مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

المجلس الثاني عشر- التعليق على تفسير الجلالين من قوله (وإذا خلوا إلى شياطينهم) إلى(وما كانوا مهتدين)

سلسلة التعليق على تفسير الجلالين · الدرس 9 من 21 · 38 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. افتتاح المجلس الثاني عشر
  2. تفسير الشياطين وكليات الألفاظ
  3. معنى استهزاء الله بالمنافقين
  4. أقوال الطبري والألوسي في صفة الاستهزاء
  5. تفسير يمدهم في طغيانهم يعمهون
  6. اشتروا الضلالة بالهدى وتفسير الاستبدال
التفريغ النصي الكامل للدرس

افتتاح المجلس الثاني عشر

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع المجلس الثاني عشر من مجالس التعليق على تفسير الجلالين2 وكنا قد توقفنا عند تفسير قول الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾3 ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾45

تفسير الشياطين وكليات الألفاظ

كنا قد توقفنا عند التعليق على كلام السيوطي قال وإذا خلوا منهم ورجعوا إلى شياطينهم وقلنا إن قوله ورجعوا ذلك، أن الفعل خلى هنا قد تعدى بإلى، ولم يتعدَّ بالباء كما كان متوقعًا فلم يقل الله وإذا خلوا بشياطينهم ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾.

ولذلك ذهب عدد إلى أن قوله وإذا خلوا إلى شياطينهم6 معناه: وإذا انصرفوا إلى شياطينهم أو وإذا رجعوا إلى شياطينهم أو ذهبوا إلى شياطينهم. وعليه فالفعل فيه تضمين وتقدم الكلام عن هذا الأسلوب قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ﴾7 فأتى بإلى لدفع هذا الوهم، يعني: أن الله سبحانه وتعالى، قال وإذا خلوا إلى شياطينهم، ولم يقل وإذا خلوا بشياطينهم لأن «خلا» إذا تعدَّى بالباء فإنَّها تحتمل أن تكون بمعنى السخرية وهي ليست مرادة هنا لأنهم مخلصون لرؤسائهم وليسوا مستهزئين بهم ﴿أَنَّمَا﴾ كان استهزاؤهم بالذين آمنوا على كل حال فالقول المشهور أن هذا من قبيل أسلوب التضمين وهو الذي يميل إليه السيوطي كما يظهر من تقديره إذ قال ورجعوا إلى شياطينهم قال إلى شياطينهم رؤسائهم ففسر الشياطين هنا بالرؤساء.

وقد ذكر الزركشي وتبعه السيوطي وهما في ذلك متابعان لابن فارس أن كل شيطان ورد في القرآن الكريم فالمراد به إبليس وجنوده إلا هذا الموضع من سورة البقرة وإذا خلوا إلى شياطينهم فالمراد بالشياطين في الآية الكريمة الكبراء والقادة والكهنة مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ونحوهما وبناء على ذلك فقوله: إلى شياطينهم إلى رؤسائهم تفسير الشياطين بكبراء هؤلاء وصناديدهم هذا لدلالة السياق عليه لأنهم ﴿أَنَّمَا﴾ ينصرفون إلى شياطين الإنس وهؤلاء هم الذين يجري حديثهم معهم، وفي غير ذلك من آيات القرآن يقولون.

إن الشياطين تأتي ويراد بها: الشياطين أعني شياطين الجن إبليس وجنوده كذا نقل السيوطي وسبقه إلى ذلك الزركشي وسبقهما إلى ذلك ابن فارس. وذلك أنَّ لابن فارس رسالة تسمى بالإفراد جمع فيها رحمه الله تعالى جملة من الكلمات القرآنية التي وردت في القرآن الكريم على معنى واحد وإن تكررت فحتى وإن كان لها نظائر، يعني: جاءت في مواضع مختلفة من آيات القرآن الكريم لكنَّها جاءت على وجه واحد فلذلك سماها بالإفراد والزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان وهما من أهم وأشهر كتب علوم القرآن كما لا يخفى نقل عن ابن فارس ما ذكره في رسالته هذه.

وهذه الرسالة قد طبعت محققة حققها أحمد خان في مجلة الدراسات الإسلامية بإسلام آباد في سنة 1983 في شهر يونيو. هذه الرسالة فيها جملة، كما قلت، من هذه الأفراد وهي الكلمات التي قد تتكرر في القرآن الكريم لكنها مع ذلك لا يختلف معناها. وقد يوجد لها استثناءات في بعض الأحوال. وهذا ما يطلق عليه بعض العلماء اسم الكليات فيقولون كليات الألفاظ في القرآن الكريم، يعني: اللفظ الذي جاء في جميع مواضعه من القرآن الكريم على معنى واحد.

وقد يوجد لذلك استثناءات. وهذا على خلاف ما يكون في الوجوه والنظائر ففي الوجوه تتعدد الوجوه بأن تأتي الكلمة بمعاني مختلفة في مواضعها المختلفة، فلذلك يقال له: علم الوجوه والنظائر، وربما ذكروا كلمة في هذا وفي ذاك باعتبار أنها كلمة وردت على معنى غالب، واستثني من ذلك موضع، فحينئذ يدخلون الموضع الآخر على أنه وجه، فيجعلونه أيضًا في علم الوجوه والنظائر، ولعله يأتي مزيد تفصيل لذلك بإذن الله تعالى في موضعه وسيأتينا بإذن الله تعالى في شرح تحفة الأريب التعليق على كلمة أمة وهي من الأمثلة المشهورة التي يذكرونها في الوجوه والنظائر فحينها بإذن الله تعالى نعرض لتفصيل يتعلق بهذا المعنى..

لكن على كل حال قضية الأفراد أو كليات الألفاظ في القرآن الكريم من المسائل المهمة والتي على طالب العلم، أن يعتني بها وهناك منظومة جيدة في هذا الأمر. وهي حسن البيان في نظم مشتركات القرآن لعبد الهادي الأبياري. وقد جمع فيها كثيرًا من هذه الكلمات التي وردت في القرآن الكريم على معنى واحد. وقد يورد لها بعض الاستثناءات ويلحق بذلك.

يا أيها الإخوة الكرام، ما يسميه بعض العلماء بعادات القرآن فعادات القرآن أيضًا، يعني: الطريقة المطردة في القرآن الكريم. وقد تكون العادة متعلقة بالكلمة باللفظة فحينئذ تكون بمعنى كليات الألفاظ. وقد يراد بالعادات عادات الأسلوب والنظم وليس الكلمة المفردة على كل حال فعادات القرآن الكريم نستطيع أن نقول إنها أوسع دائرة من الحديث عن كليات الألفاظ أو عن الأفراد التي ذكرها ابن فارس، ومن أشهر من اعتنى بذكر عادات القرآن الكريم الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير8 هذا بالنسبة لقوله هنا في قول الله سبحانه إلى شياطينهم إلى رؤسائهم عرفنا أن هذا التفسير هو تفسير مستثنى من ذكر كلمة الشياطين في القرآن الكريم على ما أورده ابن فارس على أن ذلك يقبل المناقشة بجمع الآيات التي وردت في ذلك؛ وإلا ففي بعض المواضع يأتي التخصيص شياطين الإنس والجن فينص على أن المراد بذلك ما يجمع الأمرين شياطين الإنس وشياطين الجن قال الله سبحانه وتعالى، وإذا خلوا إلى شياطينهم قال رؤسائهم قالوا إنا معكم في الدين ﴿أَنَّمَا﴾ نحن مستهزئون بهم بإظهار الإيمان، قالوا إنا معكم يقولون لرؤسائهم.

إنا معكم في الدين، يعني: نحن نوافقكم في الدين فلسنا بمؤمنين وإنَّما نحن مثلكم على الكفر بالله وبرسول الله محمد ﷺ نسأل الله السلامة والعافية. ﴿أَنَّمَا﴾ نحن مستهزئون بهم بإظهار الإيمان نحن نستهزئ بالذين آمنوا ونظهر الإيمان لكنهم يبطنون الكفر. وهذا هو النفاق كما تقدم في الآيات السابقة، ومن الناس ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين قال الله سبحانه وتعالى، بعدها الله يستهزئ بهم قال يجازيهم باستهزائهم ويمدهم يمهلهم في طغيانهم تجاوزهم الحد بالكفر يعمهون يترددون تحيّرًا حال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ أي: استبدلوها به فما ربحت تجارتهم أي: ما ربحوا فيها.

معنى استهزاء الله بالمنافقين

بل خسروا لمصيرهم إلى النار المؤبّدة عليهم وما كانوا مهتدين فيما فعلوا الله يستهزئ بهم أي: يجازيهم قال هنا السيوطي يجازيهم باستهزائهم قول السيوطي هنا يجازيهم باستهزائهم قال الجمل في التعليق على ذلك. وهذا جواب عما يقال كيف وصف الله سبحانه وتعالى، بأنه يستهزئ. وقد ثبت أن الاستهزاء من باب العبث والسخرية.

وذلك قبيح على الله تعالى، ومنزه عنه وإيضاحه أنه سمى جزاء الاستهزاء استهزاء مشاكلة في اللفظ، ومنه وجزاء سيئة مثلها ما معنى هذا الكلام، يعني: السيوطي هنا قال الله يستهزئ بهم قال يجازيهم باستهزائهم ففسر الاستهزاء بالمجازاة على الاستهزاء وكأنه بذلك يؤول الاستهزاء الوارد في حق الله سبحانه وتعالى، لئلا يقال كيف يستهزئ الله

والاستهزاء من باب العبث والسخرية. وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، ففسر الاستهزاء بمجازاة الاستهزاء، يعني: الله عز وجل يجازيهم فعلى ذلك الاستهزاء كلمة يستهزئون في مقابلة كلمة مستهزئون مشاكلة في اللغة فاتفاق في اللغة مع اختلاف. المعنى وذلك كقوله سبحانه ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ فمعلوم، أن السيئة التي يرد الإنسان بها السيئة لا تكون سيئة لأنَّها عدل من حيث الحقيقة.

لكن الله قال سيئة مثلها باعتبار المقابلة. وهذا ما يسميه أهل البلاغة بالمشاكلة اللفظية وكقوله ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ فقوله: فاعتدوا وردوا العدوان أو ردوا الاعتداء ليس باعتداء على وجه الحقيقة وإنَّما هذا على سبيل المشاكلة اللفظية هكذا فسر السيوطي تبعًا لكثير من المفسرين.

بل إن ابن عطية في المحرر الوجيز9 قال جمهور العلماء «هذا من باب تسمية العقوبة باسم الذنب» يستهزئ بهم هذا من باب تسمية العقوبة باسم الذنب، يعني: الذي وقع منهم هو الاستهزاء هذا ذنبهم. وأما يستهزئ بهم هو عقوبة هذا الذنب. لكن هذا القول الذي ذكره السيوطي لم يرتضه بعض أهل العلم من المحققين كالإمام الطبري رحمه الله تعالى ورأى أنه ليس بصحيح أن يُتأوَّل استهزاء الله سبحانه وتعالى، بأن يراد به المجازاة على الاستهزاء وأن استهزاء الله سبحانه وتعالى، ليس على سبيل النقص وليس على سبيل الممنوع وإنَّما هو على وجه يليق به سبحانه وتعالى، وإن كنا لا نسمي الله سبحانه وتعالى، بالمستهزئ ففرق بين الاسم وبين الوصف والفعل فالله سبحانه وتعالى، قال ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾.

وقال ويمكرون ويمكر الله. وقال الله يستهزئ بهم. فهذا في باب الوصف ويقال له: وصف مقيد، يعني: أنه في بابه على سبيل الكمال ولكن لا يقال على سبيل الإطلاق الله مستهزئ أو الله خادع أو الله ماكر. فإنَّ هذا لا يليق، ولا يُسمَّى الله سبحانه وتعالى، به. لكن إذا قيل: الله يستهزئ بالمنافقين الله خادع المنافقين.

فهذا من باب الكمال وليس فيه إشكال إلى هذا ذهب عدد من المحققين كالإمام الطبري رحمه الله تعالى. بل إن الطبري رد على القول بالمجازاة ردًّا شديدًا، وكان مما قاله في ذلك قال «وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره الله يستهزئ بهم ﴿أَنَّمَا﴾ هو على وجه الجواب»، يعني: هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: كما تقدم من كلام السيوطي يجازيهم باستهزائهم، يعني: هذا جواب على ما وقع منهم من استهزاء، وأنه لم يكن من الله استهزاء، ولا مكر ولا خديعة يقول الذين زعموا هذا الكلام يقول الطبري «فنافونا»، يعني: ينفون «فنافون على الله عز وجل ما قد أثبته عز وجل لنفسه وأوجبه لها وسواء قال قائل لم يكن من الله جل ذكره استهزاء، ولا مكر ولا خديعة، ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به أو قال لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم»، يعني: نسألهم ونقول لهم هل أنتم تقولون لم يخسف الله بقارون تقولون نثبت أن الله خسف بقارون فخسفنا به وبداره الأرض يقال له: لماذا تثبت الخسفة، ولا تثبت المكرة، ولا تثبت الاستهزاء يقول الطبري «ويقال لقائل

ذلك. إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم»، يعني: ربنا أخبر أنه مكر بقوم وأخبر أنه خسف بقوم وعن آخرين أنه أغرقهم «فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك ولم نفرق بين شيء منه»، يعني: نحن لم نفرق فآمنا وقلنا خسف الله بقارون خسف به وبداره الأرض وقلنا كذلك مكر الله بالمنافقين وقلنا كذلك استهزأ الله بالمنافقين فلماذا تفرق بين هذا وذاك يقول الطبري «فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به ثم نعكس القول عليه في ذلك فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله»، يعني: يقول له لا وجه للتفريق في ذلك.

وهذا الذي اختاره الطبري هو قول أهل الحديث كما نقله عنهم الألوسي فالألوسي في روح المعاني10 يقول «حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل»، يعني: أيضًا الذين يقولون بأن الاستهزاء وأنه ليس فيه نقص وليس فيه خلل وليس فيه ما يستحيل في حق الله ليس قول أهل الحديث فحسب وإنَّما هو قول بعض المفسّرين أيضًا من أهل التأويل، يعني: هذا يقول به أيضًا بعضهم لماذا

يقولون قال «حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل الاستهزاء منه تعالى على حقيقته وإن لم يكن المستهزئ من أسمائه سبحانه»، يعني: هم فرقوا كما تقدم بين الوصف المقيد وبين التسمية فالله لا يُسمَّى بالمستهزئ. وقالوا «إنه التحقير». إذن كيف فسروا الاستهزاء ما معنى الله يستهزئ بهم قال «وإنما هو التحقير» قالوا «إنه التحقير على وجه من شأنه، أن من اطلع عليه يتعجب منه ويضحك، ولا استحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه، ومنعه من قياس الغائب على الشاهد»، يعني: هذا لا يتأتى والله ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، والسمعاني نقل كذلك عن أهل الرواية قال.

وقال أهل الرواية معناه:، يعني: معنى الآية الكريمة الله يستهزئ بهم ما معناه: عند أهل الرواية أهل الأثر الله يستهزئ بهم في الآخرة والاستهزاء بهم في الآخرة يحتمل وجهين، يعني: كيف فسر أهل الرواية معنى قوله الله يستهزئ بهم إذا لم يحملوه على معنى المشاكلة اللفظية كيف يفسرون الآية يقول على وجهين أحدهما أن يضرب للمؤمنين على الصراط نورا يمشون به هناك نور يمشي به أهل الإيمان وإذا وصل المنافقون إليه حال بينهم وبين المؤمنين. فذلك لاستهزاء بهم كما قال ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ﴾، يعني: يمشي المنافقون ويسيرون ويتوقعون أنهم سيعطون النور كما كانوا مع المؤمنين في الدنيا فيظنون أنهم سيعطون النور كما يعطى أهل الإيمان في الآخرة.

لكن فضرب بينهم ﴿بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ﴾ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ11 والثاني، أي: الوجه الثاني في تفسير أهل الرواية لقوله الله يستهزئ بهم أنه يقربهم من الجنة، يعني: هذا معنى استهزاء الله عز وجل بهم أنه يقربهم من الجنة حتى إذا رأوا زهرتها وحسنها وبهجتها واستنشقوا رائحتها صرفهم عنها إلى النار. فذلك الاستهزاء بهم.

نسأل الله السلامة والعافية. ونعوذ به جل وعلا من الخذلان. المعنى أنهم يتوقعون أنهم سينعمون وأنهم من الناجين ولكن هيهات هيهات فالله عز وجل يستهزئ بهم كما كانوا في الدنيا يستهزئون من أهل الإيمان والوجه الذي ذكره أو الوجهان الذين ذكرهم السمعاني ذكرهما أيضًا غيرهم من المفسرين. وقد ذكر الطبري في تفسير صفة استهزاء الله سبحانه وتعالى، أقوالا فذكر من تلك الأقوال قال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾.

أقوال الطبري والألوسي في صفة الاستهزاء

﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾. وقال وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفر بقوله، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾1213 وذكر قولًا آخر في تفسير الاستهزاء قال. بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم.

إذن معنى الله يستهزئ بهم، يعني: يوبخهم هذا قول آخر في تفسير الآية توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به. إذن نخلص بعد ذكر هذه الأقوال أن قول السيوطي جازيهم باستهزائهم، أي: أن هذا من قبيل مشاكلة لفظية وأن هذا من باب تسمية العقوبة باسم الذنب كما نقله ابن عطية عن جمهور العلماء.

لكن الذي عليه أهل الحديث وبعض أهل التأويل أن الآية الكريمة على ظاهرها وأن استهزاء الله سبحانه وتعالى، له مواضعه من ذلك ما يجري يوم القيامة للمنافقين حينما يطفأ النور ويحجبون عن النور ويضرب بينهم وبين المؤمنين ﴿بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ وهو الذي عند المنافقين إذ يلحقهم العذاب والتدمير ونسأل الله السلامة والعافية.

وأما الألوسي فبعد أن ذكر قول أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل وهو حمل بالاستهزاء على الحقيقة ذكر القول الثاني. فقال «وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جل وعلا حقيقة لما فيه من تقرير مستهزئ به على الجهل الذي فيه ومقتضى الحكمة والرحمة، أن يُريه الصواب. فإنَّ كان عنده أنه ليس متصفا بالمستهزئ به فهو لعب لا يليق بكبريائه تعالى»، يعني: إذا سألنا وقلنا لماذا تقولون.

إن الاستهزاء لا يحمل على حقيقته يقولون الاستهزاء لعب كيف يستهزئ الله بهم والله سبحانه وتعالى، رحيم بعبادة ينصح لهم ويريهم الصواب فيقال لهم. إن هذا ﴿أَنَّمَا﴾ وقع لهم بسبب ما أجرموا وبسبب إسرافهم فليس هذا ظلمًا من الله سبحانه وتعالى، وإنَّما هو من عدل الله عز وجل لذلك ابن كثير رحمه الله تعالى وبهذا يرد على هذا القول الذي نسبه الألوسي لأكثر الناس يقول ابن كثير «ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل بالإجماع»، يعني: لم يقل أحد إن استهزاء الله من قبيل اللعب أو من قبيل العبث هذا معاذ الله فالله سبحانه وتعالى، منزه عن ذلك يقول ابن كثير «وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك»، يعني: يكون هذا وصفا مقيدًا ويكون بهذه الطريقة على سبيل الكمال وليس فيه نقص لذلك قلت إنه لا يُوصف رب العباد سبحانه وتعالى بهذه الأوصاف على سبيل الإطلاق، وإنما تَرِدُ مقيَّدةً وأقول والله أعلم إنه مما يؤكد أن هذا الاستهزاء يحمل على حقيقته، ولا إشكال فيه سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد به ما يقع يوم القيامة للمنافقين من خذلان أو أن المراد به التوبيخ وما إلى ذلك مما ذكره أهل الرواية وأهل الحديث أن يقال إن الله سبحانه وتعالى، فرق بين الاستهزاء وبين الخيانة ففي قول الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾14 في هذه الآية الكريمة في سورة الأنفال قال جل ذكره ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ولم يقل فخانهم.

لما لأنَّ الخيانة مذمومة في كل الأحوال لأنك حينما تخون مع كونك قد أعطيت أمان لغيرك. وإذا أمَّنت غيرك فلا يجوز لك أن تخونه لذلك لم يقل الله فخانهم لأنَّها صفة مذمومة لا تليق بحق الله جل وعلا. وكذلك قال النبي ﷺ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» لذلك المؤمن لا يخون لكن الرسول ﷺ قال كما في الصحيح: «الحرب خدعة»15 الحرب خدعة خدعة فقول النبي ﷺ عليه وآله وسلم الحرب خدعة وتضبط هكذا خدعة وخدعة وخدعة وإن كان الأفصح الفتحة ثم السكون أي: خدعة فعبر بقوله خدعة وذلك لأنَّ مخادعة الأعداء ليس من قبيل النقص وإنَّما هو مدح وبيان لقدرة المسلم على أنه لا يخادع وإنَّما يستطيع بفضل الله سبحانه وتعالى، أن يحقق هدفه ففرق بين الخداع والخيانة فرق بين الاستهزاء وبين الخيانة لذلك قال النوويُّ رحمه الله: ، في شرحه لهذا الحديث «واتفقوا على جواز خداع الكفر في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان».

ولذلك ربنا قال ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآ16ءٍ﴾. لكن لا تخنهم أو لا تكون منك الخيانة وبناء على ذلك فرب العباد سبحانه وتعالى، لما عبر هنا. وقال الله يستهزئ بهم. فهذا معناه:، أن هذا الوصف ليس فيه إشكال وإنَّما هو على وجه لائق بالله سبحانه وتعالى، على أننا نقرر كما تقدم، أن الله سبحانه وتعالى، لا يُسمَّى بـ المستهزئ أو بالمخادع لأنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى، تكون كمالًا من كل وجه. وأما هذه فقد وردت بصيغة الوصف المقيد أو بصيغة الفعل فلا يستفاد منها الاسم الذي هو من باب الكمال ولله الأسماء الحسنى، والله تعالى أعلم. هذا لعله خلاصة ما يقال في ذلك وبهذا نستغني عن الأوجه العديدة التي ذكرها الألوسي رحمه الله تعالى لأن يُحمل ذلك على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل أو أن يحمل على أنه من باب التفسير باللازم أو على أنه على سبيل التمثيل فإننا إذا فسرناه على الحقيقة على المعاني السابقة يكون.

الأمر واضحًا بفضل الله سبحانه وتعالى،

تفسير يمدهم في طغيانهم يعمهون

بعد ذلك قال السيوطي ويمدهم يمهلهم ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ويمدهم يمهلهم وبعض المفسرين يقول يزيدهم مع الإمهال فيجمع في تفسير المد بالزيادة والإمهال فيقول: يزيدهم مع الإمهال. وذلك كما في قوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ فيفسر المد بما جاء في معنى: الإملاء في الآيات الأخرى وبعض المفسرين قد فرَّق بين «مدَّ» و«أمدَّ».

فقالوا: مدَّ إذا زاده من جنسه. وأما أمدَّ إذا زاده من غير جنسه ﴿وَقِيلَ﴾ مدَّه في الشر وأمدَّه في الخير، يعني: بعضهم يرى أنَّ كلمة مد يمد لأنَّ الفعل المضارع من مد يمد والفعل المضارع من أمد يمد فرب العباد سبحانه وتعالى، يقول ﴿وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ﴾17، وكذلك قال ﴿يُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ﴾18. فقالوا. إذن هذا في جانب الإحسان، وفي جانب الخير.

لكن في الحقيقة هذه قاعدة غير مطردة فإنَّه في قول الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾1920 قرأ المدنيان أبو جعفر ونافع رحمهم الله ﴿وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ﴾21 فقرؤوها بضم الياء مع أنَّ الغي في جانب الشر. وهذا فيه رد على ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن أمده ﴿أَنَّمَا﴾ تكون في الخير. وأما مدَّه فتكون في الشر فيقال هذا ليس بلازم.

وقد وجد ما خرج عن ذلك. ولذلك جدير بالمفسر، كما نبَّهت مرارًا، أن يراعي ما ورد. بل ما ثبت من قراءات متواترة في ألفاظ أو كلمات القرآن الكريم قال الله سبحانه وتعالى، ويمدهم في طغيانهم قال تجاوزهم الحد بالكفر ففسر الطغيان بمجاوزة الحد بالكفر. وهذا صحيح لأنَّ أصل مادة الطغيان تدل على المجاوزة على مجاوزة الحد.

ولذلك في قوله. ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾22 قالوا لما طغى الماء، يعني: زاد وفاض. ولذلك قيل للطاغية طاغية، وكذلك قيل طاغوت. ولذلك فسر الطاغوت بأنه ما تجاوز به العبد حدّه من معبود أو متبوع أو مطاع. فقال هنا: بتجاوزهم الحد في الكفر. وأما قوله في الكفر. فهذا دليله ما سبق من قوله سبحانه وتعالى، وما هم بمؤمنين.

ولذلك نقل ابن الجوزي في زاد المسير23 عن جمهور المفسّرين تفسير طغيانهم بكفرهم. فقالوا ويمدهم في طغيانهم أي: كفرهم يعمهون قال يترددون تحيّرًا. إذن ما معنى العمى قال التردد يترددون تحيّرًا. إذن تفسير العمه يعمهون بالتردد والتحير وهو قريب من العمى. لكن فرق بعض العلماء بين العمى والعمه. فقالوا العمى الذي هو التردد والتحير قالوا: إن بينهما عمومًا وخصوصًا لأنَّ العمى يطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي، يعني: قد يطلق العمى على ذهاب ضوء العين فيقال فلان أعمى.

وقد يطلق العمى على عمى البصيرة، وَمَن كَانَ فِى هَٰذِهِۦٓ ﴿أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ﴾ سبيله فالعمى يطلق على الاثنين على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي. وأما العمه فإنَّه لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي فقوله: هنا يعمهون، يعني: يترددون تحيّرًا. وذلك بسبب الخطأ والبطلان الذي استمروا عليه. قال: حال، يعني: أنها تعرب حالًا فقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، يعني: أنها حال من الضمير في قوله يمدهم، يعني: حال كونهم عَمِهين أو حال كونهم يعمهون.

اشتروا الضلالة بالهدى وتفسير الاستبدال

قال بعدها ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾. أولئك الذين اشتروا الضلالة أولئك، أي: الذين سبقت أوصافهم في الآيات السابقة. ولعلكم تذكرون ما سبق عند تفسير قوله سبحانه أُو۟لَٰٓئِكَ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ فقلنا إن التعبير باسم الإشارة يجعلنا نستحضر الأوصاف التي وردت قبل ذكر اسم الإشارة فأنت حينما تسمع هنا أولئك، أي: الذين سبق ذكرهم بهذه الأوصاف السابقة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ قال اشتروا الضلالة بالهدى أي: استبدلوها به أي: استبدلوا الضلالة بالهدى ففسر الاشتراء هنا بالاستبدال.

وقد قالوا: إن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة، يعني: أنت كيف يتحول الاستبدال إلى شراء حينما يكون بين متبايعين ومتى يقع التبايع إذا كان فيه فائدة فصاحب السلعة حينما يبيع سلعته يرى أنَّ الخير في أخذ الثمن، وكذلك المشتري يرى أنَّ الخير والمنفعة تعود عليه في أخذ السلعة فهنا الاشتراء يدل على أنه استبدال يرى أصحابه، أن فيه منفعة فهم يرون أن ترك الهدى وأن إقبالهم على الضلالة مما يحمدون عليه.

وهذا من الدليل الواضح على أنهم قوم لا يعلمون وأنهم لا يشعرون وأنهم في ضلال. نسأل الله السلامة. فقال هنا: أولئك الذين اشتروا الضلالة. إذن قالوا الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها صاحبها ولو كانت متوهَّمة، وهي هنا متوهَّمة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾، ومن المعروف أنَّه في باب الاستبدال الباء تصحب المتروك.

وهذه قاعدة وهي غالبة في هذا الباء، يعني: اشتروا الضلالة بالهدى الباء تدخل على المتروك ما معنى ذلك، يعني: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ ما الذي تركوه الذي تركوه هو الهدى وما الذي أخذوه الذي أخذوه هو الضلالة عرفنا ذلك حينما وجدنا الباء قد دخلت على كلمة الهدى كقوله سبحانه ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾24 فما الذي تركوه

الذي هو خير، وما الذي أخذوه وطلبوه الذي هو أدنى. إذن القاعدة عندنا أن الباء تدخل على المتروك، فهؤلاء استبدلوا الكفر بالإيمان، لأنَّ الباء تصحب المتروك. وهذا فيه إيذان بتمكنهم من الهدى، يعني: الهدى كانوا متمكنين من يسهل عليهم أن يقبلوا عليه، لكنهم تركوه. وذلك لأنه قد يقول قائل إن الله قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ فهل معنى ذلك، أن الهدى كان معهم، يعني: كأن الهدى سلعة كانوا يمتلكونها وهم تركوها فأجاب عن ذلك بعض العلماء.

فقالوا: إن معنى أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ أن الهدى كان في وسعهم لتمكُّنهم منه، يعني: كان بإمكانهم أن يستجيبوا استجابة صحيحة وحقيقية لله سبحانه وبحمده ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فحينئذ يكونون من المهتدين حقًا فكان في وسعهم، وكانوا متمكنين من الهدى. وقد جعله الله سبحانه وتعالى، لهم بمقتضى الفطرة ﴿ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾.

فقالوا: هذا هو المراد كما ذكره السمين وغيره وليس المراد ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ عندهم هدى بالفعل، يعني: ليس المعنى أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا هذا الهدى واستبدلوا به الضلالة قال الله سبحانه وتعالى، ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ فبعضهم فسر الضلال بالكفر وفسر الهدى بالإيمان فكانوا متمكنين بمعنى كان من الميسور عليهم أن يقبلوا على الإيمان بالله رب العالمين وتصديق الرسول الكريم ﷺ وأن يتوافق باطنهم مع ظاهرهم لكنهم مع ذلك لم يكونوا موفقين وإنَّما أعرضوا ﴿ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ هكذا قال الله سبحانه وتعالى.

وقد قال بعضهم: أدخل الفاء في قوله فما ربحت تجارتهم كأن الكلام تضمن معنى الشرط أي: إذا اشتروا فما ربحوا، يعني: ما ربحوا ﴿تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾. وقد نفى الله عز وجل عنهم الربح ونفى عنهم الاهتداء. فقال ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ قالوا نفى الربح في قوله فما ربحت ونفى سلامة رأس المال في قوله وما كانوا مهتدين لأنَّ الشخص في التجارة قد لا يربح لكنه يحافظ على رأس ماله فلما قال الله فما ربحت تجارتهم معنى ذلك أنه لا ربح لهم ولما قال وما كانوا مهتدين، يعني: أن رأس مالهم قد ذهب لأن عمرهم قد ذهب.

ومع ذلك لم يؤمنوا بالله رب العالمين. بل كانوا من الهالكين ونتوقف عند هذا الحد ونكمل بإذن الله تعالى في الدروس المقبلة. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
  2. تعليق: تفسير الجلالين — كتاب: «تفسير الجلالين». ↩
  3. آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ — البقرة: 14 ↩
  4. آية: الله يستهزئ بهم ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 15 ↩
  5. آية: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ — البقرة: 15 ↩
  6. آية: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 14 ↩
  7. آية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ — البقرة: 14 ↩
  8. تعليق: التحرير والتنوير — كتاب: «التحرير والتنوير». ↩
  9. تعليق: المحرر الوجيز — كتاب: «المحرر الوجيز». ↩
  10. تعليق: روح المعاني — كتاب: «روح المعاني». ↩
  11. آية: ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ﴾ — الحديد: 13 ↩
  12. آية: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ﴿أَنَّمَا﴾ نملي لهم ليزدادوا إثما — كما ورد في الدرس: آل عمران 178 ↩
  13. آية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ — آل عمران: 178 ↩
  14. آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ — الأنفال: 71 ↩
  15. حديث: «الحرب خدعة» — نسبة الشيخ: الصحيح ↩
  16. آية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ — الأنفال: 58 ↩
  17. آية: ﴿وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ﴾ — الإسراء: 6 ↩
  18. آية: ﴿يُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ﴾ — نوح: 12 ↩
  19. آية: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 202 ↩
  20. آية: ﴿وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ — الأعراف: 202 ↩
  21. آية: ﴿وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ﴾ — الأعراف: 202 ↩
  22. آية: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾ — الحاقة: 11 ↩
  23. تعليق: زاد المسير — كتاب: «زاد المسير». ↩
  24. آية: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ — البقرة: 61 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29
  • آية: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ قيل ﴿ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا﴾ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب — كما ورد في الدرس: الحديد 13
  • آية: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 6
  • آية: ﴿يمددكم بأموال وبنين﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 12
  • آية: ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 11

من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة