تفسير سورة الشعراء جزء3 لفضيلة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مطالبة موسى بإطلاق بني إسرائيل ومواجهة فرعون بالمنة الكاذبة
- دعوى فرعون وتوجيهها بين الجحود وكفران الإحسان
- اعتراف موسى بالقتل الخطأ وتوجيه معاني الضلال في لسان العرب
- هجرة موسى لمدين واصطفاء النبوة والحكم جزاء الثبات والصبر
- إبطال منه استعباد بني إسرائيل وجواب سؤال فرعون
- فقه المناظرة وإلزام فرعون بربوبية الآباء والأكوان ودفع تهمة الجنون
- عجز المستكبرين واللجوء لسطوة السجن
التفريغ النصي الكامل للدرس
مطالبة موسى بإطلاق بني إسرائيل ومواجهة فرعون بالمنة الكاذبة
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
عليهم السلام ﴿فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾2 (الشعراء: 16-17) هذا بيان لما يقولانه ماذا يقولان له أرسل معنا بني إسرائيل فأن تفسيرية ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ وكما جاء هناك في طه ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ﴾3 (طه: 47)
أرسلهم أي: أطلق سراحهم من التعذيب والتعبيد وما يجري من فرعون تجاه بني إسرائيل فرد عليه فرعون قائلًا ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾4 (الشعراء: 18)
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ5 ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾6 (الشعراء: 20) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾7 (الشعراء: 22)
دعوى فرعون وتوجيهها بين الجحود وكفران الإحسان
قال ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ حينما خاطب موسى الكليم عليه الصلاة والسلام فرعون بهذا الخطاب وطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل كان الجواب من فرعون ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ أنسيت يا موسى أنني صاحب فضل وفضلٍ ومِنَّةٍ عليك ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ أنسيت أنك تربيت في قصرنا
وتربيت على فراشنا وعشت معنا ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ أي: منذ ولادتك ولبثت فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ من عمرك سنين حتى صرت شابًّا يافعًا قويًا تتحرك وتذهب وتؤوب
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ﴾ وفعلت فعلتك. والمراد بالفعلة هنا ما جرى من موسى عليه الصلاة والسلام حينما قتل القبطي حينما ضربه أو ﴿فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ فقال: وفعلت فعلتك
أي: وفعلت فعلتك من قتل هذا القبطي ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الشعراء: 19) وقوله: وفعلت فعلتك هكذا بالفتح. وهذا يقال له: اسم المرة فاسم المرة يكون على وزن فَعْلَةٍ فمثلًا أنت تقول أنا جلست جلسة. يعني: جلست جلسة واحدة
لكن إذا قصدت بيان الهيئة فإنها تأتي على وزن فِعْلَة فتقول أنا أجلس جلسة كذا جلسة. يعني: هذه الهيئة. وأما إذا قصدت المرة فإنَّك تفتح فتقول جلست جلسة جلست جلسة فهو يقول وفعلت فعلتك أي: هذه الفعلة التي فعلتها من قتل القبطي ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الشعراء: 19)
وقول فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام وأنت من الكافرين يحتمل احتمالين أولًا الواو فيها قولان إمَّا أن يقال إنها وأو حالية وإمَّا أن يقال إنها استئنافية إمَّا أنها حال تتعلق بما سبق أي: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ﴾ والحال أنك من الكافرين
أو أن تكون استئنافية وفعلت فعلتك التي فعل. ثم يحكم عليه بحكم آخر وأنت من الكافرين ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ وقوله: وأنت من الكافرين إما المراد به كما قال بعض العلماء: أي: وأنت من الكافرين وقتئذ لم تُظهر هذا الكلام الذي تقوله. الآن. يعني: أنت كنت تعيش معنا منذ الصغر
وأنا ربيتك وقمت على رعايتك حتى صرت شابًّا يافعًا تتحرك بيننا ثم قتلت واحدًا من القبطيين منا وفعلت ما فعلت وأنت مع هذا كله لم نسمع منك كلامًا عن الدعوة التي تدعو إليها ولا عن الدعوة إلى عبادة إله واحد. فقد كنت مثلنا. فقد كنت مثلنا. يعني: ما سمعنا منك كلامًا مثل هذا الكلام الذي تردده من الدعوة إلى عبادة الله الواحد جل وعلا ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ. ولكن يضعف هذا القول أن فرعون لا يقر بأنه كافر
لأن لو كان المراد بذلك وأنت من الكافرين. يعني: كمثلنا. إذن معناه: أن فرعون يعترف أنه ماذا أنه كافر وهو لا يعترف بذلك إلا إذا قيل وأنت من الكافرين أي: وأنت من الجاحدين مثلنا لأننا نجحد وأنت لم تخالفنا فأنت مقرٌّ بما نقر به، منكرٌ لما ننكره
بمعنى أن فرعون كان يلهج في الناس قائلًا ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ ويلهج قائلًا أنا ربكم الأعلى وأنت لم تعارضني. إذن أنت مثلي فأنت في عداد الكفر بهذا المنهج الذي قد جئت به الآن
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ. وأما القول الثاني. فالمراد وأنت من الكافرين أي: وأنت من الجاحدين بنعمتي بعدما أنعمت عليك وربيتك وقدمت لك الخير والإحسان إذا بك تقتل قبطيًّا من الأقباط
. إذا بك تؤذيني فيمن هم تبع لي وتفعل ﴿فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ أي: من الجاحدين بنعمتي وإحساني إليك
ومن المعروف أنَّ من الكفر كفر الإحسان. ومن ذلك قول النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم ما رأيت من نساء أو ما رأيت أو في قول النبي ﷺ في أن أكثر أهل النار من النساء وقال في ذلك بكفرهم في رواية مسلم وفي البخاري وفي مسلم أيضًا «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ»
«وفي لفظٍ وتكفرن الإحسان وفي لفظٍ قيل للرسول» عليه الصلاة والسلام «أيكفرن بالله قال لا يكفرن الإحسان». إذن هناك كفر الإحسان ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ فيقابل الشاكر الكافر
وهو الذي جحد النعمة كما يقابل المؤمن الكافر فهناك مؤمن وكافر وهناك شاكر وكافر فعلى ذلك يأتي الكفر في مقابلة الشكر فيكون المعنى على ذلك ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ﴾ يا موسى وأنت من الكافرين الجاحدين بنعمتي وإحساني إليك
إذ كان عليك أن تشكر نعمتي لا أن تكفرها، وأن تحسن إليَّ كما أحسنت إليك فَهَلْ ﴿جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ هكذا يعاتب فرعون موسى عليه الصلاة والسلام ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ إما وأنت من الكافرين أي: مثلنا
فأنت من الكافرين مثلنا بمعنى أنك لم تدع هذا الدين ولم تدع نبوة ولم تدع أنَّ هناك إلهًا واحدًا أو أنت من الكافرين الجاحدين بنعمته وإحسانه إليك وأنت حينما تقرأ هذه الآية تتعجب كثيرًا من فرعون وكبره
وطغيانه وفساده إذ يقول لموسى عليه السلام ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ففرعون يَرَى لأنه أحسن لموسى عليه الصلاة والسلام فترة من الدهر قصرت أو طالت عليه أن يشكر تلك الفترة له
فالعجيب من فرعون أن الله جل وعلا هو الذي خلقه وهو الذي أنعم عليه وهو الذي أعطاه ومع ذلك هو يجحد نعم الله جل وعلا كلها بل ينسبها لنفسه فهو يقول ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾. يعني: طب ومَنْ الذي رباك مَنْ الذي خلقك مَنْ الذي رزقك مَنْ الذي أعطاك. فهذا يدل على قبح صنعه وعلى خبث كلامه قال ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ من عمرك سنين ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ﴾ ٱلْكَٰفِرِينَ فرد عليه موسى عليه الصلاة والسلام قائلًا ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ ما أنكر موسى عليه الصلاة والسلام
ما يقول له ما هذا الكلام الذي تتكلم به ﴿أَنَّمَا﴾ رد عليه الصلاة والسلام قائلًا فعلتها. إذن أي: فعلت فعلتي هذه التي ذكرت من قتل القبطي فعلتها. إذن أي: وقتئذٍ، حينئذٍ وأنا من الضالين
اعتراف موسى بالقتل الخطأ وتوجيه معاني الضلال في لسان العرب
كنت وقتها من الضالين فلذلك وقعت فيما وقعت فيه وقوله: وأنا من الضالين فيها أقوال لأهل التفسير منهم من قال وأنا من الضالين أي: وأنا من الناسين. يعني: ما جرى مني من قتل القبطي كان بنسيان لم يكن بتعمُّدٍ وما كان يظن موسى عليه الصلاة والسلام أن يقتل لذلك قال بعضهم: الضلال هنا بمعنى النسيان. ومنهم من قال بمعنى الخطأ وهو قريب
والمعنى فعلت فعلتي هذه قال فعلتها. إذن وأنا من الضَّالِّينَ أي: من المخطئين لم أتعمد ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ أردت أن أدفعه فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ وما كان يتوقع موسى عليه الصلاة والسلام أن ضربة واحدة منه ستكون سببًا في القضاء على هذا القبطي
ومعنى. ثالث وفعلت فعلتك التي ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ أي: ولم أكن رسولًا من رسل الله وأنا من الضالين أي: الجاهلين بالنبوة الجاهلين بالرسالة أنت تعاتبني على شيء لم أكن وقته من الأنبياء ولا من المرسلين هذا كان في زمن سابق
ولذلك فالضلال يأتي على عدة معانٍ. وقد ذكر أهل العلم ذلك أو بعضهم كالشنقيطي رحمه الله. فقد يأتي الضلال ومعناه: غياب العلم معناه: الجَهْلُ يقال فلان ضال ما معنى ضال يعني: جاهل ليس المراد أنه تعمد الضلال وإنَّما جهل الشيء
ومنه قول الله سبحانه وتعالى في حق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾8 (الضحى: 7)، ما معنى ضالاً؟ يعني: وجدك ما كنت عارفًا بالحق
ما كنت تعرف الرسالة ولا تعرف الوحي كما قال الله - تبارك وتعالى ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾9 (الشورى: 52) ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ (الشورى: 52) وكما قال الله ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾10 (يوسف: 3)
قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ فعلتها ووقتها لم أكن عالمًا بذلك ولم يكن لدي رسالة ولم يكن لدي وحي فكيف تعاتبني على شيء لم أكن قد حصلته حتى ألام عليه بأن يقال: إنك رسول وتدعي الرسالة. ثم أنت تقتل خلق الله. فيقال إنه ما أرسل إلا بعد عليه الصلاة والسلام
فالضلال يأتي بمعنى ذهاب العلم وغيابه ويأتي الضلال بمعنى البعد عن الحق يقال فلان ضال. يعني: ابتعد عن الحق كقوله سبحانه فيما نقول في سورة الفاتحة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ ضلوا عن الطريق المستقيم وهم النصارى. فهذا من الضلال
ويأتي الضلال بمعنى التغييب يقال ضل كذا ضل في الشيء أي: غاب فيه ومنه قولهم ضل الماء في اللبن. إذًا غاب في داخله ومنه قوله سبحانه ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ﴾ ما معنى ضللنا في الأرض. يعني: غبنا ذهبنا في الأرض صار رميمًا صار ترابًا هكذا
فقوله: هنا فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ أي: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ﴾ الجاهلين وأنا من الناسين وأنا من المخطئين لم أتعمد قتله ولم أكن رسولاً وقتها فلماذا اللوم عليه ولماذا العتاب عليه
حينما جرى مني ما جرى من قتل هذا القبطي وعلمت أن في أعينكم الشرارة وأنكم تقصدون إلى قتلي وتريدون القضاء عليَّ حينئذ فررت منكم أي: هربت منكم وسافرت ورحلت إلى مَدْيَنَ
كما جاء في قول الله جل وعلا
إذًا فر. بعدما قتل القبطي وعلم إنهم وفي اليوم الثاني قابله مرة قابل مرة أخرى وجرى ما جرى وحينئذ قال ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ إلى آخر القصة وجاءه الرجل يخبره بخبر فرعون وملئه فحينئذ فر موسى عليه الصلاة والسلام من هذا المكان لئلا يقع عليه الأذى منهم
قال ففررت منكم. لما خفتكم أي: لما خفتك يا فرعون وكذلك الملأ الذين معك ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾11 (الشعراء: 21)
عوضني الله جل وعلا خيرًا في هذه الآيات جاءت القصة مجملة في سورة القصص جاءت مفصلة وجاء فيها بيان ما جرى له في مدين من مقابلته المرأتين وفي سقياه لهما وفي طلب المرأة منه أن يأتي إلى أبيها من أجل الأجر وقالت يا أبت استأجر إن خير من استأجرت القوي الأمين إلى آخر القصة التي جاءت فلما قضى موسى ﴿ٱلْأَجَلَ﴾ (القصص: 29)
هجرة موسى لمدين واصطفاء النبوة والحكم جزاء الثبات والصبر
حينما اتفق معه أن يخدمه سنوات إما ثمانية وإما عشرة وأوفى نبي الله موسى بأعلى الأجلين فخدم أبا الفتاتين عشر سنوات
. ثم بعد ذلك رجع فلما قضى ﴿ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا﴾ إلى آخر الآيات حينئذ أرسل موسى عليه الصلاة والسلام وأوحى الله - تبارك وتعالى إليه
فرجع موسى عليه السلام ليبلغ فرعون وملأه تلك الدعوة التي جاء بها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا﴾ وقوله: ﴿فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا﴾ المراد بالحكم هنا على قول الكثيرين النبوة
أو الرسالة وهب لي ربي حكمًا أي: رسالة وهبني الله الرسالة جعلني رسولاً جعلني نبيًّا ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى﴾ ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا
وبعدها قال وجعلني من المرسلين. فقد يقول قائل إنَّ واوَ العَطْفِ تفيد المغايرة فقوله: وجعلني من المرسلين أفاد هذا المعنى. إذن فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا تفيد معنى آخر فعلى ذلك قالوا المعنى ﴿فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا﴾ أي: فهمًا
وهب لي ربي فهمًا ووهبني علمًا وهبني فطنة وهبني وحياً وجعلني من المرسلين فوهب لي ربي علمًا وحكمًا وحياً ونحو ذلك وجعلني من المرسلين هكذا رد الكليم موسى عليه الصلاة والسلام. ثم قال له وتلك نعمة تمنها علي12
إبطال منه استعباد بني إسرائيل وجواب سؤال فرعون
أن ﴿عَبَّدتَّ بَنِىٓ﴾ إسرائيل ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 22) وتلك على ما تعود؟ على ما يعود قوله؟ وتلك نعمة التربية ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ أي: وتلك أي: وتلك التربية
وتلك نعمةٌ أي: وتربيتك لي ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ لأهل العلم في هذه الآيات في هذه الآية أقوالٌ كثيرة مردُّها إلى قولين
إما أن يكون قول موسى عليه الصلاة والسلام من قبيل الإقرار والاعتراف بإحسان فرعون إليه في هذا الوقت وإما أن تكون الآية من قبيل الإنكار. لما يجري من كلام فرعون أما القول الأول وهو ان الآية بمعنى الإقرار فما معناه إذًا معناه
نعم أنا أعترف يا فرعون أن هذه نعمة مننت بها علي تستحق الشكر أو أشكرك عليها إذ جعلتني حرًّا وعبدت بني إسرائيل جعلت بني إسرائيل أذلاء جعلتهم يخدمونكم ويفعلون لكم ما تريدون وجعلتني حرًّا غير مسترق
لي مكانتي ولي قدري وأمشي كيفما أسير وأجيء. إذًا شئت إلى غير ذلك. إذن هذا من باب الاعتراف وتلك نعمة تمنها عليك لك أن تمتن بها وأن تقول فعلت وفعلت ونفعتك وأعطيتك وقدمت لك وأنا لا أنكرها فليس من دأب الأنبياء والمرسلين جحود النعم وإنَّما يشكرون الناس على ما فعلوا
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الشعراء: 22) أي: جعلتهم عبيدًا والمعنى ولم تعبدني. يعني: كأن هناك تقديرًا في الآية وتلك نعمة، تربيتك نعمة ﴿عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ وجعلتني حرًّا ولم تعبدني لم تجعلني ذليلًا. إذن هذا من قبيل الاعتراف
فيه أن موسى عليه الصلاة والسلام لا ينكر ما قدمه له فرعون من إحسان في هذا الوقت. وأما القول الثاني قالوا: إن هذا على سبيل الإنكار وليس على سبيل الاعتراف والإقرار وعلى ذلك فكأن هنا مقدرًا وهي همزة استفهام الإنكار أي:
أَوَتِلْكَ ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ أَوَتَظُنُّ يَا فِرْعَوْنِ
أن جعلك لي حرًّا وتعبيدك بني إسرائيل هذه نعمة هذه ليست بنعمة لأنَّ الأصل أن لا يسترق أحد من بني إسرائيل وأن لا يصير أحد من بني إسرائيل عبدًا من العبيد فكونك أطلقت صراحي. فهذا حقي
وَكَوْنُكَ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْتَ سَلَبْتَهُمْ حُقُوقَهُمْ فَمَا وَجْهُ الْإِنْعَامِ عَلَيَّ وَأَنَا بَاقٍ عَلَى حَقِّي هذا ليس بإحسان منه واضح المعنى وتلك نعمة يعني: هل تظن أن هذه نعمة ليست بنعمة كل ما هنالك أنك جعلت بني إسرائيل عبيدًا وتركتني على حريتي فأي نعمة في هذه
الكلام واضح إذن المعنى أنت ما فعلت إلا أن أطلقت صراحي. وهذا هو الأصل وجعلت بني إسرائيل عبيداً. وهذا ليس لك فليس هذا بنعمة تمنها عليَّ أو المعنى أيضًا والله أعلم إن تعبيدك قومي وجعلهم من الأسرى من نعمة في ذلك والواحد. إذًا أسر أقاربه فكأنَّما أسر هو
فإنَّ الأسير إذا كان قريبًا للعبد فإنَّه قد أسر العبد نفسه فأنت الآن تأسر قبيلة كلها وتستعبدهم جميعهم وتجعلني حُرًّا. وبعد ذلك تقول تلك نعمة
أي: نعمة في ذلك بل إن هذا هو الظلم المبين ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ وعلى ذلك فقوله: أن ﴿عَبَّدتَّ بَنِىٓ﴾ إسرائيل فيه القولان أيضًا وتلك نعمة تمنها عليه أن عبدت إمَّا أنها بدل أو عطف بيان أو أن عبدت مفعول لأجله أي: من أجل أن ﴿عَبَّدتَّ بَنِىٓ﴾ إسرائيل
فهكذا المعنى، يا أيها الإخوة الكرام، إمَّا أن يكون المعنى من باب الإقرار أن موسى عليه الصلاة والسلام يعترف لفرعون نعم أنا لا أنكر أنك قمت بتربيتي في الصغر وأنك جعلتني حرًّا وجعلت غيري رقيقًا أو أن يكون المعنى على سبيل الإنكار وهو يقول ما وجه هذا الامتنان أمر غريب
أنت تقتل أقاربي وتأسر بعضهم وتستحيي النساء من أجل الخدمة وتؤذي أهلي وأقاربي. وبعد ذلك تأتي لتمتن عليَّ وتقول إنك تركتني حياً أذهب وأرجع أي: نعمة في ذلك ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ ولك أخي الكريم
أن تستشعر ما كان عليه كليم الرحمن عليه السلام من ثبات وصبر وشجاعة وقوة إذ قام ليخاطب فرعون وهو يعرف أن فرعون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يطلبه ليقتله. ولذلك ذكر ذلك لربه سبحانه وتعالى ﴿إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ ومع ذلك لما طمأنه ربه وبين له أنه معهما خرج عليه الصلاة والسلام ليبلغ رسالة ربه. وهذا يدل على تمام يقين موسى عليه الصلاة والسلام وأنه ذو يقين وذو بصيرة بربه ذو بصيرة وذو يقين عليه الصلاة والسلام فهو يخاطب رجلًا. وهذا الرجل معروف منه العنفوان أو معروف عنه العدوان والظُّلْمُ والطغيان والفساد ثم إنه يريد أن يقتله أَصَالَةً
بدون دعوة. يعني: الدعوة وحدها ربما حملته علاقته. يعني: حينما يأتي ليقول له دعك مما تقول: يا فرعون أنت تدعي وتقول أنا ربكم الأعلى لست بربهم الأعلى لست برب له أنت عبد مثله هذا وحده ربما حمل فرعون على ماذا على قتل موسى عليه الصلاة وسلم فكيف وفرعون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يريد قتله أصلًا
لكن موسى عليه الصلاة والسلام رزق الثبات عليه الصلاة والسلام فرد عليه هذا الرد. وقد ذكر بعض المفسرين فيما يجري في الإسرائيليات أن موسى عليه الصلاة والسلام لكي يدخل له مكث مدة طويلة أصلًا. يعني: ما ذهب مباشرةً وطلعوا جلسوه كذا مكث مدة حتى أذنوا له في الدخول وأذنوا له من أجل أن يضحك عليه فرعون
رجل يقول إن هناك رباً آخر غير فرعون، ما هذا والأمر كما قال الله ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾13 (الزخرف: 54) فرعون استخف قومه، صار الواحد منهم خفيفًا لا عقل له ولا درك له فرد عليه فرعون كما قال الله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾14
وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ الأصل أن يستعمل مع الله جل وعلا من ولذلك الأولى أن يقال في من إنها تدل على العالم المعروف لدى أهل اللغة يقولون ما لغير العاقل ومن للعاقل. وهذا في الحقيقة فيه نظر الأولى في التعبير أن يقال من للعالم
فَعَلَى ذَلِكَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَنْ لِلْعَالِمِ ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ﴾ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ مَنْ الذي في السماء الله جل وعلا ومعنى قوله أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ فيها معنيان إما المعنى أَأَمِنْتُمْ مَنْ في العُلُوِّ أو
طيب هنا ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 23). يعني: حتى ما تكلم سائلًا من رب العالمين لا كأنه يقول وما رب العالمين. وهذا يسأل به عن المَجْهُولِ. يعني: أنت تقول من محمد، أنت تعرف أن هناك محمدًا
لكن أنت تريد أن تتعرف على شخصية من محمد فتقول لي محمد أخي فاضل محمد مدرس ناجح محمد طبيب حاذق مثل ذلك
لكن ما محمد إيش هذا يعني: أي: شخص هذا فتعامل معاملة غير العاقل. فيقول: فرعون لموسى عليه السلام وما رب العالمين وبعض المفسرين قال إنه سأل عن الحقيقة والمَاهِيَّةِ. وهذا رده ابن كثير وأبطله قال لأنه أنكر ربوبية الله أصلًا فلا يسأل عن حقيقته
هو منكر للربوبية ابتداء والأمر كما قال الله ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. ولذلك قال له موسى أيضًا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ﴾ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يا فرعون مثبوراً
أنت تعلم أن هذه الآيات التي أنزلها هو الله ولكنك هالك جاحد لآيات الله سبحانه وتعالى. ولذلك من المعروف لدينا يا أيها الإخوة الكرام أن المشركين أنفسهم كانوا يقرون بربوبية الله سبحانه وتعالى
وادعى الرُّبُوبِيَّةَ وقال أنا ربكم الأعلى وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ هكذا وصل إلى تلك المرحلة التي ما وصل إليها المشركون نعم. فقال: فرعون لموسى عليه السلام وما رب العالمين ما هذا الذي تتكلم عنه
فقه المناظرة وإلزام فرعون بربوبية الآباء والأكوان ودفع تهمة الجنون
ما هذا الذي تتكلم عليه أو هذا الذي تتحدث عنه كما قال أيضًا وقال فرعون ﴿يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا﴾15 (غافر: 36) ابني ﴿صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ﴾ ﴿إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًا﴾ هكذا ابني صرح خليني أطلع كذا الأسباب الحبال أصل بالسلم أو بالحبال إلى إله موسى لعلي أجد إلهاً
﴿وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾16 (غافر: 37) ولو أنَّ فرعون فكر في نفسه لعلم أن له رباً
لأنَّه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كان عدمًا ومن قبل ولدته أمه. وكان سبب ولادته أبوه ومن قبل لم يكن شيئًا ومن قبل كان يرضع ومن قبل كان يبول على يد أمه فكيف يكون رباً
كيف يكون إلهًا هذا أمر مسلم به، أعني أنه عبد وليس برب ولعل بعض من كان مع فرعون أكبر سناً منه مش ممكن يكون من الموجودين مع فرعون واحد أكبر منه سن وممكن يكون أكبر منه بعشر سنوات بعشرين بثلاثين. يعني: شهده وهو يولد وهو كما يقال في اللفة
فهل هذا يخرج بعد ذلك بفترة. ويقول أنا ربكم الأعلى ما هذا أمر غريب ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 23) وهناك في سورة طه ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ﴾
فَمَنْ رَبُّكُمَ يَا مُوسَىٰ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسَىٰ الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِثَبَاتٍ وَقُوَّةٍ ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ من هذا الذي تزعم أنه ربي وربك ورب الناس جميعًا ورب العالمين. فقال: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ﴾ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ إن كنتم موقنين
انظر إلى تلك السماوات مع علوها وإلى تلك الأراضي مع اتساعها وإلى ما بينهما مع عظم هذا الذي بينهما وكثرته أليس لهذا رب بلى له رب فهو الله ﴿رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ خالق السماوات والأرض وما بينهما مبدعهما خالقهما سبحانه وبحمده. وهذا فيه تفسير العالمين بالسماوات والأرض وما بينهما. ولذلك لك أن تفسر قول الله في سورة الفاتحة الحمد لله رب العالمين فيأتي سؤال ما معنى رب العالمين فنقول رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ فيكون هذا من باب تفسير القرآن بالقرآن. فهذا يذكر في كتب علوم القرآن من باب تفسير القرآن بالقرآن الحمد لله رب العالمين وما رب العالمين جاء تفسيرها من تفسير موسى. وقد أقره ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ إن كنتم موقنين
والعالمون جمع عالم. فيقال عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم الجن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ إن كنتم موقنين إن كنتم موقنين فأيقنوا بهذا فأيقنوا بهذه القضية
فأيقنوا بأن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إن كان لديكم يقين أي: إن كان عندكم علم واضح جلي لا غموض فيه فتلطف موسى عليه الصلاة والسلام يقول لهم ﴿إِلَّا﴾ تتيقنون
أليس لديكم يقين أليس لديكم علم انظروا إلى تلك السماوات، انظروا إلى تلك الأراضي، إلى تلك الأرض، لا بد أن يكون لها رب، كما قال الأعرابي، وقد سُئل عن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، فقال: سبحان الله سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير
«البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المَسِيرِ» نعم هذه السماء وهذه الأرض كل ذلك يدل على ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. وهذا ما بينه الله في غير ما موضع من كتاب أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ﴾ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إلى آخر الآيات الكريمات
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ ما تكلم فرعون، قال له: لا، اسكت، هنا أقف؛ ده أنا لا أخلق السماء. يعني: ما يصلح فرعون ما هو عليه بما هو عليه كيف يخلق تلك السماوات كيف يخلق الأرض قد قال الله جل وعلا ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ﴾ أكبر من خلق الناس. وَلَٰكِنَّ ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
لكن فرعون أجاب بإجابة فيها مراوغة ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ قال لمن حوله للجالسين حوله ﴿إِلَّا﴾ تستمعون ﴿إِلَّا﴾ تستمعون كلام موسى وماذا في كلام موسى كلام رجل عاقلٍ يدرك ما يقول ويعي ما يتحدث به ليس في كلامه إشكال وليس في كلامه غلط ولا خبط
كما يجري في الكلام الذي. يعني: كأن فرعون يقول بمثل الكلام الذي يجري بيننا لو أنَّ رجلًا تكلم بكلام لا يعقل ماذا يقول أحدنا لِإِخْوَتِهِ شوف بتكلم بقول إيه يعني: معناه: إيه مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يخرج من فم إنسان هذا لا يخرج من فم إنسان قال لمن حول ﴿إِلَّا﴾ تستمعون ﴿إِلَّا﴾ تستمعون كلام موسى وردوا عليه كأنه ماذا يقول؟ وردوا أنتم
أنا لن أرد بماذا ترد وبماذا يردون ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ هم يستمعون ومع ذلك ماذا يقولون كلامه واضح كلام جلي كلام مفهوم كلام لا غموض فيه فما سكت موسى عليه الصلاة والسلام بل ثبت على دعوته وأقام حجة أخرى
وذكره وذكرهم بمن سبقهم لئلا يغتروا بدنياهم. فقال: ربكم ورب آبائكم الأولين ربكم ورب آبائكم الأولين ما قال موسى عليه الصلاة والسلام حينما ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ ﴿لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ كم من الممكن أن يقول بما يجري لدى بعض الناس في المناظرات. ولذلك نتعلم من هذه القصة فقه المناظرة نعم من محاورة موسى لفرعون كيف تدور المناظرات والمحاورات وكيف يكون الجواب عدوك خصمك. إذا لم يستطع الرد عليك شوش عليك
عدوك خصمك إذا لم يستطع الرد عليك شوش عليك فحولك عن الحديث الذي جلستم من أجله. يعني: أنتم الآن جلستم في مناظرة من أجل مناقشة مسألة إذا عجز عن هذه المسألة ماذا يصنع
يحول الكلام يقولوا طب أنت لابس كذا ليه وأنت قلت: قبل كذا كذا إحنا مالنا مال الكلام الآخر أنا أتكلم في مسألة معينة لذلك المناظر العاقل الفطن هو الذي يحدد الهدف ولا يحيد عنه المناظر المحق الفطن هو الذي يحدد الهدف ولا يحيد عنه جلسنا الآن في مناظرة من أجل مناقشة مسألة
يجري ما يجري في تلك الأيام من خبط ولغط في كثير من المناظرات التي تجري في الفضائيات لأنَّ كثيرًا من المناظرين لا يحسنون آداب المناظرة ولا فقهها فلذلك يقوم الناس في غالب الأحيان. وقد شوشت عليهم أفكارهم يبقى هو واحد مع قوة والثاني ما معهش دليل بس إلا حصل
الخصم العدو ضعف عن الرد فاستفز الآخر بدأ يشتمه أو بدأ يهينه أو يكلمه بكلامه أنت قبل كده قلت: وأنت قبل كده قلت: يبدأ التاني يجري له. ويقول أبدًا أنا ما قلتش ده ما حصلش تطلع الكلام ده الناس تفوت الساعة والساعتان وهم قد جلسوا من أجل مسألة معينة قاموا من المجلس ولا يدركون من المحق ومن المبطل
هذا خطأ أنت جلست لمسألة هذا من فقه المناظرة لا تتحول عنها بل حتى لو شتمت اجعل الشتم في جانب خذ حقك بعده. ولكن انتهي مما أنت عليه. ولذلك كثير من المناظرات لا ينبغي أن تعرض على الشاشات أصلًا هذا من الخطأ
لأنه يأتي ربما لا يحسن الكلام فما يقع الناس إلا في الشبهات ولا يعرفون الدواء. ولذلك كثير من الناس يسمعون عن الشبهات ولا يعرفون لها جواباً يحارون وللأسف وللأسف
لذلك. أيضًا انصح اخواني الذين يدخلون على النت ويدخلون على بعض الشبكات ويدخلون في مناظرات مع النصارى ومع غير من هؤلاء الضالين وما لديه علم والآخر يطرح شبهة ودي يكلم وبعد فجأةً يقف وما يستطيع الجواب ويُحار
وربما ينسى الشبهة وينسى الرد عليها ولا يسأل شيخًا لكن يقع في صدره من الإسلام شيء فلا يكون صدره متسع للإسلام كله هذا خطأ
الشاهد أنَّ موسى عليه السلام ما قال كما يجري من كثير من الناس حينما ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ يعني: لو واحد معانا كذا ونحن نجلس في مناظرة فأنت قلت: كلامه فواحد النظر لله حوله قال له: ماذا قال؟ أنتوا شايفين قال إيه؟ وبدأ يضحك هتقول إنت راضي تقول له إيه بتقول له أنا قلت: إيه اضحكوا عليه إيه اللي مزعلكم في كلامه موسى عليه السلام اتجه اتجاه آخر
قولوا الحق، نعم، لأنَّ الدنيا لم تنفعكم، إن متاعها زائل، وإن نعيمها فانٍ، فاتقوا الله وانطقوا بالحق.
هكذا موسى عليه الصلاة والسلام يذكرهم بالله. ولذلك قال هناك ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾17 (طه: 61) انظر إلى جمال التعبير. وقد تقدم بيان ذلك في تفسير طه فيسحتكم بعذاب. وقد ﴿خَابَ﴾ (طه: 61) من افترى خوفهم بالله خوَّف السحرة بالله هنا يقول ربكم ورب آبائكم الأولين
هو رب أبيك ورب جدك وجد جدك طب فرعون له أب صح ولا لا ولو جد يبقى إنفعش يبقى رب يبقى فرعون يبقى أشرب لا لأنه له أب لوجد يبقى الرب ربه ورب أبيه ورب جده فرد فرعون قائلًا في مشاكسته وفي عدوانه قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ الله أكبر
قال: إن رسولكم حتى ما قال: إن هذا الرسول أو إن الرسول إن رسولكم الرجل اللي جاي لكم. يعني: أبعده عن نفسه مُتَّصِلٌ به إن رسولكم هذا ليس على سبيل الإقرار ﴿أَنَّمَا﴾ على سبيل التهكم
كقول المشركين وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرِ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ هم لو أنَّهم اعترفوا أنه هو ﴿ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ﴾ ما. قالوا إنه مجنون لكن أنت اللي بتقول إنه نُزِّلَ عليك الذكر طيب وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرِ إِنَّكَ لَمَجْنُونَ قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾
هكذا بالتأكيد الجملة اسمية ودخلت إن ودخلت اللام المزحلقة إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ يجزم بأنه مجنون هل هذا رد يا إخوة حينما يكون آخر أو يكون. هناك واحد مع آخر في مناظرة وأثبت له أمر يقول آخر أنت مجنون
أنت مجنون عليه ما وجه جنونه من المجنون الذي يعبد الله أم الذي لا يعبد الله من المجنون الذي يعبد رباً أم الذي يعبد عبدًا بشرًا قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ لو أنَّ واحدًا من الدعاة غير البصيرين بالكتاب والسنة
كانوا في مثل تلك المناظرات ماذا سيقولون واحد في المناظرات قال له: إنت مجنون أقول له: إيه ولا يخفى عليكم في بعض المناظرات التي جاءت على بعض الشاشات قام بعضهم على الآخر بالحذاء ليضربه ماذا يقول الناس يقولون عنك عجزت عن الرد فقمت بالحذاء لتضربه
هذا غريب، هذا هو الواقع، أنت تقول علي كذا، لست كذا، ما هكذا موسى عليه الصلاة والسلام بثبات حينما قال له: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ رد عليه ولكن برد فيه قوة لكن مع الأدب لأنَّ الله علَّمه فقول له قولًا لينًا هو يمتثل أمر ربه ﴿لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾
﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ حينما قال: إن كنتم تعقلون يبقى معناه: لَمَّا يُقِرَّ بذلك ما له عقل لكن ما قاله من البداية أنكم لمجانين. يعني: واضح المسألة ما قال أنتم مجانين ولكن ﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كان لديكم عقل
. إذًا الذي لا يعتقد بهذا ليس بأدب برفق بليل علَّمه إياه ربه جل وعلا تحول موسى عليه الصلاة والسلام من إثبات ربوبية الله جل وعلا بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان إلى ما يجري في الكون من متغيرات. فقال: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
وهذه هي الحجة أيضًا التي رد بها الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الجاحد الكذوب. وقد سماه الأكثرون بالنمرود ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ18 إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: 258)
وإنَّما كما. قالوا يأتي برجل فيستبقية ولا يمَيِّت. فيقول: أنا أحييته ويأتي بآخر فيعدمه. ويقول أنا قد أمته فرد عليه الخليل إبراهيم عليه السلام لأمر لا يقوى عليه قال ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 258)
خلاص أنت تقول أُحيي وأُميت لا حول هذه القضية الشمس بتاعت المشرق حولها لم تمن المغرب أي من آيات الله ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾19 (البقرة: 258). وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ. كذلك كلم موسى عليه السلام ﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. يعني: أنت يا فرعون لو عندك قدرة على المشرق والمغرب غير، غير، اجعل المشرق مغربًا والمغرب مشرقاً، اجعل الشمس تَشْرُقُ من مغربها، أو من الغروب، أو من المغرب،
﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ﴾ إن كنتم تعقلون إن كنتم تعقلون فاعقلوا ذلك وإن لم تعقلوه فلستم بعقلاء بل أنتم من المجانين لكنه قالها بتلك الطريقة المهذبة التي فيها رفق ولين منه عليه الصلاة والسلام بفرعون وملئه
ولا تعارض كما تقدم مرارًا بين هذه الآية وبين آية الصافات وبين آية الرحمن سورة الرحمن وكذلك المعارج إذ جاء في بعض الآيات كما في الرحمن ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾
﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وجاء ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ﴾ إنا لقدرون. وهنا قال رب المشرق والمغرب فهناك مشرق ومغرب ومشرقان ومغربان ومشارق ومغارب لا تعارض رب المشرق والمغرب أي: رب جِهَةِ المشرق وجِهَةِ المغرب
إذًا. إذا جاء المشرق واحدًا مفردًا. فالمراد الجهة رب جهة المشرق ورب جهة المغرب ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ قالوا أي: رب المشرق في الصيف والمغرب في الصيف ورب المشرق في الشتاء ورب المغرب في الشتاء. يعني: ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ﴾ قالوا: لأنَّ للشمس مشرقًا ومغرباً في الصيف ولها مشرق ومغرب في الشتاء
فكل يوم. هناك مشرق للشمس ومغرب ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ﴾ أي: في كل يوم والمغارب. يعني: في كل يوم فالشمس لها مشرق ولها مغرب في كل يوم فلا تعارض بين هذه الآيات بفضل الله - تبارك وتعالى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
الأصل في المناظرة أن يرد الشخص على الآخر. الآن أنا أوجه لك أمرًا فرعون سأل وقال ما رب العالمين إجابة موسى
لو كان لديه جواب يجيب. ويقول لا هذا جواب غير صحيح لكن أن يقول له لئن لم تنته لئن لم ترجع عن قولك لأجعلنك من المسجونين هذه حيلة الضعفاء في كل عصر وفي كل مصر
. إذا لم يقدروا على الجواب وقدروا على التعذيب اتجهوا إلى التعذيب. يعني: الآن رد بالحجة ما عندك حجة تقول أنا أسجنك واحد يقول لك: تعال أبين لك الحق تقول لا إذا أنت ما رجعتش على الفدناب سأسجنك هكذا. فقال: لأجعلنك من المسجونين وفي قوله لأجعلنك من المسجونين دون أن يقول لأسجننك
لأسجننك لأقومن بسجنك ﴿أَنَّمَا﴾ قال لأجعلنك من المسجونين كأن فرعون يتهدده يقول له أما لك في المسجونين عبرة بص للخندق الخندق مليّان مسجين. يعني: أنا ما بتحكش معك
عجز المستكبرين واللجوء لسطوة السجن
لأجعلنك من المسجونين واحد من المسجونين فأنت إذا لم ترعوِ ولم ترجع سيكون مصيرك إلى ما صار إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية القصة في الدرس المقبل هذا والله أعلم وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى السلام عليكم ورحمة الله
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 16-17 ↩
- آية: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 47 ↩
- آية: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 18 ↩
- آية: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 19 ↩
- آية: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 20 ↩
- آية: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 22 ↩
- آية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الضحى 7 ↩
- آية: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 52 ↩
- آية: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 3 ↩
- آية: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 21 ↩
- آية: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 22 ↩
- آية: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 54 ↩
- آية: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 23 ↩
- آية: ﴿يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 36 ↩
- آية: ﴿إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 37 ↩
- آية: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 61 ↩
- آية: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 258 ↩
- آية: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 258 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿ٱلْأَجَلَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 29
- آية: ﴿خَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 61
فوائد من هذا الدرس
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة البقرة
- تفسير سورة الزخرف
- تفسير سورة الشعراء
- تفسير سورة الشورى
- تفسير سورة الضحى
- تفسير سورة القصص