الخوف من الله (الجزء الأول)
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
التلازم بين جناحي الخوف والرجاء وثناء القرآن على الرهب
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أفلح من تزكى. وقد تحدثت إليكم، يا أيها الإخوة الكرام، في لقاءات سابقة عن الرجاء أن يرجو العبد ربه سبحانه وتعالى، وأن يطمع في رحمته وقلنا أن العبد لا بد له من جناحين يسير بهما إلى أن يصل إلى الله جل وعلا أحدهما جناح الرجاء والثاني جناح الخوف وحديثنا الليلة عن الجانب الآخر وهو الخوف الخوف من الله سبحانه وتعالى، فكما أنَّ العبد يرجو رحمة الله.
فإنَّ عليه أن يخاف الله سبحانه وتعالى. ولذلك أثنى الله جل وعلا على المؤمنين الذين يجمعون بين الرغبة والرهبة قال الله سبحانه وتعالى، ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ وقال أمن (الإسراء: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ﴾ (الزمر: 9)
وقال إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (الأنبياء: 90)، وكانوا لنا خاشعين (الأنبياء: 90) رغبًا يرغبون فيما عند الله ورهبًا خائفون من الله سبحانه وتعالى،
الخوف سوط الله لسوق الطاعات
الخوف من الله جل وعلا منزلة عظيمة ينبغي للعبد ألَّا يفرط فيها والخوف من الله سوط الله الذي يسوق به عباده ليمتثلوا أمره ويجتنب نهيه سبحانه وتعالى. فهذا الخوف زاجر يزجر الإنسان عن ارتكاب المعاصي، وكذلك هو داعٍ وحافز ويدعو الإنسان إلى فعل الطاعة.
فهذا يقوم ليصلي وغيره نائم لماذا؟ لأنه يخاف الله عز وجل هذا يطيع الله والآخر يعصيه لماذا؟ لأن هذا المطيع يخاف الله هذا ترك المعصية وترك الحرام مع سهولته بالنسبة له لكنه ترك ذلك خوفًا من الله عز وجل. ولذلك لما أثنى الله على الأبرار في سورة الإنسان قال: ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾2 (الإنسان: 7) ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾3 (الإنسان: 9) ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾4 (الإنسان: 10) ﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (الإنسان: 11) ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾.
وقال سبحانه وتعالى، رجال ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ «وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» لما لماذا لا﴾ (النور: 37) تلهيهم التجارة لماذا لا يلهيهم البيع عن ذكر الله «وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وسبعة يظلهم الله في ظله والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه ورجل دعته امرأة، وفي لفظ طلبته امرأة ذات منصب وجمال.
فقال: إني أخاف الله. وقال أيضًا في الحديث ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه لماذا فاضت عيناه؟ خوفًا من الله تعظيمًا لله خشية لله سبحانه وتعالى، والنصوص في ذلك كثيرة جدًّا وسيأتي ذكر بعضها في مواضعه بإذن الله تعالى من الحديث عن ثمرات الخوف. نسأل الله سبحانه وتعالى، أن يجعلنا ممن يرجون رحمته ويخافون عذابه الخوف كما قال بعضهم: هو ألم القلب ألم القلب وقلقه واضطرابه عند خوف شيء مستقبلي فالإنسان الخائف يخاف من المستقبل.
حديث نفي اجتماع الخوفين والأمنين وعبودية الخوف
ولذلك نفى الله جل وعلا عن المؤمنين الذين ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ الخوف والحزن قالوا هم لا يحزنون على ما مضى ولا يخافون مما يستقبل فأهل الجنة في أمان لأنه ورد في الحديث والله لا أجمع. وهذا في الحديث القدسي لا أجمع على عبدي أمنين وخوفين من خافني هنا أمَّنته هنالك، ومن خافني هنا ومن أمِنني هنا أخفته هنالك أي: ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ الله جل وعلا في الدنيا خاف يوم القيامة، ومن خاف من الله عز وجل في الدنيا آمنه الله عز وجل يوم القيامة ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
ولذلك، يا أيها الإخوة الكرام، فالخوف من الله قلق القلب واضطرابه عند خوف أو عند خوف أمر مستقبلي الإنسان يخاف من المستقبل أيكون من أهل الجنة أم يكون من أهل النار؟ أيعذبه الله أم يرحمه؟ لذلك فهو يخاف ثم اعلم أخي الكريم، أن الخوف من الله جل وعلا عبادة عبادة من العبادات العظيمة التي يتقرب بها إلى الله.
ولذلك قال الله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن﴾5 (آل عمران: 175، فاطر: 28) كنتم، إن كنتم مؤمنين. لكن الخوف من الله أعني خوف العبادة هو خوف الخشية وخوف التعظيم وخوف التذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى. ولذلك من كان بالله أعرف كان لله أخوف، وعلى قدر معرفتك بربك يكون خوفك من ربك. ولذلك قال الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ6 ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾ (آل عمران: 175، فاطر: 28) فأكثر الناس خشية لله أعلم الناس بالله عز وجل.
ولذلك بين الله، أن ملائكة الرحمن يخافون الله قال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ﴾ الملائكة تخاف من الله مع أنَّ الملائكة لم تذنب والملائكة لم تجرم والملائكة ليس لهم سوء خاتمة لكنهم يخافون من الله إجلالًا لله عز وجل وأثنى الله على الأنبياء والمرسلين.
فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَـٰلَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ﴾ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ﴿ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ﴾ إذًا الخوف من الله عبادة بأن تعظم الله جل وعلا تهاب من ربك تجل ربك سبحانه. ولذلك حذرنا الله ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾7 (نوح: 13). ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ م لا ترجون لله وق أن يوقر العبد ربه سبحانه وأن يعظم العبد ربه عز وجل هذا هو الخوف المشروع.
الفرقان بين الخوف المحمود والخوف المذموم
لكن هذا الخوف المشروع ينبغي أن يحمل الإنسان على الطاعة وأن يحول بينه وبين المعصية لذلك قالوا إن الخوف على نوعين هناك خوف محمود وهناك خوف مذموم فالخوف المحمود ما حجزك عن الحرام وما دفعك إلى الطاعة إذا خفت عملت بالطاعة هذا خوف محمود كما قلت: تخاف من الله جل وعلا فتستيقظ لتصلي الفجر.
بل يزداد خوفك من ربك فتقوم لتصلي بالليل. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى، وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وجل إنهم إلى ربهم راجعون، ولمَّا سألت أمنا عائشة رضي الله عنها. وقالت يا رسول الله أهذا الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر فهو يخاف قال: لا يا ابنة الصديق، ﴿أَنَّمَا﴾ ذلك الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ﴿إِلَّا﴾ يُتقبَّل منه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ إذًا إنسان يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ﴿إِلَّا﴾ يقبله الله سبحانه وتعالى، فالخوف المحمود هو الذي يحول بينك بين المعاصي تأتي لترتكب المعصية تقول الله يراني، الله مطَّلع عليَّ أنا أخاف من الله أنا لا أطيق عذاب الله أنا لا أقدر على سخط الله هذا هو الخوف المحمود. وأما الخوف المذموم هو الخوف الذي يزداد عند العبد فيدفعه إلى أن يقنط من رحمة الله، جل وعلا وأن ييأس بعض الناس يصابون بالخوف فيصل بهم الخوف إلى درجة الذعر فإذا بهم لا يستطيعون فعل طاعة.
بل ويرون إنهم لا يقدرون على فعل باب من أبواب الخير. فهذا الخوف أقعدهم منعهم من فعل الطاعات والمسارعة بفعل الخيرات. فهذا خوف مذموم الخوف المحمود هو الذي يدفعك إلى الطاعة الذي يمنعك من المعصية يجعلك تقترب من طاعة الله جل وعلا فتزداد إيمانًا نال الله جل وعلا أن يزيدنا إيمانًا ثم اعلم أخي الكريم، أن الخوف من الله جل وعلا له أنواع، ومن أشهر أنواعه الخوف من مقام الله والخوف من عذاب الله إذًا هناك خوف من مقام الله وهناك خوف من عذاب الله قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾.
معاني الخوف من مقام الله وشدة بطشه
﴿فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾. وقال الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ﴾. وقال: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ فما معنى الخوف من مقام الله يقال فلان يخاف مقام الله ما معنى يخاف مقام الله خاف مقام الله جل وعلا فيها معنيان. أما المعنى الأول تخاف مقام الله أي: تخاف قيام الله جل وعلا عليك أي: أنت تستحضر أن الله جل وعلا ﴿قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ﴾ فهو مدبر أمرك المطلع على حالك الذي يعلم سرك وجهرك فأنت تخاف من قيام الله جل وعلا عليك لأنه يرزقك ويدبر أمرك ويسمعك ويبصر، ولا يخفى عليه شيء فتخاف من قيام الله جل وعلا عليك ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هذا معنى الخوف من مقام الله، أن الله ﴿قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ﴾ مطلع عليها يعلم كل شيء يصنعه العبد لا يخفى عليه خافية ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
وقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ والمعنى الثاني في معنى: الخوف من مقام الله أنك تخاف من وقوفك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ جل وعلا خاف مقام الله، أي: تخاف من القيام بين يديه ماذا ستصنع إذا وقفت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» يخاف من
هذا الموقف يقول كما قال عمر رضي الله عنه ماذا تقول لربك غدًا يا عمر فيردد أحدنا: ماذا تقول لربك غدًا؟ يخاف مقام الله إذًا يخاف مقام الله تشمل المعنيين يخاف قيام الله عليه ويخاف وقوفه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سبحانه وتعالى، وأما النوع الثاني: من الخوف فهو الخوف من عذاب الله يعلم العبد أن الله قال ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ يعلم، أن الله جل وعلا قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعلم، أن الله عز وجل قال: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ فالله يخوفنا بالنار حتى نحذر حتى نتقي النار حتى نخاف بطش الله جل وعلا ونحذر من عذابه سبحانه وتعالى، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ لأنَّ الله جل وعلا لا راد لقضائه، ولا ﴿مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ سبحانه جل وعلا كذلك هناك أنواع أخرى من أنواع الخوف المحمود الخوف من الذنوب الإنسان يخاف من ذنوبه يعلم، أن ذنوبه سبب هلاكه فهو يخاف أن يؤاخذه الله جل وعلا على ذنوبه والله قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ رحماك رحماك فيسأل الله رحمته ويخاف العبد من ذنوبه هناك الخوف الخوف من الخاتمة يخاف ﴿إِلَّا﴾ تحسن خاتمته، ﴿إِلَّا﴾ يُوفَّق للطاعة قبل الموت يخاف أن يموت على المعصية يخاف أن يعمل عمل أهل الجنة ثم يسبق عليه الكتاب «فيعمل بعمل أهل النار» فيكون من أهل النار فنعوذ بالله من سوء الخاتمة يخاف من أن يسلب الإيمان من قلبه لذلك كان سفيان يخاف من ربه ويبكي دمًا يبكي يبول دمًا كان يبول دمًا فحينما يقال: له تخاف من ذنوبك أمسك حفنة من تراب.
وقال «والله لذنوبي أهون على من ذلك ولكني أخاف أن يسلب الإيمان» من قلبي أخاف أن يسلب الإيمان من قلبي ما يدريك لعل فتنة تأتي فتقف وتاخذ بك فتترك طاعة الله جل وعلا يخاف من مكر الله جل وعلا لا يأمن مكر الله، ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ هذا كله من الخوف مشروع وسيأتينا مزيد تفصيل بإذن الله جل وعلا لهذه الأنواع لأنَّها غاية في الأهمية وما أحوج القلب إلى تأمَّلها وإلى العمل بمقتضاها.
نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على طاعته
أقسام الخوف الطبيعي الجبلي وبطلان خوف السر الشركي
هناك الخوف الآخر وهو الخوف الطبعي العادي الذي ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان إذا ما وجد شيئًا يفزع أو يخيفه فالإنسان مثلًا إذا رأى أمامه سبع أو أسد خاف هذا يقال له: خوف جبلي خوف طبع الإنسان معذور فيه لا يؤاخذ به لأنه ليس خوف عبادة والله جل وعلا قال في حق موسى ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾.
وقال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. لكن هذا الخوف إذا وقع ينبغي أن يكون بسبب لا أن يكون كهذا الإنسان الجبان الذي يخاف من كل شيء ﴿أَنَّمَا﴾ يكون خوفًا له سببه وداعيه ثم ينبغي ﴿إِلَّا﴾ يستمر وإنما يزول. ولذلك شرع للمرء إذا وجد مثل ذلك الخوف أن يلجأ إلى الله وأن يتوكل عليه ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟8 لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173) فيلجأ العبد إلى ربه ويقول حسبي الله ونعم الوكيل فيزول خوفه بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لا ينبغي لهذا الخوف أن يسترسل فيه الإنسان وإنَّما يدفعه عن نفسه قدر الاستطاعة ثم هناك خوف السر. وهذا ممنوع، وهو من الخوف الباطل وهو الذي يخاف غير الله يخاف غير الله خوف عبادة بأن يلجأ إليه ويصرف إليه صنفا من صنوف العبادة أو أن يصرف له ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا.
وهذا يسمونه بخوف السر والله جل وعلا قال ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ﴾. ثم قال ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وهذا كما كان يقع من المشركين سلمنا الله وإياكم قالوا لهود عليه السلام: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ﴾ قالوا لهود عليه السلام حينما ذكرهم بالله ودعاهم إلى دين الله قالوا نرى أن بك جنونًا يا هود، لعل بعض آلهتنا أصابتك بسوء.
فهذا الإنسان الذي يلجأ إلى غير الله ويعتقد أن فلانًا يخيفه كمن يعتقد في أن الساحر بيده النفع والضر فيخاف من الساحر أو يخاف من الجني ويلجأ إليه ويحتمي به ويصرف إليه صنوف العبادة. فهذا نعوذ بالله جل وعلا منه ﴿أَنَّمَا﴾ يكون الخوف من الله جل وعلا ومن خاف من الله نال الدرجات العلى ونجاه الله عز وجل من المصائب ونجاه الله عز وجل من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وسيأتي مزيد بيان بإذن الله تعالى لثمرات الخوف في الدنيا والآخرة.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 7 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 9 ↩
- آية: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإنسان 10 ↩
- آية: ﴿فلا تخافوهم وخافون، أن﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 175، فاطر: 28 ↩
- آية: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 175، فاطر: 28 ↩
- آية: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 13 ↩
- آية: ﴿الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً. وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 173 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 90
من سلسلة: أفلح من تزكى (40 درسًا)