مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

07 دعوة الرسولﷺ الجهرية واجتماع بطون قريش له وتكذيب أبي لهب

في رحاب السيرة النبوية · الدرس 5 من 10 · 31 دقيقة · السيرة والتراجم

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

أوائل المسلمين في العهد المكي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ: فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة في رحاب السيرة النبوية، وكنا قد تكلمنا في المجلس السابق عن دعوة النبي صلوات الله وتسليماته عليه السرية ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يعلن دعوته عليه الصلاة والسلام، وعرفنا أن عددًا لا بأس به من الصحابة الكرام رضي الله عنه عنهم، لا سيما الشباب، دخلوا في دين الإسلام ببركة هذه الدعوة التي دعاهم إليها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وكان من جميل ما حدث في ذلك أن أسلم بعض الصحابة، ومنهم عددٌ من العشرة المبشرين بالجنة يبلغون خمسةً، أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والملاحظ أن أكثر هؤلاء الصحابة الذين أسلموا في هذا العهد المبكر كانوا من الشباب، بل إن شئت فقل كان بعضهم من الصغار، فأنت حينما تقرأ تاريخ كل صحابيٍّ من هؤلاء الأصحاب تجد أن بعضهم كان عمره ثماني سنواتٍ، وأن بعضهم كان عمره عشر سنواتٍ، وأن بعضهم كان عمره اثنتي عشرة سنةً، وبعضهم لم يتجاوز العشرين، وبعضهم في السابعة عشرة من عمره، إلى غير ذلك، وهذا سنٌّ مبكرٌ جدًّا، لكنه الإسلام الذي انشرح له صدر أولئك فدخلوا في دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

ومن أوائل هؤلاء، كما تقدم، عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، حتى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي قال الرسول عليه الصلاة والسلام فيه: هذا خالي، فليرني امرؤٌ خاله، النبي «صلى الله عليه وسلم» ذات مرةٍ قال: ﴿إِلَّا﴾ ليت رجلًا يحرسني الليلة، فجاء سعد بن أبي وقاص من أجل أن يحرس النبي «صلى الله عليه وسلم» فقال النبي «صلى الله عليه وسلم»: هذا خالي - يعني: سعد بن أبي وقاص - خالي، فليرني امرؤٌ خاله، يعني: أنه يفتخر بهذا الخال المبارك الذي جاء ليحافظ على رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وهذا كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينزل الله عز وجل قوله:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ1 ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾2 (المائدة: 67)، فلما أنزل الله الآية: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (المائدة: 67) لم يتخذ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرّاسًا، لأنَّ أحدًا لا يستطيع أن يصيبه بضررٍ بعد أن قال الله عز وجل له: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ (المائدة: 67).

إسلام نفر من المبشرين بالجنة على يد أبي بكر

سعد بن أبي وقاص لما أسلم كان عنده سبع عشرة سنةً، مع أنَّه خاله - إذًا هو خاله من حيث النسب - ومن المعروف أن الإنسان قد يكون أكبر من خاله، تستطيع أن تقول من الصحابة الذين كان سنهم متقدمًا بعض الشيء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد كان عنده في وقت إسلامه سبعٌ وثلاثون سنةً، فبينه وبين الرسول «صلى الله عليه وسلم» ما يقارب ثلاث سنواتٍ، كان بينه وبين الرسول يقارب ثلاث سنواتٍ، وأما غيره من الصحابة، كمصعبٍ رضي الله تعالى عنه، فكان دون العشرين من عمره، وكذلك طلحة بن عبيد الله كان أيضًا في سنٍّ صغيرةٍ، إلى غير ذلك، كل هؤلاء الشباب اجتمعوا على اتباع النبي «صلى الله عليه وسلم»، لأنَّ دعوته حقٌّ، يدعو إلى توحيد ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، لا يريد منهم أجرًا، لا يريد منهم مالًا، ﴿أَنَّمَا﴾ يريد منهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له.

ومع ذلك وُجد بعض العقلاء من كبار السن، أو ممن كان سنُّه كبيرًا، دخل أيضًا في دين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وكان النبي «صلى الله عليه وسلم» يجتمع بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه أيضًا أسلم وهو صغير، يعني: حينما كانوا يجتمعون في داره، الأرقم هذا كان عنده اثنتا عشرة سنةً، يعني: أيضًا كان سنُّه صغيرًا، ثم بعد ذلك قدّر الله سبحانه وتعالى لرسولنا محمد «صلى الله عليه وسلم» أن تنتشر دعوته، فبدأ في الدعوة الجهرية، بدأ يعلن بها ويظهر أنه رسول الله وأنه يدعو إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وأن الله قد أوحى إليه.

كثيرٌ من المحدِّثين وأهل السيرة يذكرون أن الدعوة السرية استمرت لمدة ثلاث سنواتٍ، لكن هذا الرقم لا نحفظه برواية ثابتة صحيحة، فمع أنَّه مشهورٌ في كتب السير لكن لم يأتِ بإسنادٍ صحيح، فقد جاء من طريق الواقدي وهو متروكٌ متهمٌ بالكذب، وجاء عند غيره بدون إسنادٍ، وبناءً عليه فلا نستطيع الجزم بالمدة التي أسرّ بها النبي «صلى الله عليه وسلم» في الدعوة، على أن القول بأنها ثلاث سنواتٍ مدةٌ طويلةٌ، يعني: النبي «صلى الله عليه وسلم» ثلاث سنواتٍ دون أن يجهر بأنه رسول ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، هذا بعيدٌ، والعلم عند الله، لا سيما وأن الإسناد لا يسعفه، أو الروايات لا تدل عليه، والعلم عند الله.

بداية الدعوة الجهرية بإنذار العشيرة الأقربين

لكن النبي «صلى الله عليه وسلم» بدأ يعلن الدعوة لأنَّ الله عز وجل أمره فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾3 (الشعراء: 214)، فبدأ النبي «صلى الله عليه وسلم» ينذر عشيرته الأقربين، ولذلك جاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما المتفق عليه أن النبي «صلى الله عليه وسلم» لما أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، جاء في رواية ابن عباس ورهطك منهم المخلصين، صعد النبي «صلى الله عليه وسلم» الصفا فهتف ونادى «صلى الله عليه وسلم» فقال: يا بني عديٍّ، يا بني فهرٍ، يا بني عديٍّ، يا بني فهرٍ، ينادي على بطون قريشٍ حتى اجتمعوا له، الرسول ينادي على بطون قريشٍ صلوات الله وتسليماته عليه فيقول: يا بني عديٍّ - ومن بني عديٍّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو من بني عديٍّ - فيقول: يا بني فهرٍ، يا بني عديٍّ، ينادي على بطون قريشٍ حتى اجتمعوا له وقد صعد على جبل الصفا، من هذا المتكلم؟ إنه محمدٌ «صلى الله عليه وسلم».

تأمَّل! هذا المشهد العجيب: ليس هناك ميكروفونٌ، وليس هناك ما يوصل الأخبار، ﴿أَنَّمَا﴾ هو صوت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يرفعه في هذه البقعة، في قريشٍ التي مال أكثرها وأغلبها إلى عبادة الأصنام، في هذا الوسط وأمام هذا الزخم يصعد الرسول «صلى الله عليه وسلم» جبل الصفا وينادي في الناس، فيجتمع الناس له من هنا وهناك.

أول خطاب جهري للنبي ﷺ إلى قومه

فقال لهم الرسول «صلى الله عليه وسلم» يسألهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن عيرًا أو أن خيلًا في سفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدِّقيَّ ما تقولون يا قريش؟ ما تقولون؟ لو أنني أخبرتكم أنَّ هناك خيلًا، أنَّ هناك عدوًا قادمًا سيأتيكم ليستأصلكم وليقضي عليكم، أكنتم مصدِّقيَّ يعني: معروفٌ أن العدو حينما يأتي يكون هناك إرهاصاتٌ، لكن الرسول سيخبرهم فجأةً ويقول: خلف هذا الجبل عدوٌّ، هل ستصدِّقونني؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، نحن لم نجرب عليك كذبًا، وقد كان يُلقّب «صلى الله عليه وسلم» بينهم بالصادق الأمين صلوات الله وتسليماته عليه، وهناك إرهاصاتٌ للنبوة، ولذلك هناك مقدماتٌ لأمر النبوة، منها تسليم الحجر عليه، يعني: النبي «صلى الله عليه وسلم» كان هناك حجرٌ بمكة يسلم عليه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصير الرسول رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وكانوا يعرفونه بأنه الصادق الأمين، وله مواقف نبيلةٌ معروفةٌ قبل بعثته صلوات الله وتسليماته عليه.

فقال لهم: فإني ﴿نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، ها أنا ذا أعلنها: إنني نذيرٌ لكم، داعٍ إلى الله، أبلغ عن الله دين الله، وأنا مرسلٌ من الله إليكم، فهل ستصدِّقونني؟ فإني ﴿نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. وفي بعض الروايات أيضًا في الصحيحين أن النبي «صلى الله عليه وسلم» بدأ ينادي على الأشخاص فيقول: «يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، يا عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمدٍ، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا، يعني: أنا لن أغني عن أحدٍ شيئًا، كل مسؤولٌ عن نفسه، ﴿كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، ﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، فإني ﴿نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.

فقال أبو لهبٍ عمه، وكان أحد الذين جاؤوا على صوت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فقال له: تبًا لك، لهذا جمعتنا! تبًا لك سائر اليوم، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍۭ﴾4 (المسد: 1-5).

من الابتلاء إلى التمكين

هذا الموقف العجيب يدلك على مدى ابتلاء الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن أشدّ الناس ابتلاءً، كما قال الرسول: أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه، النبي «صلى الله عليه وسلم» من بداية مواقفه ومن بداية دعوته إذا به يجد ابتلاءاتٍ ويجد تكذيبًا ممن أقرب الناس إليه، من عمه أبي لهبٍ، يقول له: تبًا لك، ألهذا جمعتنا! ومن المعروف أن الإنسان إذا عودي من أقاربه كانت العداوة شديدةً على نفسه، إذا ظُلم من أقاربه كان الظلم شديدًا على نفسه، فكيف إذا كان من عمه وهو الذي يقول له هذا القول وبين الرسول عليه الصلاة والسلام وعمه أبي لهبٍ نسبٌ، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى بعد ذلك فيما كان بين الرسول «صلى الله عليه وسلم» وأبي لهبٍ من نسبٍ، لكن أبا لهبٍ قطع هذا النسب، وقطع هذه المصاهرة والزواج الذي كان بينهم، الشاهد من ذلك أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» لقي ما لقي، لكن الله صبّره وثبّته، ثم نشر الله سبحانه وتعالى دعوته.

وكثيرًا ما أذكر في هذا المقام، حينما أذكر صعود الرسول «صلى الله عليه وسلم» على جبل الصفا وليس معه مؤازرٌ أو معاونٌ، بل يقولها وحده منفردًا بها جاهرًا بها، لا يخاف في الله لومة لائمٍ، تتذكر هذا الموقف، ثم تتذكر موقف الرسول «صلى الله عليه وسلم» بعد أن هاجر من مكة إلى المدينة، ثم رجع في العام العاشر من هجرته صلى الله عليه وآله وسلم، قبل وفاة النبي «صلى الله عليه وسلم» بأشهرٍ، وذلك في «عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ»، حينما حج الرسول عليه الصلاة والسلام، كما يصف جابر بن عبد الله رضي الله عنه، ويصف الناس، وأن الناس أمام النبي «صلى الله عليه وسلم» مدّ البصر، وأن الناس خلف رسول الله «صلى الله عليه وسلم» مدّ البصر، وعن يمينه مدّ البصر، وعن يساره مدّ البصر، لا يُحصيهم أحدٌ، يعني: الذي ينظر إلى الرسول وهو في موقف الحج فينظر إلى الأمام الرسول، الرسول «صلى الله عليه وسلم» وهو في الحج كان في وسط الناس، يعني: ليس لأنه رسول الله يتقدم والناس كلهم خلفه، لا، كان في الحج في وسط الناس، فالذي ينظر إلى مقام الرسول الشريف عليه الصلاة والسلام وإلى شخصه العظيم ثم يلتفت إلى الأفواج التي أمامه ينظر إلى مدّ بصره - ما معنى مدّ بصره؟ يعني: ينظر إلى أقصى ما يمكن أن ينظر إليه - يجده خلقًا، يعني: أنت الآن أقول لك: انظر إلى أبعد مكانٍ، فإذا بك تنظر ببصرك إلى أبعد مكانٍ خلقٍ لا يُحصون كثرةً، ثم تلتفت إلى اليمين مدّ البصر لا يُحصون كثرةً، تنظر إلى الجهة الأخرى لا يُحصون كثرةً، إلى خلفه لا يُحصون كثرةً، وهذا من حجّ مع رسول الله، ومن المعلوم أنه لم يحج مع الرسول كل الصحابة، لم يحج مع الرسول «صلى الله عليه وسلم» كل الصحابة، وإنَّما حجّ مع الرسول وقتئذٍ من تيسر له الحج، وقد أحصاهم بعض العلماء فقالوا: زادوا عن مئة ألفٍ، زادوا عن مئة ألفٍ، ولا يخفى عليكم أن الأعداد تتفاوت من زمنٍ إلى زمنٍ، فقد كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ هذا العدد يمثل رقمًا كبيرًا ورقمًا هائلًا، كل هؤلاء على دين الإسلام، كلهم ينظرون كيف يحج رسول الله «صلى الله عليه وسلم» ليحجوا، كيف سيطوف الرسول بالبيت ليطوفوا، كيف سيقف الرسول بعرفة ليقفوا، كيف سيبيت بمنى ليبيتوا، وهكذا، كل هؤلاء ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ دخلوا في الإسلام؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ دخلوا في دين الله عز وجل؟

سبحان الله، والجبل هو الجبل، يا رسول الله وقف على الصفا أيضًا والصحابة أمامه والصحابة خلفه والصحابة عن يمينه والصحابة عن يساره، كل هؤلاء دخلوا في دين الله، وأين أبو لهبٍ؟ أين ذهب أبو لهبٍ؟ وأين ذهب أبو جهلٍ؟ أين ذهب هؤلاء؟ أين تاريخهم؟ سبحان الله، وصدق الله إذ قال: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾5 (الإسراء: 81).

فضل الثبات في الشدائد ومعجزة سورة المسد

لذلك علّمنا ربنا سبحانه وتعالى أن الكفاح وقت الشدائد له قدره وله قيمته: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾6 (الحديد: 10)، الشاهد من ذلك: هؤلاء الذين أنفقوا قبل الفتح لا يستوون مع من أنفق بعد الفتح وقاتل، لماذا؟ لأنَّ هؤلاء أنفقوا وقت الشدة، وقت الكرب، وقت أن كانوا يُبتلون في أنفسهم وفي أموالهم، وقت أن كانوا يُعرضون لكل المحن ولكل الشدائد، لكنهم ثبتوا وثبّتهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: إني ﴿نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، وهم الذين اعترفوا له ابتداءً وقالوا: ما جربنا عليك كذبًا، ولذلك قال العلماء إن الأنبياء يُشترط فيهم شروطٌ، فمن هذه الشروط التي تُشترط في الأنبياء الصدق، لا بد أن يكون النبي صادقًا وأن يكون النبي أمينًا فيتصرف بالصدق والأمانة، وكذلك الداعي إلى الله كلما كان معروفًا بالخلق القويم كان لدعوته صدًى وكان لدعوته أثرٌ بين الناس، كان لدعوته صدًى وكان لدعوته أثرٌ بين الناس، يعني: الشخص الذي يكون معروفًا بالتفريط في جنب الله وتاريخه ليس بالطيب، إذا جاء ليدعو الناس ربما صدّ الناس عن دعوته، قالوا له: أنت نسيت نفسك، أنت فلانٌ، أنت من إمتى بتاع مساجد؟ أنت من إمتى؟ لا تعرف ماذا كنت تصنع

كنت تسرق الناس وكنت تفعل مع الناس وكنت تؤذي الناس، لكن الله أعدّ رسوله «صلى الله عليه وسلم» إعدادًا، أعدّ الرسول إعدادًا، فالرسول «صلى الله عليه وسلم» كان معدًا لهذا اليوم حينما يواجه قريشًا بأكملها فيقولون له: ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك كذبًا، فيقول لهم «صلى الله عليه وسلم»: فإني ﴿نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.

وأما أبو لهبٍ، فحينما قال: تبًا لك، ألهذا جمعتنا! فحكم الله عليه وقضى، فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾7 (المسد: 1-2)، وهذه السورة، سورة المسد، يقول العلماء عنها إنها معجزةٌ، السورة نفسها معجزةٌ وحدها، لأنَّ معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ التباب معناه: الهلاك والخسران، أي: خسرت يدا أبي لهبٍ، خسرت يداه، والمراد: خسرت يداه وخسر جميع جهده، وهو من الهالكين، ولذلك قال: وتبّ، فهذا فيه تأكيدٌ لهذا التبّ وهذا الهلاك، قال الله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾8 (المسد: 1-3)، حكم الله على أبي لهبٍ أنه سيصلى النار، وهذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن، وكان بإمكان أبي لهبٍ أن يخرج على الناس ويقول لهم: يا ناس، أنا مؤمنٌ بابن أخي، وأنا مسلمٌ لله رب العالمين، وأنا «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، يا محمد، ماذا ستصنع؟ ستحذف السورة؟ ولا يعمل فيها أي شيءٍ يعني: هو قال: ربنا قال: ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، طيب لو أنَّ أبا لهبٍ أسلم وقتئذٍ وقال: لا، أنا خلاص أسلمت لله وأنا دخلت في دين محمدٍ، ماذا سيصنع؟ في السورة؟ كيف سيواجهه الرسول؟ بقوله: سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ما وفّق أبو لهبٍ للإسلام ولا اختار يومًا الإسلام ولا رغب في الإسلام، لأنَّ الذي حكم بذلك هو الله، والله ما ظلمه، لكن الله يعلم خبث نفسه وسوء طويته، وأنه لا يصلح للإسلام، لا يستسيغه ولا الإسلام يستسيغه، لأنَّهما لا يتوافقان، فهذا القلب الغليظ يقول له: تبًا لك، تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا! فيحكم الله عليه: سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ.

عداوة أم جميل للنبي ﷺ وحفظ الله له

وليس هذا فقط، بل يقول: ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ9 فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍۭ﴾ (المسد: 4)، وامرأته أم جميل، أم جميل بنت حربٍ، أخت أبي سفيان، هي زوج أبي لهبٍ، قال الله: ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ (المسد: 4)، كان بإمكانها أيضًا أن تعلن الإسلام، الأمر على عكس هذا، إنها صنعت ماذا؟ عادت الرسول وكانت تؤذي الرسول «صلى الله عليه وسلم»، بل وصل بها الحال لما بلغتها الآيات، ماذا تصنع؟ جاءت وفي يدها فِهْرٌ - يعني: جاءت وفي يدها حجرٌ - أمسكت بحجرٍ تريد أن تفعل ماذا؟ أن تضرب به الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وهذا سنده صحيح، جاءت أم جميلٍ وفي يدها حجارةٌ تريد أن ترمي بها رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، فلما جاءت وجدت أبا بكر الصديق رضي الله عنه، والحقيقة أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان موجودًا وإلى جواره أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لكنَّها لا ترى الرسول، لكنَّها لا ترى الرسول، وإذا قرأت القرآن: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾10 (الإسراء: 45)، فالرسول قرأ القرآن فلما قرأ القرآن صار بينه وبينها حجابًا مستورًا لا تراه، الرسول جالسٌ وأبو بكر إلى جواره وهي لا ترى الرسول «صلى الله عليه وسلم».

فقالت له، تسأل عن النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم: أين هذا المذمم؟ أين هذا المذمم؟ يقصدون بالمذمم محمدًا، ولذلك النبي «صلى الله عليه وسلم» قال: ﴿إِلَّا﴾ تعجبون؟ ﴿إِلَّا﴾ تعجبون كيف يصرف الله عني أذى قريشٍ إنهم يسبّون مذممًا وأنا محمدٌ، يعني: الله عز وجل جعلهم حينما يسبّون الرسول لا يقولون محمدٌ ﴿أَنَّمَا﴾ يقولون مذممٌ، لأنَّ محمدًا اسم مفعولٍ من حمد يُحمد فهو محمدٌ، فهم يقصدون بضد الحمد - ما ضد الحمد؟ الذم - فهم لا يريدون أن يقولوا كلمة محمدٍ، لا تعجبهم كيف يقولون محمدٌ، فيقولون مذممٌ، إذًا من الذي يُشتم مذممٌ، والرسول ليس مذممًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

لذلك تقول: مذممًا عصيناه ودينه قليناه، يعني: هي تقول ذلك والرسول «صلى الله عليه وسلم» جالسٌ، وقالت له: كيف يشتمني محمدٌ؟ تغضب على أبي بكر الصديق، فقال لها: والله ما شتمك، وأبو بكرٍ صادقٌ، لأنَّ الرسول ما شتمها، ﴿أَنَّمَا﴾ ربّ العزة أنزل قرآنًا والرسول يردد هذا القرآن، فأين شتمه لها؟ صلوات الله وتسليماته عليه فانصرفت عنه امرأة أبي لهبٍ، وأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات.

ثقل رسالة القرآن وأمانة تبليغ العلم

هذا في بداية الدعوة، والرسول «صلى الله عليه وسلم» صابرٌ على دعوته يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ما ضرّه أن قريشًا قالوا ما قالوا، وأن أبا لهبٍ قال ما قال، وأن امرأة أبي لهبٍ قالت ما قالت، بل استمر في دعوته صلوات الله وتسليماته عليه وهو يقول: فإني نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ صلوات الله وتسليماته عليه، لذلك كان الأمر شديدًا على الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك ربّ العزة قال له: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾11 (المزمل: 5)، تأمَّل! ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 5)، القرآن قولٌ ثقيلٌ، ما هو قولٌ خفيفٌ، القرآن قولٌ ثقيلٌ قولٌ عظيمٌ ثقيلٌ، قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 5)، فتحمّله الرسول «صلى الله عليه وسلم» لأنَّ الله عز وجل أعانه عليه، ولذلك ربنا قال في شأن القرآن: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾12 (الطارق: 13-14).

ولذلك يخطئ بعض الناس حينما يتكلم عن القرآن الكريم بطريقةٍ غير لائقةٍ، أو يتكلم عن الأحكام الشرعية بطريقةٍ غير لائقةٍ، وهو لا يعلم أن دين الله ثقيلٌ، وأن أهل العلم حينما يتحملون هذا العلم فهم يتحملون هذا القول الثقيل، فهذا القول الثقيل يحفظونه ويتعلمونه ويعلّمونه ويحاولون أن يفهموه وأن يعوه وأن يبلّغوه، فهذا أمرٌ ليس باليسير ولا بالسهل، لذلك كما قلت: في بعض المناسبات، حينما يأتي بعض الناس لأحد العلماء أو لأحد طلاب العلم فيقول له: عندي استشارةٌ بسيطةٌ، أو عندي سؤالٌ خفيفٌ، أيّ سؤالٍ خفيفٍ؟ هذا دينٌ متينٌ عظيمٌ، من الذي سيُسأل عنه؟ سيُسأل عنه هذا المفتي الذي سألته، فإنَّ أجابك بحقٍّ وإلا سُئل عن فتواه، فهل تتحمل عنه هذه الفتوى ولا تقل لما تصف ألسنتكم الكذب: ﴿هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾،

القضية خطيرةٌ جدًّا ليست بالسهلة ولا باليسيرة، لذلك كان الإمام مالكٌ رحمة الله يراعي ذلك، وغيره من أهل العلم، فربما سُئل في مسائل كثيرةٍ فلم يُجب، وقال: لا أدري، لا أدري، لا أدري،

فقال له السائل: أتيناك من العراق، نحن جئنا لك من العراق وأنت في المدينة، سافرنا إليك سفرًا طويلًا، نريد أن نستفتيك والناس ينتظرون الجواب، قال له: ارجع إليهم وقل لهم: سألت مالكًا فقال: لا أدري، ما المشكلة في هذا؟ ما الذي يضيرني في هذا؟ هكذا كانوا يعرفون قدر العلم وحفظ العلم.

البدء بدعوة الأقربين وعالمية رسالة الإسلام

الشاهد أن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه كان هذا هو أول موقفٍ يواجه فيه الرسول «صلى الله عليه وسلم» قريشًا، يواجه فيه بطون قريشٍ، وقد امتثل أمر الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، ويُستفاد من ذلك أنَّ الإنسان إذا دعا فأحقّ من يدعوهم إلى دعوته أقاربه، فأحقّ الناس بالدعوة أقارب الإنسان، ولذلك علّمنا الرسول «صلى الله عليه وسلم»: كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، وقال الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾13 (التحريم: 6)، فالإنسان يبدأ بأهله ثم بعد ذلك ينتقل بدعوته ليبلّغ دين الله سبحانه على قدر استطاعته وبحسب ما يفتح الله عز وجل له، فبدأ الرسول «صلى الله عليه وسلم» بالأقربين، ومع ذلك قد عودي من الأقربين، أو من كثيرٍ من الأقربين، صلوات الله وتسليماته عليه، وما ضرّه ذلك، وبعد ذلك دخل في دين الإسلام من ليس قريبًا لرسول الله، بل دخل في الإسلام بلالٌ الحبشي وصهيبٌ الرومي وأبو ذرٍّ الغفاري، وما ضرّ ذلك بشيءٍ، لأنَّ الإسلام يقبل من دخله بفضل الله سبحانه وتعالى وارتضاه دينًا، ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾14 (آل عمران: 19).

الأهل أولى بالدعوة إلى الله

لكن هذا يستفيد منه بعض الدعاة، لأنَّ بعض الناس ربما يترك زوجته ويترك أولاده دون أن يبدأ بدعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى، فرقٌ بين أمرين: بين أن تؤدي ما عليك وبين أن تكون النتائج في يديك، أما النتائج فليست في يديك، وإنَّما الذي عليك أن تبلّغ دعوة الله سبحانه وتعالى، فإبراهيم الخليل عليه السلام ما قصّر في دعوة أبيه فلم يضره شيءٌ أن أباه لم يؤمن بالله رب العالمين، هذا لا يضره لأنه بلّغ وبلّغ وقال: يا أبتِ، يا أبتِ، يا أبتِ، وهكذا لا يضره، وكذلك نوحٌ عليه الصلاة والسلام بلّغ امرأته وبلّغ ابنه لكنهما تركا دين الله عز وجل ولم يختارا دين الله، فهذا لا حرج عليه فيه، لأنه أدّى ما عليه، ﴿أَنَّمَا﴾ الإشكالية في أن يقصّر الإنسان ابتداءً فتراه يدعو هنا وهنالك دون أن يبدأ بأهله، وهذا الذي عليه أن يبدأ الإنسان بأهله ثم باقي الناس.

ومن أجل هذا قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾15 (آل عمران: 164)، قوله سبحانه: رسولًا من أنفسهم، ليس معناه: أن دعوة الرسول «صلى الله عليه وسلم» خاصةٌ بقريشٍ أو خاصةٌ بأهل مكة، ليس هذا معنى الآية، ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى: يا قريش، يا عرب، قد امتنّ الله عليكم فجعل الرسول منكم، قد امتنّ الله عليكم وجعل الرسول منكم، لكن ليس معناه: أن دعوة الرسول خاصةٌ بهم، بل إن دعوة الرسول عامةٌ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾16 (سبإ: 28)، وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾17 (الأنبياء: 107)، وقال: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾18 (الفرقان: 1)، وقال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾19 (الأعراف: 158)، فالرسول «صلى الله عليه وسلم» رسولٌ للناس جميعًا، لكن الله امتنّ على قريشٍ، امتنّ على مكة بأن جعل الرسول منها صلوات الله وتسليماته عليه.

يا أيها الإخوة الكرام، للحديث بقيةٌ إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 67 ↩
  2. آية: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 67 ↩
  3. آية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 214 ↩
  4. آية: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ۝ وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ ۝ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍۭ﴾ — كما ورد في الدرس: المسد 1-5 ↩
  5. آية: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 81 ↩
  6. آية: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَـٰتَلُوا۟ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحديد 10 ↩
  7. آية: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾ — كما ورد في الدرس: المسد 1-2 ↩
  8. آية: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المسد 1-3 ↩
  9. آية: ﴿وَٱمْرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ — كما ورد في الدرس: المسد 4 ↩
  10. آية: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 45 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 5 ↩
  12. آية: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ۝ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 13-14 ↩
  13. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التحريم 6 ↩
  14. آية: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 19 ↩
  15. آية: ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 164 ↩
  16. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: سبإ 28 ↩
  17. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
  18. آية: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 1 ↩
  19. آية: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 158 ↩

من سلسلة: في رحاب السيرة النبوية (10 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة