مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس العشرون: التعليق على تفسير الجلالين تفسير سورة البقرة الآية (22-23)

سلسلة التعليق على تفسير الجلالين · الدرس 21 من 21 · 41 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. منّ الماء والثمرات برهان استحقاق العبادة
  2. تحرير من الثمرات بين التبعيض والبيان
  3. النهي عن الأنداد إفراد العبادة لا تركها
  4. وأنتم تعلمون توبيخ لا تقييد للحكم
  5. إثبات العلم لهم منهج تربوي في إثارة الهمة
  6. التحدي بسورة إثبات النبوة ومرجع الضمير
  7. الإعجاز البلاغي والهدائي والإخبار بالغيب
  8. حدّ السورة وما يخرج عن صلب التفسير
التفريغ النصي الكامل للدرس

منّ الماء والثمرات برهان استحقاق العبادة

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع المجلس العشرين من مجالس التعليق على تفسير الجلالين. وقد توقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ2 ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾3 قال الجلال رحمه الله تعالى ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ﴾ أنواع الثمرات رزقًا لكم تأكلونه وتعلفون به دوابكم ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾4 شركاء في العبادة وأنتم تعلمون أنه الخالق، ولا يخلقون، ولا يكون إلهًا إلا من يخلق توقفنا عند قوله ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ قال هنا من أنواع الثمرات رزقًا لكم تأكلونه وتعلفون به دوابكم وقوله: تأكلونه وتعلفون به دوابكم سقط من بعض النسخ وقوله: تأكلونه وتعلفون به دوابكم لبيان أنواع هذه الثمار.

وهذا الرزق الذي يمن الله به سبحانه وتعالى، على عباده فالله عز وجل ينزل من السماء ماء فينتفع به الخلق والذي أنزل هذا المعنى هو الله عز وجل لا غيره فكيف تُصرف العبادة لغيره عز وجل وبهذا يتبين، أن هذه الآية الكريمة تنبئنا عن عظيم قدرته وجميل إحسانه سبحانه لخلقه، وأنه لا ينبغي لهم أن يصرفوا العبادة لغيره عز وجل فمن خلق ورزق هو الحقيق بأن يعبد وحده عز وجل قال هنا فأخرج به من أنواع الثمرات فهي أنواع مختلفة ومتعددة قال القرطبي والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألواناً من الثمرات وأنواعًا من النبات.

ولذلك ربنا سبحانه وتعالى، امتن على خلقه. وقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ5 مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا﴾6.

تحرير من الثمرات بين التبعيض والبيان

وقد اختلف المفسرون في نوع من هنا في قوله فأخرج به من الثمرات فمنهم من قال إنها للتبعيض، ومنهم من قال إنها للتبيين فهي بيانية قال البيضاوي، ومن الثانية أي: هذه للتبعيض بدليل قوله ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ﴾ فهو استدل بآية سورة فاطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ﴾ وهي هناك منكرة في سياق الإثبات فتدل على معنى الإطلاق للعموم فيكون المراد بذلك بعض الثمرات لا جميع الثمرات قال بدليل قوله تعالى ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ﴾ واكتناف المنكرين أعني ماء ورزقًا في بداية الآية قال الله ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ فقوله: وأنزل من السماء ماءً جاءت نكرة، وكذلك قوله رزقًا جاء منكرًا فاكتنفه من قبله، ومن بعده التنكير كأنه قال وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهكذا الواقع إذ لم ينزل من السماء الماء كله ولا أخرج بالمطر كل الثمرات، ولا جعل كل المرزوق ثمارًا أو للتبيين، أي: القول الثاني في من أنها للتبيين فيقولون لبيان الجنس ورجح السمين الحلبي أن من هذه للتبعيض ورد على من زعم أنها زائدة وجعلها الزمخشري لبيان الجنس.

لكن تعقبه السمين. فقال، وفيه نظر إذ لم يتقدم ما يبين هذا وكأنه، يعني: أنه بيان لرزقًا من حيث المعنى إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن من تبعيضية. فذلك لأنَّ الذي ينتفع به الناس ويصل إلى الناس ويكون رزقًا لهم هو بعض من هذه الثمرات، وكذلك هم ينتفعون من هذا المعنى، ومن غيره. وأمَّا مَنْ قال إنها للبيان لبيان الجنس فالمعهود أن يذكر المبين أولًا ثم بعد ذلك تأتي من البيانية ويأتي مجرورها كقوله سبحانه ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ﴾7 فالرجس ذكر ابتداء.

ثم قال من الأوثان. لكن هنا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن من بيانية فهي بيان لماذا بيان للرزق والرزق جاء بعد ذلك ﴿فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ ولم يقل فأخرج به رزقًا من الثمرات. فهذا وجه الاعتراض على ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنها للبيان. لكن ابن عاشور قال ومن التي في قوله من الثمرات ليست للتبعيض هو يرد على من يذهب إلى أنها للتبعيض قال إذ ليس التبعيض مناسبًا لمقام الامتنان لا يناسبه القول بالتبعيض كذا ذهب إليه ابن عاشور قال.

بل إما لبيان الرزق المخرج وتقديم البيان على المبين شائع في كلام العرب وإما زائدة لتأكيد تعلق الإخراج بالثمرات. يعني أنه يرد على ما ذهب إليه السمين من منع أن تكون «من» لبيان الجنس بدعوى أن البيان يكون متأخرًا عن المبين بأن هذا ليس بلازم وتقديم البيان على المبين شائع في كلام العرب على كل حال فحاصل.

الأمر أن من في قوله فأخرج به من الثمرات منه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنها تبعيضية وانتقد هذا القول بأنه لا يناسب مقام الامتنان ﴿وَقِيلَ﴾ إنها لبيان الجنس واعترض على ذلك بأنَّ المبين يكون أسبق وهنا المبين جاء بعده وأجيب عن ذلك بأنَّ هذا شائع أيضًا في كلام العرب أعني تقديم البيان على المبين، ومَنْ يقول: إنها زائدة يقصد بذلك أنها زائدة على أصل.

المعنى وأنها جيئ بها من أجل التأكيد. لكن السمين تعقب ذلك إذ إنها جاءت في سياق الإثبات والمجرور بها جاء معرفة لا نكرة وأن هذا يخالف الواقع إذ كثير من الثمرات تتحقق وهنا عمَّم الجلال فقال: تأكلونه وتعلفون به دوابكم فالانتفاع قد يكون للإنسان. وقد يكون للحيوان والحيوان يعود انتفاعه إلى الإنسان.

وقد قال الله سبحانه ﴿مَّتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ﴾89

النهي عن الأنداد إفراد العبادة لا تركها

قال ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾10 قال شركاء في العبادة ففسر الند بالشريك في العبادة. فهذا نهي من الله سبحانه وتعالى، لعباده عن، أن يشركوا به شيئًا. وهذا مترتب على ما سبق لذلك دخلت الفاء ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ هذا ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآ11ءً﴾.

وهذا ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ هذا ربكم الذي خلقكم وخلق الذين من قبلكم لا ينبغي أن يعبد غيره، ﴿وَلَآ أَن﴾ يشرك به سبحانه وتعالى، فاستدل على استحقاقه الألوهية بما يقرون به من اعتقادهم وعلمهم بأن الله عز وجل هو الخالق وهو الرازق سبحانه وتعالى، وأصل الند الذي هو مفرد أنداد كما قال البيضاوي خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي بالمماثل في القدر والعلماء لهم في تفسير قوله أندادا هنا أقوال فمنهم من قال أندادا أكفاءً أو أشباها أو أضدادا ويُلاحظ أن رب العزة سبحانه وتعالى، صدر الآيتين الكريمتين بالأمر بالعبادة.

فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾12، وبعد ذلك أتبع هذا بنهي. فقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾13 فجعل الند في مقابلة العبادة ويستفاد من ذلك، أن العبادة التي أمرنا بها في صدر الآيات ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ المراد بها: إفراد الله بالعبادة لا أن يعبد ويعبد غيره ولكن، أن يعبد وحده عز وجل لذلك جاء هنا ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ فمن عبد مع الله غيره وجعل لله ندًّا فهو لم يعبد الله سبحانه وتعالى، وإن زعم أنه يعبده في حين أو في وقت وما أشبه ذلك ومن النفيس في هذا الأمر كلام ابن عاشور إذ قال أمركم بعبادته الذي أمركم بعبادته هو المستحق للإفراد بها فهو أخص من مطلق ضد العبادة لأنَّ ضد العبادة عدم العبادة فلم يقل فلا تتركوا العبادة ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ً قال ولكن لما كان الإشراك للمعبود في العبادة يشبه ترك العبادة جعل ترك الإشراك مساويًا لنقيض العبادة لأنَّ الإشراك ما هو إلا ترك لعبادة الله عز وجل في أوقات تعظيم شركائهم والند بكسر النون المساوي والمماثل في أمر من مجد أو حرب وزاد بعض أهل اللغة أن يكون مناوئًا أي: معاديًا وكأنهم نظروا إلى اشتقاقه من «ندَّ» إذا نفر وعاند قال ابن عاشور وليس بمتعين لجواز كونه اسمًا جامدًا وأظن، أن وجه دلالة الند على المناوأة والمضادة أنها من لوازم المماثلة عرفًا عند العرب.

فإنَّ شأن المثل عندهم، أن ينافس مماثله ويزاحمه في مراده فتحصل المضادة قال هنا فلا تجعل لله أندادا شركاء في العبادة فكما أنَّ الخالق هو الله وحده والرازق هو الله وحده فلتكن العبادة لله وحده قال الطبري نهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئًا وأن يعبدوا غيره أو يتخذوا له ندًّا وعدلًا في الطاعة. فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملك إياكم ونعمتي التي أنعمتها عليكم فكذلك فأفردوا لي الطاعة وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًّا من خلقي فإنكم تعلمون، أن كل نعمة عليكم مني وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ فيه أنه ليس هناك ند على وجه الحقيقة ﴿أَنَّمَا﴾ هم الذين يجعلون هم الذين يصيرون هذا المخلوق بمثابة الخالق وهيهات ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قال ابن عاشور

والمعنى لا تثبتوا لله أندادًا تجعلونها جعلًا وهي ليست أندادًا يقصد أنها ليست أندادا في حقيقة الأمر وسماها أندادا تعريضًا بزعمهم لأنَّ حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون. إن الآلهة شفعاء ويقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ وجعلوا الله خالق الآلهة.

فقالوا في التلبية «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» لكنهم لما عبدوها ونسوا بعبادتها والسعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسم حولها عبادة الله، أصبح عملهم عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله تعالى لأنَّ العبرة بالفعل لا بالقول، وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب الحال، ومناقضة الأقوال للأفعال.

وأنتم تعلمون توبيخ لا تقييد للحكم

وهذا كلام جيد ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال هنا وأنتم تعلمون أنه الخالق، ولا يخلقون، ولا يكون إلهًا إلا من يخلق. جلال الدين السيوطي قدر هنا المفعول ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني: والحال أنكم تعلمون فقول وأنتم تعلمون جملة حالية. لكن قال هنا وأنتم تعلمون تعلمون ماذا وأنتم تعلمون تعلمون ماذا ما مفعول تعلمون قدره هنا الجلال قال وأنتم تعلمون أنه الخالق، ولا يخلقون، ولا يكون إلهًا إلا من يخلق فهو رد على اتخاذهم الأنداد لله سبحانه وتعالى، بأنهم يعلمون أنه الخالق، ومن ثم فينبغي أن لا يعبد إلا هو عز وجل.

لكن من أهل العلم من قدر مفعولًا آخر. ولذلك اختلفوا في تقدير هذا المفعول، ومنهم من قال لا حاجة إلى تقدير المفعول. بل هو مطروح وهو ما تقدم بيانه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في أن الفعل المتعدي، أي: الذي يحتاج إلى مفعول قد ينزل منزلة الفعل القاصر الذي لا يحتاج إلى مفعول فحينئذ لا يحتاج إلى تقدير وإنَّما الذي يراد من ذلك هو نسبة الفعل إلى الفاعل فالمعنى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني: وأنتم ذوو علم وأنتم ذوو عقل فمن كان ذا عقل ومن كان ذا علم فلا ينبغي له أن يعبد من لا يخلق أو أن يعبد من لا يرزق.

فهذا ينافي العقل. وهذا ينافي الحكمة وينافي العلم وصاحبه يستحق أن يقال له: سفيه كما قال الله، ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾14 وكما قال: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾15. إذن هناك من قدر من أهل العلم مفعولًا لقوله تعلمون وهناك من قال لا حاجة إلى هذا التقدير. ولذلك ذكر البيضاوي القولين فذكر قول ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إنه مطروح، ومعنى إنه مطروح، يعني: لا حاجة إليه قد نزل الفعل المتعد منزلة القاصر أو منوي، يعني: أننا ننوي معناه: فيحذف المفعول لتذهب النفس فيه كل مذهب فأنا أحاول تقديره وأنت تحاول تقديره بما يناسب السياق وحينئذ منهم من قال كما قال جلال الدين هنا وأنتم تعلمون أنه الخالق وأنتم تعلمون أنه الخالق، ولا يخلقون، ولا يكون إلهًا إلا من يخلق.

وهذا التقدير جيد منه. إن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه هناك حاجة إلى هذا التقدير، ومنهم من قدر وأنتم تعلمون أنها لا تماثله، ولا تقدر على مثل ما يفعله كقوله سبحانه ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْ16ءٍ﴾ وعلى كل حال فالأمر المقصود منه التوبيخ المراد من قوله وأنتم تعلمون التوبيخ لا تقييد الحكم وقصره عليه، يعني: ليس.

المعنى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا17 وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ليس. المعنى لكم، أن تجعلوا لله أندادا إذا كنتم لا تعلمون. فإنَّ منع اتخاذ الأنداد لله مطلوب في كل حال سواء علموا أم لم يعلموا. لذلك قال البيضاوي فالمقصود منه التوبيخ والتثريب لا تقييد الحكم وقصره عليه. فإنَّ العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف.

إثبات العلم لهم منهج تربوي في إثارة الهمة

فالله ليس له ند. وهناك لطيفة أخرى مع التوبيخ والفائدة الأخرى مع هذا أن فيه إثارة الهمة فيه إثارة الهمة فوصفتم بأنكم ذو علم ومن وصف بأنه ذو علم حقيق به أن يحافظ على العلم ومقتضى العلم فيراجع نفسه ويراجع عقله ويعلم، أن هذا مما ينافي العقل والعلم قال ابن عاشور أثبت لهم علمًا ورجاحة الرأي ليثير همتهم ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية ونهاهم عن اتخاذ الآلهة أو نفى ذلك مع تلبسهم به وجعله لا يجتمع مع العلم توبيخًا لهم على ما أهملوا من مواهب عقولهم وأضاعوا من سلامة مداركهم.

وهذا منزع تهذيبي عظيم والمعنى أننا نستفيد من ذلك في الجانب التربوي والجانب المسلكي قال أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه حتى لا يقتل همته باليأس من كماله فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت عزيمته وذهبت مواهبه ويأتي بما يدل على نقائص فيه ليطلب الكمال فلا يستريح من الكد في طلب العلا والكمال.

وهذا كلام جيد أيضًا والمعنى أنك حينما تعاتب غيرك ممن تربيه وتوبخه تذكر فيه صفة حسنة جميلة كأن تقول له أنت ممن يفهمون وأنت ممن لديهم ذكاء وأنت تقصد بذلك أمرين. أما الأمر الأول فهو أنك توبخه كيف أنك مع ذكائك ومع فهمك لا تتعقل هذا ولا تراعي هذه السلوكيات فتترك السلوك السيء مثلًا فأنت بذلك تذم أنه لم يستعمل ما لديه من كمال أو من فضل والجانب الآخر أنك تدفعه إلى الأمام.

أما إن قلت: له إنك غبي فحينئذ لن يحاول الفهم أصلًا أو قلت: له إنك معروف بالسلوك السيء فإنَّه سيعتاد ذلك بما فيه من خصال حسنة دفعه ذلك إلى أن يقوم بفعلها وبتحقيقها والازدياد منها قال فلا تجعل ﴿لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وحاصل الأمر أن قوله وأنتم تعلمون إمَّا أن يقال إن المفعول مطروح والفعل نزل منزلة لازم فالمعنى وأنتم ذوو علم أو ذوو عقل ومن كان كذلك فلا ينبغي أن يعبد غير الله سبحانه وتعالى، أو أنَّ هناك مفعولًا ثم بعد ذلك تتعدد أقوال العلماء في تقدير هذا المفعول قال القرطبي رحمه الله.

فإنَّ قيل كيف وصفهم بالعلم. وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى قال فالجواب من وجهين أحدهما وأنتم تعلمون يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الأنداد فيكون وأنتم تعلمون أي: في علم خاص ليس في كل الأبواب والمعنى الثاني قال الثاني أن يكون.

المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم والله أعلم فيكون المعنى وأنتم تعلمون أي: بإمكانكم، أن تعلموا قد رزقكم الله عز وجل ما لو استعملتموه وصلتم إلى الحق والحقيقة. وقال ابن فورك يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين فتكون للمؤمنين أو يدخل فيها المؤمنون فتكون عامة قال فالمعنى لا ترتد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد وهناك من أهل العلم من جعل هذا الخطاب في قول ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ لأهل الكتاب.

فقال: وأنتم تعلمون ﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ كما هو في كتبكم ولكن ظاهر الآية أنه خطاب لأولئك الذين عبدوا غير الله سبحانه وتعالى، من عموم الكفر والمشركين. ولذلك جاء بعدها ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾18 والذين ارتابوا ابتداءً هم أهل الشرك كما لا يخفى. بعد هذا قال الله عز وجل ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾1920.

التحدي بسورة إثبات النبوة ومرجع الضمير

إن كنتم صادقين. قال السيوطي ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ﴾ شك تقدم تفسير الريب في قوله سبحانه في صدر سورة البقرة ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾21. وعرفنا أن الريب فسر بالشك ونقل الاتفاق على ذلك. وهذا لا يعني أنهما متساويان من كل وجه وإنَّما الريب شك مع قلق واضطراب النفس وخوف وكراهية ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا22 عَلَىٰ﴾ محمد من القرآن أنه من عند الله ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾، أي: المنزل، ومن للبيان قال شك تقدم الكلام فيه ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾.

وهذه الآية الكريمة جاءت للدلالة على إثبات نبوة رسول الله ﷺ وأن القرآن من عند الله بعد أن أثبت الله عز وجل إلهيته ورد على المشركين المتخذين له الأنداد فوجه الرابط والمناسبة بين هذه الآية وسابقتها جلي وواضح فقول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ﴾23 والآية التي تليها حديث عن إثبات الألوهية الوحدانية وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ﴾ فيه إثبات الرسالة إثبات النبوة وأن القرآن من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وجاء التعبير هنا بقوله ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ﴾ التي يُستعمل مع المشكوك فيه والمتردد في حصوله مع أنَّهم قد ارتأبوا.

وذلك لأنَّ هذا القرآن لا ينبغي أن يرتاب فيه. فإنَّ وقع ريب فلخلل في المرتابين لا في القرآن وتقدم هذا أيضًا في تفسير قوله ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ﴾ والذي نزله الله عز وجل على عبده هو القرآن الكريم والعبد هنا المضاف إلى الله سبحانه وتعالى، هو رسولنا ونبينا محمد صلوات الله وتسليماته عليه ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ﴾ قال محمد من القرآن وغالب ما جاء من ذكر العبد مضافًا إلى الله في القرآن الكريم قصد به الرسول ﷺ كقوله ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ﴾24 وكقوله سبحانه ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ﴾25، وفي قوله أيضًا ﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ﴾26 على قوله الجمهور إلا إذا وجدت القرينة الدالة على أن المراد به غير ﷺ كما في قوله عز وجل ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾27 قال هنا ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ محمد من القرآن أنه من عند الله، يعني: من كان في ريبة وشك في ذلك ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ قال، أي: المنزل فهو يتكلم هنا عن الضمير في قوله من مثله أو على من يعود الضمير في قوله من مثله جمهور المفسّرين كما نسبه إليهم ابن عطية والقرطبي وأبو حيان وغيرهم يقولون.

إن الضمير يعود على المنزل وهو القرآن الكريم فالمعنى فأتوا بسورة من مثل القرآن قال هنا، أي: المنزل. والمراد به القرآن الكريم. وهذا الذي ذهب إليه الجمهور استدلوا له بأدلة منها أن الارتياب أولًا ﴿أَنَّمَا﴾ يجيء به منصبًا على المنزل لا على المنزل عليه وإن كان الريب في المنزل ريبا في المنزل عليه بالالتزام فكان عود الضمير عليه أولى كما قال أبو حيان واستدل أيضًا بأن الآيات الأخرى التي هي نظائر لهذه الآية في سورة البقرة يتعين، أن يكون الضمير عائدًا فيها على القرآن كقوله سبحانه وتعالى، في سورة يونس ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ﴾28 وليس فيها ذكر لقوله على عبدنا فتعين، أن المراد بقوله مثله، أي: القرآن، وكذلك في آية سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ﴾29 ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ﴾30. فقالوا فهذه الآية أيضًا تدل على أن الضمير يعود على القرآن الكريم، ومنهم من قال. بل يعود على نبينا محمد صلوات الله وتسليماته عليه واقتصر جلال الدين على أن المراد به القرآن الكريم. وهذا ما عليه الجمهور كما سبق قال ومن للبيان لكن علينا أن نعلم أيضًا هنا أن قوله فأتوا هذا الفعل فعل أمر.

لكن قصد به التعجيز فالمراد بقوله فأتوا بسورة وهم لن يأتوا. فهذا الأمر يراد منه تعجيزهم، بيان تعجيزهم وأنهم غير قادرين على ذلك ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾، أي: المنزل قال ومن للبيان أي: هي مثله، أي: هذه السورة هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب قوله، ومن للبيان، يعني: أن من تفيد معنى البيان فتكون لبيان الجنس في قوله من مثله لبيان فأتوا بسورة ﴿مِنْ أَىِّ﴾: جنس.

فقال: من مثله. وهذا أحد الأقوال التي قيلت في معنى: من مثله؛ وإلا فهناك أقوال أخرى قال البيضاوي، ومن للتبعيض أو للتبيين وزائدة عند الأخفش أي: بسورة مماثلة للقرآن العظيم في البلاغة وحسن النظم قال أو لعبدنا، يعني: أن. المعنى الثاني أنها تعود على النبي ﷺ وهو المذكور بقوله على عبدنا، ومن أي: حينئذ تكون للابتداء أي: بسورة كائنة ممن هو على حاله عليه الصلاة والسلام من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب، ولم يتعلم العلوم.

وقال السمين ويكون معنى من التبعيض، يعني: على هذا القول وأن الضمير يعود على قوله ما نزلنا، أي: القرآن قال وأجاز ابن عطية والمهدوي أن تكون للبيان. وهذا في أن السيوطي هنا وافق بعض المفسّرين كابن عطية والمهدوي فجعلها للبيان. وأما ابن عاشور. فقال: الأظهر أن من ابتدائية جعلها بمعنى الابتداء كما هو.

المعنى المشهور من معاني من قال ابن عاشور الأظهر أن من ابتدائية أي: سورة مأخوذة من مثل القرآن أي: كتاب مثل القرآن والجار والمجرور صفة لسورة ويحتمل أن تكون من تبعيضية أو بيانية أو زائدة. إذن هذه أربعة أوجه أم أو اسما فهو مثل مقدر بناء على اعتقادهم وفرضهم، ولا يقتضي أن هذا المثل موجود لأنَّ الكلام مسوق مساق التعجيز لكننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الضمير يعود على ﷺ فهناك أمثال للرسول ﷺ من حيث الأمية هناك أميون كرسول الله ﷺ لكنهم لم يستطيعوا الإتيان بالقرآن.

بل ولم يستطع العرب، ولا العجم والأمر كما قال الله ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾31

الإعجاز البلاغي والهدائي والإخبار بالغيب

قال هنا أي: هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب يبين لنا وجه عجزهم ووجه فضل القرآن الكريم على غيره من الكلام فالآية الكريمة تبين عجز الناس عن الإتيان بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه والإخبار عن الغيبيات.

وهذه بعض مواضع الإعجاز في القرآن الكريم فالقرآن الكريم معجز في بلاغته وحسن نظمه وما أخبر به من الغيبيات ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾. إن كنتم صادقين. فقال: هنا في البلاغة وحسن النظم فالله عز وجل يبين لهم أن هذا القرآن قد جاء باللغة التي بها ينطقون ويتكلمون فهم يعرفون هذا اللسان يعرفون هذه اللغة.

ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، ولم يستطعوا. وقد بين الله سبحانه وتعالى، أن هذا العجز مستمر. ولذلك سيأتي بعد ذلك قوله عز وجل. ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾32 قال في البلاغة وحسن النظم فالقرآن معجز بنظمه العجيب البديع. وقد أقام الشيخ عبد القاهر الجرجاني كتابه دلائل الإعجاز على هذه القضية نظرية النظم.

وأن القرآن معجز بنظمه وطريقة تركيب كلماته بحيث تكون هذه الكلمة إلى أختها. وهذه الجملة إلى أختها بما لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثله وقوله: والإخبار عن الغيب. وذلك أنَّ في القرآن الكريم أخبار غيبية. وهذا يدل على أن القرآن من عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك مما نرد به على من يزعم، أن القرآن ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ وربما قال وهو ذكي فطن عبقري استطاع أن يأتي بهذا القرآن فنقول له: من أين لرسول الله ﷺ أن له أن يأتي بهذه الأخبار الغيبية التي لا تخضع لذكاء أو لعقل وفطنة وإنَّما هي عن طريق النقل المحض.

فقال: هنا والإخبار عن الغيب. لكن أهل العلم يقولون. إن الإعجاز الساري في القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته يتمثل في نوعين من أنواع الإعجاز الإعجاز الأول الإعجاز اللغوي البلاغي. وهذا الذي كان أظهر في تحدي العرب فهم يعرفون هذا الكلام وعرفوا من أنفسهم عدم القدرة على الإتيان بمثل هذا القرآن مع أنَّهم كانوا أفصح الناس وأبين الناس في حديثهم ومقالهم في نثرهم وشعرهم.

فهذا يقال له: الإعجاز اللغوي والبلاغٍ وهو سارٍ في القرآن كله والنوع الثاني ما يمكن أن يُسمَّى كما سماه بعض العلماء بالإعجاز الهدائي إعجاز القرآن في هداياته فالقرآن الكريم قد حوى الهدايات حوى أنواعها وألوانها بألطف ما يكون وأعظم ما يكون بما لا يمكن لمخلوق، ولا للمخلوقين ولو اجتمعوا أن يأتوا بمثل هذا المنهاج الذي بينه الله سبحانه وتعالى، في كتابه العزيز. وأما الإخبار بالغيبيات.

فهذا ليس في كل آيات القرآن وإنَّما هو في بعضها، وكذلك الألوان الأخرى من ألوان الإعجاز فإنَّها تكون في بعض الآيات دون بعض والعلم عند الله تبارك وتعالى، وفي هذه الآيات جمع بين لونين من ألوان الإعجاز فالآيات فيها تحدي بأسلوبها ونظمها البديع، وفيها أيضًا إخبار عن أمر غيبي. وهذا سيأتي في قوله، ولن تفعلوا فإنَّه أيضًا بيان لعجزهم في المستقبل فهو إخبار عن الغيب.

وقد كان. الأمر كذلك فقد عجزوا وعجز من تبعهم إلى يوم الناس هذا والناس عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن لأنه كلام الله لا كلام غيره سبحانه وتعالى،

حدّ السورة وما يخرج عن صلب التفسير

قال هنا والسورة قطعة لها أول وآخر أقلها ثلاث آيات يشرح لنا السورة والسورة هنا جاءت منكرة قالوا فالتنكير للإفراد أو النوعية فالمراد بسورة واحدة من نوع السور.

وذلك صادق بأقل سورة ترجمت باسم يخصه فمن مميزات السور أن كل سورة لها اسمها الذي يخصها والاسم المشهور يقال له: اسم توقيفي. وقد يكون للسورة أكثر من اسم. وقد تكون هناك أسماء اجتهادية وهو هنا بين لنا معنى السورة. فقال: قطعة فالسورة مجموعة من الآيات قطعة مجموعة من الآيات وقوله: قطعة يناسبه، أن يكون اشتقاق السورة من السؤر.

وقد قيل بذلك إذ من العلماء من قال: إن السورة من السؤر الذي يكون بقية الشراب أو قطعة من الشراب فقيل له سؤر وهنا قيل سورة فقيل بتخفيف الهمزة فيها وذهب كثيرون إلى أن السورة من السور. وذلك لأنَّ كل سورة محيطة بآياتها أو لأن السور يكون بعضها فوق بعض في بنائه، وكذلك السورة آيات بعضها إلى جوار بعض ﴿وَقِيلَ﴾ هي بمعنى المرتبة هذا كله في بيان معناه اللغوي، ومنه قول النابغة ألم تر أن الله أعطاك سورة قالوا مرتبة، ومنزلة لكنه بين هنا معنى السورة.

فقال: قطعة، أي: السورة في عرف القرآن واستعمال القرآن كما جاء في صدر سورة النور ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا﴾33 قال قطعة لها أول وآخر لها بداية ونهاية يقولون مطلع ومقطع أقلها ثلاث آيات. وذلك في سورة الكوثر ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾34 ويمكن أن نضيف لها اسم يترجم عنها فكل سورة لها اسم يترجم عنها، وأيضًا ولها مقصد خاص بها فمن أسباب تقسيم القرآن الكريم إلى سور أن لكل سورة مقصدًا يخصها وهدفا تهدف إليه قال أبو حيان.

وقد تعرض الزمخشري هنا لذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورًا وليس ذلك من علم التفسير وإنَّما هو من فوائد التفصيل والتسوير يقصد أن الزمخشري ذكر في تفسير هذه الآية كلامًا يتعلق بتفصيل القرآن وتقطيعه إلى سور والفوائد من وراء ذلك لماذا لم يأت القرآن كله بدون تقسيم وبدون أن يكون سورا ما الفائدة من تقسيم القرآن إلى سور ذكر

هذا. لكن أبا حيان يقول هذا ليس من علم التفسير وهو بهذا يبين لنا أن بعض المفسّرين أدخل في تفسيره ما ليس من صلب التفسير. وهذه قضية قد أولاها بعض الباحثين المعاصرين عنايته عناية فائقة وهو تحرير المراد بالتفسير لأنَّ الناظر في بعض كتب التفسير قد يجد أشياء ليست من أصل التفسير وإنَّما هي لطائف أو فوائد أو أمور أخرى تتعلق بعلوم القرآن التي لا يتوقف عليها فهم الآية.

وهذا له حديث آخر ومقام آخر يتعلق بأصول التفسير وعلوم القرآن وما أشبه ذلك من هذه الدراسات، وكذلك ما يتعلق بمناهج المفسّرين ونقف عند هذا الحد ونكمل بإذن الله - تبارك وتعالى في الدرس المقبل هذا والله أعلم. وفَّقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
  3. آية: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
  4. آية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
  5. آية: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 27 ↩
  6. آية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 27 ↩
  7. آية: ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 30 ↩
  8. آية: ﴿مَّتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ﴾ — عبس: 32 ↩
  9. آية: ﴿مَّتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 32 ↩
  10. آية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ — البقرة: 22 ↩
  11. آية: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
  12. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 21 ↩
  13. آية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
  14. آية: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 130 ↩
  15. آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 13 ↩
  16. آية: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الروم 40 ↩
  17. آية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ — البقرة: 22 ↩
  18. آية: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 23 ↩
  19. آية: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — البقرة: 23 ↩
  20. آية: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 23 ↩
  21. آية: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 2 ↩
  22. آية: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — البقرة: 23 ↩
  23. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 21 ↩
  24. آية: ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 19 ↩
  25. آية: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 1 ↩
  26. آية: ﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 10 ↩
  27. آية: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 2 ↩
  28. آية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 38 ↩
  29. آية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 13 ↩
  30. آية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَـٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 13 ↩
  31. آية: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 88 ↩
  32. آية: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 24 ↩
  33. آية: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: النور 1 ↩
  34. آية: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الكوثر 1-3 ↩

من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة