مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الرفق بناء الإنسان

خطب · الدرس 309 من 342 · 49 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. افتتاح الخطبة وبيان صفة الرفق الإلهية ومحبة الله
  2. شؤم حرمان الرفق وقاعدة الأخذ بأيسر الأمرين
  3. نماذج الرفق النبوي في التعليم ولين موسى في الدعوة
  4. العفو عن الخادم سبعين مرة ودعاء النبي لمن رفق بالناس
  5. موازنة عواقب العنف والرفق وهدي النبي الحليم في الرد
  6. إنظار المعسر ودفع الإساءة بالحسنة وحقيقة الشديد بملك النفس
التفريغ النصي الكامل للدرس

افتتاح الخطبة وبيان صفة الرفق الإلهية ومحبة الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 70-71).

أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة — أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار، ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة.

يا أيها الإخوة الكرام، إن ديننا دين الأخلاق، دعانا فيه إلى كل خلق جميل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن أخلاقنا وأن يرزقنا علمًا نافعًا وعملاً صالحًا. ومن أعظم الأخلاق الحميدة والخصال الجميلة التي يتصف بها المسلم أن يكون من أهل الرفق — جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه.

فإنَّ الأمر كما قال النبي ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». فاستفدنا من ذلك — ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام — أن الرفق من صفات الله جل وعلا وأن الله رفيق بعبادة، وهو أحد معنيين في معنى: اسم الله اللطيف. قال الله جل وعلا: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ﴾5 (الشورى: 19). فالله جل وعلا — من لطفه ورفقه بعبادة وتيسيره لهم — ثم إن الله جل وعلا يحب هذه الصفة ويحب من عباده أن يتصفوا بها؛ فما أجمل هذا العبد الذي يتصف بهذه الصفة الجليلة. نسأل الله أن نكون من أهلها بمنّه وكرمه.

شؤم حرمان الرفق وقاعدة الأخذ بأيسر الأمرين

لذلك ثبت عن النبي ﷺ — كما في صحيح مسلم —: «من يُحرم الرفق يُحرم الخير». فالإنسان الذي يُحرم من الرفق محروم من الخير. وقال ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «يا عائشة، ارفقي؛ فإنَّ الله ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق». فإذا وجدت بيتًا من البيوت متصفًا بهذه الصفة، وجدت البيت في راحة وفي سكينة وفي طمأنينة وفي سعادة بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، رِفقُ الله جل وعلا بعبادة: تيسيره لهم ولطفه بهم وتكليفهم ما يطيقون. فإنَّ الله جل ذكره قال: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾6 (البقرة: 185). وهذا من رفقه بعبادة. وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾7 (الحج: 78). وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾8 (البقرة: 286). فالله لما كلّفنا يسّر لنا وخفّف عنا ولم يحملنا ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ﴾. وهذا من رفقه بعبادة: رحمته بهم وقبوله توبتهم — سبحانه جل وعلا — ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ﴾9 (الشورى: 25). وهذا من لطفه.

بل إنَّ الله عز وجل كتب في كتابه — وهو مكتوب عنده فوق العرش —: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»، وفي لفظ: «إن رحمتي غلبت غضبي». فهذا من لطفه ورفقه بعبادة جل وعلا.

رسولنا محمد صلوات الله وتسليماته عليه كان معروفًا بهذه الصفة الجليلة، فكان أرفق الناس بالناس صلوات الله وتسليماته عليه، كان رفيقًا في أموره كلها. بل إن النبي ﷺ — كما وصفته أمنا عائشة رضي الله عنها، وهذه قاعدة متينة جليلة شريفة — تقول أمنا عائشة كما في الصحيحين: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإنَّ كان إثماً كان أبعد الناس عنه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حرمات الله فإنه ينتقم لله عز وجل بها». اسمع قولها رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً».

إذًا القاعدة العامة: إذا خُيِّرت بين أمرين، وكان أمامك طريقان بإمكانك أن تسلكهما، فإنَّ عليك أن تسلك الأيسر، لا أن تسلك الأصعب ولا الأشق، إلا إذا كان الأيسر طريق إثم وطريقًا محرَّمًا؛ فإنَّك تتقيه وتجتنبه وتسأل الله الإعانة والتوفيق.

نماذج الرفق النبوي في التعليم ولين موسى في الدعوة

كثير من الناس قد يصلون إلى مراداتهم ويحققون أهدافهم، ولكن بعد تعب بعد تعب؛ يتعب نفسه ويتعب غيره، لا يريد أن يحقق ما يصبو إليه إلا إذا أشعر نفسه وغيره بالهم والكرب والشدة والصعوبة والعنف. وهذا ليس في دين الله عز وجل. إن النبي ﷺ قال: «إن هذا الدين يسر، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه». هذا الدين دين يسر، دين خير وبركة. قال ﷺ: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا». على هذا قام ديننا.

وقال ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه». ما كان الرفق في شيء إلا زانه: الرفق يدخل على الشيء القليل فيزيّنه ويجعله جميلًا؛ وإذا دخل العنف على شيء فإنَّه يجعله مشينًا غير مقبول مرفوضًا. نسأل الله العافية والسلامة.

نبينا ﷺ ما خُيّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما — هذه قاعدة في أمورك كلها: أنت أمامك طريقان في عمل من الأعمال، في بيتك، في خارج بيتك، في بيع، في شراء، في وظيفة؛ انظر إلى الأيسر: إلى الأيسر عليك وإلى الأيسر على العاملين معك وإلى الناس من حولك؛ فما كان أيسر فعليك أن تسلكه، لا أن تسلك الأصعب أو الأعسر.

إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه — من رفقه — تحمّله الأذى؛ لأنَّ الرفق، ما معناه يا عباد الله؟ الرفق: الترفّق، الرفق: التلطّف، الرفق: الأخذ بالأيسر، الرفق: الصبر، الرفق: سعة الصدر، الرفق: التحمّل، الرفق: الأناة، الرفق: حكمة، الرفق: رحمة، الرفق: لين — وكذلك حزم؛ فهو لين بفضل الله سبحانه في غير ضعف، وقوة وحزم في غير عنف؛ يصل إلى مراده دون أن يكون عنيفًا.

وهكذا كان النبي ﷺ حينما بال الأعرابي في المسجد وغضب عليه الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: مَهْ مَهْ. قال الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن هذا الأعرابي — لأنه يجهل كثيرًا من أحكام الشريعة —: «لا تُزرموه» — لا تقطعوا عليه بوله — دعوه. ثم قال: «هريقوا على بوله سَجْلاً من ماء» — أو قال: ذنوباً من ماء — «فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين».

ﷺ لما عطس الرجل في الصلاة — كما في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه — فما كان منه إلا أن قال: يرحمك الله. قال: فرمقني القوم بأبصارهم — فقلت: واثكْلَ أُمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. قال: فلما رأيتهم يصمتونني سكتّ. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته — فبأبي هو وأمي — والله ما رأيت أحدًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه؛ والله ما قهرني ولا ضربني ولا شتمني، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ﴿أَنَّمَا﴾ هو الذكر وقراءة القرآن والتسبيح». إنه الرفق في أعلى صوره؛ النبي ﷺ يعلمنا كيف نتعامل مع غيرنا.

يا عباد الله، إن الله جل ذكره علّم موسى وهارون عليهما السلام — حينما أمرهما بالدعوة: بدعوة فرعون والذهاب إليه — قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾10 (طه: 43) ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾11 (طه: 44). هذا يأمر الله به موسى وهارون مع من في دعوة فرعون الطاغية، القائل: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾12 (النازعات: 24)، القائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾13 (القصص: 38). يقول: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ (طه: 44). هذا هو الرفق.

العفو عن الخادم سبعين مرة ودعاء النبي لمن رفق بالناس

إذا قلت: أن تكون ليّناً في غير ضعف؛ إذًا فعلت: أن تكون ليّناً كذلك في غير ضعف. كثير منا يفرّط في هذا الجانب وهو لا يشعر: أنت قد تصل إلى مرادك، لكن بعد أن تجرح غيرك، بعد أن تؤذيه بعد أن تضرّه؛ تظل هذه الكلمات الشديدة القاسية محفورة في عقله وفي صدره وفي قلبه، لا ينساها لك ولو أطاعك.

بل إنك قد تتعجب غاية العجب حين تسمع هذا الحديث — وهو صحيح ثابت عنه عليه الصلاة والسلام، وله عدة طرق، منها ما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما — أن رجلًا قال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم خادم أحدنا يؤذيه، ربما لا يستجيب له ولا يسمع له؛ كم يعفو أحدنا عن خادمه فصمت النبي ﷺ ولم يجبه. فكرر الرجل السؤال وقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فصمت ولم يتكلم. فأعاد الكلام ثالثة: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ قال: «اعفوا عنه سبعين مرة». هذا عجيب. قال بعض الشراح: ﴿أَنَّمَا﴾ صمت النبي ﷺ ولم يجب كأنه يقول: اعفوا عن الخادم دون حدود ودون قيود ودون عدد، لا حاجة إلى سؤالك؛ أو أن النبي ﷺ صمت ينتظر الجواب لعله يوحى إليه بشيء في هذا الأمر؛ فلما أعاد السؤال وكرره إجابة قال: «اعفوا عنه سبعين مرة».

فإذا كان الإنسان يعفو عن خادمه سبعين مرة، فماذا يصنع الإنسان مع ابنه مع فلذة كبده وكيف يفعل مع زوجه حلاله وكيف يفعل مع صديقه وخِلّه وحبيبه كيف يصنع واحدنا ربما لا يتحمّل صاحبه لأكثر من مرة؛ فإنَّ أخطأ صاحبه مرة ثم الثانية ثم الثالثة قال: لم يعد لك عذر عندي ولن أعفو عنك. هذا يصنعه أحدنا مع أقرب الناس إليه: مع صديقه، مع ولده، مع زوجه، مع شريكه في عمله — مع أنَّ النبي ﷺ يدعو إلى الرفق مع الخادم، فكيف بغيره. يا عباد الله هذا هدي رسول الله محمد «صلى الله عليه وسلم»؛ لأنَّ الإنسان يصل بالرفق بما لا يحققه بغيره.

وهذا علّمنا الرسول ﷺ: أن الله يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف؛ الله يعطيك على الرفق ما لا تعطاه على العنف، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على شيء سواه — أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. الله في الرفق: الإنسان حقيق به أن يتعلم الرفق في حياته في أموره كلها في معاملاته. من وَلِي أمرًا من أمور المسلمين، أو كان مسؤولًا عن أمر من أمور المسلمين العامة أو الخاصة، فليكن رفيقًا. إن النبي ﷺ قال في القاعدة العامة — كما رواه مسلم من حديث أمنا عائشة —: «اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه».

بعض الناس إذا كان في مسؤولية يريد أن يتعب من حوله؛ لماذا حتى يشعروا بقدره وبمسؤولياته وحتى يحترموه وحتى يقدّروه. فترى الزوج في بيته يؤذي زوجته ويؤذي أولاده؛ لماذا؟ حتى يعلموا رجولته؛ وإلا ظن أن هذا انتقاص من رجولته — وهو وهم وخيال منه. وكذلك الأب مع أولاده، والأستاذ مع التلاميذ، ورئيس العمل مع العمال ومع الموظفين — إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. حقيق بهؤلاء كلهم أن يقتدوا برسول الله محمد صلوات الله وتسليماته عليه.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم.

موازنة عواقب العنف والرفق وهدي النبي الحليم في الرد

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين. اللهم صلِّ على محمد «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» كما صلّيت على إبراهيم «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ: فيا عباد الله، جرّب نفسك وستراه. انظر إلى موقفين من المواقف التي تمر بك: في موقف أخذته برفق ووصلت إلى مرادك، وفي آخر أخذته بعنفك ووصلت إلى مرادك. انظر إلى طريق العنف: كم أتعبت فيه نفسك، أقلقت نفسك وأقلقت من حولك، وتعبت وسئمت وغضبت؛ ولو تذكرت حالك وقت شدتك وتعصبك ربما قلت: لماذا صنعت هذا كله وفي الموقف الآخر يُسر: وصلت من أيسر طريق إلى ما تريد وزيادة، دون أن تصيب نفسك أو غيرك بأذى أو بضرر؛ لماذا؟ لأنك اقتفيت أثر رسول الله محمد ﷺ

هذا طريق سلكه الرسول ﷺ ليس مع أهل الإسلام فقط؛ سلكه حتى مع غير المسلمين: سلكه ﷺ مع اليهود ومع المشركين ومع غير هؤلاء. إن النبي ﷺ لما دخل عليه جماعة من اليهود — كما في الصحيح من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها — فقالوا: السام عليك يا محمد، السام عليك — الموت عليك. ماذا يقول الرسول في قوم يدعون عليه، في قوم يدخلون عليه ثم يدعون عليه ما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن رد بحكمة ورفق قال: «وعليكم». وأمنا عائشة رضي الله عنها تسمع فقالت: بل عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال لها رسول الله ﷺ: «مهلاً يا عائشة». يعلِّمها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كوني رفيقة؛ يعلِّمها الرفق ﷺ وينهاها عن الفحش أو العنف. فقالت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ فقال ﷺ: «أولم تسمعي ما قلت؟ قلت: وعليكم». رددت عليهم؛ فإنَّ الله يجيبني فيهم ولا يجيبهم فيّ؛ الله سيستجيب لي ولن يستجيب لهم.

انظر إلى النبي ﷺ وهو يعلم أمنا عائشة رضي الله عنها: لماذا السب ولماذا هذا الرد — مع أنَّها ترد وتذب عن عرض رسول الله محمد وعن أذاه يُؤذى الرسول ﷺ وحق لعائشة رضي الله عنها أن تغضب لرسولنا محمد «صلى الله عليه وسلم»؛ لكنه الرفق الذي تحتاج إليه أمتنا في معاملاتها كلها.

إنظار المعسر ودفع الإساءة بالحسنة وحقيقة الشديد بملك النفس

إن الله علّمنا مع المدين كيف نتعامل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾14 (البقرة: 280). إذا كان بينك وبين آخر خصومة علّمنا الله: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾15 (فصلت: 34). ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾16 (فصلت: 35).

رحم الله الشعبي إذ قال لرجل بلغه عنه أذاه: «يا هذا، إن كنتُ كما قلتَ فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلتَ فغفر الله لك.» إنها نفوس كبيرة. إن الرفق ليس ضعفًا، إن الرفق ليس هوانًا، إن الرفق حزم، إن الرفق قوة، إن الرفق عزيمة، إن الرفق لرجلٍ ملك نفسه. «ليس الشديد بالصُّرَعة، ﴿أَنَّمَا﴾ الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

إن كثيرًا من الناس ربما يغفلون عن المقاييس النبوية ويقيسون بأنفسهم وإن كانت غير سوية أو مرضية؛ ولو راجعوا أنفسهم لعلموا أن هدي النبي ﷺ هو الخير.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها. اللهم ﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم احفظنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وسائر بلاد الإسلام. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
  5. آية: ﴿ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 19 ↩
  6. آية: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  7. آية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 78 ↩
  8. آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩
  9. آية: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 25 ↩
  10. آية: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 43 ↩
  11. آية: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ — كما ورد في الدرس: طه 44 ↩
  12. آية: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النازعات 24 ↩
  13. آية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 38 ↩
  14. آية: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 280 ↩
  15. آية: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 34 ↩
  16. آية: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 35 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة