سلسلة أسماء الله الحسنى - القه
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
صيغة المبالغة في القهار ومراتب علو القهر والغلبة للكائنات
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾1 (طه: 8)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بشرح أسماء الله الحسنى وننتقل الليلة إن شاء الله تعالى إلى اسم آخر من أسماء الله جل وعلا الحسنى وهو اسم الله القهار اسم الله القهار. فالله عز وجل من أسمائه القهار
فهو القهار القاهر سبحانه عز وجل. وقد قال ربنا ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾2 (الأنعام: 18) وقال الله سبحانه ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾3 (إبراهيم: 48) وقال ﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾4 (غافر: 16)
فالله عز وجل من أسمائه القهار والقهار صيغة مبالغة من القهر فالقهار على وزن فعَّال وفعَّال صيغة مبالغة فمثلًا يقال ضرَّاب كثير الضرب، ففعَّال صيغة مبالغة. والله هو القاهر القهار
والمادة القهر تدل على الغلبة فالله هو القاهر أي: هو الغالب له القهر سبحانه. يعني: له الغلبة فهو الذي يقهر عباده وتذل له الكائنات كلها تذل له المخلوقات كلها علويها وسفليها
فالسماوات مسخرة والأراضون ذليلة أو مذللة له سبحانه وتعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾5 (الجاثية: 13). والله له علو القهر لذلك قال وهو القاهر فوق عباده
فالله له علو القهر وعلو القدر وعلو الشأن سبحانه عز وجل وهو القاهر أي: كثير القهر. فالله جل وعلا كثير القهر لكثرة قهره فكم قهر من قوم وكم أذل من أقوام هؤلاء الذين كذبوا برسله وأنكروا آياته أذلهم الله وقهرهم
مظاهر قهر الأمم المكذبة وتذليل المخلوقات وضخامتها للإنسان
فقهر قوم نوح وقهر عاد وثمود وقهر. كذلك مدين وقهر الأمم السابقة المكذبة وهو الواحد القهار سبحانه وتعالى وهو الله القهار الذي قهر المخلوقات وذلل الكائنات للإنسان
فالله يذلل لنا الصعاب فنرى هذه الأرض منبسطة ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا﴾6 (الملك: 15) فمَنْ الذي قهر الأرض وذللها إنه الله سبحانه وتعالى سخر لنا الأرض ومهدها لنا وجعلها لنا بساطاً. ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾7 (نوح: 19) ﴿لِّتَسْلُكُوا۟ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾8 (نوح: 20)
الله عز وجل قهر المخلوقات وذلل لنا هذه المخلوقات من ذلك ما صنع ربنا سبحانه وتعالى ببعض المخلوقات الضخمة التي تذل للإنسان رغم قوتها ورغم ضخامتها كالجمل
فالجمل مثلًا أكبر من الإنسان ولو أنَّه رفص الإنسان أو داس عليه لقضى عليه لكنه مذلل مسخر للعبد بفضل الله سبحانه وتعالى فترى الجمل رغم كِبَر حجمه إلا أنه يذل للإنسان وربما رأيت صبيًّا من الصبية
فالثعبان يمشي على الأرض ولا يذل للإنسان بل ربما أصاب الإنسان بمكروه أو سوء والجمل سخره الله عز وجل للإنسان فهو القاهر فوق عباده سبحانه وتعالى قهر الجبابرة وأذلهم ويوم القيامة ينادي ربنا ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾9 (غافر: 16) أين الملوك أين ملوك الأرض أين الجبارون أين المتكبرون هو القاهر فوق عباده
كم قصم من جبار وكم قهر من متكبر في الأرض هو القاهر فوق عباده سبحانه وتعالى وأنت أخي الكريم. إذا تأمَّلت هذا الاسم العظيم وهو اسم الله القهار وجدته يقترن في غالب ما ورد باسم الله الواحد وهو الواحد القهار
﴿ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ فيجيء الاقتران بين الاسمين اسم الله الواحد واسم الله القهار لأنَّ الواحد يقهر والقاهر هو الواحد
لأن الله جل وعلا لو كان له ند أو نظير لم يستطع أن يقهره لكن الله قهر كل شيء فليس ثمة إله مستحق للعبادة إلا هو عز وجل فهو واحد قاهر
قهر كل شيء لأنه الواحد وهو الواحد لذلك قهر كل شيء سبحانه وتعالى.
اقتران اسم القهار بالواحد والحكيم الخبير
فالله واحد وهو. كذلك القهار سبحانه عز وجل. فهذا اقتران لطيف بين اسمي الواحد والقهار وكذلك جاء قوله ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾
فالله مع قهره حكيمٌ في فعله لا يظلم أحدًا فهو الحكيم فيما يفعل سبحانه وهو الخبير العليم ببواطن الأمور وهو الحكيم الخبير عز وجل وإذا علمنا يا أيها الإخوة الكرام
أن الله هو القهار فعلينا ﴿إِلَّا﴾ نذل إلا له وألا نركع إلا له وألا نخضع إلا له فهو مالك الملك ذو الجلال والإكرام
هو القهار علينا أن نلجأ إليه وأن نتضرع إليه وأن نفتقر إليه وحده سبحانه عز وجل وأن نعتز به وأن نتعزز ونتقوى بطاعته فمن استمسك بحبله حفظه الله ووقاه
وَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فَنِعْمَ الْمُعْتَمَدُ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ عَزَّ وَجَلَّ يُلْجَأُ إِلَيْهِ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ. ولذلك جاء في الحديث «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله» في بعض الروايات «ظاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»
الثمرة الإيمانية لاسم القهار من الخضوع والاستعانة والاعتزاز
. فالله يقويهم فيقهرون الأعداء وينتصرون بفضل الله سبحانه وتعالى فهو القهار عز وجل. ولذلك. أيضًا قال يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾10 (يوسف: 39)
أهذه الأرباب المتفرقة التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا أهي ﴿خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ مالك الملك الذي قهر كل شيء سبحانه عز وجل وهكذا
فالمسلم حينما يعلم أن الله هو القهار فإنَّه يستعين به ويطلب المدد منه ويلجأ إليه سبحانه عز وجل. نسأل الله أن يعزنا بطاعته وأن لا يذلنا بمعصيته وأن يوفقنا لما يحب ويرضى
وأن يصلح أحوالنا وأن يشرح صدورنا وأن يتقبل منا وأن يحفظ بلادنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ هذا والله أعلم. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 8 ↩
- آية: ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 18 ↩
- آية: ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 48 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 16 ↩
- آية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الجاثية 13 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 15 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 19 ↩
- آية: ﴿لِّتَسْلُكُوا۟ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 20 ↩
- آية: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 16 ↩
- آية: ﴿ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 39 ↩