تفسير سورة الشعراء جزء13 لفضيل
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وَلِيُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم. صل على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك. حميد. مجيد
فما زال الحديث موصولًا يا أيها الإخوة الكرام بتفسير سورة الشعراء. وقد توقف بنا الحديث في الدرس الماضي عند قول الله سبحانه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾2 (الشعراء: 218–219) ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ هل. أنبئكم على من تنزل الشياطين
﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾3 (الشعراء: 222–227)
﴿وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾4 (الشعراء: 227) قال الله جل وعلا آمرًا نبيه محمدًا. صلوات. الله وتسليماته عليه بالتوكل
. فقال له ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾5 (الشعراء: 217) على العزيز الرحيم ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. وقد تكرر الأمر بالتوكل في كتاب الله سبحانه وتعالى فالله جل وعلا قال له. أيضًا فتوكل على الله وكذلك قال الله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ فأمره الله جل وعلا بالتوكل في غير ما موضع ومن المعلوم أن النبي صلوات. الله وتسليماته عليه إمام المتوكلين. فقد كان محققًا للتوكل صلوات الله وتسليماته عليه. وعلى ذلك. فالمراد بالأمر هنا كما قال كثيرون المداومة على ذلك أي: داوم واستزد فيقصد بذلك الاستزادة والدوام أي: استزد من توكلك على الله وداوم على توكلك على الله
. كما أنَّ ذلك. أيضًا موجه للأمة جميعها لأنَّ النبي ﷺ عليه وآله وسلم إذًا أمر بشيء، فإنَّ الأمر له ولأمته صلوات الله وتسليماته عليه فنحن. كذلك مأمورون بالتوكل. وقد قال الله جل وعلا ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فمن صفات أهل الإيمان التوكل على الله جل وعلا. وقد قال الله سبحانه ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فمن صفات أهل الإيمان التوكل على الله جل وعلا وأنت أخي الكريم. إذا نظرت في الآيات التي ورد فيها ذكر التوكل على الله
ترى أن كثيرًا منها جاء بأسلوب الحصر بتقديم ما حقه التأخير فقوله: وعلى ربهم يتوكلون أصل. الكلام ويتوكلون على ربهم لكن الأسلوب جاء هكذا وعلى ربهم يتوكلون وعلى ربهم هذا متعلق بالفعل بعده وهو يتوكلون
وكذلك وعلى الله فتوكلوا فقوله: وعلى الله فتوكلوا وعلى. الله هذا متعلق بقوله فتوكلوا وأهل العلم يقولون: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر وعلى ذلك فقوله: سبحانه ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ يدل على حصر التوكل وأن التوكل لا يكون إلا
أما أن تقول توكلت على الله. ثم على فلان قالوا: إن التوكل لا يكون على مخلوق ﴿أَنَّمَا﴾ يكون على الخالق وحده في جميع صوره. وهذا ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذا تلميذه ابن القيم رحمة الله وفي قول الله سبحانه في سورة براءة
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾6 (التوبة: 59) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ فلما ذكر الإيتاء الإعطاء ذكر الرسول. صلى. الله عليه وسلم. ثم قال وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ لم يقل ورسوله
لأن حسبهم الله جل وعلا وحده ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾. كذلك في الرغبة فقالوا: هذا يدل على أن التوكل لا يجوز إلا على الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان القول المحرر في قول الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ﴾ (الأنفال: 64)
﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: 64) ما معناه لأهل العلم فيها أقوال ومن أشهر ما يقال فيها. والله أعلم يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي حسبك الله وحسب من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾7 أي: الله حسبك وحسب من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾8 وليس المعنى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أن المؤمنين هم حسب النبي ﷺ هذا قول مرجوح
وعلى كل فلا يجوز التوكل على غير. الله سبحانه وتعالى والتوكل على الله صدق الاعتماد عليه مع ثقة فيه أن يعتمد العبد على ربه اعتمادًا صادقًا كاملًا وأن يكون واثقًا في ربه جل وعلا. فمن. اعتمد على الله دون أن يثق فيما عند الله فليس بمتوكل على الله
ومن وثق في الله ولم يعتمد عليه فليس بمتوكل على الله وإنَّما التوكل على الله. بالجمع بين الأمرين الأول أن يصدق اعتمادك على الله أن تكون معتمدًا على الله اعتمادًا صادقًا في صغيرك وكبيرك وجليلك وكثيرك وقليلك في كل أمورك وكذلك أن. تثق في الله سبحانه وتعالى فإذا حققت ذلك فأنت من أهل التوكل جعلنا الله من المتوكلين عليه
وفي كثير من الآيات القرآنية ترى. هناك جمعًا بين التوكل والعبادة مع أنَّ التوكل من العبادة ولكن لعظمة التوكل ومكانة التوكل أفرد بالذكر حتى كأنه نصف والعبادة نصف. ومن ذلك ما نقرأه دومًا في سورة الفاتحة في قول الله سبحانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾9 (الفاتحة: 5) وإياك نستعين
وكذلك في قول الله - تبارك وتعالى في قول نبي الله شعيب. عليه السلام ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾10 (هود: 88) فقوله: وإليه أنيب. يعني: يفيد معنى العبادة وعليه توكلت التوكل جمع بين الأمرين وكذلك في قوله ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا11 هُوَ﴾ (المزمل: 9). وهذه تُسَاوِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾12 (المزمل: 9). وهذا هو التوكل على الله سبحانه وتعالى وكذلك في آخر سورة هود عليه السلام ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾13 (هود: 123). فقال: فاعبده وتوكل عليه تساوي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وإياك
فمن ترك الأخذ بالأسباب فهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ وإنَّما المرء. يأخذ بالأسباب قدر استطاعته. ثم بعد ذلك يَدَعُ النَّتَائِجَ لربه سبحانه. والمراد بالأخذ بالأسباب أي: الأسباب المشروعة
وأما الأسباب غير المشروعة فإنَّه لا وجه لها فالإنسان يأخذ بما شرع الله جل وعلا له من أسباب فمن أراد الولد. مثلًا فإنَّه يأخذ بالسبب وسبب ذلك أن يتزوج امرأةً زواجًا مشروعًا حلالاً
وكذلك أن يأتيها إتيانًا حلالًا مشروعًا وحينئذ يتم له المقصود وكذلك من أراد أن يحج. فإنَّ السبب أن يأخذ راحلته وزاده وأن يتمكن من ذلك حتى يصل إلى مراده من حج بيت الله الحرام إلى غير ذلك من الأمور الدينية وغيرها.
قال ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ وهناك قال الله جل وعلا في سورة الفرقان. وقد تقدمت قريبًا ليس بالبعيد ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ﴾. وهنا قال الله جل وعلا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ وتوكل على الحي. يعني: لا تتوكل على مَيِّت فالمَيِّت لا ينفع ولا يضر
وتوكل على الله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ الذي يراك. حين تقوم وهناك قال فتوكل على الله الجامع لصفات الألوهية. وهنا قال ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ وأنت أخي الكريم منذ أن بدأت سورة الشعراء
إلى هذا الموضع. وهذا موضع الختام قد أوشكنا على ختام السورة يقول الله جل وعلا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ وهناك تكرر في آخر كل قصة كما تقدم الكلام على ذلك. فهذان الاسمان قد تكرر في هذه السورة مرارا. وهذا له مدلوله الواضح الجلي ذلك يا أيها الإخوة الكرام أنَّ أَنْبِيَاءَ اللهِ ورسله حينما دعوا أقوامهم وكذبتهم الأقوام إلا من رحم الله جل وعلا من أفراد. وكان دأب أولئك التكذيب والعناد
لأنبياء الله ورسله فإنَّ هؤلاء الأنبياء يحتاجون إلى مَن ينصرهم وإلى من يقف بجوارهم وإلى من يأخذ لهم حقهم وإلى من يقوي. عزائمهم وإلى من يثبت صدقهم فيما ادعوه من النوم أنبياء الله ورسله. وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الله العزيز
فهو العزيز الذي يعز أنبياءه الذي يعز رسله الذي يعز أصفياءه الذي يعز أولياءه الذي يعزهم ينصرهم لأنَّ من معاني العزيز. الغالب
. فالله عزيز غالب فهو سبحانه وتعالى يجعلهم الغالبين ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ وقال ﴿ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ﴾ هم الغالبون فحزب. الله جل وعلا الغالبون
وكذلك أهل الإيمان رسل الله وأنبيّاؤه وأتباعهم هم الغالبون ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ وقال الله. ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ﴾ فالعزيز الغالب كما أنَّ العزيز منيع الجانب المنيع
الذي لا يقدر أحد عليه لا يقوى أحد على أن. يصل إليه ولا على أن يقضي عليه فهو منيع الجانب عزيز سبحانه وبحمده. فهذا الاسم مناسب لما عليه حال الأنبياء والرسل لما عليه حال السابقين لما عليه حال المؤمنين وكذلك هو الرحيم سبحانه وتعالى فهو العزيز الذي يعزهم وينصرهم وهو. الغالب الذي يغلب أعداءه
فهو ينتقم من أولئك المجرمين. وقد أهلك الظالمين فأهلك عادا وثمودا وأهلك. كذلك قوم شعيب وهم مدين وكذلك أصحاب الأيكة على الخلاف المتقدم أهما قوم واحد أم قومان كما تقدم قريبًا كل هؤلاء الأقوام أهلكهم الله سبحانه. وهذا من مقتضى عزته
وكذلك هو الرحيم الذي يرحم أهل الإيمان وينصرهم ويوفقهم ويسر لهم أمرهم ينجيهم فلا يهلكون مع من يهلكون فأنجى الله لوطًا عليه السلام ومن. معه من أهل الإيمان
وأهلك الكافرين وأهلك امرأته لأنَّها كانت على مثلهم وكذلك أنجى الله جل وعلا نوحا عليه السلام وأغرق ابنه فهو عزيز سبحانه يعز أولياءه. ويهلك. أعداءه
ما يصنعه المشركون وما يريدونه بك. فإنَّ الله ناصرك وإن الله جل وعلا هو الغالب وإن الله قادر على أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر وهو رحيم بك سبحانه وتعالى يعلم الأذى الذي يلحقك
. ويعلم العناء الذي تتكبده وهو سبحانه قادر على أن يزيل عنك ذلك كله سبحانه وتعالى. فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾
﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ في ماذا أطلق الله جل وعلا فيشمل الصلاة وغيرها قال عدد من أهل التفسير. ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ في الصلاة هو مطلع عليك مطلع عليك حينما تقوم إلى الصلاة أو حينما تقوم إلى صلاة الليل
حينما تقوم في الظلام والناس نائمون. تناجي. ربك الكريم سبحانه. فإنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ﴾ ذلك الذي يراك هو مطلع عليك يراك يسمعك ويبصرك سبحانه جل وعلا ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾
أي: يراك وقت. قيامك ويراك وقت تقلبك في الساجدين ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ أي: ويراك حين تتقلب في الساجدين وقوله: سبحانه ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ أي: مع الساجدين على قول الكثيرين ففيه. هنا. بمعنى معه
وفي تأتي بمعنى معه كما في قوله سبحانه ﴿قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾14 (الأعراف: 38) ﴿فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم﴾ وما معنى قوله ادخلوا في أمم أي: ادخلوا مع. أمم. فعلى ذلك قوله ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ أي: يراك وأنت تتقلب مع الساجدين أي: تتقلب معهم راكعًا وساجدًّا
فهو يراك حينما تكون قائمًا ويراك. حينما. تَرْكَعُ ويراك حينما تسجد وفي قوله ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ إشارة إلى صلاة الجماعة كما قال عدد من أهل التفسير أن يراك حينما تصلي مع الصحابة حينما تصلي مع. أتباعك يراك الله في قيامك ويراك في ركوعك ويراك في سجودك يطلع على دعواتك ويطلع على ذكرك واستغفارك
﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ ويراك. كذلك حينما تتقلب في الساجدين تتقلب راكعًا ثم ساجدًا مع الساجدين وقال بعض العلماء: ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾. يعني: وأنت تتقلب في زمرة المصلين بمعنى وأنت تصلي من جنس المصلين ولا يلزم أن يكون معهم في ذلك الوقت
وقال آخرون: وقوله: سبحانه ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ أي: وأنت تتقلب في أصلاب آبائك الأنبياء أي: أنك كنت. كذلك تتقلب في هذا النسل المبارك إذ النبي ﷺ من نسل أبينا إسماعيل وإسماعيل ابن إبراهيم عليهم السلام
وقال آخرون: تقلبك في الساجدين. قالوا إنه تقلب في صلب كل أب. وهذا في الحقيقة بعيد بعيد عن ظاهر الآية الكريمة؛ وإلا فالمشهور من أقوال أهل التفسير ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ أي: وأنت تتقلب بينهم تصلي معهم وتسجد معهم صلوات. الله وتسليماته عليه
وحاول بعض الروافض وبعض غلات الصوفية وما أشبه ذلك أن يتأولوا الآية الكريمة هذا التأول ليصلوا إلى ما ذهبوا إليه من أن آباء النبي. صلى. الله عليه وسلم وأجداده كلهم كانوا على التوحيد فقالوا قال ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾. إذن كان يَتَقَلَّبُ نطفة في كل ساجد. فكان الأب ساجدًا. وكان الجد ساجدًا وما أشبه ذلك. وهذا مما لا يدل عليه الدليل بل الدليل يدل على خلافه. فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ سأله رجل. فقال له: يا رسول الله أين أبي قال له في النار
فحزن الرجل فقال له النبي ﷺ إن أبي وأباك في النار. وهذا في صحيح الإمام مسلم والرواية الشهيرة لدى كثير من الناس من أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم
سأل ربه أن يحيي له والديه فأحياهما له. ثم دعاهما إلى الإسلام فأسلما ثم ماتا هذه رواية تالفة لا تثبت عن النبي «صلى الله عليه وسلم»
فلم يؤذن لي استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي. وهذا يدل على هذا المعنى. أيضًا وعلى ذلك فالمعتمد في قوله سبحانه
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ أي: وأنت تتقلب مع الساجدين تسجد لربك وتخضع له وتناجيه داعيا ومستغفرًا له سبحانه وتعالى الذي يراك. حين تقوم ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾
وإذا علم العبد ذلك فعلية أن يكثر من الطاعات وأن يؤدي ما عليه ولا عليه. فإنَّ الله ناصره ولن يخذله وهذه تسلية للنبي ﷺ ولأهل الإيمان من بعده. إذا أوذيت من الناس وإذا تعرضت لإيذاء منهم وإذا تعرضت إلى تهكم وسخرية
وما أشبه ذلك وأضيعت حقوقك وما إلى ذلك فالجأ إلى ربك سبحانه وتعالى ولا. تيأس من. روح الله واعلم أن الله مطلع عليه يعلم حالك ولا يخفى عليه أمرك سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾. ولذلك الإمام النوويُّ رحمة الله من فقهه حينما ذكر
في كتابه رياض الصالحين وكتاب النفيس كما لا يخفى عليكم وذكر كتاب المراقبة ذكر تلك الآية لأنَّ هذه. الآية تدعونا إلى مراقبة الله سبحانه هذه الآيات ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ الذي يراك حين تقلبك في الساجدين ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾
يراك الله في قيامك وإذا. ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن. الآيات مطلقة. فالله جل وعلا يراك في عموم قيامك هل تقوم إلى الخير هل تقوم إلى الشرع أقيامك إلى ما يرضيه أم قيامك إلى ما يسخطه هل تَحَرُّكُكَ هل. ذهابك وإيابك إلى ما يرضي الله أم إلى ما يسخطه كل ذلك يعلِّمه ربي لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ﴾
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾، ﴿إِنَّهُۥ هُوَ﴾. السميع العليم، لك أن تقول: إن قوله إنه بمثابة التعليل، فكثيرًا ما يعلل بإنه، أي: الله جل وعلا يراك حين تقوم ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾، لماذا؟ لأنه هو السميع العليم،
فهو السميع العليم. وكذلك هو البصير كما جاء في مواضع كثيرة من كتاب رب العباد سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا هو السميع العليم ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: الذي سمعه تام كامل والذي علَّمه تام كامل
فالبشر يعلمون ويجهلون. وأما علم الله جل وعلا فلا نقص فيه ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾15 (يونس: 61). فالله تعالى لا تخفى عليه خافية سبحانه جل وعلا قال ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. ثم قال ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾
تقدم قول الله ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ ﴿وَمَا يَنۢبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ إنهم عن السمع لمعزلون ما نزل بالقرآن. شياطين ﴿أَنَّمَا﴾ نزل به جبريل الأمين عليه السلام نزل به على قلب النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم نزل بوحي الرحمن
أما عن الشياطين وما يأتيهم. وما. يصل إليهم وما ينقلونه إلى غيرهم يحدثنا الله عنه. فيقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ هكذا تنزل الشياطين تنزل الشياطين بالوحي الشيطاني
الذي فيه الإضلالات والذي فيه الوساوس والشكوك والشبهات. ﴿أَنَّمَا﴾ تتنزل به الشياطين على كل أفاك كدَأْبُ كثير الكذب والبهت أثيم مجترئ على الله سبحانه قد استحق الإثم والعقوبة من الله ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ﴾. الشياطين. ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ هكذا تتنزل الشياطين
تتنزل بإغراءاتها ووساوسها تزين للناس أعمالهم القَبِيحَةَ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا ﴿يَهْتَدُونَ﴾ (النمل: 24) ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ هكذا بأسلوب التشويق
حتى يعرف الإنسان ذلك فيتجنبه حتى يتعرف الإنسان على ذلك فحينئذ يتجنبه العبد ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ على من تنزل يا. ربنا تنزل على كل شيطان ﴿عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾
﴿يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ﴾16 (الشعراء: 223) يلقون أن يلقي هؤلاء الشياطين السمع إلى هؤلاء الأفاكين الكذابين من السحرة والكهنة وما إلى. ذلك. وذلك عن طريق الاستراق
فيسترق الشيطان شيئًا مما تقوله الملائكة ثم بعد ذلك ينقله إلى الساحر أو الكاهن فيكذب معه الكاهن مئة كذبة كما أخبر النبي صلى. الله عليه وعلى آله وسلم. وقد تقدم أن الاستراق كان كثيرًا فلما جاء النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم حيل بينهم وبين ذلك ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْءَانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًا رَّصَدًا﴾17 (الجن: 8–9)
رصد وقال بعض العلماء: بعد وفاة النبي ﷺ عاد شيء من ذلك لكنه ليس كثيرًا كما كان قبل بعثة النبي. ﷺ فمر استراق السمع بمراحل كان كثيرًا. ثم منع ثم بعد ذلك فتح شيئًا ما بعد تمام الوحي وبعد نزول القرآن كله على النبي ﷺ قال بذلك بعض أهل العلم. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما يفيد هذا المعنى من أن هذا الذي يسرق السمع يعطيه إلى أو. فيلقيه إلى الكاهن فتقر في أذنه قر الدجاجة. ثم إنه يكذب معها مئة كذبة فالناس يصدقون من أجل تلك الكذبة التي يكذبها فيأتيه الآتي مثلًا. فيقول له أنت جئتني من أجل كذا وأنت تريد كذا ونحو ذلك فإذا بهذا الرجل الذي أتاه يظن أن هذا الرجل مطلع على الغيب وأنه يعلم كل. شيء فحينئذ يصرح له بكل ما يريد وحينئذ يظن أن النجاة في يده وأن النفع والضر بيده. وهذا من الباطل. وهذا من الباطل ﴿أَنَّمَا﴾ هي وساوس الشياطين
إن الشيطان أخذ شيئًا ثم ألقاه إلى ذلك الساحر والكاهن فكذب معه ما كذب وظن ذلك العبد المسكين لمجرد أنه. صدقه في كلمة أن دأبه الصدق وهَيْهَاتَ. فإنَّ دأب الكهنة الكذب للصدق. وقد حذر النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم من إتيان العرافين وتصديقهم كما لا يخفى عليكم قال صلى الله عليه وسلم:
من أتى عرافًا أو كاهنا لم. تقبل له صلاة أربعين يومًا وقال ﷺ من أتى عرافًا «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ». فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال الله جل وعلا هل أنبئكم
على من تنزل الشياطين ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. ﴿يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ﴾ أكثرهم كاذبون هذا هو غالب حالهم. وهذا ما هم عليه في غالب أوقاتهم قال ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ﴾ ﴿ٱلْغَاوُونَ﴾
ذكر الله جل وعلا جنس الأفاكين والكاذبين وجنس أولئك المسترقين للسمع أو المتلقفين عن. مسترق السمع. ثم أتبع الله جل وعلا ذكر هؤلاء أو أتبع بذكرهم ذكر إخوانهم وهم الشعراء الغاوون
فأتبع الله جل وعلا ذكر أو ذكر الله جل وعلا عقب هؤلاء. الشعراء الغاوين الذين يسيرون على منوالهم ويتحدثون بالكذب ولا يَصْدُقُونَ في قيلهم
فقال: ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ﴾18 (الشعراء: 224–227)
الأصل أن الهذه تفيد الاستغراء فعلى ذلك المراد كل الشعراء. ثم جاء الاستثناء بعد في قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ ﴿وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وعلى ذلك. فليس كل الشِّعْرِ مذمومًا
وليس كل الشعراء مذمومين لأنَّ الله جل وعلا قد قسمهم صحيح أنَّ أكثرهم من الصنف الكذاب الذي يكذب ويفتري. ويقول ما لا يفعل بيد أنه يوجد من الشعراء
شعراء أكارم يقولون صدقًا ويفعلون صدقًا ويفعلون ما يقولون بالحق ومع ذلك لا يكذبون في قيلهم كما كان من. شأن حسان بن ثابت رضي الله عنه وغيره من شعراء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
فهؤلاء كانوا يقولون الشعر ويصدقون فيه لذلك قال عليه. الصلاة. والسلام كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له «إن من الشعر حكمة» وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لحسان بن ثابت رضي الله عنه أهجوهم
أهج المشركين وروح القدس معك وروح القدس. معك. وفي لَفْظٍ: «يُنَافِحُ عَنْهُ» ينافح عنه فروح القدس المراد به جبريل عليه السلام وهكذا كان حسان بن ثابت رضي الله عنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى. آله وسلم وعلى ذلك فمن الشعر شعر محمود ومن الشعر شعر مذموم
فالشعر الذي يدعو إلى الفضائل محمود والشعر الذي يدعو إلى الرذائل قبيح مَمْقُوتٌ مَذْمُومٌ وكذلك. الشعر. الذي ليست فيه مخالفة لشرع الله جل وعلا من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ لا بأس به. وقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنهما
معرفته القوية بالشعر وكلام الشعراء. وكان يجيب في كثير من الأحيان حينما يسأل عن آية أو عن معنى لفظة غريبة من كلمات القرآن الكريم ربما أجاب ببيت من الشعر. وهذا يعرفه أهل العلم وهو من المسائل التي تدرس في أبواب التفسير. وذلك أنَّ الشعراء
العرب ديوانهم أو أن هذا ديوان اللغة فلا مانع من أن يستدل به لأنَّ القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ فالقرآن نزل بلغتهم وحينئذ. إذًا أشكل على الإنسان لغةً من الألفاظ فرجع إلى ديوان العرب وهو شعرهم
ووجد تلك الكلمة قد استعملت بمعنى معين فإنَّ المعنى في كتاب الله يكون نظيرها. هذا في الأصل. وقد يخالفه. وذلك أنَّ الحقائق ثلاثة منها الحقائق الشرعية والحقائق العرفية والحقائق اللغوية والمقدم فيها الحقائق الشرعية. يعني: مثلًا الصلاة إذًا أطلقت في القرآن فالأصل
أن تحمل على المعنى الشرعي وهو التعبد لله - تبارك وتعالى بأقوال وأفعال مفتتح بالتكبير مختتم بالتسليم. وأما في اللغة فالصلاة تأتي بمعنى ماذا بمعنى الدعاء فحينئذ الصلاة تحمل في الأصل
على ماذا تحمل في الأصل على الصلاة الشرعية اللهم إلا. إذًا دل الدليل على أن المقصود بذلك الصلاة اللغوية التي هي بمعنى الدعاء كقوله سبحانه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾19 (التوبة: 103)
﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾20 (التوبة: 103). فقد جاء من النصوص ما يدل على أن المراد بالصلاة في هذه الآية الدعاء لأنَّ النبي ﷺ كان. إذًا أتاه الآتِي ليتصدق بالصدقة
كما جرى من أبي أوفى كان يقول ﷺ «اللهم صل على آل أبي أوفى» فالذي فعله النبي ﷺ. عليه وآله وسلم هو الدعاء فعرف من ذلك أن المقصود بالصلاة في الآية الكريمة الدعاء وهكذا قال الله ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ﴾
﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ﴾ يتبعهم أهل الضلال. وأهل. الغواية. وذلك أنَّ كثيرًا من هؤلاء الشعراء قد زعموا أنَّهم يستطيعون الإتيان بمثل ما أتى به الرسول ﷺ وقد قال الله جل وعلا مبرئا النبي ﷺ من تعلم الشعر قال ﴿وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ﴾ إنه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ﴾ ولا. ينبغي الاستدلال بمثل هذه الآية على ذم الشعر جملة وتفصيلًا
كيف تزعمون أن الذي قاله النبي ﷺ عن ربه شعر من الشعر فنفى الله. عنه. ذلك. وذلك كأمية النبي ﷺ وعدم قراءته وكتابته فهي منقبة في حقه
فيقول: قائل أنا لن أخط الكتاب بيميني وأنا. كذلك لن أتلو الكتاب ولن أتعلم القراءة لأنَّ الرسول ﷺ كان. كذلك. فيقال هذا ليس. كذلك ﴿أَنَّمَا﴾ هي في حقه ﷺ منقبة لدفع الريبة عنه وللتدليل على تمام صدقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ﴾ ذلك أن. بعضهم كان يقول نحن
أشعر من محمد ﷺ وأعلم منه بالكلام وباللغة اجلسوا إلينا. فكان بعض المشركين يجتمعون إلى أولئك الشعراء الخبثاء يستمعون إلى كلامهم الخبيث
وكذلك في الآيات التي قبلها في قول الله سبحانه ﴿يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ﴾ يدخل في. ذلك كما قال بعض المفسرين مسيلمة الكذاب وما أشبه ذلك فبعضهم زعم النبوة وبعضهم كان من الكهنة وبعضهم كان من الشعراء وحاول أن يجمع الناس حوله ليصرفهم عن. رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
. فقال الله عز وجل ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ﴾ يتبعهم أصحاب الغواية أصحاب الضلاء الضلالة هؤلاء الشعراء الذين يقولون كلامًا لا يصدقون فيه وكلامًا لا يفيد بشيء هل يتساوى. هذا الشعر مع كتاب الله الحق مع كتاب الله الفصل هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أن يساوي هذا ذاك بل لا وجه للمقارنة كما لا يخفى
﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ﴾. ولمَّا كان ذكر الشعراء في هذه الآية بارزًا. والله أعلم كان ذلك من أسباب تسمية السورة بهذا الاسم سورة الشعراء وكذلك تحدث الله عز وجل عنهم في هذا الموضع بما لم يتحدث به في موضع. آخر إذ قسمهم إلى قسمين إلى قسم مفلح وإلى قسم خاسر فسُمِّيَت السورة بذلك سورة الشعراء
ألم تر النوم فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ والنوم يقولون ما لا. يفعلون
. ألم تر يا رسول الله ألم تر. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرائي. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناظر إلى ما يفعلون ﴿فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ هكذا يهيمون مع الهائمين ويتحدثون مع المتحدثين ويجلسون مع الجالسين فيجلس هنا وهنالك ويتحدث هنا وهنالك ليس له. مبدأ يسير عليه وهكذا كثير من الشعراء. ولذلك ترى بعضهم إذًا أعطي العطاء مدح
وَإِذَا مُنِعَى مِنْهُ الْعَطَاءُ ذَنَّ وَقَدَحُ فَمِنْ قَبْلُ مَدْحٍ وَمِنْ بَعْدُ قَدْحٍ فَشَتَّانَ شَتَّانَ بَيْنَ هَذَا وَذَا إِذِي الْكَلَامُ لَا. يَخْرُجُ نَابِعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ إِنَّمَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَعَنْ طَرِيقِ تَدْوِينَاتِهِمْ
وليسوا صادقين في قيلهم ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ جل وعلا ألم تر النوم فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. والنوم. يقولون ما لا يفعلون ربما الدعم الدع منهم شيئًا لا يكون واقعياً أصلًا وتراه كأنما وصل إلى السماء ونزل إلى الجو وارْتَفَعَ إلى الجو وفعل وذهب وقتل. وضرب. ترى هذا في الأبيات وأين هو في الواقع ليس له واقع
وتراه يقول كلامًا لا يقبله عاقب وإنَّما يكون هذا من باب الترف العلمي فضلًا عن أن. يكون من. المحرمات في بعض الأحيان. نسأل الله السلامة ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ وكذلك قد يدعو أحدهم غيره إلى فضيلة ولا يمتثلها. وهذا دأب الكثيرين منهم إلا من رحم ربي جل وعلا
أما النبي صلوات الله وتسليماته عليه. فكان أسبق الناس إلى ما يدعو إليه ونبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام قال لقومه ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ﴾ ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ﴾ ﴿مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ﴾ ﴿أُنِيبُ﴾ (هود: 88)
قال ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ هذا استثناء فيه بيان فضل بعض الشعراء. وفيه. استثناؤه من هؤلاء الذين قد ذمهم رب العالمين جل وعلا. وهذا فيه تبرئة لساحة الشعراء الصادقين الذين يقولون الحق ويفعلون الحق ولا يخالفون شرع الله - تبارك وتعالى وكم انتفع خلق من خلق الله بشعر أولئك الأفاضل أماجد. الذين يذبون عن رسول الله ﷺ والذين ربما صنفوا أبيات أو كتبوا أبيات وألفوها في أبواب عظيمة كأبواب الحكمة وأبواب الزهد والرقاق
وما إلى. ذلك. مما يستفيد منه الإنسان ونسأل الله - تبارك وتعالى من فضله قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾
فعملهم غالب عليهم ليس من المتكلمين فحسب فالشاعر يتكلم كثيرًا. وأما عند الفعل لا يعرف شيئًا من الفعل وربما ظننته من شعره شجاعًا مهاباً فإذا بك حينما تراه جباناً
هكذا كثيرون ربما تسمع الشعر شاعر فتظن أنه على. وضع معين وإذا نظرت إلى واقعه لا تراه. كذلك أما أهل الإيمان فهم يقدمون العمل الصالح ويعلمون أن العمل الصالح لا يقبل منهم إلا. إذًا صح معتقدهم لذلك قدموا الإيمان بالله
قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ أي: وعملوا الأعمال الصالحات فالصالحات كما تقدم في الأصل صفة لموصوف مقدر تقديره وعملوا. الصالحات أي: وعملوا الأعمال الصالحات كقوله أنعمل سابغات أي: أنعمل دروعا سابغات قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ وذكروا الله كثيرًا وذكروا الله كثيرًا
كثيرًا وقوله: وذكر الله كثيرًا ومن. المعروف أنَّ ذكر الله جل وعلا كثيرًا هذا من العمل الصالح فذكر الله عز وجل من العمل لأنَّ القول يدخل في العمل أيضًا كما هو معروف وكما. تدل. عليه النصوص لكن ذكر الله خص بالذكر اهتمامًا بشأنه وكذلك لأنَّ الشاعر ربما لم يسلم من خطأ
فجدير به أن يكثر من ذكر الله وعلى ذلك فيدخل في. الذكر. أيضًا والله أعلم الاستغفار فحينئذ يجب ما يقع منه من خطأ أو خلط أو زَلَلٍ. ولذلك شرع لنا. كذلك إذا جلسنا في مجلس من المجالس أن نقول ما يسمى
بكفارة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أن أستغفرك وأتوب إليه ليذهب عنا ما. وقع منا من لغةً في تلك المجالس. فكذلك الشاعر الذي يتكلم والذي يؤلف الأبيات ربما زل في كلمات وربما أخطأ من. حيث لا يشعر
فإذا ذكر الله جل وعلا كثيرًا وأستغفر الله - تبارك وتعالى كثيرًا. فإنَّ هذا يزيل عنه الخطأ الذي قد وقع منه. وهذا يدعونا يا أيها الإخوة الكرام إلى مثل ذلك لا سيما الدعاء إلى الله جل وعلا فما أحوج الدعاة إلى الله إلى الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى وهكذا المفتون الذين يفتون الناس
في أمور دينهم فعليهم أن يكثروا من ذكر الله سبحانه وأن يكثروا من الاستغفار. وقد كان بعض العلماء رحمهم ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ سُئل سؤالًا قدم الاستغفار لله جل وعلا مستدلاً بقول الله سبحانه ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا21 وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ (النساء: 105–106). أيضًا وذكروا الله كثيرًا أي: وذكروا الله ذكرًا كثيرًا فكما في قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ أي: وعملوا الأعمال الصالحات صفة لموصوف مقدر. كذلك هنا وذكروا الله كثيرًا أي: وذكروا الله ذكرًا كثيرًا وأنت ترى أخي الكريم أننا ما أمرنا بالذكر فحسب
وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا فَلَا تَكُنْ مِنَ. الْغَافِلِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ﴾ قال جل وعلا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾22 (الأنفال: 45) حتى في ساعات. المعارك. حتى في ساحات المعارك
والإنسان مصطدم والأمر محتدم مع غيره. إذًا به وعليه أن يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى لأنَّ ﴿بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ ويقوى الفؤاد فحينئذ يثبت العبد وإذا ثبت الفؤاد ثبت الجسد. وكان الانتصار بفضل الملك القهار سبحانه جل وعلا ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾
وذكر الله كثيرًا. وقد أمر النبي صلوات الله وتسليماته عليه الرجل الذي سأله كما في حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه وقال للرسول عليه الصلاة والسلام يا رسول. الله «إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ»
أي: ألزمه أمور الإسلام شرائع الإسلام كثيرة مرني بشيء أقدر عليه. فقال ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله» وكما تقدم فالواحد منا لو بقي يذكر الله جل وعلا ليلًا ونهارًا ولا يُقوِّم للصلاة. ولا يصوم ولا يحج ما كان مؤديا ما عليه ما كان مؤديا. لما عليه أليس كذلك
بل ومع ذلك قال له عليه الصلاة والسلام لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله فهل. إذًا مكث العبد يذكر ربه يقول أنا أكتفي بالذكر عن الصلاة والصيام الجواب لا. إذن كيف وصاه الرسول ﷺ بذلك فقال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله المعنى. والله أعلم أنك. إذًا صرت كذلك
إذًا صار لسانك رطبًا من ذكر الله صرت قويًّا على جميع الطاعات وسهلت عليك جميع الطاعات والقربات فإذا بك تتقوى وتقوى على الصلاة والصيام. وعموم العبادات بفضل هذا الذكر الذي ذكرت به ربك جل وعلا وربنا قال ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
وقال نبيكم محمد «صلى الله عليه وسلم» كما في صحيح الإمام مسلم سبق المفردون. قالوا من هم يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرًا أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكل هذا يا أيها الإخوة الكرام يحث العبد على ذكر. الله سبحانه وتعالى قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟
انتصروا مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ وقع عليهم ظلم فهم ينتصرون من. أجل هذا الظلم الذي قد وقع عليهم أو بسبب هذا الظلم الذي وقع عليهم فلا تثريب عليهم في ذلك بل يمدحون بذلك وإذا عفوًا ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾. فأجره على الله. ولذلك لما ذكر الله صفات عباده المؤمنين ذكر منها ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ﴾ هم ينتصرون. فهذا لا تثريب عليهم فيه ولا حرج عليهم فيه بل في بعض الأحيان يكون الانتصار من الظالمين هو المتعين. وذلك إذا كان الظالم سيستمر في ظلمه ولا يرعوي عن غيه
فإنَّ الأخذ على يديه أولى من العفو والصفح عنه لذلك. لما ذكر الله العفو قيده فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ فالعفو يكون أفضل إذا كان معه إصلاح. وأما العفو الذي لا إصلاح معه فليس بمراد ولا مقصود بل يكون الأخذ على يد الظالم حينئذ أولى وأحرى وحينئذ تكون ناصرا له على نفسك
كما قال. النبي ﷺ انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا: يا رسول الله ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا قال تكفه أو تحجزه عن ظلمه. فإنَّ ذلك نصرك له
فأنت حينما تأخذه على يد الظالم فأنت في الحقيقة تنصره على نفسه وتمنعه من أن يوقعها ويوردها في المهالك. نسأل الله السلامة ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟
نعم ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ﴾ ﴿وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ أما الذي يأخذ حقه ولا يعتدي. فإنَّ هذا لا تثريب عليه كما قال الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾23 (النحل: 126) وقال الله جل وعلا ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ﴾. بالسوء من القول
إلا من ظلم. وكان الله سميعا عليمًا لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ. يعني: إذًا ظلم الإنسان فرد على من ظلمه دون أن يعتدي. فهذا لا حرج عليه في ذلك. ومن ذلك قول النبي ﷺ المستبان ما قالا
ومبيناً إنه على كل شيء قدير وإنه وإن أمه لهم. فإنَّ لهم أجلاً لا يستأخرون عنه الساعة ولا يستقدمون فقال: جل وعلا وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. وهذا كقوله سبحانه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾
﴿أَنَّمَا﴾ يؤخرهم ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾. وبهذا نكون يا أيها الإخوة الكرام قد فرغنا من تفسير سورة الشعراء. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى ونسأل الله أن يجنبنا البغي والظلم وأن يرزقنا القِسْطَ والعددَ وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا. ونور أبصارنا وذهاب غمومنا وأحزاننا وأن يصلح أحوالنا وأن يحفظ بلادنا من الفتن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 218–219 ↩
- آية: ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 222–227 ↩
- آية: ﴿وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 227 ↩
- آية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 217 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 59 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 64 ↩
- آية: ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 64 ↩
- آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 5 ↩
- آية: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 88 ↩
- آية: ﴿رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 9 ↩
- آية: ﴿فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 9 ↩
- آية: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 123 ↩
- آية: ﴿قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 38 ↩
- آية: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 61 ↩
- آية: ﴿يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 223 ↩
- آية: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الجن 8–9 ↩
- آية: ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 224–227 ↩
- آية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 103 ↩
- آية: ﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 103 ↩
- آية: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 105–106 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 45 ↩
- آية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 126 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿يَهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 24
- آية: ﴿أُنِيبُ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 88
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الأعراف
- تفسير سورة الأنفال
- تفسير سورة التوبة
- تفسير سورة الجن
- تفسير سورة الشعراء
- تفسير سورة المزمل
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد