الرجاء في الله (الجزء الأول)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- تمثيل القلب بالطائر ذي الرأس (المحبة) والجناحين (الخوف والرجاء)
- حقيقة الرجاء والفرقان الحاسم بين الرجاء بالعمل والتمني المغرور
- بشارة اجتماع الخوف والرجاء عند الاحتضار ووجوب إحسان الظن
- التحذير من القنوط وتلازم جناحي الخوف والرجاء لسلامة السير
- تقوية الرجاء باستقراء نصوص الرحمة وحديث إنك ما دعوتني
- حديث كنف الستر الإلهي ورجاء زكريا في سوابق فضل
- الاعتبار ببدائع خلق الإنسان وحفظ حقوقه في أطول آيات
التفريغ النصي الكامل للدرس
تمثيل القلب بالطائر ذي الرأس (المحبة) والجناحين (الخوف والرجاء)
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أفلح من تزكى، يا أيها الإخوة الكرام أن السائر إلى الله جل وعلا مثله مثل الطائر والطائر له رأس وجناحان فإذا كان للطائر رأس وجناحان فإنَّه يكون موفَّقًا في سيره موفَّقًا في طيرانه. وأما إذا كان في جناحيه أو في أحدهما خلل فإنَّه عرضة لكل صائد وكاسر. وأما إذا قطع رأسه مات هذا الطائر هذا مثل ضربه أهل العلم لقلب الإنسان.
فقالوا: إنَّ القلب يسير إلى الله جل وعلا ومثله مثل هذا الطائر ورأس القلب محبة الله سبحانه وتعالى، وجناحاه الخوف والرجاء فإذا كان العبد محبًّا لله يرجو الله ويخاف عذاب الله ويخاف الله سبحانه وتعالى، فهو السعيد حقًا وصدقًا لذلك وجب عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم، أن تتفقد حال قلبك في هذه الأمور الثلاثة كيف حبك لربك وكيف رجاؤك فيه وخوفك منه فإذا كنت ممن يحب الله ويرجوه ويخافه فأنت على خير عظيم فاثبت على ما أنت عليه.
نسأل الله أن يثبتنا على الهدى، وفي هذا المجلس بإذن الله تعالى نعرض لأحد الجناحين وهو جناح الرجاء ونسأل الله سبحانه وتعالى، أن يحقق لنا رجاءنا فيه وأن لا يخيب رجاءنا، ولا آمالنا فيه وأن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى الرجاء أن ترجو ما عند الله سبحانه وتعالى، فما معنى الرجاء، يا أيها الإخوة الكرام،
حقيقة الرجاء والفرقان الحاسم بين الرجاء بالعمل والتمني المغرور
الرجاء معناه: ارتياح القلب وتعلقه بالأمر المحبوب الذي ينتظره الإنسان في المستقبل الرجاء أن يرتاح قلبك ويتعلق بأن يحقق الله لك أملك الذي ترجوه وتطمح فيه مما هو مستقبلي فالرجاء يكون لما هو مستقبلي لما هو آتٍ فأنت ترجو رحمة الله، أي: ترجو، أن يرحمك الله ترجو، أن يغفر الله لك ذنوبك وأن يكفر عنك سيئاتك وأن يدخلك جنته وأن يرضى عنك وأن يمتعك بالنظر إليه سبحانه وتعالى، فأنت تنتظر هذا وترجوه في مستقبل أيامك أو أحوالك.
فهذا هو الرجاء والفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء يكون مع بذل المجهود وحسن التوكل. وأما التمني فيكون خاليا من العمل فالإنسان المتمني يتمنى دون أن يبذل سببًا دون أن يبذل مجهودا. فهذا في حقيقة أمره مغرور مفتون. وأما الراجي فإنَّه يعمل ويرجو يعمل ويبذل السبب ويسأل الله جل وعلا المدد. ولذلك قال الله سبحانه، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218)
تأمَّل! ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾، إذًا هذا الذي يرجو رحمة الله، ماذا صنع آمن وهاجر وجاهد فهو ليس بلعَّاب ولا بلاعب وإنَّما هو عامل يتق ربه سبحانه وتعالى، ويعمل بطاعته ثم يرجو رحمة الله، سبحانه وتعالى. ولذلك نقل ابن القيم، أن العارفين أجمعوا على أن الرجاء لا يكون إلا معه عمل لا يكون هناك رجاء إلا إذا كان معه عمل فإذا لم يكن ثَمَّة عمل فهو غرور فهو غرور وليس رجاء في ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ورب العزة قال أيضًا ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾2 (الكهف: 110)
تأمَّل! فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ ماذا يصنع ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ فلا بد من العمل الصالح. ولذلك قالوا إن الرجاء تتعلق به ثلاثة جوانب جانب العلم والحال والعمل جانب العلم عنده ثقة في وعد الله يعلم، أن الله لا يخلف وعده وأن الله كريم وأن الله عظيم وأن الله حليم وأن الله لطيف فيرجو ما عند الله يستحضر نعم الله عز وجل عليه التي لا تعد ولا تحصى فيعلم، أن رحمه الله، وسعت كل شيء وأن الله بيده خزائن كل شيء وأنه قادر على كل شيء لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، فينشأ من هذا العلم رجاء في الله سبحانه وتعالى، فينشأ عنده هذا الحال الذي يدوم فيصير مقامًا كما يقولون فتكون عنده آمال فيما عند الله وطمع فيما عند الله.
وهذا يدفعه إلى العمل فالعلم يقوده إلى العمل فيعمل أكثر وهو يرجو أكثر وينتظر أكثر ويؤمل من الله عز وجل المزيد وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فكلما كان العبد في الله أرجى كان أكثر عملًا له واقبالا عليه لأنَّ الرجاء يورثه المحبة لأن الراجي ما رجا إلا لما وقف على عظيم مِنَن الله جل وعلا وكريم إحسانه فأحب الله، ومن أحب الله استحيا منه وأقبل عليه فأحب طاعته وأبغض معصيته.
ولذلك قالوا: يا حسرة العباد يا حسرة العباد عند موقف معادهم هذا وأن قدموا على الجنات لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْحَيَاءُ مِنَ الَّذِي … سَتَرَ الْقَبِيحَ لَكَانَ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ هب أنَّ الله ستر ذنبك. لكن عندك حياء كيف تجرأت على معصية الله كيف اقتحمت المحارم كيف تجرأت على معصية الله كيف ﴿فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ فيستحي العبد من الله وهو في
ذلك يرجو ما عند الله لأنَّه يعلم أنَّ الله يعامله وهو الكريم وأن الله جل وعلا يعامله بإحسانه وفضله فينشأ من ذلك الرجاء في الله سبحانه وهو مقام شريف وها هو ﷺ كما في حديث أنس رضي الله عنه عند الترمذي
بشارة اجتماع الخوف والرجاء عند الاحتضار ووجوب إحسان الظن
دخل على شاب وهو في النزع الأخير في سياق الموت. فقال له في مرضه هذا يقول لهذا الشاب كيف تجدك كيف تجدك قال أرجو الله وأخاف ذنوبي أرجو الله وأخاف ذنوبي.
فقال النبي ﷺ: «ما اجتمع في عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف إذا اجتمع في هذا الموطن الرجاء والخوف آمنك الله آمنك الله مما تخاف وأعطاك الله ما ترجو بل ذهب كثيرون من أهل العلم إلى أن جانب الرجاء يغلب عند المرض يغلب جانب الرجاء عند المرض وكذلك قرب نهاية الأجل فإنَّ الرسول ﷺ ق»ال كما في حديث جابر عند مسلم «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله. وقد جاء في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي» فليظن بي ما شاء فما ظنك بربك ظنك بربك، أن الله يرحمك وأن الله يلطف بك ويكرمك. فهذا ظن حسن ولكنه يستدعي منك، أن تعمل بطاعة الله وأن تجتنب معصية الله سبحانه وتعالى، الرجاء توقع وليس جزمًا.
وذلك الرجاء يكون مع التردد، يعني: ما عندك جزم أنت ترجو رحمة الله. لكن لا تقطع لنفسك بالرحمة إذًا الرجاء أمل توقع لكنك لا تكون جازمًا به ولا قاطعًا به وإنَّما يقوى رجاؤك بحسن ظنك في ربك سبحانه وتعالى. ولذلك رب العزة لا يوصف بالرجاء لأنه لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. ولذلك حمل أهل العلم «لعل» في حق الله جل وعلا على معانٍ، أشهرها معنيان، أن يكون الرجاء مصروفًا إلى الخلق لعلكم تتقون لعل يقولون لعل للترجي طب لعل معناه الترجي الترجي معناه التوقع والله يعلم إذا كنا سنتقدم فكيف يرجو.
فقالوا المراد على رجائكم أنتم على رجائكم، أن تتقوا الله سبحانه وتعالى، على طمع، يعني: أنتم كونوا راجين راجين طامعين في تحصيل التقوى أو أن لعل بمعنى التعليل أي: لكي تتقوا الله عز وجل لذلك قالوا لا يقول الإنسان أرجو الشمس أن تطلع إذا جاء وقت طلوعها لأنه إذا جاء وقت طلوع الشمس فإنَّها طالعة، ولا يقول أرجو، أن تغرب الشمس إذا جاء وقت غروبها لأنه إذا جاء وقت غروبها ستغرب لا يكون هناك مجال للتردد وإنَّما تقول أرجو نزول المطر واستمراره أرجو نزول المطر لأنَّ نزول المطر ليس مجزوما به.
وهذا معناه أن الراجي عنده توقع يؤمل في رحمه الله، ولا يجزم لنفسه بالجنة فالإنسان عنده طمع. لكن لا يقول من أهل الجنة لا يحكم لنفسه بأنه من أهل الجنة لذلك فرق بين الرجاء والاغترار فالمغرور آمن مكر الله. وأما الراجي ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى، والله قال ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ إذا أنت على دائرة الرجاء ترجو ما عند الله ولكنك لا تضمن أنت لا تأمن مكر الله.
لكن عندك طمع عندك رجاء فيما عند الله.
التحذير من القنوط وتلازم جناحي الخوف والرجاء لسلامة السير
فإنَّ قلت: وكيف أقوِّي رجائي أقول لك: ابتداء تقويه رجائك لا بد أن تعرف أنها مهمة لك لئلا تقنط من رحمة الله، جل وعلا ولال لا تيأس من رحمة الله، سبحانه لأنَّ الإنسان إذا لم يرجُ ما عند الله وقع في اليأس. وهذه مصيبة وكما قال بعضهم: يأسك من رحمة الله، أشدّ من ذنوبك التي أذنبت، ومن معاصيك التي عصيت الله بها، يعني: الإنسان حينما ييأس ييأس حينما يقنط من رحمة الله، هذا أشدّ من المعصية نفسها قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ ﴿لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾، لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ، إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا أنه هو الغفور الرحيم.
وقال، ﴿وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (يوسف: 87، الحجر: 56) وقال، ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾3 (يوسف: 87، الحجر: 56) إذًا ترجو رحمة الله، لئلا تكون قانطا من رحمة الله، لئلا تكون يائسا. ولذلك الإنسان يحتاج إلى استحضار إلى استحضار الرجاء حينما ينظر إلى ذنوبه فيقنط من رحمة الله، ويقول أنه لا مجال لتوبه الله عز وجل عليه، ولا لمغفرة الله لذنوبه أو ل إصلاح أمره وشأنه إنسان أسرف على نفسه في المعصية.
فقال: أنا مهما صنعت لن أترك هذه المعصية أنا مستمر ماض فيما فيه لست أهلًا للهداية ولا للصلاح فيبدأ ييأس فيقال له: ارجُ رحمة الله، ولا تيأس من رحمة الله، سبحانه وتعالى، يحتاج إلى الرجاء أيضًا الخائف الذي ازداد خوفه حتى منعه من أن يقوم بواجباته إنسان من شدة خوفه لربه سبحانه ترك الواجبات بعض الناس من شدة الخوف ما يتمكن من القيام للصلاة يقصر في حق نفسه، وفي حق زوجه، وفي حق أولاده يقال له: أين أنت من الرجاء في رحمه الله، سبحانه
وإلا فإنَّ الأصل أن الرجاء لا ينافي الخوف وهذه قاعدة مهمة الرجاء ليس ضد الخوف وإنَّما الرجاء والخوف متلازمان الرجاء والخوف متعانقان بينهما اتساق لا تناقض والعبد الصالح يجمع بين الرجاء والخوف. ولذلك أثنى الله على قوم. فقال: في حق بعض الأنبياء والمرسلين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ ويدعوننا رغبًا، ما معنى رغبًا، يعني: يرجون رحمة الله، ورهبًا يخافون من عذاب الله وكما قال الله أيضًا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
وقال ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ الليل سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ. تأمَّل! ﴿يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ﴾ فالإنسان يجمع بين الاثنين الخوف وال الرجعة فهو يخاف من ذنوبه يخاف من مكر الله سبحانه وتعالى، يخاف من سوء الخاتمة، وفي الوقت ذاته يرجو ما عند الله جل وعلا وما منا أحد إلا. وعليه أن يرجو ما عند الله عز وجل لما أنت ترجو ما عند الله لأنَّ لك ذنوبا وأنت تطمع في أن يغفرها الله لك إذًا هذا رجاء لأنك تعمل أعمالًا صالحة وأنت ترجو، أن يتقبلها الله لأنَّ بك عيوبا وأنت ترجو، أن يسلمك الله من تلك العيوب وأن ينجيك منها ترجو رحمة الله، لأنك على طاعة ترجو، أن يجعلك الله من المستقيمين عليها الثابتين عليها إلى أن تلقاه وأنت ثابت على طاعة الله سبحانه وتعالى، فما منا أحد يستغني عن رحمة الله وما منا أحد يستغني عن الرجاء فيما عند الله سبحانه وتعالى.
تقوية الرجاء باستقراء نصوص الرحمة وحديث إنك ما دعوتني
فإنَّ قلت: وأعيد السؤال وكيف يقوى رجائي في ربي كيف يقوى رجائي في ربي قالوا يقوى رجاء الإنسان في ربه سبحانه وتعالى، عن طريقين عظيمين. أما الطريق الأول فهو طريق الاستقراء. وأما الطريق الثاني فهو طريق النظر والتأمل في نعم الله جل وعلا التي لا تعد ولا تحصى الطريق الأول الاستقراء ما معنى الاستقراء، يعني: أن يتتبع آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي الكريم ﷺ فأنت إذا قرأت القرآن وجدت فيه آيات كثيرة تحدثنا عن الرحمة وعن الرجاء فيما عند الله، وكذلك وجدت أحاديث كثيرة تدعونا إلى الرجاء فيما عند الله فيقوى عزمك ويقوى رجاؤك في ربك سبحانه وتعالى.
بل إننا، يا أيها الإخوة الكرام، نجد أن كل سورة من سور القرآن تفتتح بماذا باستثناء سورة براءة التوبة بالبسملة وماذا في البسملة بسم الله الرحمن الرحيم اسمان أنت حينما تبدأ كل سورة من سور القرآن باستثناء التوبة تقول بسم الله الرحمن الرحيم، وفي سورة الفاتحة ٱلْحَمْدُ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مرة أخرى ليقوى رجاؤك في ربك سبحانه وتعالى.
وقد جاء في الحديث القدسي «أن رحمتي سبقت غضبي»، وفي لفظ أن رحمتي غلبت غضبي. فهذا من فضل الله جل وعلا على عباده. وقد قال الله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ. وهذا من فضل الله جل وعلا أنه ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ سبحانه عز وجل والآيات في هذا الأمر. كثيرة جدًّا ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾.
وقال ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾ آيات كثيرة تدعوك للرجاء فيما عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك أحاديث كثيرة عن نبينا ﷺ تعلمنا ذلك وأحاديث قدسية أيضًا فيها معنى ذلك. ومن ذلك حديث أنس رضي الله عنه عند الترمذي غيره يقول الله تعالى يا ابن آدم يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني.
تأمَّل! قوله يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا ابالي يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، يعني: بملء الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة الله أكبر هذا يدفع المسلم إلى الرجاء فيما عند الله إلى الطمع في رحمه الله، مع العمل مع الجد والاجتهاد فإنَّه لا رجاء إلا مع عمل كما تقدم، ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وبعد ذلك قال ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: 5) ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ﴾ فالذي يرجو لقاء الله يجاهد وإذا جاهد فإنَّما يجاهد لنفسه لأنَّ رب العزة غني عن الخلق كلهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
حديث كنف الستر الإلهي ورجاء زكريا في سوابق فضل
كذلك جاء عن النبي ﷺ حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، المتفق عليه أن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة ثم يضع عليه كنفه وستره من الناس ثم يقرره بذنوبه فيقول له عملت ذنب كذا وكذا فيقول: نعم وعملت ذنب كذا وكذا فيقرره بذنوبه حتى إذا أقر العبد بذنوبه ورأى أنه قد أهلك يقول الله تعالى له أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه فما أكرمه وما ألطفه وما أحلمه سبحانه جل وعلا هذا هو.
النوع الأول وهو الاستقراء ثم النظر في نعم الله، وفي إحسانه. انظر إلى ماضيك وانظر إلى حالك ستعلم مستقبلك فكم من رحمة من الله نزلت بك وكم من نعمة أنعمها الله عليك وهل أنت قام أمرك إلا بنعم الله عليك وإحسانه إليك كم وقعت في كربة وفرجها الله عنك ومن عسر ويسره الله عليك أو لك فتستحق فتحمد الله وتعلم، أن الله لن يتركك.
ولذلك قال الله سبحانه وتعالى، ذاكرًا قول زكريا عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (مريم: 4) لم أشقَ بدعائك في يوم من الأيام ما شقيت تقول: يا رب كم مرة دعوتك وأجبتني وأعطيتني، ولم تحرمني فلن يحرمك فيما يستقبل أيضًا بفضل الله سبحانه وتعالى، كذلك أحسن إليك في خلقك خلقك خلقا جميلًا حسنا.
الاعتبار ببدائع خلق الإنسان وحفظ حقوقه في أطول آيات
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ فالذي خلقك هذا الخلق لن يتركك. انظر إلى رموش عينيك. انظر إلى طريقة عينيك إلى أذنيك إلى لسانك إلى شفتيك إلى جسدك إلى أصابع يديك التي بها تقبض وتبسط والتي تمسك بها ما شيء مَنْ الذي سواك هذه التسوية. وهذا الخلق أنه الله فهل سيخذلك الله هل سيتركك الله.
انظر إلى شرعه إلى تعاليمه إلى إحسانه إليك ولطفه بك، أن آية المداينة كما ذكر عدد من أهل العلم وهي صفحة كاملة في القرآن يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ﴾ إلى آخر الآية صفحة كاملة هذه الصفحة الكاملة عن ماذا عن أحكام الدين والدين نوع من أنواع المال والمال نوع من أنواع الدنيا والدنيا حقيرة بالنسبة للآخرة وايه الدين فيها حفاظ على حقوق الإنسان فإذا أنزل الله هذه الآية مع طولها من أجل أن يحفظ عليك الدين الذي لك على غيرك، ومن أجل أن تحفظ الحقوق أو يدع الله عليك دينك دون أن يحفظه عليك فسل الله، أن يحفظ عليك دينك وأن يثبتك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ حتى تلقاه.
يا أيها الإخوة الكرام، للحديث صلة وبقية بإذن الله تعالى نتحدث فيها عن بعض ما يتعلق بالرجاء ثم ندخل بعدها إلى الخوف وإلى المحبة. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 110 ↩
- آية: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 87، الحجر: 56 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿ولا تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 87، الحجر: 56
من سلسلة: أفلح من تزكى (40 درسًا)