04 انقطاع الوحي ودفع شبهات
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الدرس ومراجعة خبر ورقة وفتور الوحي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة المباركة المتعلقة بسيرة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما زلنا بفضل الله وتوفيقه مع حديث نزول الوحي إلى رسول الله محمدٍ «صلى الله عليه وسلم»، هذا الحديث الشريف الذي روته لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه عنها، ووقفنا عند آخر الحديث حينما أخبر ورقة بن نوفلٍ رسول الله محمدًا «صلى الله عليه وسلم» بأن هذا هو الناموس الذي أنزل الله على موسى عليه السلام، فأخبره بأنه رسول الله حقًا وصدقًا، وتمنى ورقة بن نوفلٍ لو عُمِّر ولو كان شابًا في هذا الوقت، قال: وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب أن توفي ورقة وفتر الوحي عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فحزن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وقفنا عند هذا.
النبي «صلى الله عليه وسلم» بعد أن نزلت عليه الآيات المباركة من صدر سورة العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾1 (العلق: 1-5) انقطع الوحي عنه مدةً، وقد اختلف العلماء في هذه المدة:
1- فهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنها طويلةٌ وصلت إلى ثلاث سنواتٍ.
2- وهناك من يرى أنها لم تتجاوز إلا أيامًا قليلةً أو بضعة أشهرٍ.
وسيأتي تحرير ذلك بإذن الله في المجلس المقبل، لكن الشاهد هنا أن النبي «صلى الله عليه وسلم» تأثر لتأخر نزول الوحي عليه تأثرًا كبيرًا «صلى الله عليه وسلم»، رغب في أن يعود جبريل عليه السلام بالنزول عليه ليسمع كلام الله جل وعلا.
مقدمة الدرس ومراجعة خبر ورقة وفتور الوحي
لكن هنا أمرٌ أحب أن أنوه عليه لأنَّ بعض المشوشين والمشغبين طعنوا من خلاله في رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ولا يصلح هذا بحالٍ من الأحوال، بيان ذلك أنه قد جاءت روايةٌ عند البخاري لكنَّها ليست موصولةً فهي ليست على شرط الإمام البخاري رحمة الله تعالى وإنَّما هي عن الزهري بلاغًا، يعني: أن الزهري قال: بلغني، ولم يخبرنا الذي أبلغه، وبناءً عليه فالرواية لا يقال إنها صحيحةٌ أو ثابتةٌ عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ومع ذلك فلها توجيهٌ، ما هذه الرواية التي شوَّش بها بعض الناس؟ في هذه الرواية أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» حزن لانقطاع الوحي عنه حزنًا شديدًا حتى إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا طالت عليه المدة اتجه حتى يتردى من أعلى شواهق الجبال، يريد أن يخرج حتى يذهب إلى أعلى الجبال ليتردى، معناه: أنه سعى في الانتحار، قال: فإذا أوفى بذروته تبدَّى له جبريل، أي: ظهر له جبريل فقال له: يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه أي: جأش الرسول «صلى الله عليه وسلم» وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه الفترة اتجه مرةً أخرى من أجل أن يتردى من أعلى شواهق الجبل، فإذا أوفى بذروته تبدى له جبريل عليه السلام وقال له: يا محمد إنك رسول الله حقًا، إلى أن عاد الوحي إليه ونزل عليه الصلاة والسلام.
يقولون: إن الرسول «صلى الله عليه وسلم» سعى للانتحار. فهذا يدل على خللٍ كبيرٍ عنده، وهذا كلامٌ غير صحيحٍ:
1- أولًا: هذه الرواية كما قلت لا تصح؛ فهي عن الزهري، قال: بلغني وليست موصولةً إلى رسول الله «صلى الله عليه وسلم». ثم إن هذا على فرض ثبوته لا يطعن في الرسول الأكرم «صلى الله عليه وسلم» لأنه لم ينتحر أصلًا، هذا شيءٌ.
2- الأمر الثاني: أن هذا كان رغبةً في ماذا؟ كان رغبةً في أن يسمع الوحي، وهذا يدل على عظيم شوقه إلى نزول الوحي «صلى الله عليه وسلم».
3- الأمر الثالث: أن هذا كان قبل نزول التشريعات، فلم ينزل تحريم الانتحار ولا شيءٌ من هذه التشريعات أصلًا حتى يطعن في الرسول «صلى الله عليه وسلم» من أجل ذلك.
﴿أَنَّمَا﴾ الذي ثبت في مثل هذا المقام أن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه كان إذا أبطأ عليه جبريل تأثر لذلك، ولذلك ثبت في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي «صلى الله عليه وسلم» قال لجبريل يومًا: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟»، فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾2 (مريم: 64)، فالرسول «صلى الله عليه وسلم» كان يتشوق إلى رؤية جبريل وإلى سماع الوحي الذي يأتي به جبريل عليه السلام من رب العزة سبحانه وتعالى.
صور نزول الوحي على النبي ﷺ وكيفية تلقيه كلام الله تعالى
والنبي «صلى الله عليه وسلم» كان يأتيه الوحي على صورٍ، ولذلك جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشامٍ رضي الله عنه سأل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس»، صلصلة الجرس هذا الرنين الشديد، فيأتيه الوحي بهذه الطريقة، قال: «فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول»3، يأتيه الملك في صورة رجلٍ، ومن ذلك القصة الشهيرة التي أخرجها الشيخان من حديث أبي هريرة وهي عند مسلمٍ من حديث عمر في قصة مجيء جبريل إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» وسؤاله إياه عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: «وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول»، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في الليلة الشديدة البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا، يعني: يأتيه الوحي في الليلة الباردة الشاتية فإذا جاءه الوحي وانفصل عنه وذهب فإنَّ جبينه ليتفصد عرقًا من شدة أمر الوحي، ولذلك ربنا قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾4 (المزمل: 5)، فالقرآن قولٌ ثقيلٌ قولٌ عظيمٌ: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾5 (الطارق: 13-14).
النبي «صلى الله عليه وسلم» أوحي إليه بالطرق التي بينها الله جل وعلا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ﴾6 (الشورى: 51):
1- فأتاه الوحي عن طريق الرؤيا المنامية «صلى الله عليه وسلم»، وقد مضى معنا في أول رواية عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به رسول الله «صلى الله عليه وسلم» من الوحي الرؤيا الصالحة أو قالت الصادقة في النوم، «فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» «صلى الله عليه وسلم»، ومن ذلك رؤيا الخليل إبراهيم عليه السلام أنه يذبح ولده إسماعيل، هذا وحيٌ، رؤيا الأنبياء وحيٌ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: أيضًا: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وتستوعب أجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب».
2- وربما أتاه عن طريق الرسول الملكي، مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» كما سمعته.
3- وربما كلَّمه الله من وراء حجابٍ بدون واسطةٍ، وهذا وقع للرسول في رحلة المعراج حينما فرض الله عليه الصلاة، وفرضها خمسين صلاةً ثم لم يزل الرسول يطلب التخفيف حتى صارت خمسًا، فهذا أعني فرض الصلاة على الرسول «صلى الله عليه وسلم» في رحلة المعراج لم يكن بواسطة جبريل ولا غيره ﴿أَنَّمَا﴾ تلقاه من الله جل وعلا بلا واسطةٍ.
فوائد حديث بدء الوحي والرد على الشبهات حول رواية عائشة رضي الله عنها
هذا الحديث الشريف حديث عائشة رضي الله عنها الذي استمعنا إليه وعرفنا كيف دار هذا الحدث وهذا الخبر وما وقع من أم المؤمنين خديجة رضي الله عنه عنها وما وقع كذلك من موقف ورقة، في هذا الحديث فوائد جمَّةٌ عرضنا لبعضها في أثناء شرح هذا الحديث، وقد اعتنى العلماء بهذا الحديث حتى ألَّف فيه بعض العلماء كتابًا مستقلًا، يعني: هناك مؤلفاتٌ مستقلةٌ في هذا الحديث الشريف، منها كتابٌ لأبي شامة المقدسي رحمة الله تعالى وسماه: شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أعرض لبعض الفوائد التي لم نذكرها في الدروس السابقة، من ذلك: -
1- أنه قد يرد إشكالٌ، وأنا سأراعي في دروس السيرة أيضًا أنني سأطرح بعض الشبهات التي يثيرها الطاعنون في السنة والطاعنون في سيرة النبي «صلى الله عليه وسلم» لندفعها ولنرد عليها بإذن الله تعالى، هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هذا الحديث مردودٌ، نقول: كيف يكون مردودًا وهو في البخاري ومسلمٍ وهو في أعلى درجات الصحة؟ قالوا: إن عائشة رضي الله عنها لم تشهد هذه القصة، عائشة لم تكن قد ولدت بعد وهي تقول: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة، تتكلم عن الرسول أيام أن كان عنده كم؟ عندما كان عنده أربعون سنةً «صلى الله عليه وسلم»، عائشة لم تكن قد جاءت أصلًا فكيف تروي هذه الرواية ثم تتحدث عن خديجة؟ أين هي من خديجة؟ إلى غير ذلك،
فيقولون: كيف سمعت هذا؟ هذا يسمى بالمرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف، يعني: إذا قال التابعي قال رسول الله، نقول له: من أين أخذت هذا الحديث عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»؟ والجواب عن ذلك أن يقال: هذا يسمى بمرسل الصحابي،
ومرسل الصحابي مقبولٌ عند عامة أهل العلم وعند جمهور أهل الحديث لأنَّ الصحابة كلهم عدولٌ، ثم إن عائشة رضي الله عنها يحتمل أنها سمعت القصة كلها ممن
يحتمل أنها سمعت القصة كلها من رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فما المشكلة في هذا؟ يعني: الرسول قال لها: حدث لي كذا وكذا وذهبت إلى خديجة وقالت لي كذا وكذا، بدليل أنها ذكرت كلام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك وهو يقول كذا وكذا عليه الصلاة والسلام، أو أن تكون تلقت هذا وسمعته من بعض الصحابة والصحابة كلهم عدولٌ، وبناءً عليه فلا مطعن ولا مغمز في الرواية بفضل الله تبارك وتعالى، هذا من جهةٍ.
استكمال فوائد حديث بدء الوحي
ثم من جهةٍ ثانيةٍ، يا أيها الإخوة الكرام:
1- لا ينبغي لنا أن نغفل قدر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وقد ذكرت طرفًا من ذلك في الدروس السابقة، لكننا بحاجةٍ ماسةٍ إلى أن نتذكر مثل هذا الأنموذج أو هذا النموذج المشرق المنير، وما أحوج بيوت المسلمين إلى مثل هؤلاء النسوة اللاتي يحفظن أزواجهن واللاتي يكن نعم العون لأزواجهن كما كانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنه عنها مثبتةً لرسول الله محمدٍ صلوات الله وتسليماته عليه.
2- ويستفاد من هذه القصة أنَّ الإنسان في وقت الفزع وفي وقت الأرق لا ينبغي أن يُسأل ﴿وَلَآ أَن﴾ يوجه له سؤالٌ ﴿وَلَآ أَن﴾ يعرض له أمرٌ مشكلٌ لأنه في حالة اضطرابٍ ولربما قال ما لا تحمد عقباه، مع أنَّ الرسول «صلى الله عليه وسلم» محفوظٌ بحفظ الله سبحانه وتعالى، لكن خديجة رضي الله عنها أول ما دخل عليها النبي «صلى الله عليه وسلم» وقال: زملوني زملوني، خديجة رضي الله عنها لم تتكلم معه في شيءٍ حتى ذهب عن الرسول الروع فقال: لقد خشيت على نفسي، وأخبرها الخبر، هو الذي قص عليها الخبر عليه الصلاة والسلام،
3- فهذا أمرٌ يستفاد منه: إنسانٌ جاءك في روعٍ وفي خوفٍ وقال لك: أريد منك كذا، استجب له، لا تخالفه في هذا الأمر ما دام أنه لا يطلب شيئًا محرَّمًا أو ممنوعًا، فإذا استراح وهدأ روعه بعد ذلك تتحدث معه، وأنتم إذا نظرتم إلى كثيرٍ من المشكلات التي تقع في الأسر والمجتمعات فإنَّها ترجع إلى عدم مراعاة الأحوال والظروف، لكن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي العاقلة الرشيدة تفطنت لهذا.
4- الأمر الآخر: أنَّ الإنسان حَرِيٌّ به أن يتخذ الصاحب القريب الذي يقص عليه شكواه فقد يجد في طرح هذا الأمر ما يكون عونًا له، لأنَّ بعض الناس في بعض الأحيان يكون عنده أسرارٌ وهذه الأسرار يتكتم عليها فيصاب بمصيبةٍ ويبتلى بابتلاءٍ ولا يخبر أحدًا على الإطلاق فيحمل نفسه فوق الطاقة، يحمل نفسه ثم يحمل نفسه ثم بعد ذلك لا يستطيع أن يتحمل فيسقط ويقع منه ما الله به عليمٌ، لكن لو أنَّ الإنسان اتخذ إنسانًا عاقلًا رشيدًا وقص عليه الأمر لربما وجد عنده المخرج ووجد عنده ما يسليه، والإنسان قد يحتاج إلى التسلية والتسرِّية في بعض الأحيان، وإن لم يجد مالًا، يعني: لو أنَّ شخصًا لم يقدم له مالًا ولم يقدم له مساعدةً ماديةً لكنه واساه بكلمةٍ وقال له أمرًا يستعين به في قضاء حاجته وفي قضاء مشكلته لكان هذا أمرًا طيبًا وحسنًا بفضل الله سبحانه وتعالى.
نزول سورة المدثر بعد فتور الوحي وبداية مرحلة الإنذار والدعوة. يا أيها الإخوة الكرام، جاء في الصحيحين من حديث جابرٍ رضي الله عنه، ويروي عن جابرٍ رضي الله عنه هذه الرواية أبو سلمة،
وقد سُئل أبو سلمة عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾، فقالوا له: أنبئنا أو نبئت، كما يقول له يحيى بن أبي كثيرٍ، أنه: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5)،
فقال له: لا أحدثك إلا بما حدثني به جابرٌ، يعني: أبو سلمة يقول: أول ما نزل من القرآن سورة المدثر أو ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾،
وسأل جابرًا فقال له جابرٌ: لا أحدثك إلا بما سمعت يحتمل أنها سمعت القصة كلها من رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ثم ساق الحديث قال: «جاورت بحراء»،
وتقدم أن الغار الذي أقام فيه الرسول عليه الصلاة والسلام وكان يتحنث فيه يقال له: غار حراء وهو خلاف غار ثورٍ الذي لجأ إليه الرسول «صلى الله عليه وسلم» في أثناء الهجرة،
قال: «فلما قضيت جواري هبطت فنوديت»، يعني: النبي «صلى الله عليه وسلم» جاور بحراء، ما معنى جاور؟ يعني: ذهب للعبادة حينما كان يخلو ليتعبد لربه، فلما قضى الجوار بحراء هبط،
قال: «فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، ونظرت فوقي فرأيت شيئًا»، جاء في الرواية الأخرى وهي تفسر هذه الرواية: «فإذا أنا بالملك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيٍ بين السماء والأرض»، يعني: النبي «صلى الله عليه وسلم» جاور في حراء ولمَّا قضى الجوار ماذا صنع؟؟
هبط، يعني: خلاص متجهٌ مرةً أخرى ليعود إلى بيته، فسمع صوتًا، ينظر أمامه، ينظر خلفه، عن يمينه، عن شماله، نظر فوقه
«فإذا هو بالملك جالسًا على كرسيٍ بين السماء والأرض، قال: فجُئِثْتُ منه رعبًا، الرسول رُعِبَ منه، فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني وصبوا علي ماءً باردًا، فأنزل الله قوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾7 (المدثر: 1-5)، قال: ثم حمي الوحي بعد وتتابع.
هذه الرواية حينما ننظر في طرقها أو في ألفاظها تبين لنا أن سورة المدثر ليست أول ما نزل من القرآن ولكن هي أول ما نزل بعد انقطاع الوحي، إذن الرسول نزل عليه صدر سورة العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾8 (العلق: 1) ثم انقطع الوحي، الرسول ينتظر، يريد أن ينزل عليه الوحي لا ينزل، يريد أن يرى جبريل، جبريل لا يأتيه، فانقطع عنه جبريل فترةً، فذهب الرسول مرةً أخرى إلى حراء من أجل أن يتعبد لربه سبحانه وتعالى، وهو نازلٌ راجعٌ قافلٌ إلى أهله ناداه جبريل عليه السلام ثم نزل عليه بعد ذلك قول الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾9 (المدثر: 1-3)،
1- وبناءً عليه، فهذا اجتهادٌ من جابرٍ ظن أن هذا أول ما ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ الرسول «صلى الله عليه وسلم»،
2- أو أن يقال إن هذا أول ما نزل ولكن بعد انقطاع الوحي على النبي «صلى الله عليه وسلم»، ولذلك في الرواية: «ثم حمي الوحي وتتابع»، يعني: بدأ يكثر، يعني: الوحي بدأ ينزل سورةً وراء سورةٍ، آياتٍ بعد آياتٍ عليه الصلاة والسلام: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ10 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾ (المدثر: 1-5)، لذلك قال بعض العلماء: نُبِّئ الرسول بـ«اقرأ» وأُرسل بـ«يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المدثر»، يعني: نُبِّئ بـ«اقرأ»، فصار نبيًّا بقوله: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ (العلق: 1)، كن قارئًا، أوحى الله إليك إذن صرت نبيًا، طيب، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيدعو غيره؟ نزل قوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 1-2)، إذن لا تكتفِ بنفسك ولكن عليك أن تبلغ دعوة الله سبحانه وتعالى،
وهناك السورة الأخرى وهي قريبةٌ منها في النزول أيضًا: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾11 (المزمل: 1-4).
ولنا وقفةٌ بإذن الله تعالى مع آيات سورة المدثر مع هذا الموقف من عودة الوحي إلى رسول الله محمدٍ «صلى الله عليه وسلم» في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1-5 ↩
- آية: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 64 ↩
- حديث: «وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول» — نسبة الشيخ: مسلم ↩
- آية: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 5 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 13-14 ↩
- آية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 51 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 1-5 ↩
- آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 1-3 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 1-2 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 1-4 ↩
من سلسلة: في رحاب السيرة النبوية (10 درسًا)