المجلس الحادي عشر - التعليق على تفسير الجلالين (سورة البقرة 10-14)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
افتتاح المجلس الحادي عشر
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟1 ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
مرض القلوب وقراءتا يكذبون
فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس التعليق على تفسير الجلالين2. وهذا هو المجلس الحادي عشر. وقد توقف بنا الحديث عند تفسير قول رب العباد سبحانه وتعالى، ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ3 وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وألقينا الضوء على الفروق بين نفي الشعور ونفي العلم فمن أهل العلم من يرى أنَّ الشعور العلم بالحواس وبناء على ذلك فيرى أنهم لفرط جهلهم بَعُد عنهم العلم بالمحسوسات، ومن أهل العلم وهم كثر يرون أن الشعور أخص من ذلك فالشعور يطلق على العلم الدقيق المستنبط.
وذلك أنهم أظهروا شيئًا وأبطنوا خلافه وفسادهم يحتاج إلى دقة نظر للوقوف عليه قال الله سبحانه وتعالى، بعدها ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ4 أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾5 قال السيوطي في قلوبهم مرض شك ونفاق فهو6 يمرض قلوبهم، أي يضعفها. وهذا الكلام قريب مما ذكره الكواشي في تلخيصه فهنا قال في قلوبهم مرض شك ونفاق.
فهذا تفسير المرض والذي ينظر في آيات القرآن الكريم يجد أن أمراض القلوب منها أمراض تتعلق بالشبهات وأخرى تتعلق بالشهوات. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى، لأمهات المؤمنين أزواج النبي الأمين ﷺ ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ﴾7 قالوا أي: من مرض الشهوة وهنا قال في قلوبهم مرض من مرض الشبهات من الشك والنفاق ونحو ذلك.
وهذا المرض يمرض قلوبهم، أن يضعفها. ولذلك قال الكواشي وأصله الضعف، يعني: أصل مادة المرض يدل على الضعف. وقد ذكر ابن جزي، أن هذا يحتمل أمرين إمَّا أن يكون حقيقة، أي: أن يكون المرض حقيقيًّا وهو الألم تراهم في هلع وخوف وضعف ومرض. وذلك أنَّ الشخص إذا كان مزدوج الشخصية يميل إلى هؤلاء تارة وإلى هؤلاء تارة لا شك أنه يكون مريضًا بخلاف القلب السليم الثابت على دين الله.
نسأل الله أن يثبتنا على دينه قال ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾8 بما أنزله من القرآن لكفرهم به ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ أي: على مرضهم بما أنزله من القرآن لكفرهم به أي: كلما نزلت آية من آيات القرآن الكريم كفروا بها وكذبوا فازداد مرضهم وازداد بعدهم. ولذلك ذكر الكواشي قريبًا من هذا الكلام. فقال الآيات كانت تنزل عليهم فكلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا شكًّا ونفاقًا.
وهذا كما قال رب العزة سبحانه. ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ9 رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾. ولذلك قال الحسن رحمه الله، «ما قرأ أحد من القرآن إلا وقام عنه بزيادة أو نقصان»، يعني: إمَّا أن يزيد إيمانه كما هو حال أهل الإيمان وإمَّا أن ينقص. وذلك حال أهل الهوى. نسأل الله السلامة. ولذلك ربنا قال ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ10 ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ قال ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ وقوله: ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ يحتمل أن يكون دعاء وأن يكون خبرًا، يعني: ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ أي: إخبار عن زيادة مرضهم حينما تنزل الآيات وما يكون منهم من تكذيب ونفاق وشك أو أن يكون ذلك من باب الدعاء كما في مثل قاتله الله أو قاتلهم الله ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ﴾11 قال مؤلم فتوعدهم الله سبحانه وتعالى، بالعذاب الأليم.
إذن هم في الدنيا لا ينتفعون بآيات الله وإنَّما يزدادون غيا على غيهم وضلالًا إلى ضلالهم. وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم هم في الدنيا قلوبهم مريضة في ألم وفي الآخرة مرضى كوعدهم الله سبحانه وتعالى، بالعذاب المؤلم نعوذ بالله من الخذلان قال ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ﴾ أي: عذاب موجع، وكذلك مهلك. نسأل الله السلامة..
وقال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾12. فهذا العذاب يمسهم ويهلكهم بما كانوا يكذبون. لكن هنا نقول بما كانوا يكذبون فنبدأ بقراءة التشديد بما كانوا يكذبون لأنَّ السيوطي قال بالتشديد وهو يقصد بالتشديد أي: هكذا بما كانوا يكذبون وليس يكذبون يكذبون هذه قراءة أخرى. إذن عندنا قراءتان وهما متواترتان، القراءة الأولى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾، وعلى ذلك فالتشديد هنا للذال يكذبون وبضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال مع كسرها يكذبون. وأما القراءة الأخرى وهي التي نقرأ بها وهي قراءة الكوفيين ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾، يَكْذِبُون بتخفيف الذال أي: بلا تشديد بذلك قال هنا السيوطي بالتشديد أي: نبي الله ما معنى ذلك
أي: على قراءة من قرأ بما كانوا يكذبون تحتاج إلى مفعول، يعني: كذب فلان فلانًا فهنا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ﴾ بما يكذبون أي: يكذب المنافقون نبي الله فقوله: أي: نبي الله، يعني: هذا في موضع المفعول أي: ولهم عذاب مؤلم بما كانوا يُكَذِّبون نبيَّ الله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم وتكون الآية أو الكلمة من التكذيب كذبه، يعني: لم يصدقه، ولم يقر بما جاء به فهم كذبوا رسول الله ﷺ وإن زعموا أنَّهم مصدقون له هذا على القراءة بالتشديد قال وبالتخفيف ما معنى وبالتخفيف أي: يكذبون ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ هكذا فالذال فيها مخففة ليس فيها شدة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ أي: ليسوا صادقين يكذبون أي: في قولهم آمنا أي: إنهم زعموا أنهم آمنوا، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾13.
إذن على قراءة التخفيف فهي من الكذب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ من الكذب. وأما على قراءة التشديد فهي من التكذيب. وهذا معناه: أن كلتا القراءتين تفيدان معنى فاستفدنا من القراءتين، أن المنافقين قد جمعوا بين التكذيب والكذب فقد يوجد من يَكْذِب، وقد يوجد من يُكَذِّب، لكنهم جمعوا بين الكذب والتكذيب.
وهذا من فوائد معرفة القراءات لأنَّها تفيدنا في تكثير المعاني فالكلمة واحدة. لكن حين نقرؤها بالتشديد يكون لها معنى وحين نقرؤها بالتخفيف يكون لها معنى آخر يضم إلى المعنى الأول فيجتمعان، ولا يتنافران بفضل الله سبحانه وتعالى. إذن المنافقون جمعوا بين التكذيب والكذب فهم كذَّبوا، يعني: لم يقروا ولم يذعنوا، وكَذَبوا فليسوا بصادقين، ومن صفات المنافقين، ومن علامات المنافقين الكذب والله قال ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ14 ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾.
ولذلك نبهت مرارًا على أن من يدرس التفسير حري به أن لا يغفل القراءات المتواترة التي لها أثر في المعنى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾.
لا تفسدوا في الأرض وزعم الإصلاح
ثم قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟15 إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾16 أي: وإذا قيل أي: لهؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى، في قول ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾17، ولم يذكر الله سبحانه وتعالى، القائل فلم يقل وإذا قال لهم رسول الله ﴿أَنَّمَا﴾ قال وإذا قيل لهم للدلالة على أن هذا الجواب الذي يجري منهم جواب متكرر حينما يقال لهم: هذا القول وهو ﴿لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ فسواء أقال لهم هذا القول رسول الله ﷺ أم قاله لهم غيره من الصحابة أم من المؤمنين فإنَّهم يردون عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾18 ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ أي: إذا قيل لهؤلاء لا تفسدوا في الأرض قال بالكفر والتعويق عن الإيمان بالكفر والتعويق عن الإيمان.
وهذه عبارة الكواشي أيضًا بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان، يعني: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان فهم جمعوا بين الفساد والإفساد. ولذلك جاء التعبير هنا «لا تُفْسِدُوا»، ولم يقل «لا تَفْسُدُوا»، فهم فاسدون مفسدون المفسد أخطر وأشد. ولذلك قال الله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا19 فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾.
فقال: بالكفر، فهم بذلك فسدوا، والتعويق عن الإيمان، فهم عوَّقوا غيرهم وأفسدوا غيرهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وأصل الفساد خروج الشيء عن الاعتدال والانتفاع قلَّ أو كثر وهو نقيض الإصلاح. إذن الفساد خروج الشيء عن الاعتدال والانتفاع قلَّ أو كثر وهو نقيض الإصلاح فهناك ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ومصلح وهناك فاسد ومفسد ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني: ما نحن إلا مصلحون لسنا من المفسدين في شيء وإنَّما نحن ليس منا إلا كل إصلاح قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، يعني: ليس غير وليس ما نحن عليه بفساد، يعني: ليس كما تزعمون بأننا نفسد في الأرض.
بل نحن مصلحون قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وليس ما نحن عليه بفساد قال الله تعالى ردًّا عليهم ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا20 يَشْعُرُونَ﴾21 قال هنا قال الله تعالى ردًّا عليهم، يعني: ردَّ الله سبحانه وتعالى على زعمهم حينما قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وهم كاذبون في زعمهم. وهذا معناه: أنه ليس كل من ادعى أنه مصلح فهو مصلح فكم من رجل يدعي الإصلاح وهو ليس كذلك وإنَّما الإصلاح يكون بتحقيق ما به أسباب الصلاح والإصلاح قال: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ قال: ﴿إِلَّا﴾ للتنبيه.
إذن نستفيد من ذلك، أن أداة ﴿إِلَّا﴾ تدل على معنى التنبيه. وقال الكواشي «أدخل همزة الاستفهام على لا النفي فأفادت التنبيه وتحقيق ما بعدها» يبقى ﴿إِلَّا﴾ حينما ننظر إلى ﴿إِلَّا﴾، يعني: جعلها مركبة مكونة من الهمزة، ومن لا النافية ذهب إلى ذلك. وقال فأفادت التنبيه وتحقيق ما بعدها، يعني: تفيد التنبيه والتحقيق تحقيق ما بعده، أي: أن ما بعدها محقق قال وهكذا كل استفهام دخل على نفي، يعني: كأنه يُقعِّد قاعدة عامة أو غالبة إنه إذا دخلت أداة الاستفهام على النفي فإنَّها تفيد معنى التنبيه كقوله ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ22 ٱلْمَوْتَىٰ﴾ بلى سبحانه عز وجل وعلى كل حال، فألا كما يقول أهل البلاغة لقرع العصا، يعني: هي أداة فيها قرع عصى للإثارة والتنبيه وتهيئة الأذهان لتلقي الكلام، وكذا يقول أهل اللغة أو أهل النحو.
إذن ﴿إِلَّا﴾ قرع عصى للإثارة والتنبيه وتهيئة الأذهان لتلقي الكلام، فالإنسان حينما يسمع كلمة ﴿إِلَّا﴾ فإنَّه يتنبه وينظر ما الذي سينبه إليه أو ما الذي سيذكر له، ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾23 وألا على ذلك إذا كانت لتحقيق ما بعدها ففيها معنى التأكيد
ثم إن الجملة جاءت مؤكدة بإنَّ: ﴿إِنَّهُمْ﴾ ثم كذلك أكدت الجملة بأن جزئي الجملة اسم إنَّ وخبرها جاءا معرَّفين وتعريف جزئي الجملة من أساليب القصر كما هو معلوم، يعني: ﴿إِلَّا﴾ إنهم اسم. إن هنا الضمير الهاء في قول إنهم والخبر المفسدون وهو معرف بأل وتعريف جزئي الجملة من أساليب الحصر والقصر. فهذا أيضًا فيه معنى الحصر، وأيضًا كذلك دخلت «هم» في قوله: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾ و«هم» هذه يقال لها: ضمير الفصل وتقدم نظيرها في قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ وضمير الفصل يفصل بين الخبر والنعت فيُعلم أن ما بعده خبر وليس نعتًا فالمفسدون خبر، يعني: يخبر الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء بأنهم المفسدون، وكذلك ضمير الفصل من فوائده التأكيد، ومن فوائده الحصر.
إذن ضمير الفصل له ثلاث فوائد مشهورة يفيد الفصل بين الخبر والنعت، يعني: أن ما بعده خبر وليس بصفة لأنك لو قلت: ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ أعرفنا أن المفلحون خبر؛ وإلا لو قلت: وأولئك المفلحون فإنَّه يحتمل وأولئك المفلحون ماذا لهم كأنَّك تنتظر خبر. لكن إذا دخلت هم عرفنا أن ما بعده هو الخبر، وكذلك أفادت معنى التأكيد وأفادت معنى الحصر. وبناءً عليه فمعنى الآية ﴿إِلَّا﴾ إنهم وحدهم هم المفسدون، يعني: هم المفسدون في الحقيقة.
آمنوا كما آمن الناس ووصف السفهاء
الأمر الذين بلهوا في الفساد. بل في الإفساد إلى المنتهى، يعني: عكس الله عز وجل وقلب عليهم زعمهم فهم يزعمون قال ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بذلك تقدم كلام ابن عاشور وأن الله سبحانه وتعالى، قال هنا ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ لأنَّ هذا الإفساد فيه شيء من الخفاء فلذلك عبر عنه بنفي الشعور. ثم قال سبحانه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ24 ٱلنَّاسُ﴾ أي: أصحاب النبي ﷺ ﴿قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآ25ءُ﴾ الجهال أي: لا نفعل كفعلهم قال الله تعالى ردًّا عليهم ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا26 يَعْلَمُونَ﴾ ذلك وإذا قيل لهم أيضًا ذكر الله سبحانه وتعالى، ماذا يكون جوابهم حينما يقال: لهم ﴿امِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾27، وأيضًا جاء التعبير هنا وإذا قيل لهم دون أن يقال وإذا قال لهم الرسول أو إذا قال لهم المؤمنون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ قال أي: أصحاب ﷺ فالمراد بالناس هنا الصحابة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾، يعني: آمنوا كما آمن الصحابة كما آمن المؤمنون أي: آمنوا إيمانًا حقيقيًّا يطابق الظاهر الباطن يكون فيه تطابق بين الظاهر والباطن أخلصوا في إيمانكم آمنوا إيمانًا صحيحًا مقبولا.
ولذلك ربنا قال. ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟﴾28 ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾، أي: المؤمنون أو المراد بها: الصحابة باعتبار أن الخطاب في البداية كان لأولئك المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ وقد قال الكواشي «الناس في الحقيقة هم المؤمنون والباقي كالبهائم في تمييز الإيمان من الكفر»، يعني: إذا قال قائل ربنا قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ أليسوا ناسًا؟ يعني: أليس المنافقون من جملة الناس؟ فيقال المراد بالناس هنا، يعني: من يستحق أن يقال له: الناس لذلك قال الناس في الحقيقة هم المؤمنون
والباقي كالبهائم، يعني: كأنهم ليسوا بناس لأنهم لم يستعملوا العقل الذي منحهم الله إياه، وكان عليهم أن يتفكروا وأن يتأمَّلوا. ولذلك ذم الله سبحانه وتعالى، أمثال هؤلاء المعاندين الذين لا يقبلون على آيات الله سبحانه. بل يعرضون عنها قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾2930. ولذلك هنا قال ﴿امِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ قال «الناس في الحقيقة هم المؤمنون والباقي كالبهائم في تمييز الإيمان من الكفر»، ولا يميز ما لله سبحانه وتعالى، من حق ولا يصرف العبادة لله سبحانه وتعالى، فهو كالبهيمة. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾31 قال الله سبحانه وتعالى، ﴿قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآ32ءُ﴾، يعني: يكون منهم هذا الرد ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ وقولهم أنؤمن هكذا بالاستفهام والاستفهام هنا المراد به الإنكار والاستخفاف الإنكار والاستخفاف. ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾. ماذا تقولون لنا معشر المؤمنين ماذا تقولون لنا تقولون ﴿امِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ أتريدون منا أن نؤمن كما آمن السفهاء نحن من الخاصة لنا إيماننا، ولنا شأننا لا تأمروننا باقتفاء أثر غيرنا، ولا بالسير على منوال الصحابة ﴿أَنَّمَا﴾ نحن أعلى قدرًا وأرفع منزلة ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ فالمراد بالاستفهام هنا الإنكار والاستخفاف أي: هم يستخفون بأصحاب النبي ﷺ والمؤمنين ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾، أي: الجهال أي: لا نفعل كفعلهم فإذا هو استفهام للإنكار والاستخفاف لذلك هنا قال أي: لا نفعل كفعلهم فكأن معنى ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ بمعنى النفي لكنه نفي معه استخفاف.
وهذا معنى قولنا للإنكار فمعنى أنؤمن، يعني: لا نؤمن هذا معنى لا نفعل كفعلهم أي: لا نؤمن كما آمن السفهاء ووصموهم بالسفاهة وهم براء من ذلك ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾، أي: الجهال وأصل السفه الخفة والطيش وهو نقيض الحلم أصل السفه الخفة والطيش، ويطلق على السفيه «جاهل» في مقابلة الحلم. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى، في صفات عباد الرحمن ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾33.
وذلك لأنَّ الجهل نوعان جهل بالعلم وجهل بما يقتضيه العلم فالسفيه لم يعمل بما يقتضيه العلم فأطلق عليه جاهل قال الكواشي «لا يقال للجاهل الساكن اللازم سفيه وإنما يقال للسليط». وهذا فيه أنه يُفرَّق بين السفيه والجاهل، يعني: «لا يقال للجاهل الساكن اللازم سفيه ﴿أَنَّمَا﴾ يقال للسليط» هذا معناه: أنه ليس كل جاهل سفيهًا فقد يكون الجاهل جاهلًا ويعترف بجهله، ولا يؤذي أحدًا، ولا يستخف بأحد فهو جاهل في نفسه.
أما السفيه فهو جاهل سليط، يعني: جاهل معتدٍ يعتدي على غيره ويمتد لسانه على غيره. ولذلك علمنا الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾، يعني: هذا ما يختار في الرد عليهم إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت. «فَإِنْ كَلَّمْتَهُ فَرَّجْتَ عَنْهُ، وَإِنْ خَلَّيْتَهُ كَمَدًا يَمُوتُ» قال الله تعالى ردًّا عليهم ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ أيضًا هذا موافق للأسلوب السابق ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾34 وهنا ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآ35ءُ﴾ أيضًا بأداة التنبيه وبالجملة الاسمية وبتعريف جزئي الجملة وبدخول ضمير الفصل أو توسط ضمير الفصل بين اسم إن وخبرها كل هذا من دلائل التوكيد، وفيها أيضًا ما يقتضي القصر والحصر أي: هؤلاء هم السفهاء لا غيرهم ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾36 ذلك بعضهم قال العلم يدل على معنى الظهور، ومنه قيل للعلامة علامة فهي علامة ظاهرة وبناء على ذلك فسفاهتهم ظاهرة وبادية ولو أنَّهم أنصفوا من أنفسهم ونظروا إلى حالهم وحال الصحابة رضي الله عنهم، لجزموا بأن السفاهة شأنهم وأن الحلم والعلم والفطنة دأب المؤمنين والصحابة رضي الله عنهم أجمعين ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟37 قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾3839. لكن هنا أنبه على شيء وهو، أن السيوطي يقول في قول ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ فيما مضى قال ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك، يعني: ذكر متعلق يشعرون بذلك وهنا قال ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك لأنَّ شعر يتعدى بالحرف يشعرون بكذا شعر بكذا. لكن تقول علمت ذلك يتعدى بنفسه لذلك ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، يعني: لا يعلمون أنهم سفهاء فمعنى ذلك، يعني: لا يعلمون أنهم سفهاء لا يعلمون أنهم الجديرون بهذا الوصف وأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في سلامة مما وسموهم به ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ أو أنهم ليسوا من ذوي العلم فأحيانًا الفعل المتعدي ينزل منزلة الفعل اللازم، يعني: لا يحتاج إلى مفعول فيبقى معنى لا يعلمون، يعني: ليس من ذوي العلم فالمراد نفي صفة العلم عنهم بغض النظر عن المفعول قال ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾40 ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟41 إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ42 قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾43 وإذا لقوا قال أصله لقيوا حذفت الضمة للاستثقال ثم الياء لالتقائها ساكنة مع الواو، يعني: قوله وإذا لقوا أصل الفعل لقيا لقيا يلقى فلقي يلقى إذًا أدخلت عليه الواو التي هي وأو الجمع فستقول لقيوا ﴿أَنَّمَا﴾ ضممت الياء ابتداء لأنَّ الواو يناسبها الضمة فأنت إذا أتيت بواو الجمع فالمناسب لواو الجمع أنَّ تُضم ما قبلها. وبناءً عليه فستصير الكلمة بعد دخول وأو الجماعة لقيو لقيو فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لقيو صارت الياء مضمومة لمناسبة الواو.
لكن ضمة الياء مستثقلة لأنَّ الضمة على الياء ثقيلة فحينئذ حذفوا تلك الضمة فلما حذفت تلك الضمة صارت الياء ساكنة فصارت ياء ساكنة، وبعدها الواو والواو ساكنة أيضًا فالتقى ساكنان فحذفت الياء فصارت لقو وأصلها قبل لقو، أن تكون لقيو بكسر القاف، وبعدها الواو لأنَّ أصل الفعل لقيو لقي بكسر القاف. لكن لأنَّ الواو يناسبها الضمة صارت القاف أيضًا مضمومة لمناسبتها للواو فصارت لقو هذا الذي ذكرته والذي ذكره السيوطي يُسمَّى بـ علم الصرف فعلم الصرف يدرس في بنية الكلمة لا يدرس في الحركة الأخيرة على الكلمة كما هو في علم النحو أو في علم الإعراب وإنَّما تكون العناية في علم الصرف ببنية الكلمة وأصل الكلمة وعلم الصرف من الأهمية بمكان.
لقوا الذين آمنوا وحال المنافقين
بل كما نص الزركشي أن المفسر يحتاج إليه أكثر من حاجته إلى علم النحو. ولذلك تتعلق به معاني كثيرة ولعل هذا يظهر لنا بكثرة بفضل الله سبحانه وتعالى، في دراسة كتاب تحفة الأريب حينما نعرف أصل الكلمة فيترتب على ذلك آثار هذه كلمة أو أصلها كذا فتدل على معنى كذا بخلاف الكلمة الأخرى ليست هي من جذر هذه الكلمة وإنَّما هي من أصل آخر طيب قال هنا ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾.
لكن مما ذكره أهل التفسير هنا أن التعبير جاء باللقاء، يعني: أن المنافقين لا يرغبون في لقاء المؤمنين. فإنَّ جرى لهم لقاء بالمؤمنين ﴿قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾. لكن مع شياطينهم ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾. تأمَّل! قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾، يعني: أنهم في حالة لقائهم للذين آمنوا إذًا جرى لقاء يقولون ذلك.
أما في حالة خلوتهم وانصرافهم إلى شياطينهم يقولون كذا وكذا ففرق بين حالهم مع المؤمنين وحالهم بين أو مع أمثالهم من أهل النفاق قال ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ هكذا وإذا خلوا منهم ورجعوا إلى شياطينهم رؤسائهم قالوا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ هنا. تأمَّل! قال ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾. إذن أنت حينما تكون محبًّا لشخص فإنَّك لا تلتقيه في الطريق فحسب وإنَّما تذهب إليه وتخلو إليه وتحب مجالسته فكذلك المنافقون.
إن قدر لهم أن يلقوا المؤمنين ﴿قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ هكذا يقول آمنا ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ قالوا بتأكيد ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ لا تظن أننا حينما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ آمنا أننا نعتقد ذلك كلا. بل نحن موافقون لكم نسير على منوالكم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾. نسأل الله السلامة والعافية. قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ قال منهم ورجعوا إلى شياطينهم هنا مسألة، وهي أن «خلا» تعدَّت هنا بـ«إلى»: ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ قالوا والأصل أنك تقول خلوت بكذا لا أن تقول خلوت إلى كذا، يعني: أنت تقول خلوت بكذا انفردت به.
لكن التعبير القرآني جاء هنا خلوا إلى لذلك هنا ماذا يقول السيوطي خلوا منهم خلوا بهم أو خلوا منهم، يعني: خلوا من المؤمنين خلوا وانصرفوا عنهم ورجعوا إلى شياطينهم فقدر فعلًا آخر وهو رجعوا وهنا قضية يذكرها أهل العلم وأهل البلاغة يسمونها بأسلوب التضمين في القرآن الكريم وما معنى أسلوب التضمين
معنى أنه قد يأتي الفعل يراد به معنى فعل آخر فيعطى الفعل الحرف الذي هو للفعل الآخر حتى يفهم من ذكر الفعل أنه قد أريد به الفعل الآخر فيكون قد تضمن الفعل فعلًا آخر. وقد ذكرنا لذلك أمثلة في بعض الدروس في غير هذه الدراسة من ذلك قول الله سبحانه وتعالى، في سورة الإنسان ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾44 فالمتوقع أن يقال عينًا يشرب منها فأنت تقول شربت من الإناء شربت من الماء.
لكن الله قال عينًا يشرب بها لم يقل منها. فقالوا هنا أسلوب تضمين لأنَّ الشرب ضمن معنى التلذذ، ومعنى الري أي: عينًا يرتوي بها عينًا يرتوي بها عينًا يلتذ بها فعرفنا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ هناك شرب أو أنه سيكون هناك شرب وأيضًا هناك ري وتلذذ نستفيد الفعل ونستفيد فعلًا آخر من مجيء الحرف كذلك هنا لم يقل خلوا بشياطينهم ﴿أَنَّمَا﴾ قال خلوا إلى شياطينهم والمعنى خلوا فتركوا المؤمنين وانصرفوا إلى شياطينهم وكما فسر هنا قال ورجعوا إلى شياطينهم ذهبوا إلى شياطينهم مشوا إلى شياطينهم كل هذه معاني صحيحة إذًا نقول هنا أسلوب تضمين بعض المفسّرين يقول إلى بمعنى الباء فيفسر الحرف بالحرف.
لكن الذي عليه الحذاق من أهل اللغة كالخليل وسيبويه ونص على ذلك ابن القيم وغيره من أهل العلم قالوا. بل الأسلوب المختار في ذلك هو أسلوب التضمين، يعني: لا نقول بتناوب الحرف لا نقول إن حرفًا ناب عن حرف ﴿أَنَّمَا﴾ نقول إن الفعل أُشرب معنى فعل آخر. وهذا له أمثلة كثيرة جدًّا في القرآن الكريم ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾45 كان من المتوقع أن يقال ونصرناه على القوم ونصرناه على.
أسلوب التضمين في خلوا إلى شياطينهم
لكن الله قال: ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ﴾، فنقول: النصر هنا تضمَّن معنى فعل آخر فمعنى ونصرناه من، يعني: خلصناه من نجيناه من فهو ليس نصرة فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ نصرة وخلوص ونجاة، يعني أن الله سلَّمه بفضله سبحانه وتعالى وإنعامه على كل حال. فهذا أسلوب يقال له: أسلوب التضمين لذلك هنا السيوطي قال ورجعوا إلى شياطينهم فقدر فعلًا آخر فكأن الحرف الذي يأتي مع الفعل وهو في الأصل ليس له كأنه أتانا بكلمة جديدة.
وهذا معنى التضمين طيب نتوقف عند هذا الحد ونكمل بإذن الله تعالى في الدرس المقبل. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والله أعلم و
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (ص: 29) — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- تعليق: فمرحبًا بكم، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء، مع مجلس جديد من مجالس التعليق على تفسير الجلالين — كتاب: «تفسير الجلالين». الذكر في الدرس: تفسير الجلالين. ↩
- آية: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 9) — كما ورد في الدرس: البقرة 9 ↩
- آية: ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10) — كما ورد في الدرس: البقرة 10 ↩
- آية: ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ (البقرة: 10) — كما ورد في الدرس: البقرة 10 ↩
- تعليق: قال السيوطي في قلوبهم مرض شك ونفاق فهو يمرض قلوبهم، أن يضعفها. — قول: «في قلوبهم مرض شك ونفاق». الذكر في الدرس: السيوطي. ↩
- آية: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: 32) — كما ورد في الدرس: الأحزاب 32 ↩
- آية: ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ — البقرة: 10 ↩
- آية: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (التوبة: 125) — كما ورد في الدرس: التوبة 125 ↩
- آية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) — كما ورد في الدرس: الإسراء 82 ↩
- آية: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ﴾ — البقرة: 10 ↩
- آية: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ﴾ — البقرة: 10 ↩
- آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ — البقرة: 8 ↩
- آية: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1) — كما ورد في الدرس: المنافقون 1 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11) — كما ورد في الدرس: البقرة 11 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ — البقرة: 11 ↩
- آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ — البقرة: 8 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ — البقرة: 11 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) — كما ورد في الدرس: النحل 88 ↩
- آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 12) — كما ورد في الدرس: البقرة 12 ↩
- آية: ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ — البقرة: 12 ↩
- آية: ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (القيامة: 40) — كما ورد في الدرس: القيامة 40 ↩
- آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾ — البقرة: 12 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 13) — كما ورد في الدرس: البقرة 13 ↩
- آية: ﴿قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ (البقرة: 13) — كما ورد في الدرس: البقرة 13 ↩
- آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 13) — كما ورد في الدرس: البقرة 13 ↩
- آية: ﴿امِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ — البقرة: 13 ↩
- آية: ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟﴾ (البقرة: 137) — كما ورد في الدرس: البقرة 137 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ — الأعراف: 179 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (الأعراف: 179) — كما ورد في الدرس: الأعراف 179 ↩
- آية: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ — الأعراف: 179 ↩
- آية: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ — البقرة: 13 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ (الفرقان: 63) — كما ورد في الدرس: الفرقان 63 ↩
- آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ﴾ — البقرة: 12 ↩
- آية: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾ — البقرة: 13 ↩
- آية: ﴿وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 13 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ (البقرة: 14) — كما ورد في الدرس: البقرة 14 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ (البقرة: 14) — كما ورد في الدرس: البقرة 14 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ — البقرة: 14 ↩
- آية: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ (الإنسان: 6) — كما ورد في الدرس: الإنسان 6 ↩
- آية: ﴿وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ (الأنبياء: 77) — كما ورد في الدرس: الأنبياء 77 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 5) — كما ورد في الدرس: البقرة 5
من سلسلة: سلسلة التعليق على تفسير الجلالين (21 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة الأعراف
- تفسير سورة الأنبياء
- تفسير سورة الانسان
- تفسير سورة البقرة
- تفسير سورة التوبة
- تفسير سورة القيامة
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد