تفسير سورة الشعراء جزء2 لفضيلة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وإمام المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»
«كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فما زال الحديث موصولًا، يا أيها الإخوة الكرام، بتفسير سورة الشعراء. وهذا هو الدرس الثاني في تفسيرها. وقد توقف بنا الحديث في الدرس الماضي عند قول الله سبحانه
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾2 (الشعراء: 7-9)
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ وأنت. إذا نظرت إلى هذه الآية. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم ترى أن فيها كم وهي تفيد التكثير ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: كثيرًا ما أنبتنا فيها فكم هذه تسمى بكم الخبرية التي تدل على التكثير
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا﴾ فيها أي: كثيرًا ما ﴿أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ فجمع الله جل وعلا في الآية الكريمة بين كم وكل. وقد يسأل سائل ما وجه ذلك فالجواب والله أعلم أن يقال إن كل تدل على العموم وتدل على الإحاطة
وكم تدل على التكثير فأفاد قوله مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ أنه دخل في ذلك كل الأصناف فتمت الإحاطة
وقال سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا﴾ ليدل بذلك على التكثير. فهذا. يعني: أن جميع الأزواج قد أنبتها الله جل وعلا الأزواج الكريمة أنبت في الأرض من كل صنف كريم وفي نفس الوقت فهذه الإحاطة ليست قليلة وإنَّما هي كثيرة
فمن الزوج أزواج ومن النوع أنواع كل ذلك من فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته بعبادة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ من كل صنف فائق حسن منظر إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم. وقد تقدم بيان ذلك في آخر الدرس الماضي وفي هذا تقرير لهم بأنه يلزمهم أن يوحدوا الله جل وعلا
لأن الذي أنبت الأرض وأخرج منها تلك الأزواج هو حقيق بأن يعبد سبحانه وأن تُصرف العبادة له وحده جل وعلا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ أعموا ولم ﴿يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. ثم قال: إن في ذلك لآية
إن في ذلك لآية أي: إن في ذلك الإنبات الذي فعله الله - تبارك وتعالى. إن في ذلك أي: الإنبات لآية وهو وإن كان متعلقًا بإنبات كل زوج كريم وهي كثيرة لكن المصدر أو إن في ذلك جاء اسم الإشارة عائدًا على واحد وهو المصدر الذي هو الإنبات
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا﴾ وَمَصْدَرُ أَنْبَتَ إِنْبَاتٍ أي: إن في ذلك الإنبات لآية أي: لدلالة تدل على قدرة الله سبحانه على كل شيء وعلى أنه المستحق للعبادة جل وعلا إن في ذلك لآية أي: لآية عظيمة وفهم هذا من تنكير آية إن في ذلك لآية
المتوقع أن تقبل الآية وأن لا ترد وأن يعترف لله جل وعلا بها وأن يشكر عليها لكن أكثر الناس ليسوا. كذلك. وقد بيّن الله جل وعلا في غير ما موضع
أن أكثر الناس ليسوا من الشاكرين وإنَّما هم يكفرون نعم الله جل وعلا ولا يشكرون الله عز وجل عليها قال الله ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ﴾3 (سبأ: 13) وقال جل وعلا ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾4 (يوسف: 103) قال الله جل وعلا إن في ذلك لآية
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ من الناس من استجاب لآيات الله الكونية والشرعية فأقر لله بالوحدانية وآمن به جل وعلا ولكنهم قليلون. وأما الأكثرون فإنَّهم لم يقروا بذلك
وبدأ الله جل وعلا بذكر اسمه العزيز قبل اسمه الرحيم لأنه مناسب للمقام والله أعلم
لأن المقام وعيد لأولئك المكذبين الذين أعرضوا عن آيات الله ولم يشكروا الله عليها ولم يستجيبوا لأوامره ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ هو القوي الغالب سبحانه جل وعلا ينتقم منهم ويؤاخذهم على ما هم عليه من الإعراض ومن الصد عن سبيل الله جل وعلا ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾
وقال الرحيم بأنه سبحانه وبحمده مع عزته رحيم فهو يمهل عباده جل وعلا ويفتح لهم أبواب الرجاء عساهم أن يتوبوا إليه سبحانه وتعالى فهو عزيز في رحمته رحيم في عزته سبحانه جل وعلا
من الناس من يكون معروفًا بالشدة وتعرف عنه القسوة ولا يكون معروفًا بالرحمة ومن الناس من يكون رحمته أو من تكون رحمته بسبب ضعفه هذا يجري من الخلق أما الله وهو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ فهو عزيز في رحمته رحيم في عزته سبحانه جل وعلا قد جمع بين الأمرين عزيز ومع قوته ومع غلبته
قال الله جل وعلا إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾. وقد تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، يا أيها الإخوة الكرام، الموقف أو تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الكلام على اسمه العزيز وأن العزيز يأتي على عدة معاني فالعزيز يأتي بمعنى الغالب وبمعنى القوي القاهر وبمعنى منيع الجانب فهو الله القوي
وهو الله الغالب الذي لا يغلب وهو منيع الجانب سبحانه وتعالى وكذلك الله - تبارك وتعالى هو العزيز الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ أي: الذي ليس له نظير والذي ليس له مثيل ومنه ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. فالله جل وعلا عزيز ليس له مثيل وهو قوي غالب لا يقهر
سبحانه وبحمده. وقد قالوا من عز بز الذي يكون صاحب عزة وقوة هو الذي يغنم وهو الذي يصل إلى ما يريد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾. ثم قال الله جل وعلا ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾5 قوم فرعون ﴿إِلَّا﴾ يتقون
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ قال كَلَّا فَٱذْهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
بعد أن ذكر الله جل وعلا لنا أن مشرك مكة وأن المشركين على عهده ﷺ أعرضوا عن دعوته ولن يستجيبوا له في الغالب من أمرهم
فمن ثم يُسَلِّي اللهُ نبيه محمدًا ﷺ ويبين له أن هذا التكذيب ليس بدعًا من صنيع الأقوام وليس بجديد على أولئك الناس ﴿أَنَّمَا﴾ التكذيب كان ممن قبلهم مع رسل الله وأنبيّائه فكم من رسولٍ بعثه الله
وكذب من قومه ولم يستجب قومه له وكما جاء في الحديث «يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد» أي: لم يستجب له أحد. فالله جل وعلا يسلي نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلم يا رسول الله
وكثيرا ما كان النبي صلوات الله وتسليماته عليه،
يتذكر نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام في مواقفه الشديدة الصعبة وهو يُسَرِّي عن نفسه ﷺ قائلًا «يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ولذلك والله أعلم هذا من الحكم التي من أجلها تكرر ذكر موسى عليه الصلاة والسلام وتكررت قصته في القرآن الكريم
﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشعراء: 10) وَإِذْ
أي: واذكر إذ وذكر إذ. وقد تقدم التعليق على كلمة إذ مرارًا وإذ نادى ربك ومن أهل العلم من قدر مقدرًا آخر وهو أتلو واتلو إذ نادى ربك موسى كقوله بعده واتلو عليهم نبأ نبأ إبراهيم فيكون مناسبا. لما سيأتي بعده وكثيرًا ما يقدر مع إذ أذكر
وإذ نادى ربك موسى ناداه الله جل وعلا وكلمة كما بيّن الله سبحانه وناديناه من جانبه الطور الأيمن وقربناه نجية فنثبت نداء الله جل وعلا لموسى عليه الصلاة والسلام ونثبت تكليم الله له على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى
خلافا. لما ذهب إليه المعطلة من نفي كلام الله جل وعلا وقالوا إنه خلق الكلام في الشجرة وما أشبه ذلك. فهذا كلام ليس بصحيح وإنَّما كلم الله موسى عليه السلام وسمع موسى كلام الله منه ويطلق على موسى عليه الصلاة والسلام الكليم عليه السلام وقال الله ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ﴾
وقال ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾6 (النساء: 164). وهذا فيه نفي أن يكون هذا مجازًا لتأكيده بقوله تكليماً
قال الله وإذ نادى ربك موسى ناداه وسمع موسى نداء ربه جل وعلا وهذه منزلة سامقة عالية مرتفعة أن يكلم الله عبدًا من عباده كلم الله موسى واصطفاه ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾
برسالاتي وبكلامي ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ قوم فرعون ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ إمَّا أن يقال
إن «أنْ» هذه تفسيرية وإذ نادى ربك موسى ماذا قال له: إن ائت القوم الظالمين. إذًا هذا تفسير ودل قوله نادى على القول. وهذا تفسيره ﴿أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ وإمَّا أن قال إنها مصدرية فتؤول مع ما بعدها بمصدر ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ لإتيان القوم الظالمين ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
الذين قد وقعوا في الظلم وتلبسوا به ظلموا أنفسهم. إذًا عبدوا غير الله جل وعلا وظلموا الناس النوم استعبدوهم فإنَّ فرعون ظلم نفسه وادعى الربوبية والألوهية ثم إنه. كذلك ظلم الناس ظلم بني إسرائيل إذ استعبدهم له ولملأه وجعلهم خدماً له كما هو معروف يسترق يجري منه
المهمة من بدايتها تدل على أنها مهمة كبيرة أن ائتي القوم الظالمين أنت ستأتي قومًا معروفين بالظلم. وهذا يستدعي منك أن تدلهم على الله
وأن تبين لهم قبح ظلمهم وأن تحاول معهم في أن يصرفوا عن ظلمهم ليكونوا من العادلين في أنفسهم ومع غيرهم ﴿أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾
وَقَوْمُ فِرْعَوْنَ هُمُ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ. وعلى ذلك أَنِئْتِ ﴿ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ هذا عطف بيان هذا عطف بيان ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بدل أَنِئْتِ ﴿ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. فهذا تفصيل بعد إجمالٍال أو بيان بعد إجم
من هم قوم فرعون ما قال هنا ما جاء التعبير أن ائتي قوم فرعون لا قرر ابتداء أنهم قوم ظالمون وعلى ذلك فهم يحتاجون إلى دعوة وهذه مهمته يا نبي الله أن ائتي ﴿ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ يتقون أي: ﴿إِلَّا﴾ يتقون الله
﴿إِلَّا﴾ يتقون الله فإذا اتقوا الله عبدوه وعبدوه وحده وأفردوه بالعبادة ﴿إِلَّا﴾ يتقون الله ﴿إِلَّا﴾ يتقون النار ﴿إِلَّا﴾ يتقون سخط الله ما لهم لا يتقون ﴿إِلَّا﴾ يتقون. وهذا يعني أنهم ما حققوا تقوى الله ولو كانوا من المتقين ما ظلموا أنفسهم ولا غيرهم. ولذلك مما يعين العبد على ترك الظلم وتجنبه تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى فالذي يتقي ﴿ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ﴾ ولا يظلم نفسه بالإسراف في المعاصي والذنوب وإنَّما يراجع نفسه دومًا يتوب إلى ربه سبحانه وبحمده ويقلع عن المعاصي لا يظلم الناس يخاف من أن يقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
فيسأله الله جل وعلا عما قدم وعما صنع بالناس فلتقواه لربه لا يظلم أحدًا ﴿أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ فأجاب موسى عليه الصلاة والسلام قائلًا قال ربي
إني أخاف أن يكذبون ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ قال ربي أي: يا ربي قال ربي أي: يا ربي وكثيرًا ما تأتي رب بدون ياء التي هي حرف النداء لكنه معروف لغةً ومشهور ويعرف ذلك بالسياق كما هو معلوم قال ربي أي: يا ربي
﴿أَنَّمَا﴾ ذكر أعذارا له يطلب بتلك الأعذار أن يعان على ما رام وعلى ما سيسعى إليه وهو تَبْلِيغُهُ الدعوة لفرعون هو ما طلب أن يترك الدعوة وما طلب أن يترك الذهاب وإنَّما قال فأرسل إلى هارون ما قال فعافني من هذا الموضوع ما أريد أن اذهب إليه لا هو يريد أن يذهب وان يبلغ دعوة الله لكنه يطلب الإعانة ويريد ان يسمع التثبيت من الله جل وعلا أثبته الله فذهب، ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ إني أخاف أن يكذبون أخاف أن لا تقبل دعوتي وأن ترد في وجهي وأن لا يستجاب لي أخاف أن يكذبون. أي: أن يكذبوني وأصل المادة يكذبونني
فلما دخلت أن وهي تنصب الفعل المضارع فيكون الفعل المضارع منصوبا بحذف النون فحذفت نون وبقيت النون الثانية وحذفت الياء ودلت عليها الكسرة وقال ﴿رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن﴾ يكذبوني. يعني: يكذبوني التي أصلها الياء ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) أي: ليعبدوني هكذا
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ أخاف أن يقابل دعوتي بالتَّكْذِيبِ والإِعْرَاضِ وعدم الاستجابة هذا متوقع منهم أنهم قوم ظالمون. ثم إن موسى عليه الصلاة والسلام يعرف عنهم هذا لأنه عاش معهم وهو صغير فهو يعرف فرعون ويعرف خلقه وما هو عليه
قال ربي إني أخاف أن يكذبون هذا أول أمر ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى﴾ ويضيق صدري ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِى﴾ يحدث لي ضيق في الصدر حينما أراه
وأرى ملأه وأرى ما يفعل به من إكباره وتعظيمه مع كفره وجحوده بالله وبآيات الله سبحانه وتعالى فيضيق صدري يتعرض للضيق فحينئذ ربما لا أصل إلى ما أريده من تبليغه الدعوة كما ينبغي لا سيما وأن الله جل وعلا قد أمرهما. فقال: لهما أي: له ولموسى بعد. وهذا بعد هذا الموقف فقولًا له قولًا
ليناً. وهذا يحتاج إلى سعة الصدر وإلى طول ذات. ولذلك كان من دعاء موسى عليه الصلاة والسلام قال ﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾7 (طه: 25-35)
وآيات سورة طه مرتبطة بآيات سورة الشعراء فآيات سورة طه جاءت على سبيل الدعاء. وأما آيات سورة الشعراء جاءت في مَسَاقِ الاعْتِذَارِ والأمر قريب. وهذا والله أعلم يدل على ما رجحه جماهير أهل العلم كما استدل به غير واحد على أنه تجوز رواية الحديث بالمعنى للمتأهل لذلك
ومعنى هذا الكلام إن موسى عليه السلام قال قولًا ذكره الله في موضع بطريقة وفي موضع بطريقة وفي موضع بطريقة والموقف واحد وعلى ذلك إمَّا أنه قال هذا اللفظ أو قال هذا اللفظ لكن حكي بأكثر من سياق وكذلك في حكاية الله أو في ذكر الله جل وعلا لقول قوم من الأقوام كذكره لقول السحرة
حينما يقولون ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ وفي رواية نحن الملقين ومن المعروف أنهم عبروا بلغة غير اللغة العربية. أيضًا فقال: أهل العلم هذا يدل على أنه يجوز نقل الكلام بالمعنى أو رواية الحديث بالمعنى كأن يقول فلان كلامًا
فتتكلم أنت بهذا الكلام فتنقل هذا الكلام بمعناه لا بلفظه لكن هذا يشترط فيه أمرًا. إذا كان هذا متعلقًا بكلام الرسول ﷺ أن يكون هذا من المُتَأَهِّلِ. يعني: ما يتكلم عموم الناس برواية الحديث بالمعنى لأنه لا يدري ربما جاء بالحديث بمعنى بظنه فقلب المعنى لأنه لا يعرف اللغة ولا يعرف المرفوع من المنصوب فيقلب المعاني ورب لغةً بل رب حرف أدى إلى معنى مخالف للمعنى الأصلي كما تقدم هذا مرارًا فالإنسان. إذا قال أقصط. فهذا بمعنى عدل وإذا قال قصط بمعنى ظلم
بمعنى جار وظلم وإذا قال شفاء فيمن الشفاء وإذا قال أَشْفَى فمعناه: أهلك. إذن ممكن اللفظة تقلب المعنى. ولذلك تسمى هذه الهمزة بهمزة الإزالة. يعني: تزيل المعنى
وعلى هذا فقس فلا بد أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني والأمر الثاني: ﴿إِلَّا﴾ يكون هذا اللفظ مما تعبد به. يعني: قصد اللفظ نفسه مثل ماذا مثل ألفاظ الأذكار. يعني: ذكر ارتبط به أجر وثواب من قال كذا فله كذا وكذا
هل يصح أن يأتي إنسان. ويقول هذا الذكر بالمعنى لا، لأنه ارتبط به أجر وثواب بهذا اللَّفْظِ بعينه فعليه أن يأتي باللفظ كما قاله الرسول الكريم ﷺ ولا شك أن قول الحديث بلفظه هذا أولى. ثم أولى
وإنَّما يصار إلى المعنى عند التعذر أو عند خوف الإنسان من أن يكون قد تصرف شيئًا في كلام الرسول ﷺ كما كان يفعله ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي ﷺ خوفًا من أن يقع في كذب على رسول الله. فيقول: بعدما يسوق الحديث أو نحوه أو مثله أو ما أشبه ونحو ذلك خوفًا من أن يكون قد قال كلمة لم يقلها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ ويضيق صدري فلا يتسع لتبليغه. وهذا فيه أنَّ: الداعية إلى الله عليه أن يكون واسع الصدر. وهذا من الأمور المهمة التي على الدعاة إلى الله أن يتحلوا بها
لموافقيه وأن يتحمل مُخَالِفِيهِ عساه بذا أن يأخذهم إلى دار أمان وإلى بر السلامة بفضل الله جل وعلا قال وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى لا ينطلق لسانه في التبليغ
فلا أصل إلى ما أريد من بيانه ولا ينطلق لسانه. وذلك إذ قال موسى عليه الصلاة والسلام وحل العقدة ﴿مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى﴾. وهذا فيه أنَّ كانت هناك عقدة منه عليه الصلاة والسلام أو في لسان عليه الصلاة والسلام. وقد اختلف أهل التفسير في سبب ذلك وإن كان أكثرهم والله أعلم ينقل ما ينقل من الأخبار الإسرائيلية مما جرى منه حينما تناول جمرة قدمها له فرعون وما إلى ذلك لكن هذا لا يثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ وقد قال هو ﴿وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ8 رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ﴾
﴿وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾ (القصص: 34). إذن على ذلك طلب أن يكون معه إخوة هارون أن يكون إخوة هارون معه لأنه أفصح منه في البيان وفي التبليغ قال وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى. وهذا فيه أنَّ: الداعية إلى الله
إذا كان منطلق اللسان فهذه نعمة عليه نعمة من الله عليه فجدير به أن يشكر الله عليها. إذا كان الداعي إلى الله صاحب لسان طلق أو صاحب لسان معروف بالفصاحة والبيان يتكلم كيف يشاء تطاوعه الكلمات وتخرج من فيه كلمات واضحة جلية، حريٌّ به أن يتقي الله وأن يتواضع
وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّ مِنْ أَبْعَدِكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي مَجِلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال «وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجِلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ»
المتفيهقون. قالوا: يا رسول الله ومن المتفيهقون قال المتكبرون ومن التشدق أن يدعي التفاصح فاملأ فاه بالكلام متعاليا على خلق الله تبارك وتعال لا. إذًا من الله عز وجل عليك بالطلاقة فهذه نعمة أشكر الله عليها فالله قادر على أن يحبس لسانك عن النطق فتأتي لتتكلم فلا تقوى على الكلام تأتي لتتحدث فلا تستطيع التحدث
بل تقلب الكلام وتقول ألفاظاً تؤدي إلى معانيها هي خلاف ما تريد أنت تريد معنى وتقول لفظًا والناس ﴿أَنَّمَا﴾ تتعامل معك على ألفاظك وأنت تقصد معنى آخر فتقلب المعاني بسبب الألفاظ التي خرجت منك وأنت لا تدري قال ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾. وهذا فيه أنَّ نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام عرف قدر المسؤولية وهو حقيق بذلك صلوات الله وتسليماته عليه عرف أنها مسؤولية وأمانة ثقيلة فطلب من الله جل وعلا العون والتوفيق والتسديد وأن يكون إخوة معه معينًا نعم فهكذا فكن إذا حملت حملًا لا تقوى عليه. وكان بإمكانك أن تدخل معك أخاً لك ليكون شريكًا لك فما يمنعك من هذا المهم أن تصل الحقيقة إلى الناس المهم أن تبلغ الدعوة الناس أن تبلغهم بيضاء نقية كما شرعها رب البرية
المهم أن يصل الحق إلى الناس بعض الناس يكره الشركة يكره المشاركة في جانب من الجوانب مع أنَّه يعلم أنه لم يستطع القيام بالمهمة أقول لك: أنا أستطيع وأنا سأصنع وأنا سأكون لها
وإذا به يقصر ولا يقوم بالذي عليه يا أخي، بارك الله فيك هل أخذت فلانًا معك هل استعنت بفلان. والله يعينكم يريد أن يتفرد هو وربما زين له الشيطان أمرًا
فقال: أريد ﴿إِلَّا﴾ أُحرم الأجر يقول في ظاهر الأمر أنا أريد أن أحرص على الثواب أريد أن أغنى بدل من أن أخذ نصف الأجر أن أخذ الأجر كاملًا لكن يا أخي، الكريم لا تظلم نفسك أن تضر بنفسك. إذا كنت عاجزًا فلا تدعي لنفسك التمام ونستبذاك
وليس لذاك فأنت إذًا عجزت كنت سببًا في الضياع لأنه فرق بين العامة وبين الخاصة وبين الرعية والراعي وبين المأمومين والأئمة فالأئمة عليهم مسؤولية عظيمة فليتقوا الله جل وعلا فيه. ثم من قال لك أنك إذًا استعنت بغيرك وكنت سببًا في أن يكون معك أنك حرمت الأَجْرَ
وأنت حينما تدل غيرك على الطريق المستقيم وتسعى جاهدًا في أن يكون سببًا في فعل الخيرات أليس لك الأجر لأنك دللته على ذلك وكنت سببًا في ذلك ولربما اكتمل عملكما بما لم يكن
لو كنت وحدك بما لم يكن ليتم. إذا كنت وحدك فحينئذ تنال من الأجر الأكثر والأكثر وليس هذا من باب التنصل عن المسؤولية. يعني: ليس معنى هذا أن كلما أسند إلى إنسان أمر قال والله أنا عاجز هات واحد معايا
ليس هذا معناه: إذا كان الأمر خفيفًا أو أنت في إمكانياتك أن تقوم به فاقبله وقل أنا أتحمل بفضل الله واستعين بالله. والله جل وعلا يعينه. إذن المسألة تختلف باختلاف الحال والأمر كما قال الله ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾
﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ﴾ أخاف أن يكذبون رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ وفي قراءة أبي جعفر رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ ويضيق صدري باعتبار عطفها على قوله أن يكذبون ويضيقه
فيجمع بين الأمرين بين ضيق الصدر وبين التكذيب منهم وبين ما يجري منهم. كذلك أو ما يجري منه من عدم انطلاق اللسان ولا ينطلق لساني وقراءتنا كما هي قراءة الجمهور ﴿وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ﴾ هَٰرُونَ
أرسل إليه قال بعض العلماء: أي أرسل إليه جبريل عليه السلام ليبلغه أنه رسول أو أرسل إليه رسالة منك أرسل إليه ليكون معه قال بعض العلماء: في قول الله - تبارك وتعالى إذ دعا موسى عليه الصلاة والسلام ربه وذكر ربنا ذلك عنه إذ قال موسى عليه السلام
في ﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى﴾9 (طه: 25-32). قالوا ليست هناك دعوة من أخي لأخيه أعظم من دعوة موسى لأخيه ليست هناك دعوة أعظم. يعني: من أخي لأخي أعظم من دعوة موسى لأخيه ولا تتأتى لغيره. يعني: أصلًا هذا لا يتأتى. يعني: هل يسوغ لأحد أن يدعو لنفسه بالنبوة لا يسوغ هذا من التعدي أو أن يدعو لغيره من النبوة هذا لا يجوز. وهذا من التعدي لأنَّ النبوة ختمت برسول الله محمد ﷺ لكن انظر إلى حرص موسى عليه السلام على أخيه وحبه له واعترافه بفضله ومكانته
وأنه أفصح منه لسانًا فدعا ربه جل وعلا أن يكون شريكًا له في الأمر أي: في تبليغ الدعوة وفي أمر الرسالة. فكان الأمر. كذلك واستجاب الله له وقال له قد أوتيت سؤلك يا موسى
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ وأنت في حقيقة الأمر حينما تتأمَّل كلام الله جل وعلا لموسى عليه الصلاة والسلام وترى لطف الله سبحانه وبحمد بموسى عليه السلام تعرف قدر هذا النبي الكريم ولا شك أننا نحب من يحبه الله
ونجل ونعظم ونقدر من يكون له تقدير عظيم عند الله العظيم سبحانه وبحمد قال الله له أوتيت سؤلك يا موسى وقال ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ﴾ وقال واصطنعتك لنفسي إلى غير ذلك مما ورد في حق موسى الكريم عليه الصلاة والسلام قال فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب
فأخاف أن يقتلون مع هذا كله مع خوفي من تكذيبهم ومن ضيق صدري وعدم انطلاق لساني وحاجتي إلى هارون أخي. فإنَّ لهم علي ذنب
فإن قال ولهم علي ذنب فإنَّ لهم علي ذنبًا ما هذا الذنب قال بعض العلماء: ولهم علي ذنب أي: ولهم علي جرم ذنب أو ولهم علي عاقبة ذنب. يعني: ما يجري بعد الذنب وهو من العقوبة أو ما يتبع ذلك الذنب من محاولة العقاب
﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾. وقد جاء بيان هذا الذنب في سورة القصص في قتل موسى عليه الصلاة والسلام لهذا القبطي ﴿فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ﴾ ﴿هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾. فهذا هو الذنب المذكور في سورة الشعراء وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ. يعني: عاقبة ذنب جرم
هذا الذنب ما هو ما جرى من موسى عليه الصلاة والسلام حين قتل القبطي وعلى كله فموسى عليه الصلاة والسلام لم يكن يظن أنه حينما دفع ذلك القبطي أو وكز أنه سيموت في يده فوكزه موسى هذه ضربة لكنَّها صارت سببًا في قتله بل قتلت وما كان يريد ذلك فلم يكن هذا قتلا متعمدًا. ولذلك وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال: يا موسى إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فأخرج إني لك من الناصحين فقول ﴿إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. إذن هذا معروف وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يقتلوه لأنهم سعوا في قتله فكيف. وقد جاءهم أو كيف إذا جاءهم بنفسه. يعني: هم بحثوا عنه وراموا الوصول إليه ليقتلوه وليسفكوا دمه فكيف إذا ذهب إليهم بنفسه ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾
أخاف أن يقتلونني وأن لا يتركوني وأن يقتلوني بما جرى مني في السابق. فقال الله له كلا ﴿قَالَ كَلَّا ۖ فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾
قال كلا فاذهب بآياتنا قال كلا فاذهب بآياتنا قوله سبحانه وتعالى كلا. يعني: ليس الأمر كما تتوقع يا موسى لن يقتلوك ولن يصلوا إليك
لن يصلوا إليك ولن يقتلوك لأنَّ الله جل وعلا حافظه فذهب وتوكل على الله والجأ إليه. والله جل وعلا معك كما قال: إن لا تخاف ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ حينئذ كن في أمان ولا تقلق ولا تخف
والواحد مننا، يا أيها الإخوة الكرام، إذا وقع منه مثل هذا وقتل رجلًا في بلد أو في مكان وعلم أن أصحاب هذا المكان يطالبونه أو يطلبونه ليقتلوه ما دخل هذا البلد مرة أخرى فإذا قيل له ادعو إلى الله قال أدعو الله في جميع البلاد إلا
هذا البلد لكن موسى عليه السلام سيأتي إلى البلد وسيدعو الأشخاص بل وسيدعو أميرهم ليس فَحَسْبُ بل من يزعم أنه إلههم وربهم
لكن الله قال: ﴿كَلَّا ۖ فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ اذهب بآياتنا معكم الآيات والحجج والبراهين والدلالات الواضحات على صدقكما وأنكما من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَٰلِبُونَ ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾. وهذا مبدأ عام انظر انتما ومن اتبعكم الغالبون. كذلك نقول رسول الله ﷺ ومن اتبعه الغالبون رسول الله ومن اتبعه الغالبون هذه قاعدة عامة ﴿إِلَّا﴾ تنصروه. فقد نصره الله
الرسول ﷺ ومَنْ يتبع غالبون ليسوا بمغلوبين ﴿أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ﴾ الغالبون ﴿أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. كذلك إننا معكم مستمعون وقال معكم ولم يقل معكما
قال بعض العلماء: هما مثنى موسى وهارون عليهم السلام لكنه خاطبهم خاطبهما بصيغة الجمع. فقال: معكم. وهذا من باب تقديرهم ورفعة شأنهم إنني معكما مستمعون قال كلا فاذهب بآياتنا
معكم مستمعون فقالوا: إن هذا من باب التعبير بالجمع عن المثنى وقال آخرون: بل قوله معكم ليشمل فرعون وملأه. يعني: معكم بالنسبة لكم وله فأنا مستمع لكم وله
سأعلم ما يجري بينكم بل هو عليم علم بالشيء قبل وقوعه ما يجري منكم. ومنهم وأستمع إليكم وإليهم وبعض العلماء منع ذلك لوجود المعية وقالوا إنها تشعر بالتأييد والنصرة. وهذا يكون لأهل الإيمان. فهذا من خطاب مثنى بضمير الجمع وهو سائغ في اللغة ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ﴾ ٱلْعَٰلَمِينَ
لكن هنا جاء ضمير التثنية. فقد يشعر بالمعنى الثاني والله أعلم إنني معكم. يعني: الجميع مستمعون أستمع إلى الجميع وسماع الله جل وعلا كما ذكر أهل العلم نثبت ابتداء سماع الله نثبت أن لله صفة السمع فمن صفات الله الثابتة له صفة السمع وهناك السمع بمعنى الإِدْرَاكِ
فهو سبحانه وتعالى يسمع الخلائق ويسمع ما يقولون جميعًا يسمع المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وهناك السمع بمعنى النصرة وبمعنى التأييد إنني معكم أسمع وأرى سمع نصرة وسمع تأييد وسمع إجابة وقبول ومنه قولك سمع الله لمن حمده
سمع الله لمن حمد ليس المراد إثبات السمع فحسب وإنَّما سمعك وقبلك وأجابك أي: الله يسمعك ويقبلك ويجيبك. إذًا حمدته هذا معنى ومن السمع أنَّ يأتي السمع بمعنى التهديد
التهديد الله جل وعلا يسمعهم ويطلع عليهم. فهذا تهديد لهم. فهذا تهديد لهم ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾10 (الزخرف: 80) قال ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وفي سورة طه قال فقول له قولًا لينا لعله يتذكروا
. يعني: أنا سأنصحك وسأشدد عليك فلا تجد عليك فقال له هارون لا ولا كرامة لا ولا كرامة
لا ولا كرامة. لماذا قال لي إن الله جل وعلا آمر من هو أفضل منك. حينما أمره ان يخاطب من هو شر مني بالقول اللَّيِّنِ. فلماذا لا تخاطبني بالقول اللين? يعني: أنت لست أفضل من موسى. وأنا لست شر من فرعون. والله آمر موسى ان يخاطب فرعون بالقول الليل. فلماذا أنت تكلمني بهذا?
فقول ﴿لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ قال الله جل وعلا
فقول له قال الله - تبارك وتعالى فقول ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ فأتياه فقول إنا رسول رب العالمين ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ فقول إنا رسول رب العالمين إنا رسول وهما رسولان ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهما رسولان
وهناك فأتياه فقول له ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ إنا رسول ربك، يبقى جاءت التثنية هناك في طه طيب هنا
فَقُولَ ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهم اثنان موسى وهارون عليهم السلام ومع ذلك أمرهم الله جل وعلا أن يقول ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ورسول هذا واحد فكيف يكون هذا؟ قال بعض العلماء: إن رسول هذه بمعنى المصدر فرسول بمعنى رسالة أي: إن رسالة رب العالمين لك
رسول بمعنى رسالة فقولوهما إنا رسول أي: إن رسالة رب العالمين نحن رسالة الله إليه إنا رسالة الله إليه فلذلك جاء التعبير بقوله رسول وإن كان اثنين وقال بعض العلماء: إن رسول أُضِيفَتْ، والمفردُ المضافُ يَعُمُّ
على قول عدد من أهل الأصول. فقال: فقول ان رسول رب العالمين وهما رسولان فيفيد العموم كقوله ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ أي وان تعدوا نعم الله لا تحصوها وإن كان في هذه المسألة كلام معروف في الأصول فقول أنا رسول رب العالمين
إن رسول رب العالمين وسيأتي بعد قليل قول فرعون حينما ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾. والله رب العالمين فموسى عليه الصلاة والسلام من البداية يرد عليه يفهمه أنت تقول ربكم الأعلى وكذا لا ما قالوا نحن رسل نريد أن نبلغك لا رسول رب العالمين. يعني: لست أنت هو
لست أنت رب العالمين ﴿أَنَّمَا﴾ نحن ندعوك لقبول دعوة رب العالمين. وقد أرسلنا إليك إنا رسول رب العالمين. وقد جاء تفسير رب العالمين من موسى عليه السلام رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ إن كنتم
الله أكبر الله أكبر
«أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ»
أشهد أن محمدًا رسول الله حي على الصلاة
الله أكبر لا إله إلا الله
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فإنَّ شاء الله تعالى نكمل تفسير الآيات في الدرس المقبل بإذنه - تبارك وتعالى لكن أنبه على ما نَبَّهْتُ عليه في خطبة الجمعة مع بعض التفصيل مما يتعلق بأوائل شهر ذي الحجة
الثابت عن النبي ﷺ كما في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي ﷺ قال «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر. قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله
إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» والبخاري قد أورد هذا الحديث أو خرجه لكن بلفظ ما العمل في أيام أفضل من هذه وفي لفظ: من أيام العشر. قالوا الجهاد في سبيل الله إلى آخر الحديث. فهذا يدل، يا أيها الإخوة الكرام، على فضل هذه الأيام العشر العشر الأول من شهر ذي الحجة وهي الليالي العشر التي أقسم الله بها في قوله ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾11 (الفجر: 1-2) على قول جُمْهُورِ أهل التفسير وهي أيام مباركة وفيها خيرات عظيمة فجدير بالعباد ﴿إِلَّا﴾ يضيعوها. وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بينها وبين العشر الأواخر من شهر رمضان فمنهم من قال العشر الأول من شهر ذي الحجة أفضل من العشر الأواخر من شهر رمضان ﴿وَقِيلَ﴾ بالعكس ﴿وَقِيلَ﴾ النهار في العشر الأول من ذي الحجة أفضل من النهار في العشر الأواخر من شهر رمضان
والليل في العشر الأواخر من شهر رمضان أفضل من الليالي في هذه العشر لأنَّ في الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. ومنهم من قال بل العشر الأول من ذي الحجة أفضل ليلًا ونهارًا باستثناء ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لأنَّ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليلة واحدة
وليست في كل الليالي كما هو معلوم فانظر إلى حالنا في شهر رمضان وما يكون من المسلمين من اجتهاد في العشر الأواخر ومن التماس لليلة القدر وما أشبه ذلك فأقول:. كذلك لا تضيع الفرصة في هذه العشر لأنَّ تبذل وتطيع. ولذلك سعيد بن جبير راو الحديث عن ابن عباس قالوا فيه. فكان إذا دخل العشر لم يقدر عليه. يعني: من شدة اشتغاله رحمة الله تعالى فيشرع للعبد أن يكثر فيها من الأعمال الصالحات ويدخل في عموم الأعمال الصالحات الصيام. وقد ورد بيان فضل صوم يوم عرفة وأنه يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ السنة التي قبلها والسنة التي بعدها فصيام يوم عرفة يكفر سنتين فاستحب للمسلمين أن يصوموا هذا. اليوم. وأما بقية الأيام فلا بأس بصومها بل هو حسن وداخل في الأعمال الصالحة. وهذا ما عليه جمهور العلماء وإن كان قد ورد في الباب حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم أنها سُئِلَتْ هل صام النبي ﷺ العشر قالت ما صام النبي ﷺ العشر ما صام النبي ﷺ العشر تعني العشر من ذي الحجة فقالوا كيف تقول عائشة ما صامها. وقد جاء من حديث هنيدة بن خالد عن بعض أزواج النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان يصوم التسعة وحديث عائشة أصح لكن الحديث الثاني حسن. والله أعلم
فأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة منها أن يقال إن عائشة رضي الله عنها لم تره يصوم ﷺ وربما رأت غيرها من أزواجه الصيام فربما كان يصوم أحيانًا ويفطره أحيانًا أو ربما كان تشغله أمور أعظم من الصيام وهو يُقوِّم على مهام المسلمين ﷺ وأحسن من هذا وذاك أن يقال إن الرسول ﷺ كان يترك العمل
مع حبه له خشية أن يعمل به فيفرِّط في على الأمة. فكان أحيانًا يترك بعض الأعمال خشية أن يعمل بهذا العمل ويعمل الناس به خشية أن يعمل به ويعمل الناس به فبعد ذلك يصير واجبًا
وإلا فهو داخل في عموم الأعمال الصالحة وليس. هناك نهي عن رسول الله ﷺ عن صيامها فلا حرج على من صأمها ومن صام بعضًا وأفطر بعضًا فله ذلك. ولكن آكَدُ الأيامِ في الصيام صيام اليوم التاسع منها. وأما صوم العاشر أو صوم يوم العيد فهو حرام باتفاق كما لا يخفى عليكم
فعلى ذلك اجتهدوا في الأعمال الصالحات في هذه الأيام من الذكر والاستغفار والتسبيح وقراءة القرآن وما إلى ذلك. كذلك ينصح الإخوة المضحون بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام
في قوله ﷺ في حديث أم سلمة رضي الله عنها. إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن شيئًا من شعره ولا من بشره وفي لفظ ولا يقلمن أظفاره
فمن كان سيضحي على ذلك عليه أن لا يأخذ شيئًا من شعره لا بالحلق ولا بالتقصير ولا يأخذ شيئًا من أظفاره وهذه سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لمرضاته وأن يعيننا وإياكم على طاعته
وأن يصلح ولاة أمورنا وأن يوفقهم لما يحب ويرضى وأن يصلح أحوال المسلمين وأن يفرج كرب إخواننا في سوريا وفي بُورْمَا وفي عموم بلاد المسلمين هذا والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 7-9 ↩
- آية: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: سبأ 13 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 103 ↩
- آية: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 10 ↩
- آية: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 164 ↩
- آية: ﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: طه 25-35 ↩
- آية: ﴿وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 34 ↩
- آية: ﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: طه 25-32 ↩
- آية: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 80 ↩
- آية: ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 1-2 ↩