فوائد وعبر من قصة داود عليه السلام (الجزء العاشر)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
هبة الله لداود عليه السلام بسليمان ونعمة الذرية الصالحة
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (يوسف: 111)
.ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلسٍ جديدٍ من مجالس هذه السلسلة «في قصصهم عبرة»، وما زلنا بفضل الله وعونه وتوفيقه مع قصة هذين النبيين المباركين داود وسليمان عليهما السلام. بعد أن قصّ الله عز وجل علينا قصة داود عليه السلام، التي ابتدأها بقوله عز وجل: ﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾2 (ص: 21)، بعد أن أثنى على داود عليه السلام ثناءً عاطرًا، ذكر الله لنا قصةً تتعلق بسليمان عليه السلام، بل إن شئت فقل: ذكر الله قصتين.
قال الله سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾3 (ص: 30-40).
قال الله سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ﴾4 (ص: 30)، فالله جل وعلا رزق داود بسليمان رزقًا عظيمًا ووهبه هبةً جليلةً، فمن أعظم الهبات التي يهبها الله للإنسان أن يرزقه ولدًا صالحًا، وأما داود فقد رُزق بهذا النبي المبارك سليمان عليه السلام. ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ﴾ (ص: 30)، لذلك زكريا عليه السلام دعا ربه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآ5ءِ﴾ (آل عمران: 38)، ودعا الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾6 (الصافات: 100)، فرب العزة إذا وهبك ذريةً طيبةً صالحةً فاحمد الله جل وعلا واشكره على هذه النعمة، نسأل الله أن يصلح ذرياتنا.
ثناء الله على سليمان عليه السلام بصفة العبودية. ولذلك تقدم معنا أن هذا من صفات عباد الرحمن، والذين يقولون: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ7 لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74). فهنا ربنا قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾8 (ص: 30)، هذا في مقام الثناء، فكلمة «نعم» تُستعمل في المدح والثناء، ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾، وانظر لما أراد الله أن يصفه بِمَ وصفه بأنه عبدٌ، لأنَّ أعظم المراتب أن يجعلك الله عبدًا له، على أن مراتب العبودية تتفاوت، فهو عبدٌ نبيٌّ مباركٌ عليه الصلاة والسلام. ﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾9 (ص: 30)، ﴿إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾، يعني: رجّاعٌ لربه سبحانه وتعالى، أو كثير الرجوع بالطاعة إلى الله، أو كثير التسبيح لله عز وجل.
﴿نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص: 30)، وقد مضى معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أيضًا: ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾10 (ص: 17)، فهذا مما يُثنى به على العبد، ولذلك ربنا قال: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾11 (ق: 31-32)، صفةٌ جليلةٌ جدًّا أن تكون أوابًا، أن تكون رجّاعًا إلى الحق، أن تكون رجّاعًا إلى الطاعة، تنتقل من طاعةٍ إلى طاعةٍ، وإذا وقعتَ في معصيةٍ بادرت بالتوبة والأوبة والاستغفار للعزيز الغفار، وأكثرت من تسبيح ملك الملوك جل وعلا.
قال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾12 (ص: 30-31)، من العلماء من يرى أنَّ قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾13 (ص: 31) يتعلق بقوله ﴿إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾، يعني: أنه رجّاعٌ، فذكر الله لنا قصةً تتعلق بأوبته وبرجوعه، يعني: سليمان وقع منه موقفٌ ثم رجع عنه إلى ما هو أفضل منه، فهذا معنى أنه أوابٌ إذ عُرض، يعني: حين ﴿عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾.
أو أن نقول إن قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾14 (ص: 31) يعني: اذكروا، اذكر يا رسول الله، إذ عُرض عليه، أي: على سليمان عليه السلام، ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾، بالعشيّ أي: في آخر النهار، عُرض عليه، يعني: عرضوا عليه الصافنات الجياد.
الصافنات الجياد واهتمام سليمان عليه السلام بالجهاد في سبيل الله
ما المراد بالصافنات الجياد يقول كثيرٌ من أهل التفسير: المراد بالصافنات هي تلك الخيول التي تقف على ثلاثٍ من القوائم وترفع الرابعة، أو تقف على رأس حافرها، وهذا أجود ما يكون في الخيل، لأنه يدل على شدتها وعلى سرعتها وعلى قوتها، فهو جميلٌ فيها إذا وقفت وجميلٌ فيها إذا تحركت، فيقال للفرس: صافنٌ، وقف على ثلاثٍ من قوائمه، والرابعة وقف على شيءٍ من حافره، يعني: على طرف الحافر دون أن يقف وقوفًا كاملًا. وقال بعضهم: بل الصافنات يعني: الخيول القائمة، ولم يحددوا ثلاثةً أو أربعةً في حين وقوفها.
وأما قوله «الجياد» فقيل: الجياد أي: التي تسرع في العدو إسراعًا شديدًا، أو الجياد الحسان الجميلة العظيمة، إذًا هذه الخيول موصوفةٌ بمنظرٍ جميلٍ وبسرعةٍ واضحةٍ جليةٍ، حيثما بعثها سليمان عليه السلام انطلقت. والنبي «صلى الله عليه وسلم» قال: «الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، فالخير يدل على البركة، فسليمان كان يجاهد في سبيل الله، وكان معروفًا بالجهاد في سبيل الله، وقد رأينا في الدرس الماضي وفي الدرس الذي قبله كيف أن سليمان عليه السلام حرص على أن يدعو إلى الله جل وعلا ملكة سبأ.
ولربما احتاج سليمان عليه السلام إلى الجهاد في سبيل الله، فكان يجاهد في سبيل الله، ومن دلائل ذلك أنه قال: «لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأةً»، وفي لفظٍ: «تسعين امرأةً»، كلٌ منهن تلد غلامًا يجاهد في سبيل الله، تأمَّل! إلى فقه سليمان عليه السلام وإلى نيته، يعني: نيته في أن يُرزق بأولادٍ كثيرين من أجل ماذا من أجل الجهاد في سبيل الله.
انشغال سليمان عليه السلام بالخيول وحرصه على تقديم طاعة الله
فلما عُرضت عليه الخيول وكان يحبها أقبل عليها، فقال: ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾15 (ص: 32-33). وهنا اختلف المفسرون في تفسير هاتين الآيتين، فقال: ﴿إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾16، ما المراد بقوله ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى﴾ وما معنى ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾17 وهذا الضمير في قوله «توارت»، ما التي توارت ما هذا الذي ذكره الله في قوله ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾
كلامٌ طويلٌ لأهل التفسير مما قيل في ذلك.
وهو قولٌ مشهورٌ في هذا الأمر: أن سليمان عليه السلام لما عُرضت عليه الخيول أقبل عليها، وكان هذا الوقت وقت صلاةٍ، فلم يزل ينظر إلى الخيول ويتفحصها ويتأمَّل! في نعمة الله جل وعلا عليه إذ رزقه بهذه الخيول للجهاد، حتى ذهب الوقت أو حتى غربت الشمس، فذهب عنه الوقت الذي كان يصلي فيه أو يذكر ربه عز وجل فيه. فيكون المعنى: فقال: ﴿إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ (ص: 32)، يعني: آثرت ﴿حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى﴾، على هذا القول. وبعضهم يقول: أصلها «أحببت الخير حبًا»، ثم صارت «فأحببت حب الخير»، ﴿وَقِيلَ﴾: «أحببت» هنا بمعنى آثرت، فيكون سليمان عليه السلام لشدة عنايته بالخيول ولعظيم منظرها اهتم بها حتى ذهب عنه وقته، سواءٌ كان ذلك من صلاةٍ أم كان ذلك من ذكرٍ، والله أعلم.
فحينئذٍ قال: ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ (ص: 32)، يعني: ذهب الوقت والعشي وغربت الشمس، فقال: بعد ذلك: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾18 (ص: 33). ما معنى «ردوها علي» قالوا: أمرهم أن يردوا الخيول مرةً أخرى، قال: هاتوها، هذه الخيول تشغلني عن ذكر ربي، هذه الخيول تشغلني عن طاعة ربي، ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33)، يعني: فطفق يقطعها، يقطع سوقها ويقطع أعناقها.
معنى مسح سليمان عليه السلام للسوق والأعناق
ما معنى «مسحًا» على هذا القول يعني: قطعًا، يعني: قطع سوقها (سيقانها) وقطع أعناقها، لأنَّها كانت سببًا في أن يشتغل بها عن ذكر الله جل وعلا. وقالوا: إن سليمان عليه السلام ﴿أَنَّمَا﴾ فعل ذلك ليُري ربه جل وعلا منه أنه لا يشغله عن ذكر ربه شيءٌ، فإذا كان الخيلُ محبوبةً لسليمان، لكن الأحب لسليمان ماذا ذكر الله والصلاة، فلا يشغله خيلٌ ولا غيره عن طاعة الله جل وعلا. هذا القول قال به كثيرٌ من أهل التفسير.
واعترض عليه آخرون، وقالوا: وما ذنب الخيل حتى يصنع سليمان بها ذلك أي: ذنبٍ للخيل حتى يأتي فيقطع سوقها يعني: حتى لو كان في ذبحٍ ما يكون بهذا، لكن قطع السوق والأعناق، ثم هل يُعاقَب الخيل يعني: هو عليه السلام - كما ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ القول الأول - اشتغل بهذه الخيول عن ذكر الله سبحانه، فحينئذٍ يراجع نفسه ويكثر من ذكر الله ويستغفر الله، لكن لماذا يقطع سوق الخيل في ذلك
معنى مسح سليمان على الخيل واختلاف المفسرين فيه
فقالوا: هذا مردودٌ، بل إن معنى قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًۢا﴾، يعني: أنه مسح على سوقها وعلى أعناقها دلالةً على حبه وحرصه عليها. إذًا ما معنى «فطفق مسحًا» يعني: بدأ يضع يده على السوق والعراقيب والأعناق تودّدًا وتحببًا وتفحصًا لها، لأنه كان يُدرك الجيّد من الخيل من غيره ويميّزه ويدركه. قالوا: وهذا أقرب. وبناءً عليه قالوا: إن معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾19 (ص: 32) لا يمنع أن يقال: ليس في الآيات ما يدل على ذنبٍ لسليمان أصلًا، ﴿أَنَّمَا﴾ معنى ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى﴾20 (ص: 32) يعني: أنا أحببت حب الخير من جهة ذكر ربي، بمعنى أنني أحببت الخيل لا من أجل الدنيا، ولكن من أجل أن الخيول يُنصر بها العباد في سبيل الله ويجاهد عليها العباد في سبيل الله، فقوله: «عن ذكر ربي» يعني: هذا فعلته من أجل ذكر ربي، أي: إنها تعين على ذكر الله والنصر لدين الله سبحانه وتعالى، وبناءً عليه لا إشكال في هذا.
أو أن يقال على القول الأول: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى﴾ (ص: 32)، إنه عليه السلام وإن وقع منه اشتغالٌ فهو معذورٌ، لأنه لما نظر إلى الخيل ووجد ما فيها من الخير والبركة نظر إليها وتأمَّل!، ففاته ما فاته ثم تدارك ما فاته، فحينئذٍ قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ﴾، يعني: خلاص هاتوها مرةً ثانيةً أتأمَّل! فيها مرةً أخرى، يعني: خلاص كأنه انتبه إلى وقت الذكر فذكر الله أو أدى ما عليه، ثم بعد ذلك عاد مرةً أخرى ليتفحصها وليتأمَّل! فيها، فيكون المعنى: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33) لأنه لا ذنب لتلك الخيول.
وعلى كل حالٍ، سليمان عليه السلام كان له شأنٌ مع هذه الخيول الجياد، نظر إليها وتفحص فيها، وكان حريصًا على الخير عليه الصلاة والسلام، وسواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه اشتغل بها عن شيءٍ من العبادات فإنَّه يُعذر في ذلك لأنَّ مقصوده الخير حاصلٌ، فلا يكون هذا إلا من باب فعل شيءٍ مع وجود ما هو أولى منه ثم تداركه سليمان عليه السلام، أو أن يكون من بدء الأمر ﴿أَنَّمَا﴾ فعل سليمان عليه الصلاة والسلام ذلك لحبه لذكر الله ولأن الخيل تُذكِّر بالله وبوعد الله وبنصر الله سبحانه وتعالى.
ابتلاء سليمان عليه السلام ومعنى الجسد الملقى على كرسيه
هناك قولٌ يقول: «ردوها علي» يعني: ردوا الشمس علي، الشمس راحت، هاتوها لي ثانيةً حتى أتمكن من وردي، وهذا فيه نظرٌ، على أن الشمس ليس لها ذكرٌ في الآيات أصلًا، اللهم إلا إذا استُفيد من ملمحٍ بعيدٍ من قوله «بالعشي» وأن هذا يتبعه. لكن لو نظرنا إلى الضمائر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾21 (ص: 31-32) فيكون عائدًا ذلك على ماذا على الصافنات الجياد أو الخير، وليس العشيّ الذي تُستفاد منه الشمس منه الشمس، على أنها غير مذكورةٍ في الآية الكريمة، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ثم قال الله بعدها: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾22 (ص: 34). ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ﴾23 (ص: 34)، ما معنى «فتنّا» عرفنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ معنى الفتنة الابتلاء، يعني: ابتليناه، وقد اختلفوا في هذا الجسد الذي أُلقي على كرسي سليمان، فقالوا: ابتلى الله سليمان بشيطانٍ جلس على كرسيه، فكان بلاءً شديدًا لسليمان عليه السلام، ثم إن الله نصر سليمان على الشيطان ودحر هذا الشيطان وانتصر عليه بفضل الله، فقالوا: هذا الجسد الملقى على الكرسي هو شيطانٌ جلس على كرسي سليمان، كأنه يقول: أنا قد سلبتك ملكك، لكن الله أيّد سليمان ونصره، هذا قولٌ.
والقول الثاني: أن سليمان عليه السلام، كما جاء في حديث النبي «صلى الله عليه وسلم» حين قال: «لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأةً، كلُ واحدةٍ منهن تلد غلامًا يقاتل أو يجاهد في سبيل الله»، ولم يقل: إن شاء الله، نسي أن يقول: إن شاء الله. فلم تلد منهن إلا امرأةٌ واحدةٌ ولدت نصف غلامٍ، يعني: لم تلد منهن الأخريات شيئًا. وتأمَّل! يطوف على تسعين امرأةً، هذا ما يقدر عليه إلا نبيٌ، وقد ثبت أن النبي «صلى الله عليه وسلم» ربما طاف على نسائه كلهن في ليلةٍ واحدةٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي بعض الروايات بغسلٍ واحدٍ، وهذا ما يقدر عليه إلا النبي.
فتنة سليمان عليه السلام واستغفاره لربه
فالشاهد أنَّ سليمان عليه السلام كان مقصوده وهدفه من ذلك أن يكون من نسله مجاهدون كثيرون في سبيل الله، لكنه نسي أن يقول: إن شاء الله، ولذلك في الرواية: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته»، يعني: كان سببًا في أن يحقق الله له طلبه. فلما نسي أن يقول: إن شاء الله، لم تلد إلا امرأةٌ واحدةٌ ولدت نصف غلامٍ، فحينئذٍ نصف الغلام جسدٌ، جثةٌ لا روح فيها ولا شيء، فأُلقي على كرسيه: يا سليمان خذ ولدك، فنظر فماذا عن ولده فوجده نصف غلامٍ، هو الجسد.
فقال: كثيرون: هذا هو الذي ذكره الله في سورة ص، على أنه ليس في الحديث أن هذا هو تفسير الآية الكريمة، لكن بعض العلماء ربط بين حديث الرسول عليه الصلاة والسلام وبين الآية الكريمة. وأما ما ورد من أن سليمان عليه السلام قد سلبه الشيطان ملكه وأخذ منه خاتمه وتسلط عليه، وقالوا: ذهب سليمان وخرج في البحار هنا وهنالك، وقصةٌ طويلةٌ، فهذا كله من الإسرائيليات التي لم يثبت بها سندٌ، والعلم عند الله تبارك وتعالى، يعني: دعوى أن سليمان سُرق منه الخاتم، واشتهرت عند الناس قضية خاتم سليمان عليه السلام، ونزعه ودخوله يغتسل وتركه، إلى غير ذلك، هذه من الإسرائيليات.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص: 34)، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه نسي «إن شاء الله» أناب إلى الله من مثل ذلك، أو لأمرٍ من الأمور الله أعلم به، ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى﴾24 (ص: 35)، وهذا يشهد لمن قال: إنه وقع في خلاف الأولى، أو أنه وقع منه شيءٌ ثم استغفر ربه، ولذلك جوّز كثيرٌ من العلماء أن يقع من الأنبياء بعض الصغائر، لكن لا تكون من المسترذلات ولا من المعاصي المرذولة، وأما الكبائر فإنَّ الله عز وجل قد حفظهم منها. ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل هي من باب خلاف الأولى، أو من باب أن «حسنات الأبرار سيئات المقربين»، ولهم في هذه العبارة كلامٌ طويلٌ وتفصيلٌ، ليس هذا موضعه، وقد فصّلت القول فيه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفسير السورة المباركة.
دعاء سليمان عليه السلام
الشاهد: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا﴾25 (ص: 35)، إذًا النبي يستغفر ربه، ولذلك النبي «صلى الله عليه وسلم» كان من دعائه: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وما أنت أعلم به مني»، وأيضًا: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري»، إلى غير ذلك مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام. وإبراهيم عليه السلام قال الله فيه: ﴿وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾26 (الشعراء: 82)، فهو يطمع أن يغفر له ربه سبحانه وتعالى خطيئته يوم الدين، وهو النبي المبارك عليه الصلاة والسلام.
قال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾27 (ص: 35)، سأل الله أن يرزقه ملكًا لا يكون لأحدٍ من بعده، ثم قال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾28 (ص: 35)، هنا فائدةٌ وهي الربط بين الدعاء والاسم المناسب له من أسماء الله الحسنى، يعني: تقول: يا رب هب لي، إنك أنت الوهاب؛ يا رب ارحمني، إنك أنت الرحمن الرحيم؛ يا رب علمني، إنك أنت العليم؛ يا رب الطف بي، إنك أنت اللطيف؛ يبقى هناك تناسبٌ بين الدعاء وبين اسم الله الذي تنادي أو تدعو به، ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾29 (البقرة: 128)، وهكذا.
معنى طلب سليمان عليه السلام ﴿مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ﴾ بعده
هنا قد يسأل سائلٌ ويقول: وكيف يطلب سليمان عليه السلام ﴿مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ﴾ بعده أوليس هذا يعني: أنه لا يريد لغيره خيرًا يصل إليه يعني: هل يدعو أحدنا فيقول: يا رب أعطني قصرًا مثلًا، أو أعطني مالًا لا يكون لأحدٍ غيري يعني: لو أنَّ شخصًا منا هل يدعو بمثل هذا يعني: هل يدعو الإنسان بأن يخصه الله بشيءٍ لا يُرزق به أحدٌ إلا هو قالوا: كيف نوجّه دعوة سليمان عليه السلام وهو نبيٌّ مباركٌ إذ يقول: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ30 ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ (ص: 35)
أجاب العلماء عن ذلك بأجوبةٍ كثيرةٍ، منها: أن سليمان عليه السلام قصد بقوله ﴿وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾31 (ص: 35)، يعني: لا يقدر أحدٌ على أن يسلبه مني بعدي، هذا هو المعنى، يعني: لا يستطيع أحدٌ أن يسلب ملكه، فهو يقول: هب لي ملكًا أحفظه علي إلى أن أموت لا يسلبه أحدٌ مني، لأنه معروفٌ أن ملك الدنيا قد يذهب، فقد يكون الواحد ملكًا في فترةٍ ثم بعدها يزول ملكه، فهو يقول: ﴿وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ﴾ بعده، يعني: لا ينبغي لأحدٍ أن يسلبه منه، هذا وجهٌ.
الوجه الثاني: أنه قصد بذلك أن يكون هذا الملك دليلًا على نبوته، فتكون آيةً ودلالةً على أنها معجزةٌ له كنبيٍ من أنبياء الله عز وجل فلذلك يقول: هب ﴿لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾، ملكًا كبيرًا جدًّا، تعرفون ملكة سبأ فيما مضى، لما رأت منه ما رأت أيقنت أن هذا نبيٌّ، الذي يُحضِر عرشها قبلها والذي يصنع كذا وكذا، عرفت أن هذا نبيٌّ، فإذا هو قصد بهذا الملك أن يكون دلالةً على نبوته، فحينئذٍ ﴿لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ﴾ بعده، لأنه لو أتى آخرٌ بمثله ما صار معجزًا للخلق من هذا الباب
وبعضهم يقول: ﴿لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾، أي: في عهدي، ولم يقصد بذلك بعد ذهابه ووفاته عليه السلام، أو أنه قاله من باب الخشية على أن يغتر غيره بالملك لأنه يعلم فتنته، والعلم عند الله تبارك وتعالى. أو أنه لما قال ﴿لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾ (ص: 35)، فهذا أسلوبٌ معروفٌ في اللغة العربية، لا يُقصد منه منع العطاء عن غيره، وإنَّما المقصود منه أن يُعطى عطاءً كثيرًا، يعني: الواحد لما يقول: أنا أريد عطاءً ما حدٌ يأخذ زيّه ولا أحدٌ يأخذ مثله، لا يريد أن يمنع الله هذا عن غيره، ﴿أَنَّمَا﴾ المراد أن ملكه عظيمٌ جدًّا، وليس المراد حجب ملكٍ عن غيره. هذه بعض الأوجه التي يُجاب بها عن هذا الذي ربما يرد إلى أذهان بعض الناس عند قراءة هذه الآية.
استجابة الله لدعاء سليمان وتسخير الريح له
﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾32 (ص: 35-36)، يعني: استجاب الله دعاءه، وهنا لفتةٌ: لو كان دعاء سليمان فيه اعتداءٌ لما أجابه الله، فلما أجابه الله فإنما أجابه لأنَّ دعاءه ليس فيه اعتداءٌ، ﴿أَنَّمَا﴾ هو دعاءٌ من نبيٍّ مباركٍ عليه الصلاة والسلام، وله أسبابه وله فهمه.
كما سمعتم من العلماء الذين يقولون: إن سليمان عليه السلام عقر الخيول وقطع عراقيبها، قالوا: أبدله الله جل وعلا خيرًا منها فسخر له الريح، لأنَّ من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، يعني: سليمان لما وجد أن الخيول شغلته خلاص انصرف عنها، ربنا عوّضه بخيرٍ منها، لأنَّ الخيل إذا كانت تمشي تمشي كالريح، والريح أشدّ، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾33 (ص: 36). وأما القاعدة العامة «من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه» فهذا صحيحٌ، وقد جاء عن النبي «صلى الله عليه وسلم»: «إنك لن تدع شيئًا لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه»، وهذا عند أحمد وغيره وسنده صحيحٌ، فالله يبدلك خيرًا من هذا الذي تركت من أجل الله سبحانه وتعالى. ولذلك ربنا قال في حق إبراهيم: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾34 (مريم: 49).
معنى جريان ريح سليمان عليه السلام رخاءً وعاصفةً
قوله ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآ35ءً﴾ (ص: 36)، هنا قد يسأل سائلٌ: هل الريح كانت تجري رخاءً أم كانت تجري عاصفةً يعني: في آية الأنبياء: ﴿وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ﴾36 (الأنبياء: 81)، فهناك قال ﴿عَاصِفَةً﴾، وهنا قال ﴿رُخَآءً﴾، ما معنى رخاء يعني: لينةً. فهنا يأتي السؤال: ريح سليمان كانت لينةً أم كانت عاصفةً
والجواب عن ذلك من أوجهٍ: أما الوجه الأول فهذه الريح أحيانًا كانت رخاءً وأحيانًا كانت عاصفةً، يعني: هو إذا كان ذاهبًا لقتالٍ في مكانٍ بعيدٍ والأمر فيه شدةٌ تمشي عاصفةً، وإذا أراد أن يسير في زيارةٍ وحركةٍ قريبةٍ تجري رخاءً، هذا وجهٌ.
الوجه الثاني: أن بدء جريها يكون رخاءً ثم بعد ذلك يكون عاصفةً، البداية تكون رخاءً ثم بعد ذلك تكون عاصفةً.
الوجه الثالث، وهو وجهٌ وجيهٌ أيضًا، والعلم عند الله: أنها في نفسها رخاءٌ، وفي شدة سرعتها عاصفةٌ. فمثلًا لما يرزقك الله بسيارةٍ فخمةٍ جدًّا، كلما علت فخامتها تسير بك ولا تشعر بسيرها، أنت تبقى قاعدًا لا تحس أنها تتحرك ولا تتقلب ولا تروح يمينًا ولا شمالًا، كالطيارة، هي سريعةٌ جدًّا، لكنك بالنسبة لك، هل تشعر بأنها عاصفةٌ لا، فالريح عاصفةٌ، لكنَّها بالنسبة لسليمان رخاءٌ وليست عاصفةً. قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36)، يعني: حيث أراد.
ملك سليمان عليه السلام وتسخير الشياطين له
﴿وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾37 (ص: 37)، الشياطين تُسخَّر لسليمان، ملكٌ عظيمٌ جدًّا، كل بنّاءٍ يعني: الشياطين تبني له، يريد أن يبني قصرًا، سبحان الله، ﴿وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ (ص: 37) يجلبون له الدر واليواقيت والجواهر، ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون أعمالًا دون ذلك، ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ﴾38 (الأنبياء: 82).
﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾39 (ص: 38)، يعني: مقيدين في السلاسل، يعني: معناه أن الله أعطى سليمان قدرةً على إنزال الوعيد بمن يستحقه، يعني: إذًا عصاه أحدهم عاقبه، وهذا فيه دلالةٌ على التعزير والتأديب، يعني: الشخص الذي يستحق عقابًا يُعاقَب، يُعاقَب من يُعاقَب شيطانٌ! من يقدر على عقاب الشيطان سبحان الله، أعطاه الله قدرةً وملكًا عظيمًا، قال: ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾ (ص: 38).
﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾40 (ص: 39)، هذا عطاؤنا، فامنن على من شئت أو أمسك عمن شئت، أو مُدَّ يدك إلى مَن شئت ﴿فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾41 (ص: 40)، كأن أحدًا منا يقول: ما شاء الله! كل هذا الملك لسليمان وكل هذا العطاء! فربك يقول: هذا عطاء الدنيا، وعطاء الآخرة لسليمان أعظم، ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ﴾ (ص: 40)، فهو من المقربين إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
سامحوني على الإطالة، لكن أحببت أن أنتهي الليلة من الحديث عن قصة سليمان.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 111 ↩
- آية: ﴿۞ وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 21 ↩
- آية: ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ * إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ * وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ * فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ * وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ * وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ * هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ * وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 30-40 ↩
- آية: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 30 ↩
- آية: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 38 ↩
- آية: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 100 ↩
- آية: وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا — كما ورد في الدرس: الفرقان 74 ↩
- آية: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 30 ↩
- آية: ﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 30 ↩
- آية: ﴿ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 17 ↩
- آية: ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 31-32 ↩
- آية: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 30-31 ↩
- آية: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 31 ↩
- آية: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 31 ↩
- آية: ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 32-33 ↩
- آية: ﴿إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 32 ↩
- آية: ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 32 ↩
- آية: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 33 ↩
- آية: ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 32 ↩
- آية: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى﴾ — كما ورد في الدرس: ص 32 ↩
- آية: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 31-32 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 34 ↩
- آية: ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 34 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 82 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 128 ↩
- آية: ﴿وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35-36 ↩
- آية: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 36 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 49 ↩
- آية: ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 36 ↩
- آية: ﴿وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 81 ↩
- آية: ﴿وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 37 ↩
- آية: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 82 ↩
- آية: ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 38 ↩
- آية: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 39 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 40 ↩
من سلسلة: في قصصهم عبرة (64 درسًا)