الصبر (الجزء الأول) مقدمة عن الصبر وحاجة العبد إليه
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
اقتران الصبر بمقامات اليقين والتوكل ونيل الإمامة
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أفلح من تزكى. نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يطهر قلوبنا وأن يزكي نفوسنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى ما زلنا بفضل الله وتوفيقه نعرض، يا أيها الإخوة الكرام، لهذه المقامات العظيمة النبيلة التي من شأنها أن يعان الإنسان على تزكية نفسه وتطهيرها من الأرجاس وأنجاس المعاصي.
نسأل الله السلامة. والعافية، ومن أجلِّ هذه المقامات مقام الصبر. جعلنا الله من الصابرين بمنه وكرمه والعبد الذي يمن الله عز وجل عليه بالصبر قد أعطي عطاء كبيرًا وواسعًا وإن شئت فقل إن جماع الخير في الصبر فالصبر مع الخير والخير مع الصبر. جعلنا الله من هؤلاء بمنه وكرمه. ولذلك إذا تأمَّلت آيات القرآن الكريم وجدت أن رب العزة سبحانه وتعالى، يقرن بين الصبر وغيره من المقامات للدلالة على أن الصبر سبب في غيره فالصبر وسيلة إلى اليقين والصبر وسيلة إلى التوكل والصبر وسيلة إلى الصلاة والصبر وسيلة إلى التقوى وغيرها من المقامات الكثيرة قال الله سبحانه ﴿وأن تصبروا وتتقوا.
فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ2.﴾ (آل عمران: 186، غافر: 55) وقال ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ3 بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (آل عمران: 186، غافر: 55) وقال ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ﴾4 (النحل: 42، السجدة: 24) يتوكلون. وقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾5 (النحل: 42، السجدة: 24) وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فانظر كيف أن الله جل وعلا ربط بين الصبر والتقوى
والصبر واليقين والصبر والتوكل والصبر والجهاد، وكذلك بين الصبر والصلاة في قوله ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾. وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾6 (البقرة: 153). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ الصابرين وهكذا إذا تتبعت آيات القرآن الكريم وجدت. الأمر واضحًا جليًا. ولذلك اسمع إلى قول رسولك محمد ﷺ فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن ناسًا أتوا ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده.
الصبر أوسع عطاءات الله وثمن جنات النعيم
فقال النبي ﷺ: «إنه ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله ثم قال ومَنْ يتصبَّر يصبِّره الله وما أعطي أحد عطاء خيرًا و أوسع من الصبر تأمَّل»! قول النبي ﷺ وما أعطي أحد عطاء خيرًا و أوسع من الصبر فإذا جعلك الله من الصابرين فقد أعطيت عطاء لا يقدر بأموال الدنيا كلها ولا بعطاءات الدنيا كلها لأنه ملاك كل خير بفضل الله سبحانه وتعالى. بل إن رب العزة عز وجل لما ذكر لنا جزاء أهل الجنة وثوابهم بين، أن هذا سببه صبرهم فأعظم أعمالهم الصبر مع الإيمان بالله عز وجل لذلك قال ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾7 (الإنسان: 12، الفرقان: 75). وقال في شأن صفات عباد الرحمن ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾8 (الإنسان: 12، الفرقان: 75)
وقال ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾9 (الرعد: 23) ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 24) هذا معناه، أن خصال الخير وأن أفعال البر إذا أردت أن تصفها بوصف يجمعها فصف أهلها بصفة الصبر لأنَّ الذي أوفى بالعهد ما أوفى إلا بصبر والذي صلى ما صلى إلا بصبر والذي أنفق ما أنفق إلا بصبر لأنَّ الصبر يشمل الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية.
بل والصبر على المصائب أيضًا كما سيأتي بإذن الله - تبارك وتعالى لذلك تعين على المسلم، أن يتعلم الصبر حتى يكبح جماح نفسه وكما ذكر بعض العلماء قالوا إن الصبر من خصائص الإنسان كيف هذا قالوا الملائكة لا تحتاج إلى صبر لأنَّ الله جل وعلا جبلها على طاعته سبحانه فالملائكة لأنَّ الإنسان فيه الجانبان، ولأن
هذا الإنسان عنده باعث الدين وباعث الهوى عنده باعث الدين وباعث الهوى باعث الدين يزجر عن الشر ويدعوك إلى الخير وباعث الشهوة يريد منك، أن تتبع الشهوات والنزوات والملذات سواء أكانت حلالًا أم كانت حرامًا فأنت إذا أردت أن تكبح جماح شهوتك وأن تقلع عن شهوتك إذا كانت في معصية ربك فإنَّك لا تتمكن من ذلك إلا بالصبر بفضل الله سبحانه وتعالى، يعني: النفس تدعوك إلى الشهوة تدعوك إلى الملذات إلى أن تنظر إلى حرام إلى أن تجمع أموالًا كثيرة ولو كانت بطريق غير مشروع إلى أن تتكلم بما تشتهي إلى أن تأكل ما تشتهي فمَنْ الذي يقول لك: هذا كله.
وهذا لا تأكله هذا افعله. وهذا لا تفعل هذا قم به. وهذا لا تقم به مَن الذي يوجِّهك إلى هذا؟ الصبر أنت حينما تصبر تستقيم على طاعة الله جل وعلا
التواصي بالصبر والمرحمة في القرآن
لذا لما وصف الله السعداء الذين يسلمون من الخسران قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾10 (العصر: 3، البلد: 17) الصبر قرين الحق، وكذلك الصبر قرين الرحمة ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾11 (العصر: 3، البلد: 17) وتأمَّل! وتواصوا هذا معناه: أنه لا ينبغي لنا أن نكتفي بأن نصبر فقط ولكن، أن نتواصى بالصبر فهناك بعض الوصايا التي ينبغي أن تتكرر وأن تكررها لنفسك وأن تذكرها لغيرك وهو، أن تصبر إذا ابتُليت فاصبر، إذا أحسست من نفسك بكسل عن الطاعة فاصبر، إذا أحسست في نفسك إقبالًا على المعصية فاصبر لأن الصبر على ثلاثة أقسام صبر على الطاعة وصبر عن المعصية وصبر على المصائب الصبر على ثلاثة أقسام صبر على الطاعة، أن تصبر على الطاعة كونك تحافظ على الصلوات الخمس وتحافظ عليها في جماعة وتحافظ على صلاة الفجر هذا يحتاج إلى صبر والصبر هنا في أن تفعل، وفي أن تداوم وأن تثبت.
ولذلك. انظر إلى حالك منذ سنة ماذا كنت وكيف كنت ومنذ سنتين، وقبل ثلاث سنوات وماذا ستكون بعد سنة وماذا ستكون بعد سنتين هذه القضية قضية صبر أنك اليوم كغد، ثم ترك، ثم عاد، ثم ترك فما يدري بما يُختم له وما أحوجه إلى الصبر والله قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ الصابر المحتسب لا تُغيره الأحوال إذا رأيته غنيًّا فهو على الطاعة وإذا رأيته فقيرًا فهو على الطاعة إذا رأيته في حالة قوة فهو على الطاعة وإذا رأيته في حالة ضعف فهو على الطاعة إذا وُسِّع عليه، إذا ضُيِّق عليه في كل الأحوال يلزم طاعة الله سبحانه صبر على الطاعة وصبر عن المعصية بينه وبين المعصية حاجز بينه وبين المعصية سد منيع يكره المعصية يبغضها يتركها، يفرِّط فيها ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.
وهذا مع وجود الشهوات وما أكثرها ومع وجود الفتن وما أكثرها. نسأل الله السلامة يحتاج إلى صبر وأي صبر والصبر أفضل ما تستعين به أفضل ما تستعين به هو الصبر والصبر أفضل ما تستعين به في الزمان إذا مر بك مكروه أو إذا مر بك ابتلاء أو مصاب والنوع الثالث هو الصبر على الابتلاءات الصبر على المحن من يمر بلا مصيبة؟ من يعيش حياته بلا ابتلاءات؟ من هذا من هذا الذي تراه لا يصاب لا يبتلى هذا يبتلى في نفسه فيمرض أو تبتلى زوجه أو يبتلى أولاده أو يبتلى في ماله أو يبتلى في عمله أو يبتلى في جاره أو يبتلى ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: شيء من الابتلاءات المتعددة والله قال بأسلوب مؤكد وأقسم عليه لتبلون معنى لتبلون، يعني: ويقولون إن هذه اللام لام موطئة لقسم مقدر فتقدير الكلام والله ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾.
مراتب الصبر الثلاثة وتفضيل الصبر على الطاعة
وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾ ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾. وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ﴾. وقال ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ والفتنة الابتلاء. فتأمَّل! رحمك الله إذًا أنت مبتلى حتمًا.
وهذا الابتلاء يحتاج إلى صبر وأن تعجب فاعجب أن كثيرًا من العلماء يقولون إن الصبر على الابتلاءات أخف أنواع الصبر، يعني: كثير من الناس حينما يفكر في باب الصبر ينصرف ذهنه إلى الابتلاء أقول لشخص اصبر يقول لك: ما الذي حدث الحمد لله أنا بخير أنت تصبره لأن أباه مات أو لأنَّ ولده مات أو لأنه ابتلي في عمله أو في ماله هذا الذي يعده الناس من الصبر في الابتلاءات أخف أنواع الصبر والصبر على الطاعة أعظم منه الصبر عن المعصية أعظم والصبر على الطاعة أعظم وأعظم الأنواع الثلاثة هو الصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، لأن الصبر على الابتلاءات لا يملك الإنسان إلا أن يصبر وإلا.
فإنَّ جزعه لن يفيده بشيء، يعني: إنسان مات له مَيِّت قريب عزيز حبيب إلى قلبه ماذا يصنع إذا لم يصبر ما الذي سيستفيد إذا لم يصبر ما عاد له شيء من مصابه الذي ابتلي به المصيبة وقعت، إذًا الذي أمامه أن يصبر وألا يتسخط على قدر الله. لكن الصبر على الطاعة يحتاج إلى حركة يحتاج إلى جهد أن الناس ينامون في الليل والجو بارد وأنت تقوم وتترك غطاءك وتصف قدميك بين يدي ربك لتنادي ربك والناس نائمون هذا يحتاج إلى جهد يحتاج إلى صبر ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾12 (العنكبوت: 69) ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾13 (العنكبوت: 69) صبر على طاعة الله لذلك قالوا أن صبر يوسف عليه السلام عن مراودة امرأة العزيز أصعب من صبره حينما أُلقي ﴿فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾14 (يوسف: 10) والقي ﴿فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ (يوسف: 10) ماذا يصنع.
لكن حينما تدعوه المرأة ويقول: ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ هذا صبر واستقامة ثم حينما يقول ﴿رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ﴾ ثم حينما يتولى ما تولى ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ ويعدل بين الناس ويقسط ويسود الأمن والأمان والرخاء في أرجاء مصر هذا صبر وأي صبر فالصبر لا تستغني عنه سواء ابتُليت أم لم تُبتلَ لذلك كان حقيقًا بالمرء أن يضع الصبر نصب عينيه يسأل نفسه دومًا وأنت إذا صبرت سهل عليك.
اقتران النصر والفرج بالصبر ولذة التوبة
الأمر كله لأنَّ الصبر مفتاح الفرج، ومن صبر فرج عنه الفرج يأتي مع هذا الصبر «واعلم، أن النصر مع الصبر وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وأن مع العسر يسرا» كم من مشكلة أسرية حلت بسبب الصبر وكم من آفة زالت بسبب الصبر وكم من هموم وكروب ثنيت وبادت بسبب الصبر يعين الإنسان على طاعة الله يعينه على ترك معصية الله يعينه على الصبر على الابتلاءات.
وقد قال الله عز وجل ذاكرًا قول لقمان لابنه ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾15 (لقمان: 17، الشورى: 43) فإذا كان الصبر على المصائب من عزم الأمور فكيف بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية. ولذلك علمنا الله أيضًا، ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾16 (لقمان: 17، الشورى: 43) تأمَّل! من عزم الأمور أمور تحتاج إلى عزيمة تحتاج إلى قوة إلى ثبات.
انظر إلى نفسك حينما صبرت عن معصية كيف أحسست بالسعادة بعدها وما من شك، أن بعض الناس ممن تعرف وربما كنت أنت أو كان ممن تعرف يشرب الدخان مثلًا ثم عاهد نفسه ﴿إِلَّا﴾ يشرب الدخان هذا مثال يسير ووجد عناء ومشقة بالغة في ترك هذا وهو لا يشك لحظة في أنه مضر بصحته، وفي أن الخير له في أن يتركه. لكن الشهوة كانت تأسره ولربما سوغ لنفسه ما يسوغ ثم وفقه الله فأخذ قرارًا لا رجعة فيه أن يترك هذا الشيء فلما تركه.
انظر إليه كيف كان وإلى ما صار أمره. وقد استغنى عنه. وهذا أمر يسير وغيره كثير مما يبتلى به الإنسان في خاصة نفسه ثم يعاهد ربه على أن يترك هذا الشيء فإنه إذا تركه لله عوَّضه الله عز وجل خيرًا منه وانظر إلى حالك حينما كنت في مدة من المدد أو في وقت من الأوقات تقصر في الصلاة وتقول إن شاء الله سأستقيم فإذا سُئلت كيف حال الصلاة معك تقول أصلي سطرًا وأترك سطرًا وهكذا تسير بضع سنوات.
بل سنوات طويلة ثم منَّ الله عز وجل عليك فصرت لا تستطيع الاستغناء عن الصلاة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لي بالله عليك ما شعورك وما إحساسك لو فاتتك صلاة من الصلوات كأنما قُطع جزء من جسدك لا تتحمل أن تفوتك الصلاة لما لأنك تحولت من شخص يشتهي شيئًا إلى شخص يحب الطاعة ويكره المعصية بفضل الله. وهذا ما قرره رب العباد إذ قال ولكن الله ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ﴾17 (الحجرات: 7) ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7).
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ويبقى معنا في هذا الموضوع لأنَّ الموضوع متشعب وكبير. وقد تكلمنا عنه مرارًا في مناسبات مختلفة. لكن المناسبة للسلسلة التي نحن بصددها وهي تزكية النفوس أفلح من تزكى.
الأسئلة الثلاثة المنهجية لتزكية النفس في أبواب الصبر
جعلنا الله من هؤلاء أن نوجه لأنفسنا ثلاثة أسئلة وأن نجيب عليها. أما السؤال الأول فكيف اصبر على الطاعة وأثبت عليها هذا واحد والسؤال الثاني كيف أصبر عن المعصية وأبغضها؟
والسؤال الثالث كيف أستعين بالله على الصبر على المصائب إذا ابتُليت بها؟ وكل واحد من هذه الأسئلة له جواب مفصل سيأتينا بإذن الله في اللقاءات المقبلة. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿وأن تصبروا وتتقوا. فإن ذلك من عزم الأمور.﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 186، غافر: 55 ↩
- آية: ﴿فاصبر أن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار.﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 186، غافر: 55 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 42، السجدة: 24 ↩
- آية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 42، السجدة: 24 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 153 ↩
- آية: ﴿وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 12، الفرقان: 75 ↩
- آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 12، الفرقان: 75 ↩
- آية: ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 23 ↩
- آية: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: العصر 3، البلد: 17 ↩
- آية: ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: العصر 3، البلد: 17 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 10 ↩
- آية: ﴿واصبر على ما اصابك، أن ذلك من عزم الأمور﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 17، الشورى: 43 ↩
- آية: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 17، الشورى: 43 ↩
- آية: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
من سلسلة: أفلح من تزكى (40 درسًا)