مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس العاشر- التعليق على تفسير الجلالين (تفسير الآية التاسعة « يخادعون الله والذين آمنوا»)

سلسلة التعليق على تفسير الجلالين · الدرس 20 من 21 · 37 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. خادع إن رام وخدع إن تم له
  2. إثبات المخادعة ثم حصرها في أنفسهم
  3. رد الطبري قراءة متواترة وعذر ما قبل الاستقرار
  4. حمل يخادعون ويخدعون على معنى واحد
  5. فاعلة من جهة واحدة كعاقبت اللص
  6. ذكر الله تحسين أم الآية على بابها
  7. الشعور فطنة للخفي لا علم بالمحسوس
التفريغ النصي الكامل للدرس

خادع إن رام وخدع إن تم له

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾12 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فهذا هو المجلس العاشر من مجالس التعليق على تفسير الجلالين3 وكنا قد توقفنا بفضل الله وتوفيقه عند قول جلال الدين السيوطي تعليقًا على قوله سبحانه وتعالى، ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾45 قال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾6 بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾7 لأنَّ وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه ﷺ على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة تقدم.

يا أيها الإخوة الكرام، طرف مما يتعلق بتفسير كلمة الخداع أو كلمة يخادعون في صدر الآية الكريمة ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ فعرفنا أن أصل المادة بمعنى أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه هذا أصل كلمة الخدعة وبعضهم قيد ذلك. فقال أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه له لتنزله عما هو بصدده فالمنافقون خادعوا الله والذين آمنوا إذ أظهروا الإيمان وإن كانوا مبطنين للكفر وهم بذلك أرادوا أن تسلم أنفسهم وأن تعصم أموالهم وأن تحقن الدماء وأن لا يقتلوا بسبب تكذيبهم وكفرهم بالله رب العالمين.

فهذا هو معنى خداعهم ولكن هذا الخداع لم يكن ليخفى على الله سبحانه وتعالى، ولا ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾. وتقدم، أن ابن جزي رحمه الله، قال يقال: خادع إذا رام الخداع، وخدع إذا تم له8. وهذا معناه: أن المنافقين خادعوا لكنهم لم يخدعوا. المنافقين هنا قال السيوطي بإظهار ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر أي: يظهرون أنهم مؤمنون ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية كما في قوله ﷺ فإذا فعلوا ذلك، يعني: نطقوا.

وقالوا «لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل». لكن الأمر كما ذكر الطبري رحمه الله تعالى في شأن أولئك قال خطأ أن يقال إنهم خدعوا المؤمنين9 لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ذلك أوجبنا لهم حقيقة خدعة جازت لهم على المؤمنين. كما أننا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: قتل فلان فلانًا أوجبنا له حقيقة قتل كان منه لفلان.

إذن هناك فرق بين خادع وخدع. فهذا الذي وقع من المنافقين ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ قال ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ لأنَّ وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه ﷺ على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة، يعني: عاد الخداع عليهم وبال خداعهم عاد إليهم فالمؤمنون قد عرفوا أمرهم.

إثبات المخادعة ثم حصرها في أنفسهم

وقد فضح الله عز وجل شأنهم وحالهم لرسوله ﷺ هذا في الدنيا، وفي الآخرة يعاقبون على فعلهم، وعلى اعتقادهم الباطن. وهذا الذي ذكره السيوطي، يعني: قد نقله بتصرف من الكواشي فهو قريب من كلام الكواشي في ذلك وكذلك أيضًا الواحدي في الوجيز10 قال: إنهم يعملون عمل المخادع بإظهار غير ما هم عليه ليدفع عنهم أحكام الكفر ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾11 لأنَّ وبال خداعهم عاد عليهم بإطلاع الله نبيه عليه السلام والمؤمنين على أسرارهم وافتضاحهم قال هنا ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾12 قال لأنَّ وبال خداعهم راجع إليهم وبهذا يزول الإشكال لأنك حينما تقرأ صدر الآية تجد أن رب العزة قد أثبت مخادعة من المنافقين لله وللذين آمنوا.

فقال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾13 طيب إذا قرأنا بهذه القراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾14. إذن ربنا في أول الآية أثبت أن المنافقين ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ ثم بعد ذلك نفى ذلك. فقال ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾15 فهنا إشكال أول الآية فيه إثبات المخادعة وآخر الآية فيه نفي المخادعة إلا لأنفسهم لأنَّ قوله ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾16 جاء بأسلوب الحصر طريقة النفي والاستثناء فكيف ذلك

يقال لأنَّ وبال خداعهم راجع إليهم، يعني: هم في حقيقة الأمر وإن حاولوا مخادعة الله ومخادعة رسوله والمؤمنين. لكن ذلك لم يتحقق لهم فكأنَّه غير موجود وغير معتد به فقوله: وما يخادعون على وجه التحقيق إلا أنفسهم. فهذا هو الخداع الذي تحقق لهم وهو، أن وبال خداعهم قد عاد عليهم. وأما خداعهم لله ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فلا قيمة له ولا وزن ولا يعتد به لأنه لم يتحقق لهم منه شيء وبهذا فلا إشكال في هذه القراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ لماذا أقول هذا الكلام

أقول هذا الكلام لأنَّ قوله سبحانه ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ فيها قراءتان ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾. أما قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ فالأمر فيها واضح لماذا لأننا اتفقنا على أن خدع إذًا تم له الخداع. وأما خادع فهو يريد ذلك ويرومه. لكن قد يتحقق. وقد لا يتحقق فيكون صدر الآية ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ17 وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ أي: هم يريدون ذلك.

لكن وما يخدعون أي: ما يتم الخداع إلا لأنفسهم وحينئذ فأول الآية في شيء وآخرها في شيء آخر فهم راموا مخادعة الله ورسوله والمؤمنين. لكن لم يقع الخداع في الحقيقة إلا لأنفسهم. إذن قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ لا إشكال فيه. لكن القراءة التي ورد عليها إشكال في فهمها هي قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ لأنَّ الآية في أولها أثبت الله ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ وهنا بأسلوب الحصر ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ فيجاب عن ذلك بما تقدم، أن الله سبحانه وبحمده قال ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: على وجه التحقيق فوبال الخداع راجع إليهم وحدهم. وأما المؤمنون فلم يُصابوا منهم بهذا الضرر وإنَّما سلمهم الله سبحانه وتعالى، وافتضح أمرهم لهم.

رد الطبري قراءة متواترة وعذر ما قبل الاستقرار

أما الإمام الطبري رحمه الله تعالى فقد ذهب مذهبًا آخر في ذلك. إذ إنه يرى أنَّ القراءة الصحيحة هي قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾18. وأما قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾19 فقد طعن فيها رحمه الله تعالى وسيأتي بيان عذره في ذلك الآن. لكن الإمام الطبري رحمه الله، رد هذه القراءة وهي قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ بما ذكرت آنفًا من الإشكال إذ إنه يقول، ومن الدليل على أن هذه القراءة أي: قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ هي الصحيحة دون ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾، أن الله قد أخبر عنهم أنهم ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ والمؤمنين في أول الآية فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، يعني: ربنا أثبت في البداية أنهم يخادعون فكيف ينفي ذلك ويقول ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ قال لأنَّ ذلك تضاد في المعنى، يعني: سيكون هناك تضاد وتناقض والقرآن لا تناقض فيه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾20.

فقال. وذلك تضاد لأنَّ ذلك تضاد في. المعنى وذلك غير جائز من الله عز وجل. وقال أيضًا قبلها الواجب. إذن، أن يكون الصحيح من القراءات ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ دون وما يخادعون لأنَّ لفظ المخادع غير موجب تثبيت خديعة على صحة، يعني: أنت قد تخادع. لكن لا تثبت خدعتك أو لا تصل إلى ما تريد ولفظ خادع الذي فعله خدع موجب تثبيت خديعة على صحة.

إذن الإمام الطبري رحمه الله تعالى رد قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ مع أنَّها قراءة ثابتة. بل متواترة، فكيف الجواب عن ذلك ابتداء نعتذر للإمام الطبري رحمه الله، بأن نقول إن أهل العلم لم يكونوا قد استقروا على القراءات المتواترة العشرة أيام ابن جرير الطبري وإنَّما وقع الاستقرار على ذلك بعده.

ولذلك أبو بكر بن مجاهد وهو أول مَنْ اشتهر عنه بتسبيع القراءات السبعة ﴿أَنَّمَا﴾ كان بعد الطبري ويعد من تلامذته وبناء على ذلك فعذر الطبري أنه لما رد القراءة ظنها غير متواترة، ولو أنَّها قد ثبتت عنده بالتواتر ما كان ليردها، ولا ليطعن فيها. ولذلك غير سائغ لأحد أن يتشبث بصنيع ابن جرير الطبري فيقول: ها هو الطبري شيخ المفسرين قد رد قراءة متواترة فلنا أن نرد ما شئنا من قراءات نقول هذا خطأ لأنَّ الطبري ما اعتقد أنها متواترة ولو ثبت عنده تواترها ما كان ليخالفها.

أما وقد أجمع العلماء على القراءات. أما وقد استقر الأمر على القراءات وعلم، أن هذه قراءة متواترة فلا يسوغ لأحد بحال من الأحوال أن يردها. ولذلك أبو عمرو الداني رحمه الله تعالى ثبت عنه أنه قال كما نقله عنه ابن الجزري وغيره أئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية.

بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل. وقال الرواية إذا ثبتت عنهم، يعني: عن القراء لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغةً لأنَّ القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها21. وهذا كلام نفيس حري بنا أن نتعلَّمه وأن ندركه. وسامحوني إن أطلت بعض الشيء في تقرير هذا المعنى هنا فقد لا نكرره في مواضع أخرى بإذن الله تعالى.

حمل يخادعون ويخدعون على معنى واحد

لكن حتى يستقر عندنا الأمر. القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها فأي مفسر مهما علا قدره ومهما ارتفعت منزلته لا يسوغ له أن يرد قراءة ثبت تواترها. طيب. لكن أيضًا نرد على الإمام الطبري كلامه فمن الرد عليه ما تقدم، أن مخادعتهم لله ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ غير متحققة فكأنها غير موجودة فلذلك صح أن يأتي بأسلوب الحصر ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: في الحقيقة لأنَّ وبال الخداع راجع إليهم لا إلى الله، ولا إلى الذين آمنوا.

ومن هذه التوجهات ما ذكره الألوسي قال ويكون إيثار صيغة المفاعلة لإفادة المبالغة في الكيفية. فإنَّ الفعل ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ غولب فيه بولغ به أو في الكمية كما في الممارسة والمزاولة فإنَّهم كانوا مداومين على الخداع وكأن. المعنى وما يستمرون في الخداع إلا لأنفسهم وما يكثر خداعهم إلا لأنفسهم فالتعبير بالمفاعلة دل على معنى المبالغة على أن القراءة الأخرى وهي قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ متواترة أيضًا وهي واضحة في.

المعنى لأنَّ معنى وما يخدعون، يعني: وما يتحقق الخداع إلا لأنفسهم كما تقدم، أن خدع ﴿أَنَّمَا﴾ يراد بها ما إذا تم الخدع أو تم الخداع. إذن ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ تدل على هذا المعنى، ولا يكون هناك تعارض بين القراءتين لأنَّ وما يخادعون قد يتحقق. وقد لا يتحقق. لكن قراءة وما يخدعون بينت لنا أنه قد تحقق وأن هذا الخداع لم يقع في حقيقة

الأمر وبال إلا على أنفسهم. ولذلك تفطن لذلك بعض العلماء كمكي بن أبي طالب وابن كثير وغيرهما فلذلك في هذه القراءة أو في هذه الآية يقول مكي بن أبي طالب وحمل القراءتين يخادعون يخدعون وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن. وقال كذلك ابن كثير رحمه الله تعالى قال وكل القراءتين ترجع إلى معنى واحد وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد وحينئذ فلا إشكال بفضل الله سبحانه وتعالى، في معنى الآية الكريمة أو في هاتين القراءتين ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾.

فإنَّ قلت: وكيف خادع نفسه وهل الشخص يخادع نفسه يقال نعم خادعوا أنفسهم كما قال الطبري لأنه «يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها وهو موردها به حياض عطبها22 ومجرعها به كأس عذابها ومذيقها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به. فذلك خديعته نفسه ظنا منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن»، يعني: هو يظن أنه يحسن إلى نفسه ولكنه في الحقيقة يضر نفسه «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» [النص صحيح، ولا يحتاج إلى تعديل]. وأما مخادعتهم لله وللذين آمنوا فهو النوم يعاملون الله معاملة المخادعين حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾2324 والمؤمنون لم يقع خداع لهم على وجه التحقيق لأنَّ الله سبحانه وتعالى، بصرهم وأطلعهم بما وقع منهم أو أطلع نبيه ﷺ على ما أبطنوا قال هنا والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين25، وفي قراءة وما يخدعون ما معنى هذا الكلام

إذن نحن عرفنا ما في قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ وعرفنا الإشكال الذي وقع لدى بعض العلماء كابن جرير الطبري وكيف الجواب عنه. ولذلك في الآية الكريمة إشكالان لدى عالمين جليلين في علم التفسير قلت: في الدرس الماضي أن ابن عاشور وهم حينما ظن، أن قوله سبحانه وتعالى، ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾2627 أن فيها قراءتين وأن قوله ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾28 ليس فيها إلا قراءة واحدة وقلت إنه عكس.

فاعلة من جهة واحدة كعاقبت اللص

الأمر والأمر الثاني: ما وقع فيه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى من رده قراءة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ مع أنَّها قراءة متواترة هنا يقول السيوطي والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين، وفي قراءة وما يخدعون قبلها قال ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعلمون سأتكلم عن معنى يشعرون بعد قليل بإذن الله تعالى.

لكن هنا قال والمخادعة هنا من واحد ما معنى ذلك في قوله سبحانه ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ29 وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾30 يخادعون، وبعدها ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ يقول المخادعة هنا من واحد لأنَّ المخادعة وقعت من المنافقين، ولم تقع من الله، ولا من الذين آمنوا، يعني: هو يريد أن يجيب عن سؤال إذا قال قائل إن المخادعة ﴿أَنَّمَا﴾ وقعت من المنافقين. وأما الله فلم يُخادِعْ، وكذلك الذين آمنوا لم يُخادِعوا فكيف الجواب

فقال لا مانع أن يقال إن المخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص بمعنى أن فاعلة وإن كانت في الغالب يُستعمل بين اثنين أو يُستعمل فيما يكون الفعل فيه مشتركًا فيقال ضارب فلان فلانًا شارك فلان فلانًا. لكن أحيانًا تأتي فاعلة من جهة واحدة وتكون من شخص واحد كما في قوله كعاقبت اللص أنت حينما تقول عاقبت اللص الذي عاقب واحد وليس أمرًا مشتركا، وكذلك عافاه الله فعافاه الله هذا من جهة واحدة فالمعافى من عند الله سبحانه وتعالى، وكقوله جل ذكره ﴿قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾3132 فقول قاتلهم الله هذا من جهة واحدة.

إذن نخلص من ذلك، أن السيوطي يريد أن يجيب عن إشكال قد يرد وهو كيف تقع المخادعة من الله، ومن الذين آمنوا فهو يقول لا مخادعة وإنَّما فاعلة لا تقتضي في كل الأحوال أن تكون من ناحيتين أو من جانبين فهنا المخادع من واحد كقولك عاقبت اللص. وهذا الذي قرره قرره غيره. فقد قال الواحدي في التفسير الوسيط له33 والمفاعلة.

وهذه قاعدة نستفيدها قال والمفاعلة كثيرًا ما يقع من الواحد أو ما تقع من الواحد كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعلة تكون من جهة واحدة فتقع من الواحد وإن كان الإمام الطبري رحمه الله تعالى يرى أنَّ ذلك شاذ منطق العرب. لكن قد قرره كثير من أهل العلم. وقالوا إنه معروف في اللغة.

ومن ذلك ما تقدم في قوله سبحانه قاتلهم الله وهو من جهة واحدة. فهذا معروف في لغة العرب وليس بشاذ على ما يبدو، والله تعالى أعلم.

ذكر الله تحسين أم الآية على بابها

هذا من جهة طيب نكمل كلام السيوطي ثم نبين ماذا فيه قال وذكر الله فيها تحسين، يعني: أن كلمة الله في قوله ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ تحسين، يعني: كأن أصل الكلام يخادعون الذين آمنوا يخادعون الذين آمنوا. وأما ذكر الله فهو على سبيل التحسين فقط، وليس مرادًا، يعني: كأن أصل الكلام يخادعون الذين آمنوا وإنَّما ذكر الله تبركا وذكر الله على سبيل التحسين.

وهذا الذي ذكره السيوطي تابع فيه الكواشي. وقد سبقهما إلى ذلك الثعلبي والواحدي والبغوي وغيرهم لذلك قالوا: إن قوله ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ ذكر الله تحسين وتزيين لافتتاح الكلام وحتى أقرب المسألة. إن كثيرًا من المفسّرين قد قالوا ذلك في قوله جل ذكره ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ﴾3435 قد يقول قائل ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾36 وهل الله سبحانه وتعالى، يستفيد شيئًا من الغنائم

هل يعود على الله نفع من الغنائم قلَّ أو كثر الله قال ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ بعضهم يقول ذكر الله تحسين، يعني: ربنا يبين أنها حقوق ينبغي لنا أن نلتفت إليها وأن لا نحيد عنها فمن ضيعها فكأنَّما ضيع حق الله سبحانه وهنا كذلك يرفع الله شأن المؤمنين وكأنه يقول إن من يخادع المؤمنين كأنما يخادع ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

لكن المعنى يخادعون الذين آمنوا هنا كأنه يريد أن يقول ليس هناك خدع من المنافقين لله أصلًا ﴿أَنَّمَا﴾ الخداع للذين آمنوا. لكن الله ذكر المؤمنين فقارنهم باسمه العظيم. فقال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ هذا معنى وذكر الله فيها تحسين. ولذلك بعضهم قال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ على تقدير مضاف. وهذا وجه آخر أي: يخادعون رسول الله.

فقالوا معنى ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ أي: يخادعون رسول الله والذين آمنوا هكذا قال بعض المفسّرين ومروي عن الحسن رحمه الله تعالى. لكن هذا القول الذي ذكره السيوطي وهو، أن ذكر الله فيها تحسين قد ذكره الكواشي. لكن الكواشي لما ذكره قال بعدها أو تكون المخادعة من اثنين، يعني: هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: لا هناك مخادعة حقيقة بالفعل المنافقون خادعوا.

لكن لم يخدعوا فهم يقولون لا إشكال في الآية لماذا ندعي أن ذكر الله تحسين أو أنَّ هناك مضافًا مقدرًا لماذا لا نبقي الآية على ظاهرها ونقول نعم هم خادعوا الله والذين آمنوا. لكن هم خادعوا، ولم يخدعوا خادعوا، يعني: حاولوا الخداع، ولم يخدعوا، يعني: لم يتحقق لهم ذلك. إذن الأمر على بابه لذلك الكواشي قال بعد هذا قال أو بعد أن ذكر كلام السيوطي وذكر الله فيها تحسين والسيوطي هو الذي نقل عنه قال أو تكون المخادعة من اثنين بأن أجر عليهم حكم الإيمان بقولهم هذه الكلمة بحقن الدماء وحفظ الأموال مع علم الله تعالى بهم ورسوله ﷺ كقوله عز وجل ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾3738.

ولذلك قالوا الآية على بابه، يعني: هم خادعوا الله والذين آمنوا. لكن الله لم يخدع والمؤمنين كذلك لم يخدعوا. وهذا ما قرره أيضًا غير واحد فالسمعاني رحمه الله تعالى قال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾، أن يعاملون الله معاملة المخادعين حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ﴿وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾39 لذلك في الآية الأخرى ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾4041.

وهذا يثبت هذا المعنى إن هم خادعوا. لكن ﴿وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ قال أن يعاملهم معاملة المخادعين. وذلك على وجهين أحدهما أنه حكم بإيمانهم في الظاهر وكفرهم في الباطن كما فعلهم، يعني: هم في الظاهر حكموا لأنفسهم بالإيمان أو أرادوا من المؤمنين، أن يحكموا عليهم بالإيمان وهم في باطنهم يبطنون الكفر والله عز وجل عاملهم في الظاهر كأنهم مؤمنون عاملهم أهل الإيمان على أنهم مؤمنون ولكنهم في الباطن عند الله من الكفر والثاني وذهب المؤمنون بنورهم.

ولذلك يقال لهم: ﴿ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾42. نسأل الله السلامة والعافية.

ولذلك على هذا القول فليس هناك حاجة إلى أن نقول إن ذكر الله فيها تحسين من باب أنه لا يقع منهم خداع لله النوم نقول هم حاولوا ذلك. لكن لم يتحقق لهم هذا التحسين لم يتحقق لهم هذا الأمر على كل حال فهما قولان في تفسير قوله تعالى ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ وبهذا يزول الإشكال بفضل الله قال هنا وفي قراءة وما يخدعون هذا فيه أن القراءة التي اعتمدها السيوطي في بادئ

الشعور فطنة للخفي لا علم بالمحسوس

الأمر هي قراءة وما يخادعون. ولذلك كما تقدم في الدرس الماضي قلت: هذا يدل على أن السيوطي لم يعتمد ابتداء قراءة عاصم أو رواية حفص عن عاصم وإنَّما كان يقدم قراءة أخرى كقراءة أبي عمرو البصري رحمه الله تعالى طيب هنا في قوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾43 قال يعلمون، أن خداعهم لأنفسهم، يعني: وما يعلمون، أن خداعهم لأنفسهم ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾44 وما يعلمون، أن خداعهم لأنفسهم.

لكن هناك فرق بين الشعور والعلم فهنا قال الله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾45 لم يقل وما يعلمون وسيأتينا بعد ذلك أيضًا ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾46. لكن بعد ذلك قال: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾47 بعض العلماء قال: إن الشعور العلم بالحواس، ومنه مشاعر الإنسان حواسه. فقالوا إنهم لفرط جهلهم بعد عنهم العلم بالمحسوسات، يعني: هم لو نظروا إلى أنفسهم لعلموا أنهم مخادعون لأنفسهم ولكنهم لفرط جهلهم لا يشعرون، ولا يحسون بالشيء الظاهر، يعني: مع أنَّه ظاهر وواضح لكل من نظر إليه لكنهم كأنهم عمي.

بل هم عمي لا يتفطنون إلى الحق، ولا يعرفون الرشد أو الصواب فهم يظنون، أن كلامهم قد وافقهم عليه رسول الله ﷺ والمؤمنون وأنهم كما سلمت دماؤهم وأموالهم في الدنيا فسيسلمون في الآخرة. بل كما قال الله ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾4849 حتى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾5051 ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾5253.

نسأل الله السلامة والعافية. لكن المتأمِّل في أصل المادة، مادة الشعور، لا يجد أن هذا الكلام هو كلام كثير من المحققين، إذ إنهم يطلقون الشعور على العلم بالأشياء الخفية. وهذا أيضًا ما ذكره الكواشي نفسه، قال وأصله العلم الدقيق المستنبط، وأصله العلم الدقيق المستنبط يبقى ما معنى الشعور علم دقيق مستنبط، ومنه الشاعر يقال للشاعر شاعر لماذا هو شاعر لأنه يستنبط المعاني الدقيقة فليس كل أحد بإمكانه، أن يكون شاعرا ليس بإمكان كل أحد أن يكون شاعرًا.

ولذلك يقول الراغب وشعرت أصبت الشعر، ومنه استعير شعرت كذا أي: علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر54، ومنه سمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته. ولذلك قال ابن عاشور والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية55، ومنه سمي الشاعر شاعرا لعلَّمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية بسهولة، ولا يحسن لذلك كل أحد ما كل أحد يستطيع أن يقول الشعر، ومنه قولهم ليت شعري تجد القائل يقول ليت شعري في التحير في علم خفي ولولا الخفاء لما تمنَّى علمه.

بل علَّمه بلا تمن، يعني: أنت حينما تقول ليت شعري تتمنى لو كان الشعر من اليسر أن تصل إليه ما عبَّرت بليت شعري فدل ذلك على أن الشعور يدل على معنى دقيق قال فقولهم هو لا يشعر وصف بعدم الفطنة، يعني: النوم ليس لديهم فطنة لا بعدم الإحساس أنا أركز بذلك على كلام السيوطي أنه قال لا يشعرون لا يعلمون ففسر الشعور بالعلم.

ولذلك أيضًا، يعني: قال مثل هذا الكلام الزمخشري حينما قال فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له56 وسيأتينا في قول ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾57. لكن الأقرب أنه وصف بعدم الفطنة لا بعدم الإحساس وهو أبلغ في الذنب لأنَّ الذنب الوصف الممكن الحصول أنك من الذنب بما يتحقق عدمه. فإنَّ إحساسهم أمر معلوم لهم وللناس فلا يغيظهم، أن يوصفوا بعدمه وإنَّما الذي يغيظهم، أن يوصفوا بالبلادة، يعني: حينما يقول الله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

إذن عندهم بلادة لا يتفطنون، على أن خفاء مخادعتهم أنفسهم مما لا يمترى فيه لأنَّ بالفعل الذي يرى المنافقين وهم يعيشون في الدنيا ويأكلون ويشربون ويقاسمون ويشاركون المؤمنين والمسلمين حياتهم ربما يخفى عليه أن أمر هؤلاء إلى وبال وهذا يعني: أنه أمر دقيق وأمر خفي لذلك جاء التعبير القرآني ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، وكذلك في قولي ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ لأنَّ كليهما أثبت فيه ما هو المآل والغاية وهي مما يخفى واختير في قوله ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾58.

لكن في السفه ربنا قال ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ نفي العلم دون نفي الشعور لأنَّ السفه قد يبدو لصاحبه بأقل التفاتة إلى أحواله وتصرفاته لأنَّ السفه أقرب إلى الظهور من مخادعة النفس عند إرادة مخادعة غيرها، ومن حصول الإفساد عند إرادة الإصلاح، يعني: الإنسان السفيه لو التفت إلى نفسه رأى السفاهة فالسفاهة ظاهرة لذلك عبر عنها بالعلم لما

لأن العلم أصله الظهور. ولذلك العلم يدل على العلامة الأثر الظاهر. أما الشعور يدل على. المعنى الباطن أرجو، أن يكون المعنى قد اتضح في ذكر قوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ دون قوله وما يعلمون ولعله يأتي مزيد تفصيل لذلك بإذن الله تعالى في الدرس المقبل وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير الآية الكريمة وعرفنا ما ورد من إشكالات في فهمها وما وقع فيه بعض المفسّرين في القراءات المتواترة الواردة فيها بفضل الله ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يسلمنا من المنافقين، ومن النفاق وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
  3. تعليق: هذا هو المجلس العاشر من مجالس التعليق على تفسير الجلالين — كتاب: «تفسير الجلالين». ↩
  4. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 9 ↩
  5. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 9 ↩
  6. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — البقرة: 9 ↩
  7. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  8. تعليق: أن ابن جزي رحمه الله، قال يقال: خادع إذا رام الخداع، وخدع إذا تم له — قول: «يقال خادع إذا رام الخداع وخدع إذا تم له». الذكر في الدرس: ابن جزي. ↩
  9. تعليق: قال خطأ أن يقال إنهم خدعوا المؤمنين — قول: «خطأ أن يقال إنهم خدعوا المؤمنين». الذكر في الدرس: الطبري. ↩
  10. تعليق: وكذلك أيضًا الواحدي في الوجيز — كتاب: «الوجيز». الذكر في الدرس: الواحدي. ↩
  11. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  12. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  13. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — البقرة: 9 ↩
  14. آية: ﴿وَمَا يُخَـٰدِعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 9 ↩
  15. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  16. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  17. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ — البقرة: 9 ↩
  18. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  19. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  20. آية: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ — النساء: 82 ↩
  21. تعليق: الرواية إذا ثبتت عنهم، يعني: عن القراء لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغةً لأنَّ القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها — قول: «القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها». الذكر في الدرس: أبو عمرو الداني. ↩
  22. تعليق: «يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها وهو موردها به حياض عطبها — قول: «يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها وهو موردها به حياض عطبها». الذكر في الدرس: الطبري. ↩
  23. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 9 ↩
  24. آية: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 9 ↩
  25. تعليق: يقول السيوطي والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين — قول: «والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين». الذكر في الدرس: السيوطي. نسبة الشيخ: تفسير الجلالين. ↩
  26. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — البقرة: 9 ↩
  27. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — البقرة: 9 ↩
  28. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  29. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ — البقرة: 9 ↩
  30. آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — البقرة: 9 ↩
  31. آية: ﴿قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المنافقون 4 ↩
  32. آية: ﴿قَـٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ — المنافقون: 4 ↩
  33. تعليق: فقد قال الواحدي في التفسير الوسيط له — كتاب: «التفسير الوسيط». الذكر في الدرس: الواحدي. ↩
  34. آية: وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ — كما ورد في الدرس: الأنفال 41 ↩
  35. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ﴾ — الأنفال: 41 ↩
  36. آية: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ﴾ — الأنفال: 41 ↩
  37. آية: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 178 ↩
  38. آية: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ — آل عمران: 178 ↩
  39. آية: ﴿وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ — النساء: 142 ↩
  40. آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 142 ↩
  41. آية: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ — النساء: 142 ↩
  42. آية: ﴿ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ — الحديد: 13 ↩
  43. آية: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 9 ↩
  44. آية: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ — البقرة: 9 ↩
  45. آية: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 9 ↩
  46. آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 12 ↩
  47. آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 13 ↩
  48. آية: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 18 ↩
  49. آية: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ — المجادلة: 18 ↩
  50. آية: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 18 ↩
  51. آية: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ — المجادلة: 18 ↩
  52. آية: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 19 ↩
  53. آية: ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ﴾ — المجادلة: 19 ↩
  54. تعليق: يقول الراغب وشعرت أصبت الشعر، ومنه استعير شعرت كذا أي: علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر — قول: «وشعرت أصبت الشعر، ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر». الذكر في الدرس: الراغب. ↩
  55. تعليق: قال ابن عاشور والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية — قول: «والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية». الذكر في الدرس: ابن عاشور. ↩
  56. تعليق: قال مثل هذا الكلام الزمخشري حينما قال فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له — قول: «فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له». الذكر في الدرس: الزمخشري. ↩
  57. آية: ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 12 ↩
  58. آية: ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 13 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا — كما ورد في الدرس: النساء 82
  • آية: أَلَآ إِنَّهُمْ ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ — كما ورد في الدرس: البقرة 12
  • آية: أَلَآ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ — كما ورد في الدرس: البقرة 13

من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة