المجلس السادس عشر: التعليق على تفسير الجلالين تفسير سورة البقرة الآية 17
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
استئناف تفسير ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع المجلس السادس عشر من مجالس التعليق على تفسير الجلالين قال جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى تعليقًا على قوله عز وجل ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾2 قال يجعلون أي: أصحاب الصيب أصابعهم أي: أناملها في آذانهم من أجل الصواعق شدة صوت الرعد لئلا يسمعوها حذر خوف الموت من سماعها إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى توقفنا عند التعليق على قوله ﴿فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ قال جلال الدين من أجل الصواعق وقوله: من أجل الصواعق يبين لنا أنه يفسر في قوله من الصواعق بأنها من التعليلية، ومن تأتي في اللغة العربية لمعان تأتي من لابتداء الغاية وتأتي لمعنى التعليل إلى غير ذلك من معان ومعناه هنا التعليل ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾3 أي: من أجل الصواعق، ومن أهل اللغة من يقدر مضافًا في مثل ذلك فيقول: من أجل الصواعق كما ذكر السيوطي هنا ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هذا مفهوم من نفسها دون حاجة إلى تقدير أجل وعلى كل حال فمجيء «من» بمعنى التعليل مشهور ومعروف.
دلالة من التعليلية وتعدد المفعول لأجله
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾4 أي: من أجل إملاق أو بسبب الإملاق والفقر، ومنه قوله تعالى ﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًا﴾5 فمن هنا أيضًا للتعليل. لكن الذي أريد أن ألفت الأنظار إليه وهو أننا حينما نقول إن من تفيد التعليل وأن الباء قد تأتي أيضًا للتعليل وأن اللام تأتي للتعليل لا، يعني: ذلك أنها تتفق في جميع ما تدل عليه بمعنى أن كل حرف من هذه الحروف وإن أريد به التعليل.
لكن كل حرف له ما يختص به فمن التعليلية تفيد معنى الابتداء والباء تفيد المقابلة واللام تفيد الاستحقاق والاختصاص. وهذا يفهم من سياق التعليل. ولذلك في بعض المواضع لا يمكن أن نضع حرفًا في موضع حرف وإن كان كلا الحرفين يستعملان في التعليل فمثلًا في قوله تعالى، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ لا يصح أن نقول لا تقتلوا أولادكم بإملاق لا نستعمل الباء ﴿أَنَّمَا﴾ يُستعمل من لأنَّ من تفيد الابتداء أي: من جهة الفقر فالقتل ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من جهة الفقر فيما تدل عليه هذه الآية الكريمة، وكذلك هنا قال الله سبحانه ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾6 لماذا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾7 من جهة الصواعق النازلة عليهم
فعرفنا من التعليل أنه أيضًا ابتداء لهذه الغاية، أي: أن هذه الصواعق هي التي تسبب لهم جعل أصابعهم في آذانهم. وهذا يدل على أن لغتنا لغةٌ غنية وأن كثيرًا من الأئمة حينما يذكرون، أن حرف كذا بمعنى كذا وأن الحرف الآخر يؤدي هذا المعنى لكن هناك فروق لطيفة ودقيقة قد لا يدركها إلا القليلون ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح قال ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ أي: من أجل الصواعق ثم فسر الصواعق.
فقال شدة صوت الرعد لئلا يسمعوها والصواعق جمع صاعقة فسرها هنا بشدة صوت الرعد الذي تقدم ذكره في قوله سبحانه ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ8 مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ9 وَرَعْدٌ10 وَبَرْقٌ﴾1112 فمن شدة صوت هذا الرعد ما يكون منهم إلا أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم والصاعقة فسرت بأنها الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها قطعة من النار هذا مشهور في استعمالها قال الله سبحانه وتعالى، ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾1314.
إذن عرفنا أن قوله من الصواعق تعليل لما سبق. لماذا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ15 فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ الجواب من الصواعق. لذلك نقول في قوله من الصواعق مفعول له أو مفعول لأجله.
ثم قال الله بعدها حذر الموت. وهذا مفعول له آخر أو ثاني. ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾، فقوله: حذر الموت تعليل أيضًا لما سبق وفسر هنا حذر بخوف والحذر حذر الموت من سماعها، أي: النوم ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ بسبب تلك الصواعق، ولماذا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ خوف الموت
إذن هذا تعليل للتعليل السابق. ولذلك لا يرد هنا إشكال وهو، أن كثيرًا من النحويين يقولون لا يكون للفعل الواحد مفعولان لأجله أو مفعولان له يقولون. إن المفعول له لا يتعدد للفعل فيقال إن المفعول له الأول في قوله من الصواعق هو لمطلق الجعل ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ لماذا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ الجواب من الصواعق
ثم يأتي المفعول الثاني للجعل المقيد أي: بقيد من الصواعق فيكون المعنى ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ السؤال لماذا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ فيكون الجواب حذر الموت. إذن قوله حذر الموت تعليل بعد تعليل وهو متعلق بالجعل بقيد من الصواعق وحينئذ فلا إشكال في ذلك. وقد نبه على ذلك ابن هشام في مغني اللبيب قال الله تعالى ﴿حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾16 قال هنا جلال الدين السيوطي كذلك هؤلاء إذًا نزل القرآن، وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات والوعيد عليه المشبه بالرعد، هذا إذًا عطفنا الوعيد على ذكر وفيه ذكر الكفر، وفيه الوعيد عليه المشبه بالرعد والحجج البينة المشبهة بالبرق يسدون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت هذا الذي صنعه السيوطي رحمه الله تعالى هو بيان المشبه، يعني: رب العباد سبحانه وتعالى، في هاتين الآيتين ضرب لنا مثلًا آخر وهو مثل للمنافقين أو لفريق منهم فأراد السيوطي أن يبين لنا معنى هذا المثل لكنَّه لمَّا فسر هذا المثل فسر المشبه والمشبه به أو بينه على سبيل الإفراد بمعنى ذكر كل كلمة وما يقابلها فلذلك قال هنا رحمه الله تعالى كذلك هؤلاء إذًا نزل القرآن، وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات إذا نزل القرآن، هذا القرآن مشبَّه وأين المشبه به هو الصيب ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآ1718ءِ﴾ إذًا شُبّه القرآن الكريم وهو غيث القلوب وبه حياة القلوب، شُبِّه بالغيث أو بالمطر النافع النازل من السماء فلذلك قوله هنا إذًا نزل القرآن أين القرآن في الآية
تفصيل التشبيه التمثيلي بين الصيب والقرآن
أين القرآن في التمثيل في قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ وقد جاء عن نبينا ﷺ «مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل غيث أصاب أرضًا» فمثل القرآن أو الوحي بالغيث وهنا بالصيب قال وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات قال الله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ﴾، الظلمات مشبه به، أين المشبه الذي يقابل هذا المشبه به
قال هنا ذكر الكفر المشبه بالظلمات، حينما يرون ذكر الكفر في القرآن الكريم فحينئذ تصيبهم ظلمات، والوعيد عليه المشبه بالرعد، ﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ﴾، حينما يقرؤون أو يسمعون القرآن الكريم، وفيه الوعيد والتهديد الشديد للكافرين وبيان ما يستحقونه وما سيلاقونه فحينئذ كأنهم أصيبوا برعد أو كأنهم سمعوا صوت رعد قال والحجج البينة المشبهة بالبرق ﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾.
إذن البرق مشبه به، وأين المشبه الحجج البينة، المشبه بالبرق، ماذا يجري لهم حينما يقرؤون القرآن، وفيه التهديد والوعيد، وفيه الحجج قال ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ أن يسدوا آذانهم بهذه الأنامل. وقد سبق بيان سر التعبير بقوله ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ﴾ دون أناملهم قال يسدون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان.
إذن لماذا يضعون تلك الأصابع أو تلك الأنامل خوفًا هنا قال حذر الموت وهنا قال فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت، يعني أنهم يكرهون الإيمان كما يكرهون الموت ويفرون من الإيمان كما يفرون من الموت. إذن هو شبه كل مفردة بمفردة أو كل كلمة بكلمة. وهذا التشبيه الذي ذكره عدد من أهل العلم وإن اختلفوا في بعض المفردات.
ومن ذلك ما نقله ابن عطية في المحرر الوجيز عن جمهور المفسّرين قال مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم المطر حينما ينزل ويكون كثيرًا، وفيه شيء من الاشتباه كذلك أمر القرآن بالنسبة لهم قال وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد وما فيه من النور والحجج الباهرة التي ﴿تَكَادُ﴾ أن تبهرهم هو البرق.
وهذا قريب مما ذكر هنا وابن عطية أسبق كما لا يخفى، قال: وتخوفهم وروعهم وحذرهم هو جعل أصابعهم في آذانهم وفضح نفاقهم واشتهار كفرهم وتكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوه هي الصواعق قال ابن عطية. وهذا كله صحيح وبين. إذن هناك من أهل العلم من اختار أن يكون هذا التشبيه من قبيل تشبيه المفردات، ومن أهل العلم من اختار أن هذا من قبيل التشبيه التمثيلي الذي لا ينظر فيه إلى المفردات وإنَّما هو تشبيه مركب منتزع من جملة كلمات ومفردات.
وهذا أبلغ وأعظم في الدلالة، وبعضهم يرى أنه لا مانع من حمله على المعنيين، إذ هذا من تمام بلاغة القرآن الكريم، أن يكون التشبيه تمثيليًّا مركبًا. ومع ذلك يمكن إلحاق النذير بنظيره وتشبيه مفرد بمفرد. ولذلك الزمخشري في الكشاف قال. فإنَّ قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارا وإظهاره الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق قلت: لقائل أن يقول هو يبين لنا هذا التمثيل الموجود في الآيتين الكريمتين من قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ يقول شبه دين الإسلام بالصيب.
إذن هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: شبه القرآن بالصيب وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: شبه دين الإسلام بالصيب والقرآن الكريم جاء بدين الإسلام كما لا يخفى لأنَّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر وما يتعلق به من شبه الكفر بالظلمات. إذن هنا جعل الظلمات مشبها به والمشبه الذي يناسبه أو يناسب الكلمة ما يتعلق به من شبه الكفر وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الكفر من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة الإسلام بالصواعق قال والصحيح الذي عليه الحديث البيان لا يتخطونه، أن التمثيلين جميعًا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة.
قال وهو القول الفحل والمذهب الجزل فهو يختار بذلك أن يكون هذا من قبيل التشبيه التمثيلي. وكما قلت: فمن أهل العلم من يرى أنه لا مانع من أن يكون التشبيه التمثيلي. يدل على ذلك بعض الآيات القرآنية التي تدل على تذبذب المنافقين. وقال أيضًا ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾19.
وقد ألحق ابن القيم رحمه الله تعالى أهل البدع بهؤلاء المنافقين في تصرفهم فالمنافقون أيضًا تراهم متذبذبين، وكذلك لا يستجيبون لسماع الأدلة الصحيحة. ولذلك قال. وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرًا من الفرق المبتدعة إذا سمعوا شيئًا من الآيات أو الأحاديث المنافية لبدعتهم أعرضوا عنها. وقالوا سدوا عنا هذا المعنى. وقرأوا شيئًا غير هذا وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذًا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم نصوصه المبطلة لشركهم اشمأزت قلوبهم وثقلت عليهم ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا.
نسأل الله السلامة. وأما أهل الإيمان فإنَّهم يرغبون في آيات الله سبحانه وتعالى، ويقبلون عليها وتزيدهم إيمانًا كما بين الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾20. قال بعدها ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾21 علمًا، وقدرة ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾22 علمًا، وقدرة قوله هنا ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ علمًا وقدرةً، هذا منصوب على التمييز محيط علمًا، وقدرة قال الجمل في حاشيته على الجلالين منصوبة على التمييز المحول عن المبتدأ والأصل أصل الجملة: علم الله وقدرته محيطان بهم.
معنى الإحاطة بالكافرين والفرق بين قرب وقرب
إذن جلال الدين السيوطي يبين لنا معنى ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾، يعني: ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾، ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ شيء؟. فقال ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ علمًا، وقدرة وأصل الكلام وعلم الله وقدرته محيطان بهم. وقد فسر العلماء قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بقريب مما ذكر جلال الدين السيوطي من المفسّرين السابقين واللاحقين فشيخ المفسرين الطبري قال محيط بالكافرين جامعهم.
وذلك على اعتبار أن الإحاطة تفيد معنى الجمع محيط بالكافرين جامعهم فتحل بهم عقوبته. ولذلك من أهل العلم من فسر الإحاطة هنا بالإهلاك. فقالوا ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أي: مهلكهم ولك، أن تقول: إن هذا من التفسير باللازم لأن الله عز وجل إذا جمعهم وعاقبهم فإنَّه مهلكهم، ومن ذا يقدر على رد الله سبحانه وتعالى، عن عقابهم ففهم من الإحاطة معنى الإهلاك كما جاء في قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ﴾23، وكان جزاؤه، أن أهلك هذا الثمر.
وهذا فيه أن الإحاطة الإحداق بالشيء. وقالوا إنها تُستعمل كناية عن العلم بالشيء من جميع جوانبه وعن حفظه وعن التمكن منه والقدرة عليه وإهلاكه. ولذلك يُستعمل مع الإحاطة في العلم كما قال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَـٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾24. وقال ﴿أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾25 وهكذا قال هنا ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ قال علمًا، وقدرة فلا يفوتونه.
ولذلك بعض المفسّرين عبر. فقال لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة فلا يكون هناك شيء من الفوات لأنه سبحانه وتعالى، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾26 وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ولذلك بعدها جاء التعبير وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ كما سيأتي التعليق عليه بإذن الله - تبارك وتعالى قال هنا ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ علمًا، وقدرة فلا يفوتونه ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾27 قال يقرب البرق يخطف أبصارهم يكاد يقرب أو يقرب بعض العلماء يرى هذا الفعل يقال قرب يقرب وقرب يقرب فقيل هما بمعنى واحد، يعني: سواء قلت: يقرب أم قلت: يقرب فهما بمعنى واحد وفسر يكاد به فيكاد تدل على الاقتراب الشديد.
لكن من أهل العلم من فرق بين قرب وبين قرب يقول الزبيدي ظاهر كلام مصنف يقصد بذلك صاحب القاموس المحيط لأنَّهما مترادفان قرب الشيء منه ككرم وقربه كسمعة، يعني: يقال قرب يقرب وقرب يقرب وزاد هو وقرب كمصر، يعني: قرب يقرب. وهذا فيه أنها على ثلاثة أوجه قرب وقرب وقرب. لكن الكلام الآن على قرب وقرب هل المضارع يقرب أم، أن المضارع يقرب
قال. وقد فرق بينهما أهل الأصول قالوا إذا قيل لا تقرب كذا بفتح الراء فمعناه: لا تلتبس بالفعل لا تقرب كذا، يعني: لا تلتبس به. وعليه يقرب يلتبس بالفعل وإذا كان بضم الراء كان معناه: لا تدنو فإذا قصدت لا تدنو قلت: لا تقرب وإذا قصدت لا تلتبس بالفعل قلت: لا تقرب وابن عاشور في تفسير قوله تعالى، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾28 قال ويكنى عن الجماع بالقربان بكسر القاف مصدر قريبًا بكسر الراء.
ولذلك جيء فيه بالمضارع المفتوح العين الذي هو مضارع قريبًا كسمعة متعديا إلى المفعول. فإنَّ الجماع لم يجئ إلا فيه دون قربا غلبوا قرب المكسور العين فيها دون قرب المضموم تفرقة في الاستعمال، يعني: في باب الجماع يقال لا تقرب المرأة في حيضها لا يقال لا تقرب فاستعملوا لا تقرب بالفتح في المضارع وبالكسر في الماضي قرب استعملوه في الجماع قال كما قالوا بَعُدَ إذا تجافى في مكانه، وبعد.
المعنى البعد المعنوي، يعني: استعملت بعد يبعد في البعد المعنوي ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾29. وأما البعد في المكان فاستعملوا معه بعدا على كل حال هذا بعض التفريق فيما يقال في مسألة مادة «قرب» التي ذكرها هنا. أما كلمة يكاد وهي الأصل وهي الموجودة في السياق القرآني ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾30 ففسر يكاد هنا بالقرب.
فعل كاد وأخواته وإعراب يكاد البرق يخطف أبصارهم
وهذا صحيح. ولذلك يكاد يقال لها: من أفعال مقاربة ويقول ابن يعيش من أفعال المقاربة كاد تقول كاد زيد يفعل أي: قارب الفعل، ولم يفعل إلا أن «كاد» أبلغ في المقاربة من «عسى» من أفعال المقاربة عسى أيضًا. لكن كاد أبلغ في المقاربة فإذا قلت: كاد زيد يفعل فالمراد قرب وقوعه في الحال. ولذلك في الآية ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ أي: في الحال فإذا قلت: كاد زيد يفعل فالمراد قرب وقوعه في الحال إلا أنه لم يقع بعده لأنك لا تقوله إلا لمن هو على حد الفعل كالداخل فيه لا زمان بينه وبين دخوله قال الله تعالى ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ﴾31، ومن كلام العرب كاد النعام يطير إلى أن قال واشترطوا أن يكون الخبر فعلًا أنهم أرادوا قرب وقوع الفعل فأتوا بلفظ الفعل ليكون أدل على الغرض وجرد ذلك الفعل من أن معروف أنَّه يكثر في خبر كاد حذف أن منها لذلك في القرآن الكريم هنا ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ﴾32 لم يقل: يكاد البرق أن يخطف خبر «يكاد» تُحذف منه «أن» غالبًا فلا تدخل أن على الفعل في الأكثر ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾33 ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓ34ءُ﴾.
ولذلك في القرآن الكريم في كل المواضع التي جاء فيها هذا الفعل «كاد، يكاد» لم تجئ «أن» في خبرها وإن كان هذا سائغا في اللغة وذكروا أنه قد جاء عن عمر رضي الله عنه هذا ثابت في الصحيحين من أنه قال «ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب» كما جاء في بعض روايات الحديث فأدخل أن في خبرها على الفعل المضارع.
ولذلك ابن مالك رحمه الله قال: وكونه بدون أن بعد عسى نزر وكاد الأمر فيه عكسا فبعد عسى يكثر دخول أن وبعد يكاد يقل ذلك. وقد استعملها ابن عطية في الكلام الذي ذكرته سابقًا فأدخل أن والغالب تركها يقول هنا فأتوا بلفظ الفعل ليكون أدل على الغرض وجرد ذلك الفعل من أن. وهذا من لطيف الكلام في اللغة العربية ودقيقه ما السر في أن تذكر أن وما السر في أن تحذف
هذا مما لا يتناوله كثير ممن يدرسون النحو والذي يدرس التفسير جدير به أن يعنى بمثل ذلك فإنه من دقيق المعنى في فهم القرآن الكريم ونظمه وتركيبه قال وجرد ذلك الفعل من أن أنهم أرادوا قرب وقوعه في الحال وأن تصرفوا الكلام إلى الاستقبال إذا دخلت أن فإنَّها تخلص الكلام إلى الاستقبال ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ﴾ أي: هذا في المستقبل فلم يأتوا بها أي: مع كاد لتدافع المعنيين كاد تدل على القرب في الحال وإذا دخلت أن فتدل على الاستقبال فلتنافي ما بينهما حذفت أو لم تدخل إلا في القليل، ولما كان الخبر فعلًا محضا مجردًا من أن قدروه باسم الفاعل لأنَّ الفعل يقع في الخبر موقع اسم الفاعل نحو زيد يقوم.
والمراد قائم وسامحوني فقد أتناول بعض هذه اللطائف وربما لا أعيدها مرة أخرى لكننا نريد أن نحصل على كثير من الفوائد واللطائف القرآنية بما يتسع له المقام ودفعني إلى ذلك تفسير الجلال لقوله سبحانه وتعالى، يكاد قال ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ وهنا لم يدخل على الفعل يخطف أن للعلة أو للسبب الذي تقدم آنفا معنى يخطف أبصارهم، قال: يأخذها بسرعة يخطف أبصارهم يأخذها بسرعة ما زال الحديث عن هذا المثل الثاني ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ يأخذها بسرعة قال ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾35 ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ﴾36 كلما أضاء لهم ما الذي أضاء لهم كلما أضاء لهم البرق فقوله: كلما أضاء لهم، أي: البرق المتقدم ذكره ولك، أن تقول: إن أضاء من الأفعال المتعدية التي تحتاج إلى مفعول فيكون التقدير كلما أضاء لهم البرق الطريق أو الممشى وبعضهم يجعله لازمًا لا يحتاج إلى مفعول، يعني: صار ذا ضوء مشوا فيه لأنَّ الإنسان يحتاج في وسط الظلمات إلى ضوء هذا الضوء يسهل له مسيره والوصول إلى هدفه.
قال ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾37. قال ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ﴾ أي: في ضوئه. من أين استفيد هذا استفيد من الفعل أضاء. فالفعل أضاء يتضمن أمرين وهكذا الفعل يتضبالحدثا وزمنا فعلم ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ﴾ أي: في الضوء المستفاد من قوله أضاء ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ قال وقفوا. إذن معنى قاموا هنا وقفوا أي: ثبتوا في أماكنهم وليس معنى القيام هنا القيام عن قعود أو عن جلوس لأنه لا ذكر لجلوسهم أو لقعودهم وإنَّما المذكور في مقابلة القيام المشي ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟﴾ ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ أي: لم يمشوا، ومعنى لم يمشوا وقفوا.
إذن عُلم أن معنى «قاموا» وقفوا، ولم يتحرك فهم ذلك من المقابلة في سياق الآية الكريمة، وهكذا ينبغي للإنسان أن يدرك معاني القرآن الكريم، فالقيام قد يكون عن قعود. وقد يراد به الثبات في المكان وعدم التحرك ويشهد لذلك السياق ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ قال وقفوا تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبَهم أي: هذا تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجج.
وقد تقدم أنه قال والحجج البينة المشبهة بالبرق فهنا ذكر الحجج باعتبار أنها المشبه والمشبه به هو البرق المتحدث عنه في هذا الموضع لإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبَهم فقوله: قلوبهم مفعول للإزعاج، يعني: أزعج ما في القرآن قلوبهم وتصديقهم بما سمعوا فيه مما يحبون، ووقوفهم عما يكرهون. فهذا تمثيل لهذا كله، ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ﴾، فحينما يكون هناك ضوء وحجج، فإنَّهم يسيرون، وأما إذا أظلم عليهم، فوجدوا شيئًا من الشبهات، أو شيئًا مما يُشبَّه عليهم أو من الوعيد خافوا فوقفوا، ولم ينتفعوا بالقرآن الكريم قال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾38.
تفسير وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾39 قال جلال الدين هنا ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾40 بمعنى أسماعهم ففسر السمع بالأسماع. وهذا معنى أن السمع هنا وإن جاء مفردًا فالمراد به الجنس أو المراد به الجمع. وهذا تقدم نظيره في قول الله سبحانه ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾41 تقدم هناك طرف من هذا الكلام فبعضهم يقول المراد بالسمع المصدر.
ولذلك جاء موحَّدًا ولم يُجمع أو هو على حذف مضاف حواس سمعهم أو مواضع سمعهم أو أنه بمعنى الجمع كما قال هنا وتقدم أيضًا السر في إفراد السمع كثيرًا في القرآن الكريم مع مجيء الأبصار مجموعة معه وإن كان قد جاء قول الله سبحانه. ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾42. لكن في قوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾43 جمع القلوب والأبصار دون السمع كما تقدم قال ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾44 الظاهرة كما ذهب بالباطنة ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ فتذهب الأبصار الظاهرة فيصيرون عميًا كما ذهب بالباطنة فبصرهم الباطن ذاهب، وكذلك بصرهم الظاهر والمعنى أنه قد جمع لهم بين عمى بصر وعمى بصيرة والعمى قد يطلق على عمى بصيرة، ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾45 فقول، ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾46 المراد بالعمى عمى بصيرة وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بالباطنة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وإذهاب أبصارهم بوميض البرق لذهب لأنه هنا قال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾47 ما علاقة هذه الجملة بما سبق قبلها يقول ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾48 وهنا قال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ49 بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ أي: ولو شاء الله سبحانه وتعالى، إذهاب سمعهم بماذا
بقصيف الرعد الذي تقدم ذكره وإذهاب أبصارهم بوميض البرق ليكون هناك ارتباط بين هذه الجملة والجملة السابقة كما يشهد له السياق وهنا قوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ﴾ قوله لذهب هو جواب لو فقوله: ولو شاء شاء هنا فعل الشرط وجوابه لذهب وحذف مفعول شاء. وهذا كثير في هذا الأمر. في باب المشيئة، أن يحذف مفعول شاء لدلالة الجواب عليه ولو شاء الله إذهاب سمعهم وأبصارهم ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ وسنبدأ ببيان ذلك بإذن الله تعالى في الدرس المقبل.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى هذا والله أعلم و
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 151 ↩
- آية: ﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 25 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ — البقرة: 19 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ — البقرة: 19 ↩
- آية: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ — البقرة: 19 ↩
- آية: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ۚ قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المنافقون 4 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِۦٓ إِيمَـٰنًا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 124 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 19 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — البقرة: 19 ↩
- آية: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 42 ↩
- آية: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَـٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 84 ↩
- آية: ﴿أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 91 ↩
- آية: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ — كما ورد في الدرس: طه 98 ↩
- آية: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 222 ↩
- آية: ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 95 ↩
- آية: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ — البقرة: 20 ↩
- آية: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 43 ↩
- آية: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 72 ↩
- آية: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 35 ↩
- آية: ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ — البقرة: 20 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 7 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 36 ↩
- آية: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 7 ↩
- آية: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 72 ↩
- آية: ﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 72 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 20 ↩
من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)