مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه

خطب · الدرس 310 من 342 · 23 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. وجوب تحري الحلال والثبات زمن الفتن
  2. تحقيق حديث مسند أحمد: إنك لن تدع شيئًا لله
  3. نماذج التعويض الإلهي: اعتزال إبراهيم، وعفة يوسف، وتورع المهاجرين
  4. قصة سليمان عليه السلام وعوضه بتسخير الريح
  5. صور من العوض الإلهي في الدارين
  6. هجرة صهيب وبشارة ربح البيع أبا يحيى والدعاء بجوامع
التفريغ النصي الكامل للدرس

وجوب تحري الحلال والثبات زمن الفتن

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102)، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1)، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4 (الأحزاب: 70) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71).

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة؛ جنّبنا الله البدعة والضلالة والنار، ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة.

يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوج المسلمين في هذه الأيام إلى مَن يذكرهم بالله عز وجل! ما أحوج المسلم أمام الفتن التي تتلاحق به وتتزاحم عليه وتعصف به من كل جانب أن يذكر بالله سبحانه وتعالى حتى يستقيم على طاعة الله ويثبت على منهاج الله. نسأل الله أن يجعلنا من المستقيمين على دينه.

يا أيها الإخوة الكرام، إن كثيرًا من الناس في بادئ الأمر كانوا حريصين على تحري الحلال والابتعاد عن الحرام بشتى طرقه ووسائله، فحينما اشتدت بهم الفتن، وألمَّت بهم الخطوب، وكثرت عليهم الحقوق، ما كان منهم إلا أن تخلّوا عن بعض ثوابتهم، فأكلوا شيئًا من الحرام، أو أقبلوا على معاملة محرمة، أو تساهلوا في كثير من أمر دينهم؛ ما ذلك إلا لأنهم غفلوا عن الله سبحانه وتعالى وعن مراقبته.

تحقيق حديث مسند أحمد: إنك لن تدع شيئًا لله

إذا كانت القاعدة المشهورة تقول: من ترك شيئًا لله عوّضه خيرًا منه، فإننا بحاجة إلى أن تكون تلكم القاعدة مُطبَّقة في واقع حياتنا.

وإنني أقول لك: أبشر، فإنَّ هذه ليست قاعدة فحسب، بل إن الرسول الصادق محمدًا ﷺ قد صرّح بها، وإن لم يكن بهذا اللفظ؛ فإنَّ هذا اللفظ: «من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه» لفظ لا يثبت عن النبي ﷺ بيد أنه يغني عنه ما جاء عند أحمد في مسنده من حديث أبي قتادة وأبي الدهماء رضي الله عنهما، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فكان مما علّمني ﷺ: «إنك لن تدع شيئًا لله إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه»، وهذا بفضل الله ومنّته، سنده صحيح ثابت عن الرسول الكريم ﷺ

«إنك لن تدع شيئًا لله إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه»، وجاء في بعض الروايات: «إنك لن تدع شيئًا اتقاء لله إلا أعطاك الله خيرًا منه»، فنسأل الله أن يرزقنا الحلال الطيب، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا بفضله عمّن سواه.

يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوجنا إلى أن نتذكر دومًا أن تلكم الحياة ذاهبة وأنها ليست باقية، وأن الدنيا دنيا لأنَّها قريبة ودنيئة، والآخرة آخرة لأنَّها متأخرة، ثم هي أبقى، كما بيّن الله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾6 (الأعلى: 16) ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾7 (الأعلى: 17).

مهما يفوتك من الدنيا، فلا ينبغي أن يفوتك النصيب الأوفى من الله في الآخرة، فنسأل الله أن يجعل لنا الآخرة، وصدق الله إذ قال: ﴿وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾8 (الزخرف: 35). ينبغي لك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم الكريم، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تُقبل على شيء، أن تسأل نفسك: أحلالٌ هو أم حرام؟ أيرضي الله أم يُسخطه؟ فإنَّ كان حلالًا يرضي الله فأقبل عليه وهنيئًا لك به، وإن كانت الأخرى - إن كان حرامًا يُسخط الله - فإياك وإياه، فإنَّ ما عند الله سيُغنيك: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾9 (النحل: 96).

نماذج التعويض الإلهي: اعتزال إبراهيم، وعفة يوسف، وتورع المهاجرين

يا أيها الإخوة الكرام، لقد ضرب الله عز وجل لنا النماذج المشرقة والأمثلة المباركة من هدي الأنبياء والمرسلين، ممن تركوا الدنيا لينالوا الآخرة، فتركوا لله فعوّضهم الله عز وجل الخير الكثير.

فخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يدعو قومه ويدعو أقاربه، حينما أعرضوا عن الله ولم يستجيبوا لدعوة الله، بل أرادوا إحراقه وهمّوا بذلك، لكن الله أنجاه، إذ قال: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾10 (الأنبياء: 69).

وحينما قال له أبوه - وإبراهيم عليه السلام يدعوه إلى الله ويبرّه، ويقول له: يا أبتِ، يا أبتِ، يا أبتِ - قال له: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾11 (مريم: 46)، قال: ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾12 (مريم: 47)، ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾13 (مريم: 48)، تأمَّل! ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، عوّضه الله - ماذا صنع به - ﴿وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾14 (مريم: 49)، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾15 (مريم: 50). خرج إبراهيم الموحد يدعو إلى الله عز وجل لا يألو في ذلك، فعوّضه الله فجعل الأنبياء والمرسلين من ذريته، لتقرّ عينه بذلك، عليه سلام الله وصلواته.

وأما عن الكريم يوسف عليه السلام، فهو حفيده: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم صلوات الله وتسليماته، حينما دعته امرأة العزيز إلى ما دعته إليه من الفاحشة، وامتنع لأنه مخلص لله أخلصه الله لنفسه، فهو من عباد الله المخلصين، كما قرر الله وقال: ﴿إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾16 (يوسف: 24)، وقد عُرض عليه ما عُرض، وهو في بيتها وعندها الخدم والحشم، وهو في ملك وسؤدد، عوّضه الله عز وجل بخير ما يكون، بل إنه اختار السجن على أن يكون في معصية الله، فقال كما قال الله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾17 (يوسف: 33)، ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾18 (يوسف: 34)، إذ بيوسف عليه السلام يجعله الله على خزائن الأرض، قال: ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾19 (يوسف: 55)، ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾20 (يوسف: 56)، فصار العوض والخلف والسؤدد والملك له بفضل الله، لأنه ترك لله، ومن ترك لله أعطاه الله خيرًا مما ترك، لأنَّ الذي يعطي ويمنح هو الله سبحانه وتعالى، فالله بيده خزائن كل شيء.

فإياك ثم إياك أن تُقبل على الحرام وإن كان ميسورًا، وأقبل على الحلال وإن وجدته غير ميسور؛ وإلا فالأصل أن الحلال كثير وأنَّ الحرام قليل، لكن الشيطان يزين الباطل فيكثر الحرام ويقلل الحلال، فحينئذ يتصور الإنسان أن الأبواب ستُسدّ أمامه إلا ذلكم الطريق الذي سيلج منه إلى الحرام، نسأل الله السلامة والعافية.

فإذا عُرضت عليك وظيفة، وأنت تبحث عن وظيفة، فظهرت أمامك وظيفة براقة ذات مال كثير لكنَّها في عمل محرم، فإياك وإياها. إذا عُرض عليك سفر مغرٍ ستتحصّل عليه من الأموال وتتكسّب منها ما تشاء، بيد أنه سفر فيه ما فيه، فإياك وإياه. إذا كنت في عملك فعُرضت على زميلك رشوة فقبِلها، وعلى الآخر رشوة فقبِلها، وعُرضت عليك فامتنعتَ؛ فبنى ولم تبنِ، وعمّر ولم تعمّر، ولديه وليس لديك - كل ذلك لا يضرك، فإنَّ الله سيعطيك في الدنيا قبل الآخرة، لا بد أن يعي المسلم ذلك: من ترك شيئًا لله أعطاه الله خيرًا منه.

قصة سليمان عليه السلام وعوضه بتسخير الريح

إن المهاجرين رضوان الله عنهم هاجروا من مكة إلى المدينة، وتركوا الأموال والأولاد، وتركوا ما لديهم، فعوّضهم الله الخير الكثير: عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، عثمان بن عفان رضي الله عنه، وغيرهما من أصحاب النبي الكريم ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، أغناهم الله من واسع فضله، فصاروا يُعطون ويُنفقون، وفتح الله لهم قلوب العباد، وفتح الله لهم البلاد، ففتحوا البلاد بفضل الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، لأنهم بذلوا لله، فأعطاهم الله خيرًا مما تركوه لله عز وجل.

وقد ذكر كثير من المفسرين في شأن سليمان عليه السلام، فيما ذكر الله عز وجل في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾21 (ص: 30)، ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾22 (ص: 31)، ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾23 (ص: 32)، ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾24 (ص: 33)، ذهب كثير من أهل التفسير إلى أن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل، وكان يحب الجهاد في سبيل الله.

فعُرضت عليه الخيل في وقت العصر، فلما عُرضت عليه نظر فيها، وهو يتعجب من إنعام الله عليه بما خلق عليه تلك الخيول من الجمال والمنظر الطيب والسرعة والقوة، حتى توارت الشمس بالحجاب فغربت الشمس، وفاته وِرده من ذكر الله، أو فاتته صلاة العصر، على قول كثير من أهل التفسير، أيًّا ما كان الأمر، فلما وجد الأمر كذلك أراد أن يترك لله، فترك الخيل كلها لله، فقال: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا25 بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ (ص: 33)، قالوا: أي: قطعها بالسوق، أي: قطع سيقانها وقطع عراقيبها، وجعلها لله كلها، بذل ذلك فعوّضه الله خيرًا منها.

﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾26: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36)، فصارت الريح تسير بأمر سليمان عليه السلام، يقول للريح: سيري في جهة كذا، فتسير في الغدو، في الصباح، مسيرة شهر، وكذلك تسير في الرواح، أو في المساء، مسيرة شهر، كما قال الله: ﴿وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾27 (سبإ: 12)، فمَنْ الذي سخّر الريح لسليمان؟ إنه الله عز وجل. قال كثيرون: كان هذا تعويضًا لسليمان، تعويضًا من الله لسليمان عليه السلام، حينما فعل بالخيول ما فعل، وإن كانت ثمة أقوال أخرى ذكرها المفسرون في تفسير الآيات، والعلم عند الله. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين.

صور من العوض الإلهي في الدارين

وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ: فيا عباد الله، حقيق بنا أن نتأمَّل! هذا المعلَم، وأننا إذ ندَع شيئًا في تلك الحياة لله فإننا نستجلب رضا الله. واعلم أخي الكريم أن ما يعوّضك الله عز وجل به خير مما قد تركت، لأنَّ الله قد يعوّضك بخير كثير: ديني ودنيوي وأخروي.

﴿إِلَّا﴾ ترى أن منه انشراح الصدر، وراحة البال، واستقرار العين والفؤاد، وطمأنينة القلب وما أجمل هذا! أن يرزقك الله الأنس به في وقت يستوحش كثيرون، وأن يرزقك الله ذكره وحلاوة المناجاة في وقت فقدها الكثيرون، أو فقد ذلك الكثيرون.

فما أجمل العوض إذا جاء من الله سبحانه وتعالى! هناك فتاة إذا كان قلبك يميل إليها، فوجدت أن هذا طريق محرم، وأنه لا سبيل إلى الزواج منها، فما لك ولها دعها وشأنها، لا تُفسدها ولا تَفسد بها، وإنما أدبِر عنها، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ليس في المال فحسب.

﴿أَنَّمَا﴾ في كل شيء: تركت النظرة لله، تركت المال لله، تركت سفرًا لله، تركت كلامًا لله، تركت ثأرًا لله. بل إن الرسول الأكرم ﷺ قد قال، كما عند الترمذي وغيره، من حديث معاذ بن أنس الجهني: «من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيّره ﴿مِنْ أَىِّ﴾ حلل الإيمان شاء يلبسها».

حتى اللباس: تترك هذا اللباس، هذا اللباس فيه شيء من الغرور، والناس رأوا منك شيئًا لا يريدون ولا يقبلون، أو صار لباس شهرة، فتركت لله، سيعوضك الله عز وجل خيرًا منه. ما أحوجنا إلى أن نتعلم ذلك! ثم هناك أمر أعظم: أن تترك شيئًا من الحلال خوفًا من الوقوع في الحرام، وهو الورع، أو أن تترك شيئًا مما يباح لك، وذلك عن طريق الصدقة والنفقة ابتغاء مرضات الله، أو جهادًا في سبيله.

هجرة صهيب وبشارة ربح البيع أبا يحيى والدعاء بجوامع

إن أبا يحيى ربح البيع: إن صهيب الرومي رضي الله عنه لما أراد الهجرة إلى النبي ﷺ تبعه كفار مكة، أو كثير أو عدد منهم، فنثل كنانته، وكان بها أربعون سهمًا، فقال لهم: لن يصل إليّ أحد منكم إلا وقد وضعت فيه سهمًا من هذه التي معي، ثم قال لهم: سيكون معي سيفي بعد ذلك، سأقاتلكم، أما إن شئتم أن أخبركم بمالي في مكة وتتركونني وشأني فعلت، تريدون قتالي لن أترك، أنا أريد الهجرة لرسول الله. أما إن كنتم تريدون الدنيا سأدلكم على أموال كلها في مكة، فأخبرهم بها، فتركوه وشأنه، فأنزل الله قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾28 (البقرة: 207)، فاستقبله الرسول ﷺ وقال له: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى» رضوان الله عنه وعليه، ما أحوجنا إلى أن نتعلم ذلك في هذه الحياة.

طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وشراب دون شراب: فلان لبس أكثر منك أو أعظم منك، فلان أكل أعظم منك أو أجلَّ منك، أكلتَ وأكل، وشربتَ وشرب، ولبستَ ولبس، لكن شتان شتان بين من تلذّذ بحرام وبين من طعم وشرب الحلال! تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا ... مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الْإِثْمُ وَالْعَارُ، ويبقى الإثم والعار، تبقى عواقب سوء في مغبّتها، لا خير في لذة من بعدها النار.

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمّن سواك، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها، اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا، ومتّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منَّا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا».

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللهم ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾29 (الفرقان: 74). اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام، وسائر بلاد الإسلام، اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 16 ↩
  7. آية: ﴿وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 17 ↩
  8. آية: ﴿وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 35 ↩
  9. آية: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 96 ↩
  10. آية: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 69 ↩
  11. آية: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 46 ↩
  12. آية: ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 47 ↩
  13. آية: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 48 ↩
  14. آية: ﴿وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 49 ↩
  15. آية: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 50 ↩
  16. آية: ﴿إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 24 ↩
  17. آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 33 ↩
  18. آية: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 34 ↩
  19. آية: ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 55 ↩
  20. آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 56 ↩
  21. آية: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَـٰنَ ۚ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 30 ↩
  22. آية: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 31 ↩
  23. آية: ﴿فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 32 ↩
  24. آية: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 33 ↩
  25. آية: ﴿رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: ص 33 ↩
  26. آية: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 36 ↩
  27. آية: ﴿وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: سبإ 12 ↩
  28. آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 207 ↩
  29. آية: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 74 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة