 214)، فبدأ النبي «صلى الله عليه وسلم» بدعوة قريشٍ وبدأ بالدعوة السرية ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يعلنها، فيدعو النبي «صلى الله عليه وسلم» هذا الفرد ويدعو الفرد الآخر، يدعو هذا الشخص ويدعو الشخص الآخر، فيدخل هذا في الإسلام ويدخل هذا في الإسلام، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يكل ولا يمل بل هو مستمرٌ في دعوته إلى ربه عز وجل.

إسلام أهل بيت النبي ﷺ وأوائل السابقين إلى الإسلام من الصحابة

وكان من بركات هذه الدعوة التي ابتدأها الرسول «صلى الله عليه وسلم» سرًا أن صار بيت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» كله على الإسلام، فكان هذا هو البيت الوحيد الذي يكون أهله كلهم على الإسلام، ثم بعد ذلك دخلت بيوتٌ أخرى في مثل ذلك بفضل الله جل وعلا:

1- فأول مَنْ أسلم وآمن بالرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» من النساء خديجة بنت خويلدٍ رضي الله عنها زوج النبي «صلى الله عليه وسلم» وقد ذكرنا طرفًا من قصتها مع رسولنا الكريم «صلى الله عليه وسلم»، فخديجة رضي الله عنها أسلمت وصدقت برسول الله وواسته بمالها وبما تملك رضي الله عنه عنها، وكذلك بنات النبي «صلى الله عليه وسلم»، فبنات رسول الله أسلمن ووحدن الله جل وعلا وآمنَّ برسول الله محمدٍ «صلى الله عليه وسلم».

2- وعلي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه يعد أول مَنْ أسلم من الصبيان، وذلكم أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قد ربى علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه واحتضنه وكأنه بذلك يكافئ عمه أبا طالبٍ، لأنَّ النبي «صلى الله عليه وسلم» كما تعلمون بعد وفاة والديه وبعد وفاة جده عبد المطلب أقام مع عمه أبي طالبٍ، ثم إن النبي «صلى الله عليه وسلم» بعدما كَبِرَ ويسر الله عز وجل له أمره أخذ عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ليربيه عنده، فكان علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أول الصبيان إسلامًا لله رب العالمين، والذي عليه كثيرٌ من أهل التحقيق ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ في العاشرة من عمره ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك لكن هذا هو الأشهر ووردت فيه آثارٌ معروفةٌ والعلم عند الله تبارك وتعالى.

3- ومن أوائل من أسلم من الرجال، وجزم عددٌ كبيرٌ من أهل السير أنه أول مَنْ أسلم من الرجال، أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه، ولم يسبقه من الرجال إلا ما كان من شأن ورقة بن نوفلٍ حينما أقر ببعثة النبي «صلى الله عليه وسلم»، لكن بعد أن صار النبي رسولًا يدعو إلى الله أول مَنْ آمن به من الرجال أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه ولم تكن له كبوةٌ.

ومن العجيب في أمر دعوة النبي «صلى الله عليه وسلم» أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» بدأ يدعو قريشًا، وقريشٌ كما ذكروا لها فروعٌ، هذه الفروع تبلغ الـ14 فرعًا، يعني: قريشٌ تحتها 14 فرعًا، النبي «صلى الله عليه وسلم» من فرع بني هاشم بن عبد منافٍ، ومع ذلك فإنَّ الذين أسلموا لله رب العالمين في أول الأمر لم يكونوا كلهم من بني هاشمٍ، وإنَّما أسلم من بني هاشمٍ علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وأسلم أبو بكرٍ الصديق وهو تيميٌ قرشيٌ، وأسلم عمر بن الخطاب وهو عدويٌ من بني عديٍ،

وأسلم عثمان بن عفان وهو من بني أمية وهكذا،

بل أسلم أيضًا من أوائل من أسلم عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه وهو من هذيلٍ،

وأسلم كذلك أبو ذرٍ الغفاري وهو من غفارٍ، يعني: أن أول مَنْ دخل إلى الإسلام من الصحابة الكرام منهم القرشي ومنهم غير القرشي، ومنهم هاشمي ومنهم غير هاشمي،

لأن دعوة الرسول دعوةٌ إلى الحق والفضيلة، فمن عَلِمها وأنصف وابتعد عن التقليد الأعمى وعن التعصب للآباء والأجداد دخل في دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

دعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإسلام كبار الصحابة على يديه

وكان من بركات دعوة الصديق أبي بكرٍ رضي الله عنه كما ذكر غير واحدٍ من أهل السير كابن هشامٍ وغيره أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه ما إن أسلم لله رب العالمين إلا وعلم أنه ينبغي له أن ينشر الدعوة وأن يسعى في إظهارها، فأسلم على يد أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه مجموعةٌ كبيرةٌ من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وكان من بينهم عددٌ لا بأس به من العشرة المبشرين بالجنة بلغوا خمسةً كما ذكر بعض أهل السير: فعثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاصٍ وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم، كل هؤلاء وهم من العشرة المبشرين أسلموا على يد أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، عثمان بن عفان وهو من هو في الفضل وعبد الرحمن بن عوفٍ وسعد بن أبي وقاصٍ وغير هؤلاء من الصحابة الكرام أسلموا على يد أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه.

وكذلك دخل عددٌ من الصحابة في الإسلام وكان من بينهم أيضًا مولى رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وهو زيد بن حارثة رضي الله عنه، فزيد بن حارثة كان مولى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وهذا معناه: أن بيت الرسول «صلى الله عليه وسلم» صار جميعه على الإسلام حتى المولى،

وقالوا إن زيد بن حارثة رضي الله عنه في بداية الأمر خرجت به أمه وبينما هي خارجةٌ تزور أقاربها أغار عليها بعض الناس فاستُلَّ منها ولدها وهو زيد بن حارثة، فبيع زيد بن حارثة في الأسواق، بيع في سوق عكاظٍ فاشتراه حكيم بن حزامٍ، فبعد أن اشتراه حكيم بن حزامٍ أهداه لخديجة بنت خويلدٍ رضي الله عنها وهي عمته، ثم إن خديجة بنت خويلدٍ أهدت زيد بن حارثة إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فصار زيد بن حارثة مولى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فأحبه الرسول وتبناه وصار يقال زيد بن محمدٍ حتى أبطل الله عز وجل التبني: ﴿ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ4 تَعْلَمُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ﴾ (الأحزاب: 5)، فقال: هو أخي ومولاي، فبعد أن كان يقال له: زيد بن محمدٍ صار زيدًا مولى رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، الشاهد أنَّ زيد بن حارثة أيضًا كان مع الرسول وأسلم لله رب العالمين، فالبيت كله كان على الإسلام.

قصة زيد بن حارثة رضي الله عنه وثبات النبي ﷺ على الدعوة رغم الشدائد

بل إن الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله أورد قصةً لكن في سندها كلامٌ في شأن زيد بن حارثة رضي الله عنه وحاصلها أن أقارب زيد بن حارثة رضي الله عنه رأوا زيد بن حارثة في مكة، فلما رأوه عرفوه فأخبروا أباه، فجاء أبو زيدٍ وهو حارثة ومعه إخوةٌ لعمِّ زيدٍ ودخلوا على النبي «صلى الله عليه وسلم» وقالوا له: أنتم يا أهل قريشٍ أنتم تفكون العاني وأنتم تفعلون كذا وكذا من الإحسان، هذا ولدنا فاتركوه لنا ونعطيكم الفداء، هم يقولون له: بع لنا زيد بن حارثة وخذ المال الذي تريده، رده علينا، فقال لهم: أرأيتم لو كان غير ذلك؟ يعني: أفعل معكم ما هو أفضل من ذلك، أن نأتي به وأن نستشيره، فإنَّ أراد أن يذهب معكم فهو لكم ولا أريد فداءً، فجيء بزيد بن حارثة وخير بين أبيه وعمه وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَقِيلَ﴾ له: تعرف هؤلاء

قال: نعم هذا أبي وهذا عمي، وكان قد أسر أو أخذ وهو صغيرٌ لكنه يميز أباه ويميز عمه، فلما ذكر الأمر أمامه اختار رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ورفض أن يعود مرةً ثانيةً إلى أبيه وإلى عمه، فقالوا له: واعجبًا لك يا زيد، أتقدِّم العبودية على الحرية؟

يعني: ترضى أن تكون عبدًا وتبقى عبدًا ونحن نريد أن نشتريك حتى نعتقك وترجع إلى حريتك فقال: الذي رأيته يجعلني أحب البقاء معه، وأنا لا أترك الرسول «صلى الله عليه وسلم»، والرسول كان قد أعتقه لوجه الله، وصار زيد بن حارثة بل كان يلقب كما قلت: بزيد بن محمدٍ إلى أن أبطل الله التبني، وزوجه الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» من زينب بنت جحشٍ رضي الله عنها ثم وقع ما وقع من طلاق زيد بن حارثة منها ثم تزوجها الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وهذا سيأتينا بإذن الله تبارك وتعالى في بعض المناسبات ونحن نتكلم عن زواج الرسول «صلى الله عليه وسلم» من أمهات المؤمنين وما يتعلق بذلك من حكمٍ كثيرةٍ وأسرارٍ بديعةٍ بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

الشاهد من ذلك أن هذا البيت كله أسلم لله رب العالمين، وبدأ الصحابة يتزايدون يومًا بعد يومٍ، وكان هناك اللقاء في دار الأرقم بن أبي الأرقم وسيأتي تفصيل القول في هذه الدار وفي كيفية دعوة هؤلاء إلى دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾،

لكن الرسول «صلى الله عليه وسلم» مع هذه الشدائد كلها وهو ثابتٌ على دين الله والله قد ثبته، ولذلك ورد في القرآن الكريم مجموعةٌ من الآيات فيها تثبيت الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾5 (البقرة: 252) فالله يؤكد للرسول أنه رسولُه «صلى الله عليه وسلم»، وقال: ﴿يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾6 (يس: 1-4)، وقال: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾7 (الزخرف: 43)، وقال له: ﴿فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾8 (الحج: 67)، فالله جل وعلا كان يطمئن الرسول «صلى الله عليه وسلم» ويسليه ويثبته ويعرفه أنه على الهدى المستقيم.

أوائل المسلمين من أصحاب النبي ﷺ ودور أبي بكر الصديق في نشر الدعوة. يا أيها الإخوة الكرام، من المعروف أنَّ أكثر من أسلم على يد الرسول «صلى الله عليه وسلم» لا سيما في بداية الأمر كانوا من الضعفاء وكانوا من الفقراء، وهكذا دومًا أتباع الرسل يكونون من الضعفاء ومن الفقراء، لأنَّ الأغنياء يخافون على غناهم ولا يريدون أن ينفقوا في سبيل الله، فهم إذا أسلموا سيؤمرون بمثل ذلك فيكرهون الإسلام إلا من رحم الله رب الناس، ولذلك فإنَّ هرقل لما سأل أبا سفيان عن أتباع النبي «صلى الله عليه وسلم» وقال له: أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم

فقال: بل ضعفاؤهم،

فقال له في آخر القصة: وكذلك أتباع الرسل، فغالب أتباع الرسل يكونون من الضعفاء،

والله قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾9 (الأنعام: 53)، ومع ذلك فإنَّ الله أيد النبي «صلى الله عليه وسلم» ببعض الأغنياء وببعض الأقوياء وببعض ذوي الوجاهة،

1- ومن بينهم عثمان بن عفان رضي الله عنه

2- ومن بينهم أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فأبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان معروفًا بالتجارة وكان معروفًا بالأنساب وكانت لديه خبرةٌ كبيرةٌ بالتاريخ، لذلك كان شباب قريشٍ يجلسون إلى أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فكان أبو بكرٍ من أشهر الناس معرفةً بالأنساب، يعني: يقول له: أنت فلان بن فلان بن فلانٍ وجدك فلانٌ وأنت من قبيلة كذا، أمك من جهة كذا وجدتك من جهة كذا، كان هذا معروفًا عند العرب وهو معرفة الأنساب، فكان أبو بكرٍ رضي الله عنه نسابةً وكان عارفًا بالتاريخ، فلا يجلس مجلسًا إلا ذكر الرسول محمدًا «صلى الله عليه وسلم» بالخير ودل الناس على الإسلام، فأسلم على يديه هؤلاء المباركون كما قلت: من العشرة المبشرين:

1- منهم سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه الذي أسلم لله رب العالمين، فلما علمت أمه بإسلامه قاطعته وقالت له: تزعم أن دينك يأمرك بالبر وينهاك عن العقوق، والله لن أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى تكفر بدين محمدٍ، فأبى عليها، فامتنعت عن الأكل والشراب حتى أغمي عليها، ثم بعد ذلك أيقظها أولادها ليطعموها وليسقوها وهي تقول له: اترك دينك، وهو يرفض حتى قال لها: يا أمه والله لو كانت لك مئة نفسٍ فخرجت نفسًا نفسًا ما كنت لأترك دين محمدٍ، وأنزل الله قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى10 مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ﴾ (العنكبوت: 8)، فثبت على دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

2- وكذلك غيره من أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم» كالزبير بن العوام الذي أثنى عليه الرسول «صلى الله عليه وسلم» وقال: «لكل نبيٍ حواريٌ وحواريَّ الزبير بن العوام» رضي الله عنه.

3- وأيضًا ممن أسلم على يد أبي بكرٍ طلحة بن عبيد الله، والرسول قال: «من سره أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» كما حسنه عددٌ من أهل العلم، وهو من الذين قضوا نحبهم، قال الله: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًا﴾11 (الأحزاب: 23).

4- كذلك عبد الرحمن بن عوفٍ، والسبق بالإسلام أمرٌ شديدٌ وأمرٌ له مكانته، لذلك ربنا قال: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾12 (الحديد: 10)، ثبت في الصحيحين أن خالد بن الوليد رضي الله عنه سب عبد الرحمن بن عوفٍ، يعني: وقع بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنهما خلافٌ فسب خالدٌ عبد الرحمن بن عوفٍ، فقال النبي «صلى الله عليه وسلم»: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ يعني: مثل جبل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، مثل المد أو نصيفه أو نصف هذا المد، مع أنَّ خالد بن الوليد من الصحابة أيضًا، يعني: الرسول «صلى الله عليه وسلم» يخاطب من يخاطب خالد بن الوليد ويقول: لا تسبوا أصحابي، مع أنَّ خالدًا من الصحابة،

لكن المعنى: يا خالد وإن كنت من الصحابة فعبد الرحمن بن عوفٍ أجل لأنه أسبق في الإسلام، فكان للسبق في الإسلام منزلةٌ وكانوا يعرفون لمن سبقهم القدر، ولذلك النبي «صلى الله عليه وسلم» وهو يذكر من يتقدم للإمامة ذكر هذا فقال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإنْ كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإنْ كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً»، وفي لفظٍ: «فأقدمهم سِلمًا»، يعني: الذي أسلم مبكرًا، لأنه أسلم وقت أن كان الكفر فاشيًا، وقت أن كان الكفر منتشرًا، وقت أن كانت الشدة موجودةً، سيتعرض للحرب ويتعرض للإيذاء وسيتعرض للاضطهاد ومع ذلك أسلم لله رب العالمين.

انتشار الإسلام بين الشباب والانتقال من الدعوة السرية إلى الجهر بالدعوة

وأيضًا من الواضح والجلي أن غالب من أسلم لله رب العالمين وآمن بالرسول «صلى الله عليه وسلم» كانوا من الشباب، فأغلب من بدأ الدعوة مع رسول الله وأسلم لله رب العالمين كانوا من الشباب، لأنَّ الشاب عنده من الجرأة وعنده من القوة، ولذلك ليس عنده من الحرج أن يتخلى عن بعض ما كان يسمعه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فكانوا أقرب إلى قبول الحق، ثم بعد ذلك دخل الشيوخ ودخل النساء ودخل الأطفال في دين الله بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، ولذلك نزلت على الرسول «صلى الله عليه وسلم» سورٌ مكيةٌ تعالج هذه القضايا كسورة الكهف التي حدثنا الله فيها عن الفتية:

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى﴾13 (الكهف: 13)، وذكر الله لنا قصة موسى عليه السلام وكيف تعرض للأذى وكيف ترك مصر وكيف هاجر إلى مدين ثم رجع بعد ذلك، إلى غير ذلك من هذا كله الذي ذكره الله في القرآن ليثبت الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» وليثبت المؤمنين معه.

يا أيها الإخوة الكرام، بعد ذلك انتقلت الدعوة من الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية، بلَّغ الرسول الرسالة وأدى الأمانة وأعلن للأمة جمعاء أنه رسول رب العالمين وأنه مبعوثٌ من عنده سبحانه وتعالى بهذا القرآن الكريم، فماذا كان من الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نتعرف على هذا بإذن الله في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 1-7 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 45-46 ↩
  3. آية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 214 ↩
  4. آية: ﴿ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 5 ↩
  5. آية: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 252 ↩
  6. آية: ﴿يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: يس 1-4 ↩
  7. آية: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 43 ↩
  8. آية: ﴿فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 67 ↩
  9. آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 53 ↩
  10. آية: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 8 ↩
  11. آية: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 23 ↩
  12. آية: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 10 ↩
  13. آية: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 13 ↩

من سلسلة: في رحاب السيرة النبوية (10 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة